محمد علي - رسالة اليوم الثاني من رحلة الصمود نحو غزة

محمد علي - نائب بمجلس الشعب التونسي وناشط حقوقي


إلى زهراتي الثلاث،
إلى من تركت وجوههنّ المضيئة في تونس لتضيئنَ حياتي من بعيد،
أكتب لكنّ هذه الرسالة من فوق سفينة تهتزّ على موج البحر، سفينة جمعتني بعدة جنسيات ولغات ووجوه، ولكن قلبًا واحدًا، قلب الإنسانية. حين أرفع نظري إلى الأفق، أرى صورتكنّ في كل زرقة، وحين يصفّر الهواء في أذني، أسمع أسماءكنّ كأنّكنّ تنادينني.
قد تسألنني: لماذا تركتنا يا أبي؟ لماذا لم تبقَ بين أحضاننا؟
أجيبكنّ: لأنني أريد أن تكبرن وأنتم تعرفن أنّ أباكن لم يصمت. لأنّني لم أحتمل أن يظلّ أطفال غزة محاصرين فيما أنتنّ تلعبن بأمان. تركتكنّ، لا عن تقصير، بل عن إيمان أنّ حبّ الأبوة ليس فقط حضنًا في البيت، بل أيضًا موقفًا في وجه الظلم.
في اليوم الثاني من الرحلة، امتلأت سفينتي وكل سفن الاسطول بالقصص التي لا تُنسى. سأقصّ عليكنّ بعضها، علّها تكبر معكنّ مثل دروس الحياة:
هناك من باع مكتبته التي قضى عمره يجمع كتبها، فقط ليُموّل مشاركته. قائلا: “الكتب علّمتني أن أؤمن بالحرية، واليوم أعيد ثمنها لأدافع عنها.”
وهناك من تركت زوجها المريض في رعاية أبنائها وحين سألت: ألا تخشين على نفسك؟ أجابت: “لقد عشتُ عمري كلّه في راحة، أريد أن أموت وأنا أفعل شيئًا يستحق الذكر.”
وهناك من فقد عمله لأنّه رفض تأجيل مشاركته. قال له مديره: “ستخسر وظيفتك إن ذهبت.” فأجاب: “هناك من يخسر حياته كل يوم في غزة، فكيف أخشى خسارة وظيفة؟”

1758453521965.png

وهناك من أحضرت معها قيثارة صغيرة، تعزف كل مساء ألحانًا عن الحرية. قاءلة: “قد لا أستطيع أن أكسر الحصار، لكن يمكنني أن أعزف للبحر حتى يسمع غزة أنّنا قادمون.”
كلّ هؤلاء، يا صغيراتي، تركوا وراءهم شيئًا غاليًا: عائلة، وظيفة، صحّة، مالًا… مثلما تركتكنّ أنا. لكنّهم اجتمعوا على قارب واحد لأنّهم يؤمنون أنّ الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنحه للآخرين.
في الليل، حين يسود السكون، أتمشّى على سطح السفينة. أرى البحر كأنه مرآة كبيرة تعكس وجوه من غابوا عني. أرى ابتساماتكنّ تلمع فوق الأمواج، وأسمع أصواتكنّ تختلط بصفير الريح. أشعر أنّني لم أترككنّ حقًا، بل أحملكنّ معي حيثما ذهبت.

1758453632799.png

اعلمن يا بناتي أنّ هذه الرحلة ليست فقط نحو غزة، بل نحو المستقبل الذي أريد أن تعشن فيه بكرامة. المستقبل الذي لا يُحاصر فيه الأطفال ولا يُقتل فيه الحلم. إنّني أخوض هذا البحر حتى لا تسألنني يومًا: “أبي، ماذا فعلت حين كان هناك أطفال مثلنا محاصرين؟”
أردت أن يكون جوابي: “فعلت ما استطعت.”
أختم رسالتي بكلمات شاعرنا محمود درويش الذي يرافقنا صوته في هذه الأمواج:
“ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا.”
فلتعلمن أنّني اخترت أن أحبّ الحياة كما تستحق: حياة تُبنى على التضامن وعلى العدل وعلى أن يكون العالم بيتًا واحدًا، مهما فرّقته الحدود.
كونوا بخير يا أميراتي،
واذكرن دائمًا أنّ أباكنّ حين غاب، لم يغب حبّه عنكنّ لحظة.
أبوكنّ،
من على متن سفينة انس الشريف نحو غزة
19 سبتمبر 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى