د. محمد عبدالفتاح عمار - الخطاب الدينى بين الدوافع الذاتية والامنيات الخارجية

ان من الثوابت التى يمكن استخلاصها من تحليل نصوص القران والسنة المطهرة ان الدين الاسلامى يتسم دائما بروح التجديد والاصلاح والتطور القائم على استيعاب كل مستجدات الحياة ومتغيرات الواقع الذى يعيشه المسلم وينبع ذلك من كون الاسلام الدين الخاتم والذى بطبيعة الحال ان يكون جامعا شاملا لكل تطور ملما بكل جديد وإلا حدث نوع من الجمود الذى يؤدى الى التخلف وانهيار الدين لعدم قدرته على استيعاب الحاضر المتغير وبسرعة فائقة
وعلى ذلك يمكن الاستخلاص والبناء على الموجود اما لاخراج حكم المتغير او خلق حكم للجديد المستحدث كل ذلك من الاصول العامة واولها الكتاب الذى لم يفرط فى شئ وثانيها السنة المطهرة التى لم تغفل شئ موجود حال قائم اما ما يتعلق بالمتغير الممتطور بحسب الزمان والمكان اوجديد ولد من رحم الايام وانماط الحياة المتغيرة و العلم ومكتشفاته السريعة والمذهلة فلابد من استنهاض الاجتهاد لمعرفة ما يتعلق بها من احكام وهو ما يمكن ان نطلق عليه التجديد
اذا وباعتبار ان التجديد بهذا المفهوم سمة من سمات الاسلام كما انه ضرورة على المسلمين القيام بها حفظا للدين وبقاء للعقيدة فان ذلك جميعة يمثل دافعا ذاتيا للتجديد فى كل عصر وفى كل زمن بغض النظر عن الدوافع الاخرى او التى تتعلق بغير المسلمين او الواقع العالمى الذى يعيشون فيه [ انظر جاك بيرك جهود التجديد فى الاسلام الحديث بحث فى كتاب الاسلام والفلسفة والعلوم 1981 اليونسكو شيستربيتى ،دبلن
وكذلك الدكتور يوسف القرضاوى الصحوة وهموم الوطن ندوة منتدى الفكر العربى بتعاون مع مؤسسة ال البيت لبحوث الحضارة مارس 1987 تحرير وتقديم دكتور سعد الدين ابراهيم ] فالتجديد يعد مطلبا ذاتيا فى الاسلام باعتبار ان الاسلام يمثل اصلا دافعا للتطور والتقدم [ راجع د احمد عرفات القاضى المرجع السابق ص 35 ]
ورغم ذلك فانه كما اوضحنا فان الخطاب الدينى لايعمل فى بيئة داخلية منفصلة عن العالم الخارجى وان تاثير الغير على الخطاب الدينى موجودوحاضر من جهتين الجهة الاولى محاولة الغير استخدام الخطاب الدينى اما لمصالحة على المستوى الدولى او للنيل من الاسلام على المستوى الفكرى وفى المقابل فان التأثير يظهر من جهة اخرى وذلك من خلال محاولة البعض اظهار ان الحطاب الدينى يتبنى معارف الغير ومفاهيمة وهو مايروج له البعض بعنوان اسلمة المعارف او العلوم بينما نرى انه يجب الا يكون للغير اى دور باعث فى تطوير الخطاب الدينى سواء من ناحية المنهج او المضمون الانه لن نستطيع ننكر ان الدوافع الخارجية الاتية من الضغوط او حتى المعاملات مع الغير سببا من الاسباب الملحة لطرح قضايا الخطاب الدينى لتكون اكثر عالمية وانفتاحا على العالم [ يتناول القضية بالتفصيل نصر ابو زيد فى مقالة تجديد الخطاب الدينى ضرورة معرفية وليس استجابة لاستحقاقات اا سبتمبر
ـ برنارد لويس اين الخلل ترجمة محمد عنانى الطبعة الاولى سطور القاهرة 2003 م
ـ عبد الرحمن حاج ابراهيم خطاب التجديد والبحث عن نموذج معرفى مختلف مجلة التجديد مجلة نصف سنوية محكمة تصدر عن الجامعة الاسلامية العالمية بماليزيا العدد الرابع عشر اغسطس 2003 م
عبد القادر قلاتى الحداثة الاسلامية وتجديد الخطاب الدينى ذاتيا نشأة اسلمة المعرفة ملف موجود على النتلرنت بموقع الاسلام اون لاين 3 /9 /2003 ]
ويمكن القول ان الاسلام باعتباره خاتم الرسالات حوى جميع الكتب السابقة والرسالات السماوية وقيمها ومثلها العليا وهذا الاحتواء كان ضرورة لكونه الرسالة الخاتمة لكل الرسالات وهو ما يقتضى فى المقابل ان تكون هذه الرسالة قادرة على إستيعاب كل جديد والتعامل مع كل مستحدث ومتطور طالما كان نافعا وصالحا
فالاسلام لم يقف احتوائه على كل صحيح وحفظه بل احتوى ايضا التغيرالذى طرأ على الصحيح كما يعرض احيانا فى مقابل غير الصحيح حتى يتضح الصحيح وغير الصحيح [ انظر فى تفصيل ذلك محمد خليفة حسن الاسلام دراسة فى تاريخ الاديان حوليات كلية الاداب جامعة القاهرة المجلد 56 عدد 2 ابريل 1996 ص 65 وما بعدها ]
ولا يجب ان ننسى النص القرانى قوله تعالى فى سورة الرعد( ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ) ان هذا النص وحده كاف وبشده للتاكيد على ان التجديد فى الفقه الاسلامى والخطاب الدينى المعبر عن هذا الفقه هو ضرورة اسلامية وطبيعة من طبائع الدين الاسلامة وانها مسالة مستمرة لا توقف فيها فهى تمثل دافع حقيقى للتطوير وتجديد الفكر ليستقيم مع الاحوال التى يعيش فيها المسلمين
وعليه فان هذا الخطاب سوف يكون بين اهداف يسعى الى تحقيقها فى بيئته الداخلية والخارجية وسبق ان تناولناها وبين متطلبات ملحة يجد نفسه مرغما على التعامل معها داخليا وتلبى احتياجات المجتمع الذى يوجه اليه الخطاب وبين مواجهة متطلبات العالم الخارجى او الغربى من الخطاب الدينى
فما بين الواقع الداخلى والعالم الخارجى يجد الخطاب الدينى نفسه مجبرا على التعامل مع واقعين منفصلين ليس بالضرورة متطابقين من حيث متطلباتهم من الخطاب الدينى
بل على العكس ففى الغالب فان متطلبات العالم الخارجى من الخطاب الدينى لن تكون منسجمة مع الاهداف التى يرمى الخطاب الدينى الى تحقيقها فى الداخل
فالعالم الخرجى كل مايشغله هو مصالحه فى الدول العربية والاسلامية ويهدف من وراء ما يثيره من اشكاليات تتعلق بالخطاب الدينى كتجديد الخطاب الدينى او الخطاب الدينى والغير او الدعوى الى تحجيم دور النصوص فى الخطاب الدينى لصالح اعمال العقل فكل هذه الدعاوى لاتحمل نيات حسنة وليس مقصود بها تحقيق مصلحة الدول العربية اوالاسلامية ومن الحقائق التى لاتقبل جدلا ان اهتمام العالم الغربى بالخطاب الدينى لايكون الا بالقدر الذى يسعى فيه الى تحقيق مصالحه
الحقيقة ان الهدف هو تطويع الخطاب الدينى بجعله متبنيا لرؤى تساعد على تحقيق مصالح الغرب واهدافه فى مناطق دول العالم العربى والاسلامى ومما لاريب فيه ان هذا المصالح تاتى على حساب المصالح الحقيقية لهذه المجتمعات دون نظر الى العبارات الجوفاء الرنانة التى تستعمل فقط للتغطية على مآرب حقيقية لاتخرج عن رؤى استعمارية بالمفهوم الجديد للاستعمار الذى يمكن تلخيصه فى كيفية تحقيق مصالحة السياسية والاقتصادية بل والعسكرية دون اراقة دماء جنودة او استعمال الآته العسكرية حتى ولو كان وسيلة ذلك حروب اهليه اوحروب يقودها الغير لصالحة
ولاشك ان الغرب فى صراعة الحضارى المستمر والذى لن يتوقف باعتباره سنة من سنن الحياة واساس لاستمرارية الكون حتى القيامة لايكف عن الرغبة فى اخضاع او استعمار العالم المقابل له او الذى يحتاج الى ثرواته او جعله سوقا لمنتجاته أو مجرد ذراع لاستخدامها بدل منه كل تلك اهداف قائمة ومستمرة ومع تغير الحياة وتقدم العلم والسرعة الفائقة للتقدم التكنولوجي والتغير التام فى كافة الانماط والمناحى تتطور صور الاستعمار حتى اخذ شكل التبعية الحالية بين الدول الكبرى والدول الصغرى او الاقل حجما من كافة النواحى
هنا تبرز مشكلة الخطاب الدينى اذ انه قد يقف حائلا امام المشروعات والاهداف المعلنة وغير المعلنة للدول الغربية وعلى ذلك فان المشكلة سوف تكون مزدوجة او على مستويين متدرجين المستوى الاول هو كيف يتجنب الغرب حالة العداء مع الخطاب الدينى وما تخلقه هذه الحالة من كراهية لدى المجتمعات الاسلامية للغرب ورفض للتعامل معه قد يصل الى حالة العداء وان كان ذلك فى الغالب لن يكون الا على المستوى الشعبى ولاشك انه ايضا سيكون ذا تاثير هام على صانع القرار ولو على فترات متباعدة وبمظاهر متباينة القوى
المستوى الثانى هو كيفية الوصول مع الخطاب الدينى الى حالة تبدأ من التعايش والقبول الى تطويع هذا الخطاب فى خدمة الغرب وتحقيق اهدافه وليس فقط الاكتفاء بحالة عدم الممانعة او الحياد او السلبية امام المشروع الغربى وانما يكون بتحويل الموقف الى اكثر ايجابية لصالح الغرب واهدافة الاستعمارية
ولاشك ان مثل هذه الاهداف لاتغيب عن المؤسسات المختصة فى الغرب لذا فهى تسعى الى اقامة تحالفت مع اصحاب الخطاب الدينى المعارض سيما التيارات غير الحكومية ضمنا لعدم معارضتها وقد يصل الامر الى مساعدتها للوصول الى السلطة لاستخدامها مرحليا اما فى اهداف معلنة مثل اخراج الاتحاد السوفيتى من منطقة افغانستان او تمكينة من السلطة فى مقابل ضمان سلامة حلفائها مثل اسرائيل والمعاهدات التى تمت مع حماس عند طريق وسيط يتبنى مشروع اسلامى مثل الاخوان المسلمين المفترض ان الجهاد ضد امريكا والغرب واليهود احد مفرداته التى يطلقها فى الشارع وعاش عليها لسنوات طويلة من خلال مناصرية من طلبة الجماعة وكذلك اعضاء النقابات المهنية وعند الوصول للمحك السلطوى ابدى اصحاب الخطاب من منطلق المصلحة مرونه اكثر ممن كانوا يتعاملون مع امريكا مثل نظام مبارك الفاسد
اكثر من ذلك فان وصوال حزب اسلامى ذا خطاب دينى ـ ويناصر التيارات الدينية فى الدول المجاورة ـ فى دولة محورية مثل تركيا وبعيد عن الحالة المصرية او السورية لم يقلل من حجم التعاون بين تركيا واسرائيل بل على العكس جعل منها حليفا قويا استراتيجيا من كافة النواحى ربما اكثر من اى فترة كانت على راس تركيا فيها حكومة مدنية
والخلاصة ان الامنيات الخارجية من الخطاب الدينى تتحول الى ضغوط على هذا الخطاب اما ان تنجح فى تطويعه او تخلق حالة من الصدام وان الاهداف التى تسعى اليها الدول الغربية لاتخرج عن الاهداف الاستعمارية القديمة مع تطويرها او اصباغها بنكهة الحداثة العصرية التى نعيش فيها
وفى الطريق للقاء بين الخطاب الدينى والغرب فانه يبدا من رغبة الغرب فى تطويع يحييد الخطاب الدينى ازاء مصالحها واهدافها الاستعمارية ثم الانتقال الى مرحلة تطويع الخطاب الدينى لخدمة وتحقيق هذه الاهداف وهو مايمثل قمة النجاح للمجتمع الغربى فى تعامله مع الخطاب الدينى
ولا ريب ان الغرب لن يتوانى عن سلوك كل الطرق المشروعة وغير المشروعة للوصول الى هذا الهدف ولاشك ان الوسائل الاخيرة هى الاكثر استخداما وهى التى كشفت عنها تجارب الدول التى تتبنى خطابا دينيا او التيارات الدينية التى اقتربت من السلطة وامسكت بها فى بعض الدول فقد كشفت الايام عن حجم التعاون بين انصار هذا الخطاب واغفالهم لكثيرمن قضايها لصالح الترويج لمصالح الغرب الاستعمارية
اذا كانت هذه هى اهداف الغرب من الخطاب الدينى وهى تبدا بأمانى وضغوط واتفاقات سرية وتنتهى للاسف فى تبنى مصالح الغرب والتعاون معه على حساب القضايا التى قد يكون بعضها اساسى فى مضمون الخطاب الدينى وساهم فى وصول التيار الدينى الى السلطه وجعله من صناع القرار فانه فى المقابل فان الداخل كما قد يكون دافع لتطوير الخطاب الدينى فانه احيانا ما يصطدم مع هذا الخطاب فقد تبدا العلاقة مع الخطاب من مرحلة التبنى او القبول وتنتهى الى مرحلة الرفض او المعادة
بالطبع نحن لا نتناول الخطاب الدينى فى ذاته وانما نتناول الخطاب الدينى فيما يتعرض له عند التطبيق العملى من قبيل من يتبنونه ويروجون لمضمونه واهدافه
اذاكان الغرب يهدف الى الوصول مع الخطاب الدينى الى حالة مصالحة تبدا بالقبول وتنتهى بالانسجام الكامل
الاان الغرب لايكتفى بهذا المسار العملى لتحقيق اهدافة فى الدول الاسلامية بصفة عامة والعربية بصفة خاصة وانما يمارس لتحقيق متطلباته ضغوطا هائلة من الناحية الفكرية والفلسفية على الخطاب الدينى اولها واظهرها نشرتصوير الاسلام على انه دين الجمود والتخلف والارهاب والقتل وسفك الدماء وبدلا من ان يكون الغرب منصفا بعد زيادة رقعة الاتصالات وسهولة المعلومات واصبح العالم مكشوف لبعضه فان الغرب ومفكرية بدلا من تقديمهم الاسلام للمجتمع الغربى فى صورته الحقيقية فانه يعمدون الى تشوية الاسلام والمسلميين بالصاق تهم القتل والارهاب وسفك الدماء بالمسلمين
وان كان ذلك مبررا فى عصور سابقة حيث لم يكن هناك ثمة تواصل ولا اتصال الا من خلال العداء والحروب والغزو من كلا الطرفين ولدوافع مختلفة ليس هنا سبيل لتفنيدها فان هذا التضليل لم يعد مقبولا الآن فى ظل انكشاف العالم على بعضه لا مجرد انفتاحه فقط
ويبرز ذلك فى تركيز الغرب على الجوانب السلبية فى فكر بعض من ينتمون للاسلام وهم لايعبرون عنه ويتخذونهم حجة لتاكيد ان الاسلام دين للقتل والسفك وهتك الأعرض وانتهاك حقوق الغير فوق انه دين الجمود العقلى والتخلف الفكرى
وثاني هذه الوسائل ان الغرب يطلق مصطلحات من صناعته سواء من حيث الواقع الفعلى او من حيث اختيار اللفظ والتسمية فالغرب الذى اوجد الارهاب فى افغانستان وجند المتشددين واصحاب دعوات الجهاد فى غير موضعها ليضرب بهم الاتحاد السوفيتى وسمح بانتقال العديد من العناصر الى افغانستان وتمويلهم وتدريبهم ومساعدتهم اصبح اكثر المتضررين منهم فاذا به يستخدمهم لتشوية الاسلام بزعم ارتكابهم لاحداث11 سبتمبر وحتى لو كان ذلك فلا يجوزحصر الاسلام فى هذه الفئة التى صنعتها مخابرات الدول الغربية وعلى رأسها امريكا
هنا يستخدم الغرب مصطلح الارهاب على مايقوم به هؤلاء من اعمال ثم مايلبس ان ينقل دلالة هذا المصطلح الى غيرها من الاعمال بعيدة الصلة تماما عن ذلك مثل حق المقاومة المشروعة للفلسطنيين او مناهضة الوجود الامريكى فى دولة مثل العراق فلا يوجد تحديد دقيق لما هو ارهاب او مقاومة ، ويرغب الغرب دائما فالاحتفاظ لهذه المصطلحات بقدر من المرونه لاستعمالها كما يشاء فما تاتى به اسرائيل من قتل وسفك فى دول مثل فلسطين او او الغرب فى العراق هو لتحقيق الامن وما ياتية اصحاب الارض من مقاومة الاحتلال هو ارهاب اما المقاومة فلا وجود لها
فالغرب اشبه بالمحقق الفاشل الذى يحتفظ بعدد من الجرائم غير معروف مرتكبيها وقد يكون بعضها وهمى لا اساس له من الواقع فى دولاب التحقيقات ويستطيع من حين لاخر الصاق اتهم بمن يرغب
اخطر مايحققه هذا الضغط الغربى على الخطاب الدينى انه يبقية فى خانة رد الفعل ويجعله دائما فى خندق الدفاع عن النفس دون ان يسمح له بان يتنفس قليلا من الهواء النقى على نحو يستطيع ان يرفع راسه وينشر قيم الاسلام السمحاء ومبادئه فقط يكتفى بالدفاع عن نفسة اوانكار مالحق به من تهم ومحاولة اثبات ان مايقع من طائفة ضالة موجود مثلها فى كل الديانات وشتى العصور لايمثل حقيقته ولا يعبر عن هويته
وللاسف فإن هذه الحالة قد تصل احيانا لدى البعض الى مرحلة الشعور بالنقص والانهزام امام الغرب وان اسواء مايمكن ان تفعله فى البعض هى ان تفقده اقتناعة بذاتية الاسلام وقدراته الحقيقية الفائقة على التطور واستيعاب كل جديد داخل منظومته الفكرية فيجنح الى الغرب محاولا استعارة الافكار والفلسفات الغربية وجذب قماشة الاسلام عليها حتى لو ادى ذلك الى تمزيق القماش وفساد البضاعة فيحولون امثال هؤلاء تنظير القواعد الاسلامية ومنها الخطاب الدينى على اسس غربية وهنا يظهر الابتداع لا الابداع والتبديد لا التجديد
واكثر خطرا من ذلك اخضاع العقيدة الدنية بنصوصها القطعية فى ثبوتها القطعية فى دلالتها لتقييمها وفقا لاسس العقل الغربى وفلسفاته مغفلين الفارق الهام بين الاجتهاد الذى قام به علماء الامة وحتى الرسول صلى الله عليه وسلم فى كثير من الامور وماقطع به المولى او الرسول من احكام قطعية لايجوز اخضاعها للتأويل الفلسفى عكس الاجتهاد باعتباره عملا فكريا وجهدا عقليا بشريا
هذا من جهة ومن جهة اخرى قد تصل الانهزامية الى الحد الذى يقتنع البعض الى انه لا جدوى من الخطاب الدينى وانه لاسبيل للاصلاح الا باعتناق المنظومة الغربية بكل جوانبها ، وانه يتعين ان يكون الاسلام دينا فى المساجد لايبرحها وانه اذا خرج الى الحياة فلا يفرز الا تعطيلها ومنع اى تطوير اوتقدم حقيقى للمجتمع لجمود افكاره وتراجعها لمسافة بعيدة عن واقع العصردون ان تستطيع مواكبته وانه لايملك اى وسائل تعينه على ذلك لذا يجب ان ينحى من واقع الحياة ويبقى مجرد شعائر تمارس فى دور العبادة اوالمناسبات الدينية فقط اما الالتحام بالحياة واستيعابها والقدرة على التفاعل معها ايجابا فذلك امر مشكوك فيه بل توجد القناعة الكاملة لدى البعض فى عدم امكانية ذلك اساسا
وفى كل ذلك لايمكن اغفال ان لبعض اصحاب الخطاب الدينى دورا فى مساعدة الغرب على ذلك فبينما يكون الناس مشغولين بالحقوق والحريات للمواطنين او تحديث مناهج التعليم يطلق البعض جدلا حول رضاع الكبير او مضاجعة الزوجة الميتة وهل النقاب فرض ام سنة وهل ياثم المسلم لعدم تربية لحيته من عدمه ويغرق المجتمع فى بحر من المنافشات الشكلية الغير منتجة وحتى لو كانت ذات اهمية فى مجال الاخلاق او العبادة فان لاتؤثر على المجتمع فى عمومة ولا تمثل اولويات لمرحلة رانت على المجتمعات الاسلامية فيها سحب التخلف والانهزام وتداعت عليها الامم كما تتداعى الاكلة على قصعتها
ويصبح المسلمين حقيقة وواقعا كغثاء السيل عددا بلاقيمة وامم فى اواخر الامم لاتملك من امرها شيئا استسلمت بارادتها لغرب لايريد لها ان تنهض من كبوتها وكيف ذلك وقد اهملت قدرتها الذاتية وانكرت على نفسها تفوقها وتميزها وانتظرت الغير لييصنع لها امرها فيختار لها من السئ للاسوء دون أى محاولة حقيقية منها للنهوض
واذا كان ذلك بالنسبة للغرب والذى تدور العلاقة بينة وبين الخطاب الدينى للمجتمعات الاسلامية والعربية بين ضغوط يمارسها بقسوة وعنف وشدة وبلاهوادة فكرا وعملا ليجنى من ورائعها تحقيق امنياته على نحو تصبح واقعا ملموسا ففى فان المجتمع الداخلى يهدف من الخطاب الدينى ليس المساهمة فى بناء عقيدة المجتمع او الارتقاء بسلوكه الدينى والخلقى او الاجتماعى فقط بل على العكس تكون الاولويات المطلوبة من الخطاب الدينى خارج مضمونه الدعوى تماما وهى تحقيق العدالة الاجتماعية والرفاهية الاقتصادية فالبيئة الاجتماعية التى يعيش فيها متلقى الخطاب الدينى تلعب دورا اساسيا فى تبنتى الخطاب من عدمه
سيما ان الخطاب الدينى فى كل الدول الاسلامية التى تعانى مشكلات اقتصادية واجتماعية ويعيش الفرد فيها فى حالة مظلومية دائمة يقدم الخطاب الدينى نفسه على انه المنقذ والمخلص من هذه المشاكل وانه يمتلك الدواء السحرى والناجع للقضاء على ألام المجتمع فورا بل والانتقال الى حالة تحقيق امالة وطموحاته وفى اسرع وقت ممكن
هنا تكون الدوافع الذاتية للمجتمع على قدر كبير من الدفع لصالح تبنى هذا الخطاب وقد برز ذلك وبشده فى الانتخابات الطلبية والنقابات المهنية والتى حققت فيها التيارات الدينية نجاحا ملموسا وملحوظا فى تسعينيات القرن الماضى فى مصر والعديد من الدول العربية
المشكلة ليست فى تبنى هذا الخطاب وانما حينما يصل هذا الخطاب الى موضع اومكانه تجعلة قادراعلى تحقيق اهدافة التى تصبح تعبيرا عن اهداف البسطاء وحلمهم الاساسى واى كان القول حول ان هذ الخطاب قد اخذ فرصته كاملة لتحقيق اهدافة فى دولة مثل مصر الفترة التى وصلت فيها جماعة الاخوان المسلمين الى السلطه لكن الذى نستطيع ان نقطع به ان الفترة التى كانت فيها هذه الجماعة على راس الحكم وببساطة شديدة كان هدفها الاساسى ليس تحقيق هذه الاحلام او اهداف الخطاب الدينى بل تمكين افرادها وانصارها من مفاصل الدولة والدخول فى صراع غير مبرر مع مؤسسة مثل مؤسسة القضاء أو الاعلام اوغيره وبدلا من الانشغال بحاجات المواطن الذى توحد مع اهداف الخطاب الدينى المروج له وجعلها فى الصف الاول انشغلت بصراعات السلطة بل انها لم تصدر قرارا واحدا ينبئ عن مشروعها نحو تطبيق الشريعة كنظام للحكم او الاقتصاد المصرى
وبقدر الابتعاد عن حاجات الفرد واحلامه وطموحاته كان التاييد لمن دعوا الى ثورة ضد هذا الجماعة والذى هو فى حقيقته ثورة على الخطاب الدينى الذى تبنته هذه الجماعة رغم ان الغير لم يقدم مشروعا ملموسا او محددا فى حينها الا ان الفشل الذى صنعته هذه الجماعة وتغافلها عن حاجات الناس كان هو السبب الاساسى فى نجاح ثورة 30 يونيو وانهيار مشروع الخطاب الدينى الذى تبنته هذا الجماعة ولم يبقة مؤيدا لها الا من لايفرقون بين الدين والخطاب الدينى وبين الدين والشخوص الى جانب طبقة المنتفعين او المستفيدين او اصحاب الفكرة الاصلية الذين لايرجعون ما اقترفت ايديهم من خيانة للمشروع الاسلامى الذى تبنوه والمشروع الاسلامى ككل بعد ان اتيحت لهم فرصة ذهبية ربما لن تتكرر فى القريب العاجل او حتى البعيد جدا
ان التجربة المصرية كشفت عن ضرورة احترام الخطاب الدينى لاهدافه التى اشاعها والتى ايده الناس من اجل تطبيقها وان الخطاب الدينى الذى يقوم على رؤية دينية دعوية وحياتية لايستطيع حينما يكون فى موقع السلطة قصر خطابه على الجانب الدعوى والتصرف فى الشق الحياتى وفقا لمفهوم المصالح او باسلوب الساسة مع اغفال متطلبات الناس العادلة التى تجد لها سندا لها فى الخطاب الدينى
وانه عند الاقدام على ذلك ومحاولة شغل الناس بالجانب الدعوى فقط لن يكون هناك اى ظهير للخطاب الدينى بل سيكون هذا الخطاب عرضة للثورة عليه من مناصريه قبل الغير
وهو ما يؤكد ما سبق ان قلناه من المجتمع الداخلى الذى يعيش فيه الخطاب الدينى قد يكون دافع لتطوير الخطاب الدينى فانه احيانا ما يصطدم مع هذا الخطاب فقد تبدا العلاقة مع الخطاب من مرحلة التبنى او القبول وتنتهى الى مرحلة الرفض او المعادة
واذا كان الخطاب الدينى ينطلق من ان الدين الاسلامى دين ودولة عقيدة وحياة فلايجب ان يغفل ذلك وان يعمل على قدم وساق لخدمة الغرضين وإلا سيدفع الثمن غاليا وسيجد الناس تلفظه كاسلوب حياة وتتبنى غيره من التظريات المناهضة تماما لهذا الخطاب
لقد كشفت التجربة المصرية عن اهمية احترام الدوافع الداخلية للمجتمع واهدافه فالناس فى مصر لايؤيدون اصحاب الخطاب الدينى ولايفوضونهم فى السلطة نيابة عنهم لانهم اكثر صلاة او زكاة اوصوم او تعبد وانما لسبب غاية فى البساطة والوضوح انهم صدقوا انهم يملكون مشروع حياتى دنيوى يرتكز على قيم الاسلام من شانه ان يقضى على مشكلهم ويحقق طموحاتهم ففى اللحظة التى يشعر الناس بعدم المصداقية فى هذا الاتجاه لن يحتاجوا الى من يدفعهم الى الثورة على هذا الخطاب بل سيكون الدافع هو بطونهم الجائعة وجيوبهم الخاوية واحلامهم التى لاتجد سبيلا للحياة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى