د. سيد شعبان - غرور الكتابة!

أحاول منذ فترة الكتابة بعيدا عن المعتاد؛ أبحث عما يدفعني لتغيير نمط سردي؛ بشمت من الحديث عن الزمن الفائت؛ ألتمس في ذلك حدثا واقعيا أو لمحة طارئة؛ ترى هل يتفاعل القراء مع نصوصي؟
أم تراني أعابث طواحين الهواء؟
أتساءل وهل بقي قراء؟
نحن في زمن الهلع من الوباء؛ اختفى دف اللقاء بين الناس؛ يرتاب بعضنا في بعض؛ من أصيب أو من لم بصب؛ كرهت الألقاب والمسميات التي نتخفى وراءها؛ كفانا غرورا؛ لم نأت بما لم يستطعه الأوائل؛ نجتر نفس الكلمات ونتخفى وراء رموز باهتة.
بتنا عالة على السابقين لغة ومعجما بل حتى ذائقة؛ وإن خرجت عن الإطار الحديدي فأنت متهم بالكبر وعدم الانتماء.
يدفعني ذلك الوهم إلى تمزيق أوراقي ومحو مفرداتي؛ لاجدوى من ذلك العبث؛ لاأحد بهتم بما تقترفه من جناية المفردة.
لاشوقي عائد ولاالمتنبي بسيفياته سيشغل الناس؛ لديهم وسائل الترفيه ومثيرات الإغراء عن مطالعة مانكتب.
وهاقد قيل إنك سارد فحل؛ وماذا بعد؟
لن تكون الجاحظ ولا أنت أبو حيان في مقابساته، لست غير عابث يرصف ما يجد!
أمسك بالجنيه محاولا الدفع بالصغار أن يهتموا بكتبهم وأوراقهم.
يمنون علي بقراءة بضعة أسطر ثم يتعللون بأنهم لايفهمون يمسكون مسرعين بهواتفهم الذكية فلهم عالمهم الذي ينشغلون به؛ حكايات وألعاب.
بات الكبار - مؤكد سنا- أمثالي يعيشون في عزلة، يتحدثون لغة عتيقة ويرسمون لوحات باهتة؛ فإيقاع الحياة المتسارع يجعل المتلبسين بالسرد عجزة دون المتابعة أو حتى المشاركة؛ كل ما أملكه أن أعاود العبث بتلك الكلمات؛ جنية وقطار وكلب وذئب وبنت الجيران وهل باتت إلا صديقة أو عابثة بحساب سري في قائمة الأصدقاء؟
ابحث معي عن الكسالى الذين يقبعون خلف حواسيبهم؛ يختالون بما أتوا، هذا يعرض قصته وآخر مقالته وتلك أشعارها ليس بالتأكيد شعرها وزينتها فقد ذبلت كل أوراق الورد في عالم يضج بالآلية وتقتله النمطية.
لسنا متفردين حتى يتابعنا القراء؛ بنا علل وأدواء البشر؛ نزقهم وجبنهم الذي جعلنا نخادعهم متلحفين بالرموز والكنى والمجازات نستعير أقنعة في السرد وهي مثقوبة سكنتها الجرذان.
لم يعد الزمن يحتاج النابهين الذين نخدع أنفسنا أننا هموا؛ ففينا من بضاعته نافقة مزجاة.
معاهدنا بيوت عتيقة خر السقف على ساكنيها؛ باتوا عراة جوعى؛ تحتاج أن تعود إلى الحرافيش وتعابش عاشور الناجي تمسك بيد البنت المثقفة المشاغبة فتقول لاأجمل من رضوى؛ تغرد مع نزار وتسمع صوت فيروز وهي تصدح؛ تعانق أجواء السماء مع تراتيل الحصري والمنشاوي عبدالباسط؛ تحاصر بأسئلة ذات شوك، حرمة الغناء ودناءة الفن وتفصير الثوب وتدخل في محاورات عقيمة فتصك أذنك وتمزق خواطرك أو تدفع بها إلى نار الطهو يخلو ماعونها من لحم وتتراقص فيه الريح، ثم هذه يد السلطة وقلم الرقيب ذات قبض وعنت فإياك والمسكوت عنه؛ ينجيك حذر وينتهشك اقتراب!
تلوذ بالصمت فلا تنام ألف مسمار في جنبك وتكون ليلتك نابغية؛ يتسلل إليك صوت مغنية وهي تتأوه: هذه ليلتي!
قل لي ماالذي يدفع بك لأن تمسك بالقلم؟
أهي العادة أم الهواية وكلتاهما نذر غواية تترصدك؛ لن يرضي نهمك ذلك الغرور؛ فلن تمتليء خزانتك بنقود تكفيك مؤنة الحاجة؛ ستردد مع القائل أدعية الشكوى وآيات التصبر وحينها قد تفقد عقلك وما أنت إلا ملوم!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى