أنس الرشيد - نزهة مع امرأة تحبها

"لا شَيءَ يَعدِل نُزهةً مع امرأةٍ تُحبها".
هذه جملةٌ قالها عابر حياة، تَخلَّصَ بها من عِبء الكتابة الأبدية، وأكَّد بها أهمَ لحظةٍ يُظفَر بها للعودةِ إلى الحياةِ ذاتِها. فدائمًا هناك قشور تُغلّف الحياةَ، كقشورِ البصلةِ المتراكبة. ولكنَّ فجيعتَه أنه حين يحكِي لامرأةٍ يُحبها، فإنَّ ذهنه (يكتب) الحوارَ وينسج متعتَه،
فأين المفر من الكتابة؟

يقول عابر الحياة:

إنها رحلةٌ طويلةٌ، فخفِّف وطءَ الكتابةِ، وأًرِح القلمَ...! ، ثم أسِّس وعيًا متوقدًا دائمًا للحدودِ الواضحةِ بين كتابةٍ وأخرى، واجعل الهمَّ همًا إبداعيًا، لا إيصاليًا كيفما جرى به القلم. أمَّا الحياةُ فهي نسيان الكتابة، ومعنى ذلك أن تكتب حياتك، ثم تعيش بها، كأنَّك لا تكتب.​

في هذه النزهة حكايات لا تنتهي، لكنّها تدور حول أول الحب، ومغايرته عن الحبِ الأول وأباطيله، كمثلِ تلك القصة التي لا أذكر منها إلا أنَّ رجلًا أحبَّ امرأةً لصفةٍ معينة (يُدركها)، فتزوجها، فأخذت الصفةُ تنمحي شيئا فشيئا لصالح صفاتِ (الزوجيّة)، ولما شَكّت الزوجةُ في أمرِه، جَرَّبت أن تُراسِله باسم امرأة تُحبه، فانخدع الزوج وبادل هذه الفتاة مراسلاتها. ولما واجهته زوجتُه بحقيقةِ الأمر كانت حجتُه أنَّ من أحببتُ وراسلتُ هي أنتِ مرةً أخرى.
أليست هذه الصفة التي تقمّصَتها المرأةُ في مراسلاتها كانت صفتها الأولى لمَّا أحبها حبيبُها؟ إنه أول الحب يعود مرةً أخرى دونَ النظر إلى:
"مَن المرأة المحبوبة؟"...؛
وأول الحب هو المعنى الآخر لحبِّ التجددِ لذاته، ولمحبةِ المدهشِ في كُلِ أحوالِه، ذلك الذي إذا لاقاكَ في كل مرة تَتَعرّف منه على حياةٍ أخرى وفكرٍ مختلف وتقمّصٍ جديد.

لهذا كانت النزهةُ على بساطِ ريحٍ لا يتكرر، تُفاجِئك به المرأةُ مع كُلِ خطوةٍ بجديد، تقول بصوتٍ متردّد:
عَوِّل على تَعدد الأساليب؛ لتكون أنتَ كُلّ مَن تمنيتَه، أو أحببتَه، أو مَن صنعتَه لغيرك، وتذكَّر أنَّ الأسلوبَ هو التعدد، وأن مَن عَلَّم سُقراط الحبَّ امرأة، والمروءة امرأة، والتعدد امرأة، كما أنَّ الأسلوبَ -في الوقت نفسه- هو الطريقةُ والمذهب، فأين تذهب؟!
لا تُجِب الآن؛ وتذكّر أنَّ سِر الكتابة في اليدِ التي تكتب،
إنها تُشبه حكايةَ سحنون، الرجل الذي كان يكتب رقيةً للناسِ فَيُشفَون، فلما سَمِع بأمره أحد الكَتَبَة قرر أن يَفعل مثله، لكن لم يُشفَ أحد، فأرسلَ مَن ينظر إلى مَضمونِ رقيةِ سحنون، فما وجدَ إلا حرف (نون)، فكتبَ على رقيتِه حرفَ النون، لكن لم يُشفَ أحد، فقال له أحد عابري الحياة: ليس السر في النون، إنما السر في كفِّ سحنون. وهكذا هي الكتابة، لها كفٌّ ككفِ سحنون.

ثم تَحشرجَ صوتُ المرأةِ في المتنزّه، وكأنَّ في مَجرى تنفسِها ماء؛ تقول:
تذكَّر أنَّ هويةَ الكاتبِ الاختناق خارج الكتابة.
إنه يقف أمام بابٍ فيكتب معلقة (في مديح باب) ثم يرفس البابَ كحمارٍ حتى يخلعه، فيُكسِّره ويشعل به النار دون أن يَرفّ له جفن.​


التفاتة:
قال عابر الحياة:

الحبُّ هو ألا تجعل أحدًا يبكي عليك حين تموت. فهل تستطيع؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى