مقتطف د. محمد عبدالفتاح عمار - سفر " عشق المجذوب " من رواية اسفار الوطن والجراح

سفر: عشق المجذوب​

سمعت صوتًا بين وقفة الآيات ينطلق بعبارات سرت في دمي منذ سنوات أنا وكُثر من سميعة القرآن نترقبه عقب إعلان المذيع في الراديو الانتقال إلى أيّ إذاعة خارجية في أيّ وقت بل في أيّ مكان من أقصى مصر إلى أدناها ومن شرقها إلى غربها، صوته تردد آلاف المرات من جبل الطور ومن السلوم والإسكندرية ومن أسوان، من كل المدن والمساجد التي تقع بينهما، حيث حطت عربة الإذاعة الخارجية، أعرفه منذ كنت طفلاً، «علشان خاطر الرئيسة المشيرة الكريمة العفيقة اللطيفة ستنا السيدة زينب».. ألتفت بشدة وشغف، إنه عمي جمعة الكومي.. معقول هل عاد بشحمه ولحمه يطلق صيحته الشهيرة؟ بحثت عنه، عيناي فتشت عنه أنحاء المسجد لم تجده ربما يكون معهم في السندرة، الإذاعة نسيت ذوق المصريين في الاستماع إلى القرآن، عزلت القارئ والمبتهل عن الجمهور، تصعد بهم إلى السندرة الخشبية، المصريون يعشقون التلاوات الحية الخارجية، بعضهم يبالغ يقول إن تسجيلات الاستوديو صوت ميت عجيب، إذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا، لماذا تحدثون ضجة قال لي أحد السميعة معترضًا «إننا نستمع وننصت فننبهر بعظمة الآيات وجمال الصوت فنشجع دون أن نملك أنفسنا إنه تشجيع عن إدراك ولكنه دون إرادة إنه عفوي».

أين أنت يا عم جمعة؟ تنبهت بعد أن تناست نفسي للحظة أنه انتقل إلى رحمة الله، حزنت جدًّا أنني لم أحمل نعشك لم أمشِ خلفك إلى المقابر كل ما فعلته أقمت لك عزاءً مودرن يتلاءم مع العصر، عزاء رقمي إلكتروني رفعت صورتك نقلتها عن آلاف من السميعة بعضهم وضع حولها قوسًا من الورد والبعض الآخر أضاف عليها آيات قرآنية أما أنا فكتبت تحتك وداعًا عمي جمعة الرجل الذي طاف مصر من شرقها إلى غربها انتقل مع الإذاعة منذ شبابه حتى انحنى عوده لم يكن له من مهمة سوى أن يبصم بصوته على الزمن بندائه الشهير الذي تقشعر له أبدان أحباب بيت النبي وأولاده، محاسيبهم خدامهم، عشاقهم «علشان خاطر المشيرة الكريمة العفيفة اللطيفة الشريفة ستنا السيدة زينب»، صلوا عليك في مسجد معشوقتك الطاهرة سيدتك وأميرتك السيدة زينب، أكيد روحها حزنت عليه يقولون إن الميت يشعر بأحبائه ويفرح بزيارته ولقياهم.. أيّ ميت.. فما بالك بالسيدة الطاهرة العفيفة بنت النبي؟

رأيته منذ أكثر من عشرين سنة في منتصف الثمانينيّات بدا كعود بخور صلب تفوح منه رائحة عطرة في المسجد الأحمدي بطنطا الجمعة الأخيرة في ختام المولد كان الشيخ حصان قد وقف عند قوله «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا»، اخترق هو الصفوف، لم يعترضه أحد، الجميع يفسحون له كان كالسهم انطلق من القوس اتجه إلى ميكروفون الإذاعة: «علشان خاطر الرئيسة المشيرة الكريمة العظيمة العفيفة اللطيفة رئيسة الديوان ستنا السيدة زينب ااااالله اأكبررررر الله يفتح عليك»، عاد إلى موضعه جلس منتشيًا.. لم أرَه إلا منذ عام ونصف العام في أخريات حياته لمحته كنت في آخر الصفوف وكان الاحتفال بمولد السيدة زينب وقد أحنى الزمن ظهره، قوسته الأيام، لكن رغم ذلك شعرت أنه ما زال كالسهم ممشوقًا في انطلاقته بشدة وعناية ردد نفس العبارات تغير هو ولم تتغير العبارات زادت روعتها ورونقها بزيادة الحب ونماء عشق آل البيت عاد إلى موقعه، كأنه نفس المشهد، لو فعله غيره واقترب من ميكروفون الإذاعة لاختطفه العمال والفنيون بعيدًا، من يدري ماذا يقول على الهواء والعالم كله آذان مصغية، أما عمي جمعة فيعرفون أنه لن يقول إلا ما يرضي أولاد النبي وما يرضيهم يرضي أباهم وهم من الذين قال عنهم المولى (رضي الله عنهم ورضوا عنه).

شيء ما جذبني إليه، ما الذي يجعل شخصًا ما يهيم حبًّا وعشقًا في أهل البيت، في رئيستهم، فيخرج معلنًا هذا الحب في كل مكان في كل الأحيان، لم يسأل نفسه ما الذي سيجنيه، ما الذي سيجمعه من وراء هذا الحب، أكيد شيء غير المال، أكيد شيء غير الطين والذهب، أكيد شيء غير الطعام والثياب، إنه الحب، إنه التناهي في المعشوق، حب من نوع خاص في زمن المادة في زمن التكاثر في زمن التزاحم والتطاحن من أجل المال من أجل رغيف العيش فقط لا الثراء.. طلقت الدنيا يا عم جمعة ربما كنت تخاطب هاجسًا في نفسي.. ربما أرى فيك شيئاً كنت أتمنى أن أفعله نعم أحس أني مجذوب لا لأهل البيت ولكن مجذوب أكثر للدنيا وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، سابقت يا عم جمعة إلى مغفرة من الله فلك الجنة.

سلام عليك يا عم جمعة بقدر عدد البلدان التي حطت قدمك فيها وبعدد الخطوات التي مشيتها وراء ميكروفون الإذاعة لتطلق صيحتك ونداءك تعلن أن أهل البيت هم حب المصريين وعشقهم الأبدي.. حزنت حينما عرفت أنه لم يقرأ أيّ قارئ إذاعي ليلة عزاءك.. لم تنتقل إليك الإذاعة التي كنت تنتقل إليها وتصورت وأنا صغير أنك مالكها لذلك يسمحون لصوتك أن يواكب صوت القارئ ويظهر بوضوح كأن لك ميكروفون خاص بك وبعد ذلك في الصبا قلت إنهم يصطحبونك معهم ثم أدركت مشقة سفرك وعناءك لترفع راية المشيرة وتؤكد حب المصريين لها لا حبك وحدك.. تركب قطار الدرجة الثالثة.. تركب في صندوق السيارات النقل، تمشي لساعات على قدمك، بأيّ وسيلة وتحت أيّ ظرف، قيظ الصيف، برودة الشتاء، عنف المطر، ريح الشتاء العاصفة، لا تردك، تنال من صدرك لكن لا تنال من الحب الذي عشش فيه، لا توهن من عشق المجذوب الذي أدرك أن حياته الحقيقية فيه ولا حياة بدونه كل ذلك لتصل حيث الإذاعة، أدركت الآن أن ما سمعته هو صدى صوتك، ما زال يتردد في أرجاء مسجد رئيسة الديوان وأعتقد أنه سيظل إلى أن تقوم الساعة إلى أن يفنى جسدك إن فني، يجزمون وأُصدقهم بلا شك أن أجساد الصالحين لا تأكلها الأرض.

سلام عليك بعدد أيام عمرك، بعدد خطوات أقدامك، وبحجم عشقك لسيدتنا الجليلة.. اللهم شفع فيك أباها، أكيد أنها ستصحبك إلى الجنة ستطلب من جدها أن يشفع لك بقدر معاناتك في السفر وعذاب الانتقال لتعلن صوتك ليسمعه الملايين كل جمعة وكل فجر وكلما انبعثت الحياة في الإذاعة لتنقل القرآن على الهواء.

أدركت من صدى صوتك والنور الذي لم ترَ عيني مثله أدركت أنه قبس من النور الذي رأيته في المسجد النبوي والمسجد الحرام قبيل وعقب صلاة الفجر انتابي نفس الإحساس والمشاعر أدركت أكذوبة أن مرقد السيدة ومقامها هو مقام رؤية أقامه المصريون تبركًا بها وأنها غير مدفونة في هذا المكان، يستحيل ذلك إنها حتى لو لم تكن موجودة بجسدها فإن روحها تشع في المكان، تبعث أريجًا لا مثيل له، عطر النبوة أسمى من أيّ عطر وأجمل من أيّ عود يشق القلب برائحته الطيبة، نورها يسترق العيون ويسيطر على ما تبقى من الفؤاد التائه المتعب، لا لا إنها هنا.. إنها هنا.. قطعة من النبي عبق من أهل بيته يقين لا شك فيه.

لم أكن راغبًا في ترك المكان، تمنيت أن أظل درويشًا لا أحمل عبء الدنيا ولا مشقة مؤونة العيش وتوفير الاحتياجات، الدواء والنقود ومصاريف الملابس وأحذية المدرسة وثياب العيد، أهيم في رحاب السيدة، أعرج ولو قليلاً على الحسين أطوف على آل البيت إنهم موزعون في القاهرة لحمايتها، القاهرة القديمة هي قلب العالم، وأضرحة الأولياء هي حصونها من الجوع والفقر والفاقة، هم مستشفيات مجانية لعلاج المرضى يقولون ذلك في قريتي أصحاب العمائم الخضراء أصحاب سيدي إبراهيم الدسوقي وأصحاب العمائم السوداء أتباع سيدي أحمد الرفاعي وغيرهم، جميعهم مجمعون على ذلك وكنت أرى أن ذلك مبالغة خزعبلات لكن الحقيقة أنني أحسست بصدقه تيقنت بحقيقته كلما حطت أقدامي إلى هذا المكان، وزادت قناعتي به هناك في أعلى مكان في مصر حيث لقيت سيدي علي الترابي لأول مرة في حياتي دواء النفس يسري في البدن فيطهره من الميكروبات من جراثيم الحياة فيصبح غضًّا كما كان، وكأن مرضًا لم ينهش فيه وعطبًا لم يُصبه.

سيدتي.. تقبلي اعتذاري عما أسلفت، لن أبرح المقام إلا بعد أن أشعر أنني حصلت على إذن، هل أملك أن أنصرف من حضرة مسئول كبير دون أن ألقي السلام عليه، أن أقول له أيّ أوامر سيادتك، فعلتها معك وأنت من أنت، أنت رئيسة الديوان وحاكمة هذا الإقليم وراعية الديار إليك بعد الله يرجع أمر جميع الأولياء وتوجيههم في صيانة هذا البلد وجعله آمنا بفضل الله ورحمته، فعلتها عفوًا سهوًا تركت حضرتك كأني فأر مذعور.. ونلت جزائي.. الله وروحك وأنا نعرفه.. عفا الله عما سلف ولكل امرئ ما نوى وكل نفس بما كسبت رهينة.

استأذنت من السيدة وخرجت إلى حيث سبيل العودة بالجسد فقط وربما تظل الروح معلقة لعدة أيام بهذا المكان تزور الترابي وتدور على ساحة الحسين وتستقر طالبة المدد من رب السماء ببركة رئيسة الديوان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى