مصطفى عبدالملك الصميدي - الاستفراد بفلسطين: مشروع ما بعد الحرب

يبدو أن إسرائيل باتت أمام فسحة أوسع للاستفراد بفلسطين، بعدما نجح اللوبي الصهيوني في تحشيد أذرعه لإشغال جبهات محور المقاومة وإزاحتها عن الساحة الفلسطينية. غير أن هذه الفسحة تتجاوز كونها فرصة لتحقيق مكاسب عسكرية مؤقتة؛ إذ تتجه إسرائيل إلى استثمارها في إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني ديموغرافياً وجغرافياً، وفرض وقائع جديدة تمتد آثارها إلى ما بعد توقف القتال، بما يجعل الحرب جزءاً من مشروع أوسع لإعادة صياغة مستقبل فلسطين.

وفي صلب هذا الموضوع يأتي الحديث عن التهجير كأداة لإحداث تحول ديموغرافي وجغرافي يصعب التراجع عنه. ويكشف انتقال فكرة إفراغ غزة من سكانها إلى تصريحات ومقترحات معلنة، بالتوازي مع تصاعد الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة عن مسار يتجاوز العمليات العسكرية إلى إعادة صياغة الواقع الفلسطيني وفرض حقائق جديدة على الأرض.

في غزة، أصبح الأمر متعلقاً بمستقبل القطاع وسكانه أكثر من كونه متعلقاً بموعد انتهاء الحرب الذي مازال في علم الغيب. فالنزوح المتكرر وتدمير المنازل والبنية التحتية ومقومات الحياة يدفع تدريجياً نحو واقع تصبح فيه العودة أكثر مشقة والاستقرار أكثر هشاشة والبقاء نفسه موضع تهديد.
أما في الضفة الغربية، فتجري العملية بوتيرة أقل صخباً، لكنها أشد تراكماً واستدامة عبر توسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي وتمديد نطاق السيطرة وتقطيع التواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية وإحداث الضرر في الطرقات. ومع تراكم هذه الوقائع، تتبدل خريطة الأرض وتغدو أي تسوية سياسية مستقبلية أمام فضاء فلسطيني أكثر تجزؤاً وأقل قدرة على تأسيس دولة قابلة للحياة.

وهنا تتجاوز المعركة حدود الأمن والسيطرة المباشرة لتصبح صراعاً على من يملك حق ترسيم الجغرافيا وتحديد المستقبل. وفي هذا السياق يكتسب مفهوم "إسرائيل الكبرى" دلالته الأخطر؛ إذ لا يحتاج المشروع إلى حدود معلنة دفعة واحدة ما دام قادراً على التقدم عبر الاستيطان وتكريس السيطرة وفرض الأمر الواقع. فكل مساحة تُنتزع من المجال الفلسطيني تضيق معها مساحة الحل السياسي ويصبح تغيير الواقع أكثر كلفة وصعوبة.

ولهذا قد تكون نتائج الحرب في الحساب الاستراتيجي أهم من الحرب ذاتها. فقد يتوقف القصف، لكن آثاره على السكان والأرض والجغرافيا قد تمتد لعقود. ومن ثَم فإن المعركة لا تتعلق فقط بمنع التهجير أثناء الحرب وإنما بمنع تحويل نتائجها إلى واقع دائم بعد انتهائها.

فهل نعي ذلك بنور بصيرتنا أن الرهان الإسرائيلي اليوم هو الخروج من الحرب بفلسطين أقل حضوراً وأرض أكثر خضوعاً لسيطرته؟ إن المعركة اليوم ليست على غزة وحدها ولا على الضفة وحدها؛ إنها معركة على مستقبل فلسطين نفسها: أيبقى شعبها حاضراً في أرضه، محتفظاً بحقه في تقرير مصيره، أم تُفرض عليه خريطة جديدة تُرسم من دونه؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى