جعفر الديري - فريدا كاهلو مفتُونةٌ بنفسِها كشفَت بواطنَ الألَم

كتب - جعفر الديري:

يشهدُ حي كويوكان في العاصِمة المكسيكية مكسيكو سيتي، احتفالات سنوية بالفنانة العالمية فريدا كاهلو، تقام فيه المعارض، وتعرض فيه الأعمال والمقتنيات والرسائل، وتعاد فيه إلى الأذهان صورة هذه الفنانة التي جاءت إلى الدنيا العام 1907 ورحلت عنها العام 1954.

اتخذت كاهلو من الفن التشكيلي وسيلة للتعبير عن ذاتها وآلامها، وعن جملة من القضايا الخاصّة بالمرأة مثل: الإجهاض، والولادة، والعقم، وينظر إليها اليوم على أنها أيقونة عالمية، ورمز من رموز الحركة النسوية، تمكنت من خلال رسومها أن تقدَم صورة مغايرة لما كان سائداً وقتها، فعملت على استبطان ذاتها من خلال لوحات بورتوريه كانت ترسم فيها صورتها نفسها، وجاءت لوحاتها عاكسة بصدق للمشاعر التي كانت تضطرب في داخلها من شقاء وتعاسة وألم لخيانة زوجها.

كانت كاهلو مفتونة بنفسها، لا تملُّ التحديق في المرآة، وتذكّر لوحاتها بشكل واضح بالبورتوريهات التي رسمها فان جوخ، من حيث غلبة مشاعر اليأس والمرارة والألم القاتل، فمن يشاهد بورتوريهات كوخ وبورتوريهات كالو يلحظ النظرة العابسة وشدة الألم الذي كان يميزها.

أمّا إحساسها بالألم والتعاسة التي عاشت في محيطها، فكان نتيجة عدة أسباب، فقد أصيبت عندما كانت في العام السادس من عمرها بشلل الأطفال فتأذت قدمها اليمنى، وخلّف ذلك عرجاً بساقها، ترك أثراً نفسياً سيئاً عليها لفترة طويلة من حياتها، فلم ترتدِ الفستان في حياتها إلا مع الجوارب الصوفية حتى في عز الصيف كي تخفي إعاقتها، ثم تعرضت العام 1925 إلى حادث باص كان يقلها إلى منزلها وعلى أثر الحادث، اضطرت إلى التمدّد على ظهرها من دون حراك لمدة سنة كاملة، هذا إلى جانب علاقتها المضطربة مع زوجها الرسام دييغو ريفيرا، الذي سبّب لها عديداً من المشاكل، فما بين حبها لزوجها وبين رفضها لعلاقاته غير الشرعية، وخياناته المستمرة لها، عاشت كاهلو حياة غير مستقرة وسط جحيم لا يطاق وإحساس مؤلم بالكآبة، لم تجد ثغرة للخروج منه سوى بالرسم.

وحكاية تعلّق كاهلو بالرسم حكاية غريبة، ففي الوقت الذي اضطرت فيه للخلود إلى سريرها، وضعت لها أمها سريراً متنقلاً ومرآة ضخمة أمامها، فكانت وحيدة وجهاً لوجه مع ذاتها طوال النهار، فطلبت ريشة وألواناً وأوراقاً لترسم، وراحت تنقل صورتها يومياً واكتشفت بذلك حبها بل شغفها بالرسم، وقد ظلّت كاهلو تجد في الرسوم متنفساً لها، ترسم من خلاله واقعها الحقيقي المؤلم، ومن يشاهد لوحاتها يجد فيها آلامها الجسدية والروحية.

ورغم وضع النقّاد أعمالها في خانة الإتجاه السريالي، تنفي كاهلو ذلك، وتذكر في سيرتها الذاتية: “لم أرسم أبداً أحلاماً، بل أرسم واقعي الحقيقي فقط”، هذا الواقع الذي تجسّد في ملامح وجهها وفي جسدها الجريح، حاولت نقل تفاصِيله، من خلال رسم حاجبيها المقرونين كأنهما حاجِبَي غراب، وشفتيها المنقبضتين تعبيراً عن مأساتها وتحملها لآلام شديدة تمزّق جسدها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى