1- أحمد رفيق عوض في روايته الأخيرة " دابة الأرض ": صورة قاتمة للأوضاع السياسية والاجتماعية في رام الله 1
تبدو الصورة التي يخلص إليها المرء بعد قراءة رواية أحمد رفيق عوض الجديدة " دابة الأرض " ( ٢٠٢٥ ) مظلمة وقاتمة ، وإن انتهت الرواية نهاية لا تختلف عن نهاية روايته الأسبق " الحياة كما ينبغي " ( ٢٠٢٢ ) . ليس هناك بديل ومخرج إلا الاستمرار في مقاومة المحتل لا الاستسلام له .
وربما تذكر قاريء الرواية هذه روايتين سابقتين للروائي كتبهما في تسعينيات القرن العشرين ؛ أولاهما " قدرون " ( ١٩٩٦ ) وثانيتهما " مقامات العشاق والتجار " ( ١٩٩٧ ) ، ففي الأولى بدت صورة المجتمع الفلسطيني القروي سوداء مظلمة ، وفي الثانية قرأنا عن المجتمع الفلسطيني بعد أوسلو في عهد السلطة ما لا يبعث على التفاؤل .
في روايته الجديدة كأنما يواصل الكاتب ما سبق ليقدم لنا صورة عن المجتمع الفلسطيني في رام الله ، وتحديدا مجتمع السلطة ومن يدور في فلكها ، صورة لا تبدو وردية على الإطلاق ، يمكن قراءتها في الفقرة الآتية من الرواية :
" لملمة الفضائح والحفاظ على الصورة والتكيف مع الخطأ أو حتى الخطيئة هي جزء من قدرة هذا المجتمع على الاستمرار أو على الرغبة في التدمير الذاتي أيضا ، حدث وأن تمت لفلفة جرائم قتل وفساد وغير ذلك بطرق لا يعلمها إلا الله ، وهو أمر يطرح تساؤلات عن القيم والمعايير وعن الصحة المجتمعية والمناعة والمنعة الجماعية ، الاستهانة بالجريمة وتبهيت القيم والاحتفاء بالمخالف ، حولنا إلى مجتمع عنيف يعبد القوة ويخضع لها . ما الذي جرى حقا ؟ لا أحد يعرف . قيل ذلك خلال الجلسات الخاصة في الدوائر الحكومية ومقاهي المساء أن هناك إعادة اصطفاف وترتيبات جديدة لمواجهة موجات المعارضة والمنشقين " ( ٢٤٩ ) .
مآلات الثوريين وخلاف الإخوة على الميراث ونزاع السلطويين فيما بينهم وحل المشاكل بالزعرنة والرشوات وصفقات المال و ... و ... و ... هي ما نقرأ عنه ، وما نقرأ عنه أيضا موقف المحتل مما يجري وما يقوم به على أرض فلسطين وكيفية تعامله مع هؤلاء .
يمتد الزمن الروائي للرواية إلى العام ٢٠٢٤ ، إذ يسرد الراوي عن انعكاس طوفان الأقصى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ على الضفة الغربية وبخاصة ما جرى في مخيمات جنين وطولكرم .
سارد كلي المعرفة وغير محايد حتى من شخصيات روايته ، إذ ينحاز إلى شخصيات ضد أخرى ، ويظهر صورة للمرأة النابلسية ستطرب لها بنات نابلس ، فالزوجة الخامسة للسياسي الفلسطينيي العائد من المنفى تختلف عن الأولى والثانية والثالثة والرابعة . الفلسطينية والرومانية واللبنانية والأردنية . علما بأنه تزوجها وهو في الستين من عمره فيما كانت في الثلاثين .
ربما تقدم سحر خليفة على قراءة هذه الرواية وترى فيها صوت احتجاج يذكرها برواياتها ، وربما تجد فيها الروائية النابلسية الثانية عفاف خلف تشابها مع روايتها الثانية "ما تساقط " !
يقولون " الأسلوب هو الرجل نفسه " وأظن أن شخصية أحمد رفيق عوض التي نصغي إليها تتحدث في السياسة لا تختلف عن شخصية سارده وروح روايته .
لعلني أعود إلى عنوان الرواية في خربشة ثانية !
ما قصة دابة الأرض ؟!
خربشات ٢٧ / ٩ / ٢٠٢٥
***
2- أحمد رفيق عوض في روايته " دابة الأرض -2 - العنوان
يصدر أحمد رفيق عوض روايته الجديدة بالآية القرآنية :
( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون )
وتحضر الآية في الرواية على امتدادها ، ما يعني أن التصدير لم يكن عشوائيا أو يخص المؤلف وحده ، فهو يرد على لسان شخصيتين هما أبو الناجي وابنه الناجي في حوارهما مع شخصيات أخرى ؛ يرد على لسانهما في لحظات معاناتهما وما آلت إليه أوضاعهما بعد تقاعد الأول ومحاصرة الثاني والكيد له للتقليل من أهميته ثم إقالته ، قبل أن يتصالح والسلطة ثانية .
وكما يرى دارسو العتبات الروائية فإنه لا يمكن تأويلها تأويلا نهائيا إلا بعد الانتهاء من قراءة الرواية حتى سطرها الأخير .
يتكرر حضور الحديث عن دابة الأرض في الرواية تكرارا لافتا منذ المقطع الأول 1 وحتى الصفحات الأخيرة ٢٩٠ . يتكرر في الصفحات الآتية :
١١ و ١٢ و ١٣ و ٥٠ و ١١٢ و ١٢٣ و ١٢٨ و ١٦٠ و ١٧٣ و ٢٢٥ و ٢٢٨ و ٢٤٥ و ٢٧٧ .
يكرره أبو الناجي الثوري الذي تقاعد وهو يتردد على خمارة أم إلياس يحتسي الخمر :
" - ألم يذكر في القرآن الكريم أن الله تعالى سيخرج من قلب الأرض دابة تفضح الناس وتكشف عنهم كل ادعاءاتهم ؟
- يا للرعب ! دابة تفضح عيوننا وأخطاؤنا ؟ وما في قلوبنا ؟ يا للفضيحة !
- نعم دابة حقيقية ، لها أطراف وعيون وافواه تلمس وتكتب وتتحدث وتتحرك ، كلما رأت شخصا كتبت على جبينه ما يستحقه ، دابة تعري النظام والمجتمع والأفراد " .
يا للفضيحة !
ماذا فعل أبو الناجي في حياته وفي أيامه الأخيرة في شيخوخته وهو يحتسي الخمر وينفق أيامه في خمارة لا في مسجد ؟
يموت أبو الناجي وتنتهي حكايته إلا من ذكريات أبنائه وبناته من زوجاته الخمس ، لتتلبس حكاية الدابة شخصية ابنه الناجي الذي عاد مع اتفاقات أوسلو من مخيم اليرموك إلى رام الله ، ولم يكن ماضيه هناك وسلوكه في السلطة نقيا ولم يصل يوما ولم يقرأ القرآن .
صار حديث الدابة حديث بعض الناس ، فأخذ الناجي يبحث عنهم ، وتذكر ولع أبيه بالحديث عنها . لقد أراد أن يعرف ماذا ستكتب الدابة على جبينه ، بخاصة بعد أن جرد من مناصبه في السلطة :
" هل كانت الدنيا تستحق كل هذا العناء ؟ ها أنا أعامل مثل اللص أعيش في بيت لا أحد فيه " .
إن ظهور الدابة سيغير معنى الأشياء وهدفها ، وستقلب سلوك الناس رأسا على عقب . يا إلهي . أي رعب ذلك ؟! " .
وتلاحقه الحكاية وهو في المعتقل ويعاني من كوابيسها ، ففي الليل وعندما يهجع الجميع في السجن تزوره الدابة توقظه من نومه المتقطع المؤلم ، تأخذه من يده وتسحبه إلى الخارج حيث الليل الذي يفرد جناحه ...تأخذه من يده لتطوف به لتريه القتلة والزناة والخونة والمحتلين والمحتكرين ومصاصي الدماء وناشري الاوبئة وناشري الفتنة والفاحشة ومدعي الحقيقة وبائعي الأوهام ... الخ وتقول له : لم يبق شيء يمكن انتظاره . انتهى الأمل . انتهت التجربة.
وتشير إلى جهة لينظر إليها فيرى امرأة بيضاء فارعة تنوء بمظاهر أنوثة صارخة وتقول له الدابة : هذا رجل . إنها امرأة متحولة صارت سعيدة بحياتها من أجل الحصول على تاتو يتحول إلى تريند .
ثم تقترب الدابة من جندي إسرائيلي مدجج بالسلاح وتسأله : لماذا تحتل أرضا ليست لك ، فيجيب بأن الله أعطاها له ، وتسأله : لماذا تقتلون الفلسطينيين ، فيجيب بأن اليهود نسل الله . إنه يكذب على الله .
وهنا يسألها الناجي عن نفسه :
"- وأنا أيتها الكائنة ماذا بشأني ؟ أنا خاطيء كبير ، خاطيء وفاسد وسارق .
ثم انخرط في بكاء مرير ، وأنا يتيم وفقير ومشرد وضعيف ومدع ووحيد . امنحيني فرصة " .
ويستيقظ الناجي وصوت المؤذن القريب يدعو إلى صلاة الفجر . إنه الكابوس الذي سببه كثرة التفكير بالدابة وهو وحيد في السجن .
هل تظهر الدابة في الرواية ؟
لا تظهر ، فالناجي يخرج من السجن بعد مقايضات مع السلطة ويسترد مكانته ، ليواصل حياته العادية ، ثم لينخرط في نهاية الرواية في المقاومة .
في لحظات الضعف غالبا ما يعود الناس إلى الدين والحكايات والأساطير يفسرون من خلالها ما ألم بهم ويقرأون في ضوئها مستقبلهم .
لماذا اختار أحمد رفيق عوض دال " دابة الأرض " عنوانا لروايته ؟
الناقد فراس حاج محمد سيقرأ ذلك كما أخبرني .
خربشات ٢٨ / ٩ / ٢٠٢٥
***
3- أحمد رفيق عوض :" دابة الأرض " . الفلسطينيون والميراث 3
أول رواية فلسطينية صدرت في العام ١٩٢٠ كانت لخليل بيدس وعنوانها " الوارث " ، وفي العام ١٩٩٧ أصدرت سحر خليفة رواية عنوانها " الميراث " ، وليس لدي إحصائية تبين عدد الروايات التي أتى فيها أصحابها على هذا الموضوع الشائك ، وهو موضوع يخص الأفراد كما يخص الدول ، فمن تركة " الرجل المريض " واقتسامها - الدولة العثمانية ، إلى فلسطين التاريخية واقتسام أرضها ، إلى أموال الأحزاب الشيوعية التي انحلت وقيل في أموالها ما قيل ، فأموال بعض الفصائل ، إلى إرث العائلة الذي يفسد العلاقة بين الإخوة والأخوات فيظهر أوسخ ما فيهم وأحقره ، ليصبحوا إخوة أعداء لا يراعون في أنفسهم إلا ولا ذمة ، والأخير هو الشائع في مجتمعنا الفلسطيني .
في " دابة الأرض " يشغل هذا الموضوع حيزا لا بأس به من صفحات الرواية ، وهو ، فيما أرى ، يجمع بين نوعي الميراث ؛ ميراث أموال الثوري التي تعود للثورة وميراث أمواله الخاصة التي كسبها هو من ظاهرة الفساد في الثورة واستغلال منصبه فيها . والأموال الأخيرة يكون للدولة رأي فيها ليكون لها نصيب منها ، والأطرف أن للمستوطنين نصيبا منها ، فإذا كانت أرضا تصادر وتغدو لهم .
أبو الناجي الذي يقضي أيامه الأخيرة على سرير المشفى يعيش على الأجهزة يغدو موضع نزاع بين أبنائه وبناته . ما هي تركته ؟ وماذا سيكون نصيب كل ابن وابنة منها ؟
يريد أبناؤه أن يرثوه قبل أن يموت ، وبعض ما هو مسجل باسمه من أموال يخص تنظيمه / الثورة .
أطرف ما في الرواية هو ما فعلته يافا ابنته . ذهبت إليه وهو فاقد الوعي و " بصمته " على أوراق جهزتها مسبقا ، لتضمن نصيبها من أموال أبيها بين إخوتها وأخواتها الذين أنجبتهم بطون أمهات عديدات ؛ فلسطينية لاجئة ورومانية ولبنانية وأردنية وفلسطينية نابلسية .
" وقالت وهي تبكي إنها لم تكن تتوقع أن تقوم أختها بأخذ بصمة والدها الذي يرقد بين الحياة والموت بدون احترام ولا تقدير ولا وفاء .. " .
وإن بحثت في الرواية عن شكل العلاقات الاجتماعية بين شخصياتها تعود بك الذاكرة إلى روايتين سابقتين للكاتب هما " قدرون " ١٩٩٦ و " مقامات العشاق والتجار " ١٩٩٧ .
هل الروايات الثلاث نتاج مبنى ذهني واحد يرى مجتمعنا بائسا أم أن مجتمعنا هو كذلك وأن الكاتب أظهره روائيا .؟
علينا أن ننظر إلى صورة مجتمعنا في روايات روائيين آخرين ، وهنا أذكر على سبيل المثال رواية محمود شقير " منزل الذكريات " وروايات سحر خليفة أكثرها . إنك فيها تقرأ عن مجتمع يزداد سوءا مع التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
إن صورة الابنة يافا التي أخذت بصمات أبيها وهو فاقد الوعي لا تختلف عن جميحان في رواية محمود شقير المشار إليها . ولا أظن أن موضوع الميراث غاب عن روايات الكاتب جميل السلحوت الذي يعد أبرز روائي فلسطيني عالج موضوعات اجتماعية متعددة متنوعة ( رواية " اليتيمة " و " الخاصرة الرخوة " ) .
اللهم نجنا !
خربشات ٢٩ / ٩ / ٢٠٢٥
***
4- أحمد رفيق عوض : "دابة الأرض" 4- السلطان من لا يعرف السلطان
ما إن انتهيت من قراءة الرواية حتى كررت المقولة " السلطان من لا يعرف السلطان " وحمدت الله أنني أعيش في الهامش بعيدا عن السلطة وأذرعتها ، علما بأن كتابتي هي ما يسبب لي خصومات عديدة تدفع بالآخرين إلى اتهامي اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان .
في صفحة ٢٧٤ نقرأ الفقرة الآتية :
" جلس إلى المكتب ببطء ، ألقى بظهره إلى الوراء . لم يشعر ولا مرة بأثر هذا الكرسي إلى هذا الحد . السحر والقوة والنفوذ والزهو والحضور ، ولكن أين الفرح والثقة والاعتداد بالنفس ؟ أين الحماسة والتدفق في القلب ؟ ثم أين ذلك الشعور العالي بالاقتحام والتقدم ؟ الآن استعيد منصبي ومكتبي واسمي ، ولكن لماذا لا أشعر بالسعادة ؟"
والتساؤلات يوردها السارد على لسان الناجي الشخصية الرئيسة في الرواية . والناجي الأزعر في مخيم اليرموك الذي عاد مع والده ، حين عاد الوالد إثر اتفاق أوسلو إلى الضفة الغربية واستلم منصبا في السلطة ، الناجي الذي غدا مسؤولا كبيرا فاعلا تسوء أحواله إثر مكائد وحيل نصبها له الآخرون ويجرد من صلاحياته ويزج به في السجن ؛ ولأنه كان أيضا يملك ملفات فساد لمن كاد له وأوقع به ، يساوم من هؤلاء ويتم الإفراج عنه ويعود إلى مكتبه من جديد .
في لحظات التخلي عنه وسجنه يتخلى عنه المقربون منه ويتعالون عليه ويعاملونه بازدراء . تتخلى عنه زوجته الثانية ويتخلى عنه أخوها وليد الذي كان مرافقا مطيعا له ويبتعد عنه آخرون ويجد نفسه في السجن ، وامعانا في إذلاله يوضع معه في غرفة السجن طليق زوجته الثانية ، إذ خلال معاناته طلبت منه زوجته الثانية الطلاق وتزوجت ثانية من عاطف المريض نفسيا لتطلب منه الطلاق وتناله .
الأسئلة المثارة في الفقرة المقتبسة ، على لسان الناجي ، تظهر الفارق بين ما كان عليه قبل تجريده من صلاحياته وسجنه وما صار إليه بعد خروجه من السجن ومساومته .
لقد لاحظ الناجي كيف يعامله الناس وهو قوي وكيف أخذوا يعاملونه بعد فقدانه الكرسي مركز القوة .
الكرسي أحيانا يغري ؛ لأنه يمنح من يجلس عليه قيمة وأهمية سرعان ما تسلبان منه إن سحب منه ، وربما لهذا يتمسك الحكام والمسؤولون العرب به ؛ لأنهم دونه سيعيشون نكرات لا يلتفت إليهم .
السلطان من لا يعرف السلطان وليحي الهامش !
خريشات ٣٠ / ٩ / ٢٠٢٥
***
5- "الحياة كما ينبغي"
" الحياة كما ينبغي " عنوان رواية صدرت حديثا وربما يدخل المرء إلى عالم هذه الرواية ليقرأ نصائح أو اقتراحات يقدمها لنا الكاتب ، وربما احتاج المرء ، إن كان قاريء رواية ، إلى حك ذاكرته ليتذكر عناوين روايات وردت فيها كلمة الحياة ، وقد يتذكر أول ما يتذكر الروائي التشيكي الشيوعي المنشق المقيم في باريس ( ميلان كونديرا ) صاحب رواية " خفة الحياة غير المحتملة " ، وقد تركت روايات ( كونديرا ) أثرها في روائيينا ؛ في موضوعاته وفي الشكل الفني ، وأشير هنا مثلا إلى Akram Musallam ورواياته الأولى ، فلم تخل من التأثر ب ( كونديرا ) ، وأنا كتبت سلسلة كتابات " خفة الكائنات غير المحتملة " متأثرا بعنوان روايته المذكورة .
" الحياة كما ينبغي " . كيف ينبغي للحياة أن تكون ؟
ربما احتاج المرء إلى الانتهاء من قراءة الرواية كلها حتى يحصل على الإجابة ، وقد لا يصل إلى نتيجة تسعفه إليها عبارة وردت في النص ، فيجتهد .
الرواية تأتي على حياة سكان قرية يعبد بالدرجة الأولى ومقاومتهم المحتل ، ثم تذهب بنا إلى مخيم جنين ، وهي تصف لنا قسوة الحياة تحت الاحتلال ، فلا أحد يحيا دون أن يتأثر بما يجري . راشد المحمود الشاب الفلسطيني ليس منتميا إلى تنظيم ولكنه يرفض الذل على الحواجز فيحتج وتلفق له تهمة يسجن خمس سنوات بسببها ، وحين يخرج يقرر مقاومة الاحتلال فيهاجم دورية عسكرية ويغدو مطلوبا . تقتحم قريته ويهدم بيته ويتشرد والداه وزوجته وطفله ، وينضم إلى المجموعات المقاومة المطاردة في المخيم .
هكذا هي الحياة وهكذا ينبغي أن تكون : رفض الاحتلال ومقاومة المحتل حتى لو كان الثمن باهظا . ( أنا راشد المحمود أحب خياري هذا ، أحب حياتي هكذا ، أحب هذا المخزن وهذا الكانون وهذه البندقية ، هذه حريتي بالضبط ، هذه حريتي ) ( صفحة ١٠١ ) .
أعتقد أن الدارسين سيتوقفون أمام العنوان وصلته بالنص . كيف ينبغي للحياة أن تكون ؟
لا خلاص تحت الاحتلال ، ولا حياد ويجب الانخراط في الحياة وتقبلها بكل قسوتها حتى لو دفع المرء حياته ثمنا . هذا ما اكتشفه راشد وهو يقضي ليلته الأولى بعد تنفيذ العملية وينام في ثياب شهيد .
في قصيدة " بيروت " كتب محمود درويش :
" بوركت الحياة فوق الأرض لا تحت الطغاة "
وكان تساءل :
- ماذا سنخسر سوى قيودنا .
كلام كثير يمكن أن يثار عن حياتنا تحت الاحتلال وعن شكل المقاومة ، وبعد خمسين عاما من الاحتلال لم يؤد الاستسلام أو السلام إلى حل وكذلك المقاومة أيضا . هدوء ومقاومة وهدوء ومقاومة وهدوء ومقاومة . تأملوا الفترة من ٦٧ إلى ٨٧ ثم الانتفاضة من ٨٧ إلى ٩٣ ثم اتفاق أوسلو من ٩٤ إلى ٢٠٠٠ ثم انتفاضة الأقصى من ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٧ ثم استقرار الضفة نسبيا وحروب غزة و ... ومازال اللاجئون في المنافي واتسع المنفى حتى وصل إلى شمال الكرة الأرضية ، فصار لنا هناك أحياء خاصة أو غيتوات فلسطينية .
حالة سيزيفية عبثية .
( الرواية للكاتب أحمد رفيق عوض )
صباح الخير
خربشات
٢٥ / ٨ / ٢٠٢٢ .
***
6- الكاتب الفلسطيني والشغف بتفاصيل المكان وأشجاره : أحمد رفيق عوض والحياة كما ينبغي :
يهدي أحمد رفيق عوض روايته التاسعة " الحياة كما ينبغي "(٢٠٢٢) إلى " أشجار البلاد وأهلها " ويواصل فعل تحرير فلسطين عبر الكتابة الروائية وشغفه ، مثل روائيين كثر في العقود الأخيرة ، بتفاصيل المكان ، وهذا ما افتقده النثر الفلسطيني تقريبا منذ بداياته وحتى رواية إميل حبيبي " اخطية " ( ١٩٨٥) ، التي عدت فيما اطلعت عليه بداية لسلسلة من الروايات التي نهج أصحابها شكلا من أشكال المقاومة هو الدفاع عن صلة الفلسطيتي بالمكان الذي حاولت الصهيونية أن تبرهن للعالم أنه " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " . طبعا لا ننكر في جنس القصة القصيرة قصص محمد نفاع . حقا إن جمال الحسيني في " على سكة الحجاز " ( ١٩٣٢) وغسان كنفاني في " العاشق " كتبا عن أرض مأهولة وشعب مقاوم ، ولكن التركيز على التفاصيل ظهر بقوة في " اخطية " وفي قصص نفاع .
منذ ١٩٩٣ وعودة عدد كبير من كتاب المنفى بدأت تفاصيل المكان تظهر .
مريد البرغوثي " رأيت رام الله " وفاروق وادي " منازل القلب " ومحمود شقير " ظل آخر للمدينة " وأكرم هنية " شارع فرعي في رام الله " وأسعد الأسعد في " دروب المراثي " وصافي صافي في " زرعين " وغيرهم وغيرهم كتبوا عن رام الله والقدس وزرعين ومؤخرا أحمد رفيق عوض عن قريته يعبد وجارتها عرابة والمدينة القريبة منهما جنين ومخيمها ، ولا يكتفي أحمد بوصف المكان ؛ بيوته وسهوله وشوارعه ، إذ يكتب أيضا عن أشجاره على غرار محمد نفاع المتميز في الكتابة عن الأرض ونباتاتها .
كما ذكرت فإن أحمد يهدي روايته إلى " أشجار البلاد وأهلها " ويبدأ كل مقطع من مقاطعها الثلاثة والعشرين باسم شجرة يكون لها حضور في المقطع الذي أدرج تحتها وغالبا ما تكون هناك صلة بين العنوان والمقطع إذ تسهم الشجرة غالبا بفعل مقاومة كما أهل البلاد ، فثمة شجرة تحمي المقاوم من الانكشاف وتوفر له مظلة الاختباء ، وثمة شجرة تطعمه من ثمرها حين يعز الطعام فلا يجد المقاوم ما يأكله ، وهذه الأشجار تفاجيء أحيانا رجل المخابرات الإسرائيلي أبو السعيد فيكتشف من خلال شغف الفلسطينيين بالأشجار أنه لم يعد يعرفهم ويتساءل عن سبب الشغف ، وأحيانا يغدو مثلهم يحب شرب الشاي بالميرمية ما يدفع المسؤولين عنه إلى التساؤل إن أخذ يتعاطف معهم ويتماثل في طريقة حياته مع حياتهم ، وهذا يسبب له المشاكل ، وتمثل الضحية والتماهي معها ، لكثرة اختلاطه بها اختلاطا ناجما عن ملاحقتها ، فكرة أساسية في الرواية لم تظهر من قبل ظهورها في هذه الرواية . ربما هنا نتذكر رواية الكاتب الإسرائيلي ( ديفيد غروسمان ) التي ترجمت إلى العربية " ابتسامة الجدي " وضابط المخابرات فيها .
تختلف صورة القرية الفلسطينية وأهلها عن صورتهم في رواية سابقة للكاتب " قدرون "(١٩٩٥) اختلافا كليا ، فالصورة السابقة سلبية تماما والصورة الجديدة إيجابية بالكامل ، وهذا ولا شك يدفع قاريء الروايتين للاجتهاد ، وقد لا يجد مشقة في الحصول على إجابة يطمئن إليها ، فما شهدته فترة الاحتلال الإسرائيلي في ٧٠ القرن ٢٠ من هدوء وتوجه للعمل في المصانع الإسرائيلية أعقبه انتفاضة فمرحلة سلام فانتفاضة ثانية فهدوء مشوب بالحذر تتخلله أحداث أشبه بانتفاضات قصيرة ، وفي فترات الانتفاضات يشهد المجتمع الفلسطيني حالة من التكاتف والتعاطف وتصبح صورته مختلفة عن صورته في فترات الهدوء والاسترخاء . إن " الحياة كما ينبغي " تؤرخ لفترة اشتباك مع المحتل عاشتها قرية الكاتب يعبد وعاشتها مدينة جنين ومخيمها .
يمكن إدراج الرواية عموما ضمن الأدب الفلسطيني المقاوم بالمفهوم الذي شاع لأدب المقاومة ، وقد قرأنا نماذج منه في أدبيات نهاية ٧٠ القرن ٢٠ وبداية ثمانينياته حيث كتب غريب عسقلاني رواية " الجوع " (١٩٧٩) وزكي العيلة قصصه " الجبل لا يأتي " (١٩٨٠) . إن مناخ هذه الأعمال الثلاثة وأعمال أخرى يبدو واحدا على الرغم من المسافة الزمنية التي تفصل بينها . يقاوم الفلسطيني المحتل فيحاصر مخيمه وتحاصر قريته وتقتحم بيوته ويحطم أثاثها ويعتقل أبناؤه ولا يرضخ . هذا من ناحية ومن ناحية ثانية يقرأ المرء في الرواية عن المجتمع الإسرائيلي واختلافه يقرأ ما قرأ شبيها له في روايات تلك المرحلة وهنا أخص قصة سميح القاسم الطويلة " الصورة الأخيرة في الألبوم " ( ١٩٧٩) حيث يتعالى اليهودي الغربي الاشكنازي على اليهودي الشرقي . إن والد روتي في قصة القاسم يكره السفارديم ويتعالى عليهم ، وزوجة أبو السعيد الاشكنازية تتعالى عليه هو اليهودي الشرقي وتكون مخبرة عليه تنقل تفاصيل حياته إلى المسؤولين عنه ، وكما انتهت قصة القاسم بانتحار روتي تنتهي رواية أحمد بقتل أبو السعيد زوجته وانتحاره ، ولكن الفلسطيني في رواية أحمد لا يبحث عن مخرج في الرحيل إلى خارج فلسطين كما فعل أحد شخوص قصة سميح ، وإنما يصمد في أرضه منتميا إلى المقاومين في المخيم .
" الحياة كما ينبغي " هو العنوان فكيف ينبغي أن تكون عليه الحياة ؟
يقدم لنا راشد المحمود ما وجب أن يكون عليه ، وهو خريج جامعي عمل موزعا للمواد الغذائية حين عزت الوظيفة وحدث مرة أن احتج على معاناة الفلسطينيين على حاجز من حواجز الاحتلال فألصقت به تهمة محاولة طعن جندي إسرائيلي وهكذا قدم إلى المحاكمة وسجن خمس سنوات ، وحين خرج ، ومع أنه تزوج وأنجب راضخا لرغبة والديه ، قرر مقاومة الاحتلال ، فالحياة ينبغي أن تكون كما قرر " أحب خياري هذا ، أحب حياتي هكذا ، أحب هذا المخزن وهذا الكانون وهذه البندقية ، هذه حريتي ، بالضبط ، هذه حريتي " .
٢٢ إلى ٢٦ / ٨ / ٢٠٢٢ .
***
عادل الأسطة
تبدو الصورة التي يخلص إليها المرء بعد قراءة رواية أحمد رفيق عوض الجديدة " دابة الأرض " ( ٢٠٢٥ ) مظلمة وقاتمة ، وإن انتهت الرواية نهاية لا تختلف عن نهاية روايته الأسبق " الحياة كما ينبغي " ( ٢٠٢٢ ) . ليس هناك بديل ومخرج إلا الاستمرار في مقاومة المحتل لا الاستسلام له .
وربما تذكر قاريء الرواية هذه روايتين سابقتين للروائي كتبهما في تسعينيات القرن العشرين ؛ أولاهما " قدرون " ( ١٩٩٦ ) وثانيتهما " مقامات العشاق والتجار " ( ١٩٩٧ ) ، ففي الأولى بدت صورة المجتمع الفلسطيني القروي سوداء مظلمة ، وفي الثانية قرأنا عن المجتمع الفلسطيني بعد أوسلو في عهد السلطة ما لا يبعث على التفاؤل .
في روايته الجديدة كأنما يواصل الكاتب ما سبق ليقدم لنا صورة عن المجتمع الفلسطيني في رام الله ، وتحديدا مجتمع السلطة ومن يدور في فلكها ، صورة لا تبدو وردية على الإطلاق ، يمكن قراءتها في الفقرة الآتية من الرواية :
" لملمة الفضائح والحفاظ على الصورة والتكيف مع الخطأ أو حتى الخطيئة هي جزء من قدرة هذا المجتمع على الاستمرار أو على الرغبة في التدمير الذاتي أيضا ، حدث وأن تمت لفلفة جرائم قتل وفساد وغير ذلك بطرق لا يعلمها إلا الله ، وهو أمر يطرح تساؤلات عن القيم والمعايير وعن الصحة المجتمعية والمناعة والمنعة الجماعية ، الاستهانة بالجريمة وتبهيت القيم والاحتفاء بالمخالف ، حولنا إلى مجتمع عنيف يعبد القوة ويخضع لها . ما الذي جرى حقا ؟ لا أحد يعرف . قيل ذلك خلال الجلسات الخاصة في الدوائر الحكومية ومقاهي المساء أن هناك إعادة اصطفاف وترتيبات جديدة لمواجهة موجات المعارضة والمنشقين " ( ٢٤٩ ) .
مآلات الثوريين وخلاف الإخوة على الميراث ونزاع السلطويين فيما بينهم وحل المشاكل بالزعرنة والرشوات وصفقات المال و ... و ... و ... هي ما نقرأ عنه ، وما نقرأ عنه أيضا موقف المحتل مما يجري وما يقوم به على أرض فلسطين وكيفية تعامله مع هؤلاء .
يمتد الزمن الروائي للرواية إلى العام ٢٠٢٤ ، إذ يسرد الراوي عن انعكاس طوفان الأقصى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ على الضفة الغربية وبخاصة ما جرى في مخيمات جنين وطولكرم .
سارد كلي المعرفة وغير محايد حتى من شخصيات روايته ، إذ ينحاز إلى شخصيات ضد أخرى ، ويظهر صورة للمرأة النابلسية ستطرب لها بنات نابلس ، فالزوجة الخامسة للسياسي الفلسطينيي العائد من المنفى تختلف عن الأولى والثانية والثالثة والرابعة . الفلسطينية والرومانية واللبنانية والأردنية . علما بأنه تزوجها وهو في الستين من عمره فيما كانت في الثلاثين .
ربما تقدم سحر خليفة على قراءة هذه الرواية وترى فيها صوت احتجاج يذكرها برواياتها ، وربما تجد فيها الروائية النابلسية الثانية عفاف خلف تشابها مع روايتها الثانية "ما تساقط " !
يقولون " الأسلوب هو الرجل نفسه " وأظن أن شخصية أحمد رفيق عوض التي نصغي إليها تتحدث في السياسة لا تختلف عن شخصية سارده وروح روايته .
لعلني أعود إلى عنوان الرواية في خربشة ثانية !
ما قصة دابة الأرض ؟!
خربشات ٢٧ / ٩ / ٢٠٢٥
***
2- أحمد رفيق عوض في روايته " دابة الأرض -2 - العنوان
يصدر أحمد رفيق عوض روايته الجديدة بالآية القرآنية :
( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون )
وتحضر الآية في الرواية على امتدادها ، ما يعني أن التصدير لم يكن عشوائيا أو يخص المؤلف وحده ، فهو يرد على لسان شخصيتين هما أبو الناجي وابنه الناجي في حوارهما مع شخصيات أخرى ؛ يرد على لسانهما في لحظات معاناتهما وما آلت إليه أوضاعهما بعد تقاعد الأول ومحاصرة الثاني والكيد له للتقليل من أهميته ثم إقالته ، قبل أن يتصالح والسلطة ثانية .
وكما يرى دارسو العتبات الروائية فإنه لا يمكن تأويلها تأويلا نهائيا إلا بعد الانتهاء من قراءة الرواية حتى سطرها الأخير .
يتكرر حضور الحديث عن دابة الأرض في الرواية تكرارا لافتا منذ المقطع الأول 1 وحتى الصفحات الأخيرة ٢٩٠ . يتكرر في الصفحات الآتية :
١١ و ١٢ و ١٣ و ٥٠ و ١١٢ و ١٢٣ و ١٢٨ و ١٦٠ و ١٧٣ و ٢٢٥ و ٢٢٨ و ٢٤٥ و ٢٧٧ .
يكرره أبو الناجي الثوري الذي تقاعد وهو يتردد على خمارة أم إلياس يحتسي الخمر :
" - ألم يذكر في القرآن الكريم أن الله تعالى سيخرج من قلب الأرض دابة تفضح الناس وتكشف عنهم كل ادعاءاتهم ؟
- يا للرعب ! دابة تفضح عيوننا وأخطاؤنا ؟ وما في قلوبنا ؟ يا للفضيحة !
- نعم دابة حقيقية ، لها أطراف وعيون وافواه تلمس وتكتب وتتحدث وتتحرك ، كلما رأت شخصا كتبت على جبينه ما يستحقه ، دابة تعري النظام والمجتمع والأفراد " .
يا للفضيحة !
ماذا فعل أبو الناجي في حياته وفي أيامه الأخيرة في شيخوخته وهو يحتسي الخمر وينفق أيامه في خمارة لا في مسجد ؟
يموت أبو الناجي وتنتهي حكايته إلا من ذكريات أبنائه وبناته من زوجاته الخمس ، لتتلبس حكاية الدابة شخصية ابنه الناجي الذي عاد مع اتفاقات أوسلو من مخيم اليرموك إلى رام الله ، ولم يكن ماضيه هناك وسلوكه في السلطة نقيا ولم يصل يوما ولم يقرأ القرآن .
صار حديث الدابة حديث بعض الناس ، فأخذ الناجي يبحث عنهم ، وتذكر ولع أبيه بالحديث عنها . لقد أراد أن يعرف ماذا ستكتب الدابة على جبينه ، بخاصة بعد أن جرد من مناصبه في السلطة :
" هل كانت الدنيا تستحق كل هذا العناء ؟ ها أنا أعامل مثل اللص أعيش في بيت لا أحد فيه " .
إن ظهور الدابة سيغير معنى الأشياء وهدفها ، وستقلب سلوك الناس رأسا على عقب . يا إلهي . أي رعب ذلك ؟! " .
وتلاحقه الحكاية وهو في المعتقل ويعاني من كوابيسها ، ففي الليل وعندما يهجع الجميع في السجن تزوره الدابة توقظه من نومه المتقطع المؤلم ، تأخذه من يده وتسحبه إلى الخارج حيث الليل الذي يفرد جناحه ...تأخذه من يده لتطوف به لتريه القتلة والزناة والخونة والمحتلين والمحتكرين ومصاصي الدماء وناشري الاوبئة وناشري الفتنة والفاحشة ومدعي الحقيقة وبائعي الأوهام ... الخ وتقول له : لم يبق شيء يمكن انتظاره . انتهى الأمل . انتهت التجربة.
وتشير إلى جهة لينظر إليها فيرى امرأة بيضاء فارعة تنوء بمظاهر أنوثة صارخة وتقول له الدابة : هذا رجل . إنها امرأة متحولة صارت سعيدة بحياتها من أجل الحصول على تاتو يتحول إلى تريند .
ثم تقترب الدابة من جندي إسرائيلي مدجج بالسلاح وتسأله : لماذا تحتل أرضا ليست لك ، فيجيب بأن الله أعطاها له ، وتسأله : لماذا تقتلون الفلسطينيين ، فيجيب بأن اليهود نسل الله . إنه يكذب على الله .
وهنا يسألها الناجي عن نفسه :
"- وأنا أيتها الكائنة ماذا بشأني ؟ أنا خاطيء كبير ، خاطيء وفاسد وسارق .
ثم انخرط في بكاء مرير ، وأنا يتيم وفقير ومشرد وضعيف ومدع ووحيد . امنحيني فرصة " .
ويستيقظ الناجي وصوت المؤذن القريب يدعو إلى صلاة الفجر . إنه الكابوس الذي سببه كثرة التفكير بالدابة وهو وحيد في السجن .
هل تظهر الدابة في الرواية ؟
لا تظهر ، فالناجي يخرج من السجن بعد مقايضات مع السلطة ويسترد مكانته ، ليواصل حياته العادية ، ثم لينخرط في نهاية الرواية في المقاومة .
في لحظات الضعف غالبا ما يعود الناس إلى الدين والحكايات والأساطير يفسرون من خلالها ما ألم بهم ويقرأون في ضوئها مستقبلهم .
لماذا اختار أحمد رفيق عوض دال " دابة الأرض " عنوانا لروايته ؟
الناقد فراس حاج محمد سيقرأ ذلك كما أخبرني .
خربشات ٢٨ / ٩ / ٢٠٢٥
***
3- أحمد رفيق عوض :" دابة الأرض " . الفلسطينيون والميراث 3
أول رواية فلسطينية صدرت في العام ١٩٢٠ كانت لخليل بيدس وعنوانها " الوارث " ، وفي العام ١٩٩٧ أصدرت سحر خليفة رواية عنوانها " الميراث " ، وليس لدي إحصائية تبين عدد الروايات التي أتى فيها أصحابها على هذا الموضوع الشائك ، وهو موضوع يخص الأفراد كما يخص الدول ، فمن تركة " الرجل المريض " واقتسامها - الدولة العثمانية ، إلى فلسطين التاريخية واقتسام أرضها ، إلى أموال الأحزاب الشيوعية التي انحلت وقيل في أموالها ما قيل ، فأموال بعض الفصائل ، إلى إرث العائلة الذي يفسد العلاقة بين الإخوة والأخوات فيظهر أوسخ ما فيهم وأحقره ، ليصبحوا إخوة أعداء لا يراعون في أنفسهم إلا ولا ذمة ، والأخير هو الشائع في مجتمعنا الفلسطيني .
في " دابة الأرض " يشغل هذا الموضوع حيزا لا بأس به من صفحات الرواية ، وهو ، فيما أرى ، يجمع بين نوعي الميراث ؛ ميراث أموال الثوري التي تعود للثورة وميراث أمواله الخاصة التي كسبها هو من ظاهرة الفساد في الثورة واستغلال منصبه فيها . والأموال الأخيرة يكون للدولة رأي فيها ليكون لها نصيب منها ، والأطرف أن للمستوطنين نصيبا منها ، فإذا كانت أرضا تصادر وتغدو لهم .
أبو الناجي الذي يقضي أيامه الأخيرة على سرير المشفى يعيش على الأجهزة يغدو موضع نزاع بين أبنائه وبناته . ما هي تركته ؟ وماذا سيكون نصيب كل ابن وابنة منها ؟
يريد أبناؤه أن يرثوه قبل أن يموت ، وبعض ما هو مسجل باسمه من أموال يخص تنظيمه / الثورة .
أطرف ما في الرواية هو ما فعلته يافا ابنته . ذهبت إليه وهو فاقد الوعي و " بصمته " على أوراق جهزتها مسبقا ، لتضمن نصيبها من أموال أبيها بين إخوتها وأخواتها الذين أنجبتهم بطون أمهات عديدات ؛ فلسطينية لاجئة ورومانية ولبنانية وأردنية وفلسطينية نابلسية .
" وقالت وهي تبكي إنها لم تكن تتوقع أن تقوم أختها بأخذ بصمة والدها الذي يرقد بين الحياة والموت بدون احترام ولا تقدير ولا وفاء .. " .
وإن بحثت في الرواية عن شكل العلاقات الاجتماعية بين شخصياتها تعود بك الذاكرة إلى روايتين سابقتين للكاتب هما " قدرون " ١٩٩٦ و " مقامات العشاق والتجار " ١٩٩٧ .
هل الروايات الثلاث نتاج مبنى ذهني واحد يرى مجتمعنا بائسا أم أن مجتمعنا هو كذلك وأن الكاتب أظهره روائيا .؟
علينا أن ننظر إلى صورة مجتمعنا في روايات روائيين آخرين ، وهنا أذكر على سبيل المثال رواية محمود شقير " منزل الذكريات " وروايات سحر خليفة أكثرها . إنك فيها تقرأ عن مجتمع يزداد سوءا مع التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
إن صورة الابنة يافا التي أخذت بصمات أبيها وهو فاقد الوعي لا تختلف عن جميحان في رواية محمود شقير المشار إليها . ولا أظن أن موضوع الميراث غاب عن روايات الكاتب جميل السلحوت الذي يعد أبرز روائي فلسطيني عالج موضوعات اجتماعية متعددة متنوعة ( رواية " اليتيمة " و " الخاصرة الرخوة " ) .
اللهم نجنا !
خربشات ٢٩ / ٩ / ٢٠٢٥
***
4- أحمد رفيق عوض : "دابة الأرض" 4- السلطان من لا يعرف السلطان
ما إن انتهيت من قراءة الرواية حتى كررت المقولة " السلطان من لا يعرف السلطان " وحمدت الله أنني أعيش في الهامش بعيدا عن السلطة وأذرعتها ، علما بأن كتابتي هي ما يسبب لي خصومات عديدة تدفع بالآخرين إلى اتهامي اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان .
في صفحة ٢٧٤ نقرأ الفقرة الآتية :
" جلس إلى المكتب ببطء ، ألقى بظهره إلى الوراء . لم يشعر ولا مرة بأثر هذا الكرسي إلى هذا الحد . السحر والقوة والنفوذ والزهو والحضور ، ولكن أين الفرح والثقة والاعتداد بالنفس ؟ أين الحماسة والتدفق في القلب ؟ ثم أين ذلك الشعور العالي بالاقتحام والتقدم ؟ الآن استعيد منصبي ومكتبي واسمي ، ولكن لماذا لا أشعر بالسعادة ؟"
والتساؤلات يوردها السارد على لسان الناجي الشخصية الرئيسة في الرواية . والناجي الأزعر في مخيم اليرموك الذي عاد مع والده ، حين عاد الوالد إثر اتفاق أوسلو إلى الضفة الغربية واستلم منصبا في السلطة ، الناجي الذي غدا مسؤولا كبيرا فاعلا تسوء أحواله إثر مكائد وحيل نصبها له الآخرون ويجرد من صلاحياته ويزج به في السجن ؛ ولأنه كان أيضا يملك ملفات فساد لمن كاد له وأوقع به ، يساوم من هؤلاء ويتم الإفراج عنه ويعود إلى مكتبه من جديد .
في لحظات التخلي عنه وسجنه يتخلى عنه المقربون منه ويتعالون عليه ويعاملونه بازدراء . تتخلى عنه زوجته الثانية ويتخلى عنه أخوها وليد الذي كان مرافقا مطيعا له ويبتعد عنه آخرون ويجد نفسه في السجن ، وامعانا في إذلاله يوضع معه في غرفة السجن طليق زوجته الثانية ، إذ خلال معاناته طلبت منه زوجته الثانية الطلاق وتزوجت ثانية من عاطف المريض نفسيا لتطلب منه الطلاق وتناله .
الأسئلة المثارة في الفقرة المقتبسة ، على لسان الناجي ، تظهر الفارق بين ما كان عليه قبل تجريده من صلاحياته وسجنه وما صار إليه بعد خروجه من السجن ومساومته .
لقد لاحظ الناجي كيف يعامله الناس وهو قوي وكيف أخذوا يعاملونه بعد فقدانه الكرسي مركز القوة .
الكرسي أحيانا يغري ؛ لأنه يمنح من يجلس عليه قيمة وأهمية سرعان ما تسلبان منه إن سحب منه ، وربما لهذا يتمسك الحكام والمسؤولون العرب به ؛ لأنهم دونه سيعيشون نكرات لا يلتفت إليهم .
السلطان من لا يعرف السلطان وليحي الهامش !
خريشات ٣٠ / ٩ / ٢٠٢٥
***
5- "الحياة كما ينبغي"
" الحياة كما ينبغي " عنوان رواية صدرت حديثا وربما يدخل المرء إلى عالم هذه الرواية ليقرأ نصائح أو اقتراحات يقدمها لنا الكاتب ، وربما احتاج المرء ، إن كان قاريء رواية ، إلى حك ذاكرته ليتذكر عناوين روايات وردت فيها كلمة الحياة ، وقد يتذكر أول ما يتذكر الروائي التشيكي الشيوعي المنشق المقيم في باريس ( ميلان كونديرا ) صاحب رواية " خفة الحياة غير المحتملة " ، وقد تركت روايات ( كونديرا ) أثرها في روائيينا ؛ في موضوعاته وفي الشكل الفني ، وأشير هنا مثلا إلى Akram Musallam ورواياته الأولى ، فلم تخل من التأثر ب ( كونديرا ) ، وأنا كتبت سلسلة كتابات " خفة الكائنات غير المحتملة " متأثرا بعنوان روايته المذكورة .
" الحياة كما ينبغي " . كيف ينبغي للحياة أن تكون ؟
ربما احتاج المرء إلى الانتهاء من قراءة الرواية كلها حتى يحصل على الإجابة ، وقد لا يصل إلى نتيجة تسعفه إليها عبارة وردت في النص ، فيجتهد .
الرواية تأتي على حياة سكان قرية يعبد بالدرجة الأولى ومقاومتهم المحتل ، ثم تذهب بنا إلى مخيم جنين ، وهي تصف لنا قسوة الحياة تحت الاحتلال ، فلا أحد يحيا دون أن يتأثر بما يجري . راشد المحمود الشاب الفلسطيني ليس منتميا إلى تنظيم ولكنه يرفض الذل على الحواجز فيحتج وتلفق له تهمة يسجن خمس سنوات بسببها ، وحين يخرج يقرر مقاومة الاحتلال فيهاجم دورية عسكرية ويغدو مطلوبا . تقتحم قريته ويهدم بيته ويتشرد والداه وزوجته وطفله ، وينضم إلى المجموعات المقاومة المطاردة في المخيم .
هكذا هي الحياة وهكذا ينبغي أن تكون : رفض الاحتلال ومقاومة المحتل حتى لو كان الثمن باهظا . ( أنا راشد المحمود أحب خياري هذا ، أحب حياتي هكذا ، أحب هذا المخزن وهذا الكانون وهذه البندقية ، هذه حريتي بالضبط ، هذه حريتي ) ( صفحة ١٠١ ) .
أعتقد أن الدارسين سيتوقفون أمام العنوان وصلته بالنص . كيف ينبغي للحياة أن تكون ؟
لا خلاص تحت الاحتلال ، ولا حياد ويجب الانخراط في الحياة وتقبلها بكل قسوتها حتى لو دفع المرء حياته ثمنا . هذا ما اكتشفه راشد وهو يقضي ليلته الأولى بعد تنفيذ العملية وينام في ثياب شهيد .
في قصيدة " بيروت " كتب محمود درويش :
" بوركت الحياة فوق الأرض لا تحت الطغاة "
وكان تساءل :
- ماذا سنخسر سوى قيودنا .
كلام كثير يمكن أن يثار عن حياتنا تحت الاحتلال وعن شكل المقاومة ، وبعد خمسين عاما من الاحتلال لم يؤد الاستسلام أو السلام إلى حل وكذلك المقاومة أيضا . هدوء ومقاومة وهدوء ومقاومة وهدوء ومقاومة . تأملوا الفترة من ٦٧ إلى ٨٧ ثم الانتفاضة من ٨٧ إلى ٩٣ ثم اتفاق أوسلو من ٩٤ إلى ٢٠٠٠ ثم انتفاضة الأقصى من ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٧ ثم استقرار الضفة نسبيا وحروب غزة و ... ومازال اللاجئون في المنافي واتسع المنفى حتى وصل إلى شمال الكرة الأرضية ، فصار لنا هناك أحياء خاصة أو غيتوات فلسطينية .
حالة سيزيفية عبثية .
( الرواية للكاتب أحمد رفيق عوض )
صباح الخير
خربشات
٢٥ / ٨ / ٢٠٢٢ .
***
6- الكاتب الفلسطيني والشغف بتفاصيل المكان وأشجاره : أحمد رفيق عوض والحياة كما ينبغي :
يهدي أحمد رفيق عوض روايته التاسعة " الحياة كما ينبغي "(٢٠٢٢) إلى " أشجار البلاد وأهلها " ويواصل فعل تحرير فلسطين عبر الكتابة الروائية وشغفه ، مثل روائيين كثر في العقود الأخيرة ، بتفاصيل المكان ، وهذا ما افتقده النثر الفلسطيني تقريبا منذ بداياته وحتى رواية إميل حبيبي " اخطية " ( ١٩٨٥) ، التي عدت فيما اطلعت عليه بداية لسلسلة من الروايات التي نهج أصحابها شكلا من أشكال المقاومة هو الدفاع عن صلة الفلسطيتي بالمكان الذي حاولت الصهيونية أن تبرهن للعالم أنه " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " . طبعا لا ننكر في جنس القصة القصيرة قصص محمد نفاع . حقا إن جمال الحسيني في " على سكة الحجاز " ( ١٩٣٢) وغسان كنفاني في " العاشق " كتبا عن أرض مأهولة وشعب مقاوم ، ولكن التركيز على التفاصيل ظهر بقوة في " اخطية " وفي قصص نفاع .
منذ ١٩٩٣ وعودة عدد كبير من كتاب المنفى بدأت تفاصيل المكان تظهر .
مريد البرغوثي " رأيت رام الله " وفاروق وادي " منازل القلب " ومحمود شقير " ظل آخر للمدينة " وأكرم هنية " شارع فرعي في رام الله " وأسعد الأسعد في " دروب المراثي " وصافي صافي في " زرعين " وغيرهم وغيرهم كتبوا عن رام الله والقدس وزرعين ومؤخرا أحمد رفيق عوض عن قريته يعبد وجارتها عرابة والمدينة القريبة منهما جنين ومخيمها ، ولا يكتفي أحمد بوصف المكان ؛ بيوته وسهوله وشوارعه ، إذ يكتب أيضا عن أشجاره على غرار محمد نفاع المتميز في الكتابة عن الأرض ونباتاتها .
كما ذكرت فإن أحمد يهدي روايته إلى " أشجار البلاد وأهلها " ويبدأ كل مقطع من مقاطعها الثلاثة والعشرين باسم شجرة يكون لها حضور في المقطع الذي أدرج تحتها وغالبا ما تكون هناك صلة بين العنوان والمقطع إذ تسهم الشجرة غالبا بفعل مقاومة كما أهل البلاد ، فثمة شجرة تحمي المقاوم من الانكشاف وتوفر له مظلة الاختباء ، وثمة شجرة تطعمه من ثمرها حين يعز الطعام فلا يجد المقاوم ما يأكله ، وهذه الأشجار تفاجيء أحيانا رجل المخابرات الإسرائيلي أبو السعيد فيكتشف من خلال شغف الفلسطينيين بالأشجار أنه لم يعد يعرفهم ويتساءل عن سبب الشغف ، وأحيانا يغدو مثلهم يحب شرب الشاي بالميرمية ما يدفع المسؤولين عنه إلى التساؤل إن أخذ يتعاطف معهم ويتماثل في طريقة حياته مع حياتهم ، وهذا يسبب له المشاكل ، وتمثل الضحية والتماهي معها ، لكثرة اختلاطه بها اختلاطا ناجما عن ملاحقتها ، فكرة أساسية في الرواية لم تظهر من قبل ظهورها في هذه الرواية . ربما هنا نتذكر رواية الكاتب الإسرائيلي ( ديفيد غروسمان ) التي ترجمت إلى العربية " ابتسامة الجدي " وضابط المخابرات فيها .
تختلف صورة القرية الفلسطينية وأهلها عن صورتهم في رواية سابقة للكاتب " قدرون "(١٩٩٥) اختلافا كليا ، فالصورة السابقة سلبية تماما والصورة الجديدة إيجابية بالكامل ، وهذا ولا شك يدفع قاريء الروايتين للاجتهاد ، وقد لا يجد مشقة في الحصول على إجابة يطمئن إليها ، فما شهدته فترة الاحتلال الإسرائيلي في ٧٠ القرن ٢٠ من هدوء وتوجه للعمل في المصانع الإسرائيلية أعقبه انتفاضة فمرحلة سلام فانتفاضة ثانية فهدوء مشوب بالحذر تتخلله أحداث أشبه بانتفاضات قصيرة ، وفي فترات الانتفاضات يشهد المجتمع الفلسطيني حالة من التكاتف والتعاطف وتصبح صورته مختلفة عن صورته في فترات الهدوء والاسترخاء . إن " الحياة كما ينبغي " تؤرخ لفترة اشتباك مع المحتل عاشتها قرية الكاتب يعبد وعاشتها مدينة جنين ومخيمها .
يمكن إدراج الرواية عموما ضمن الأدب الفلسطيني المقاوم بالمفهوم الذي شاع لأدب المقاومة ، وقد قرأنا نماذج منه في أدبيات نهاية ٧٠ القرن ٢٠ وبداية ثمانينياته حيث كتب غريب عسقلاني رواية " الجوع " (١٩٧٩) وزكي العيلة قصصه " الجبل لا يأتي " (١٩٨٠) . إن مناخ هذه الأعمال الثلاثة وأعمال أخرى يبدو واحدا على الرغم من المسافة الزمنية التي تفصل بينها . يقاوم الفلسطيني المحتل فيحاصر مخيمه وتحاصر قريته وتقتحم بيوته ويحطم أثاثها ويعتقل أبناؤه ولا يرضخ . هذا من ناحية ومن ناحية ثانية يقرأ المرء في الرواية عن المجتمع الإسرائيلي واختلافه يقرأ ما قرأ شبيها له في روايات تلك المرحلة وهنا أخص قصة سميح القاسم الطويلة " الصورة الأخيرة في الألبوم " ( ١٩٧٩) حيث يتعالى اليهودي الغربي الاشكنازي على اليهودي الشرقي . إن والد روتي في قصة القاسم يكره السفارديم ويتعالى عليهم ، وزوجة أبو السعيد الاشكنازية تتعالى عليه هو اليهودي الشرقي وتكون مخبرة عليه تنقل تفاصيل حياته إلى المسؤولين عنه ، وكما انتهت قصة القاسم بانتحار روتي تنتهي رواية أحمد بقتل أبو السعيد زوجته وانتحاره ، ولكن الفلسطيني في رواية أحمد لا يبحث عن مخرج في الرحيل إلى خارج فلسطين كما فعل أحد شخوص قصة سميح ، وإنما يصمد في أرضه منتميا إلى المقاومين في المخيم .
" الحياة كما ينبغي " هو العنوان فكيف ينبغي أن تكون عليه الحياة ؟
يقدم لنا راشد المحمود ما وجب أن يكون عليه ، وهو خريج جامعي عمل موزعا للمواد الغذائية حين عزت الوظيفة وحدث مرة أن احتج على معاناة الفلسطينيين على حاجز من حواجز الاحتلال فألصقت به تهمة محاولة طعن جندي إسرائيلي وهكذا قدم إلى المحاكمة وسجن خمس سنوات ، وحين خرج ، ومع أنه تزوج وأنجب راضخا لرغبة والديه ، قرر مقاومة الاحتلال ، فالحياة ينبغي أن تكون كما قرر " أحب خياري هذا ، أحب حياتي هكذا ، أحب هذا المخزن وهذا الكانون وهذه البندقية ، هذه حريتي ، بالضبط ، هذه حريتي " .
٢٢ إلى ٢٦ / ٨ / ٢٠٢٢ .
***
عادل الأسطة