116- معين بسيسو في ذكراه: في يوميات طوفان الأقصى
في طوفان الأقصى كان معين بسيسو يطل علي من خلال كتبه ومقالاته.
من خلال «دفاتر فلسطينية» و»يوميات غزة» و»شمشون ودليلة» وبعض قصائده.. ولأنني واحد ممن كتبوا يوميات الطوفان فلم تخل من نصوصه. هنا أربع يوميات في ذكراه:
1 - ترحيل غزة: فكرة قديمة - جديدة، «مشروع سيناء مشروع قديم»:
للأب الروحي للصهيونية (ثيودور هرتسل) رواية عنوانها «أرض قديمة جديدة» (١٩٠٢) يتصور فيها عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة شركة تعاونية فيها.
نعم شركة تعاونية! والعبارة وردت في الصفحات الأخيرة من الرواية.
ويعمل اليهود العائدون من دول العالم فيها بروح التسامح وتقبل المستوطنين الأوائل للمستوطنين القادمين بعدهم والتعايش معاً، وتفريغ القدس من السكان وتحويلها إلى منطقة سياحية ودينية يؤمها السياح من العالم كله.
تدرج المشروع الصهيوني حتى أسفر عن نكبة ١٩٤٨، وظلت غزة سهماً في الخاصرة يزعجهم، بخاصة أن اللاجئين تدفقوا إليها، فصارت عبئاً على إسرائيل، وبلغ الأمر بـ (إسحق رابين) أن تمنى أن يصحو، ذات صباح، ويجد البحر قد ابتلعها.
في هذه الأيام يريد (بنيامين نتنياهو) تغيير خارطة الشرق الأوسط، فما كان سائداً قبل ٧/ ١٠/ ٢٠٢٣ لن يعود إلى سابق عهده، وهكذا كثر تناقل وسائل الإعلام الحديث عن ترحيل أهل غزة، ليتم بعد ذلك ترحيل سكان الضفة الغربية إلى الأردن.
فكرة التهجير «فكرة قديمة - جديدة» تعود إلى ١٩٥٥، وقد تبنتها أميركا وقاومها الغزيون وكان معين على رأس المظاهرات التي حاربت المشروع، وقد كتب عن هذا في «دفاتر فلسطينية» (١٩٧٨):
«إنهم يجلسون على الأرصفة ويتوهمون أنهم يعرفون كل الذي يجري في الكابيتول، ولكن الجماهير في غزة التي تمشي فوق الأرصفة كانت تعرف الذي حدث في محطة السكة الحديد في غزة. عشرات الجنود المصريين والسودانيين تم ذبحهم بالسناكي وآخرون تحت الأنقاض، واللاجئون الذين تظاهروا في مخيم البريج ضد الغارة الإسرائيلية على محطة السكة الحديد في غزة.
كأن الإسرائيليين أرادوا أن يقولوا:
- ليس هناك من يحميكم من مشروع سيناء.
وأخطأت الساقية الإسرائيلية الحساب فلم يمش إليها الحليب المغشوش بالماء في حواصل أطفال اللاجئين» (صفحة ٥٦).
رفع الحزب الشيوعي يومها شعار: «كتبوا مشروع سيناء بالحبر، وسنمحو مشروع سيناء بالدم».
وهتف معين:
- لا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان.
وعلى فكرة فإن بيته كان في الرمال.
الرئيس الأميركي (جو بايدن) واصل مشروع سلفه (ايزنهاور). (١٦/ ١٠/ ٢٠٢٣)
2 - لكي نفهم ما يجري في غزة:
ثانية أعود إلى مسرحية «شمشون ودليلة» والسبب تكرار ما قاله (بنيامين نتنياهو) من أنه يشن حرباً وجودية.
قرأ معين، قبل أن يكتب مسرحيته، مذكرات (ياعيل دايان) الحربية التي كتبتها في حزيران ١٩٦٧، وكانت مراسلة حربية في سيناء، وفي مذكراتها تورد ما دار من حوار بينها وبين من رافقتهم من الجنود والضباط الذين رأوا أن ما يعني لغيرهم هزيمة يعني لهم الفناء، فهم لا يحتملون هزيمة واحدة.
صاغ معين الحوار على لسان راحيل وشمشون، ولطالما كررته في كتاباتي، وتفترض الظروف الحالية تكراره.
تخاطب راحيل شمشون قائلة:
« - شمشون.../ قدرك أن تكسر.../ أو تنكسر»
فيرد عليها:
«لا بد وأن نكسر...».
ووجهة نظرها أن لليهود قدراً آخر غير جميع الناس، إذ لهم قدر الأجراس إن كفت تقرع ماتت. إنهم كالمحكوم عليهم بأن يضربوا بأيديهم السكين فلا يجرحون، فلو سال الدم ماتوا وقاتلهم هو الجرح الأول:
«إما أن نكسر / أو ننكسر».
هل انكسر الفلسطيني؟
تنتهي المسرحية بمخاطبة ريم الفلسطينية شمشون قائلة:
«در حول المدفع.../هذا هو طاحونك يا شمشون.../ستظل تدور إلى أن تسقط.../ هذا هو قدرك../ هذا هو قدرك..».
ويظل شمشون يدور حول قاعدة المدفع ويلهث حتى تبطئ حركته رويداً رويداً «والأضواء تخفت في اتساق مع حركته الأخيرة».
من سيرفع هذه المرة الأعلام البيض التي رفعناها في حزيران ١٩٦٧؟
هل تنبأ معين بسيسو بنتيجة هذه الحرب أم أنني مغرق في التفاؤل؟ (٥ حزيران ٢٠٢٤).
3 - غزة الآن بحاجة إلى كاتب يقيم فيها يكون بحجم معين، ليكتب لنا عن جراحاتها من داخلها وبعنفوانه وشاعرية لغته.
من سيحقق من كتابها المقيمين فيها الآن لنا هذا الطلب؟ من سيكتب عن جوليات الفلسطيني بمقلاعه البسيط الذي سيمرغ الدبابة الداوودية العملاقة بالوحل؟ من سيكتب عن دليلة الفلسطينية التي سترشد قومها إلى سر شمشون؟
أهي أمنيات أم أنها ترف الكتابة لكاتب برجوازي يده في الماء لا في نار جهنم؟؟!!
4 - نلقاكم في كشوف القتلى على شاطئ غزة:
لو كان معين على قيد الحياة وشاهد شريط الفيديو الذي نشره الجنود الإسرائيليون يصورون اقتحامهم شقة في جنين ويعصبون أعين سكانها ويقيدون أيديهم خلف ظهورهم، وأصغى إلى قائدهم المتعجرف يسأل جنوده، وهو جالس على الكنبيات يؤرجل وهم يأكلون شرائح البطاطا (الشيبس)، يسألهم عن أمنياتهم التي غلبت عليها الرغبة في الاستحمام على شاطئ غزة، لو كان معين على قيد الحياة لكتب قصيدة على غرار قصيدته «نلقاكم في كشوف القتلى على جبهة السويس» وجعل عنوانها «نلقاكم في كشوف القتلى على شاطئ غزة».
***
117- مـسـاحـة الـكـتـابـة عـن غـزة في أربع روايات فلسطينية
قرأت في ٢٠٢٥ أربع روايات فلسطينية صدرت في العام المذكور، والتفت إلى مساحة حضور ما جرى في غزة فيها. والروايات هي «القبر رقم 49» لعاطف أبو سيف و»دابة الأرض» لأحمد رفيق عوض و «منزل الذكريات» و»خريف آخر» لمحمود شقير، وللأخير كتاب عنوانه «حفيدة من هناك» لم أقرأه، وللأسف لم أقرأ لعبد الله تايه روايته التي صدرت في الحرب. [قرأت أيضاً رواية عارف الحسيني «نص أشكنازي» وصدرت في ٢٠٢٤ ويقف زمنها الروائي قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣].
عاش عاطف في غزة الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، ويقيم عوض في رام الله وشقير في القدس، وما زال عبد الله يقيم في غزة.
في الحرب حنق بعض الغزيّين على أهل الضفة الغربية ومناطق ١٩٤٨ في أن أكثريتهم واصلت حياتها كما لو أن لا شيء يحدث في غزة ولا صلة لهم فيها. (استثنى الحانقون مناطق جنين وطولكرم وطوباس وطمون ومخيم الفارعة، فقد عانت بعض ما عاناه أهل غزة).
لا أريد أن أخوض في الموضوع، فما يهمني هو مقدار انشغال الروائيين وشخصياتهم الروائية بما كان يجري في غزة. هل اهتموا وشخصياتهم بالحدث أم أنهم كانوا منصرفين إلى عوالم أخرى.
الزمن الروائي في ثلاث روايات يمتد إلى زمن نشرها - أي ٢٠٢٥، وأستثني رواية شقير «خريف آخر» فزمنها الروائي يعود إلى ما قبل ١٩٦٧.
جرت أحداث رواية عاطف كلها في غزة في فترة طوفان الأقصى، وقد خصصتها بمقالة (الأيام الفلسطينية ٤ / ٥ / ٢٠٢٥). ينتهي زمن الرواية الروائي في شباط ٢٠٢٤، وقد قصت عن الأشهر الخمسة الأولى من الحرب التي أنفق منها الكاتب ثلاثة في غزة. هكذا شغلت الحرب مساحة الرواية كلها، وكان عاطف يكتب يوميات الحرب حتى اليوم ٨٧ تقريباً، يوم مغادرته القطاع. لقد شغل ما جرى هناك اهتمامه كله.
في رواية عوض «دابة الأرض» تذكر أحداث طوفان الأقصى في ١٤ صفحة من ٢٩٥ صفحة، وفي رواية شقير تذكر في صفحة من ١٨٢ صفحة. هذا تقريبي.
غالباً ما يأتي شخوص «دابة الأرض»، وهم من رموز السلطة الفلسطينية الذين يتصارعون فيما بينهم، ومن أبناء الضفة الغربية، غالباً ما يأتون على ذكر طوفان الأقصى لتبيان انعكاسه على واقع حياتهم، ولا يقتصر ذكر الحرب على الشخصيات العربية، فهو يرد على لسان شخصيات إسرائيلية أيضاً تتواصل مع الشخصيات الفلسطينية بحكم التنسيق الأمني بين الطرفين. لنأخذ عينة من العبارات:
«يشدد العدو الخناق على الجميع. بعد السابع من أكتوبر تغير كل شيء».
«السابع من أكتوبر أعطاهم الذريعة ليعيدوا الأمر إلى مربعه الأول. احتلال عسكري متوحش»، «ولم يجد كفاح ما يفعل إلا... أو متابعة الأخبار المتلاحقة التي كانت تضخ فظائع بشرية في غزة وشمال الضفة الغربية المحتلة»، «إن الأوضاع في المنطقة بعد السابع من أكتوبر تحتاج رؤية جديدة تفترض تسوية أمنية بالدرجة الأولى..»، «كان سامي ينقل للناجي... أخبار المذبحة التي نفذها المحتل في غزة بحق المواطنين الجوعى المتحلقين حول شاحنة محملة بالدقيق..». «قال الخال: هل هناك أكثر مما جرى ويجري في غزة».
في رواية شقير التي تتناص مع روايتَي كاتبين عالميين هما (ياسوناري كاواباتا) «الجميلات النائمات» و (غابرييل غارسيا ماركيز) «ذاكرة غانياتي الحزينات»، وتحكي عن شيخوخة مواطن مقدسي، نقرأ:
«بلادنا تئن تحت وطأة محتلين استعماريين عنصريين فاشيين دمروا قطاع غزة بقذائف وصواريخ، فاقت في قوتها التدميرية ثلاثة أضعاف القنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما، ولا يكفّون عن تهويد أرضنا وقدسنا، وهم يتفننون في إهانة كرامتنا وإلحاق الأذى بنا بمختلف الوسائل والأساليب».
في ٣ / ١ / ٢٠٢٦ كتبت في يومياتي الآتي:
«لم تنته الحرب وانتهت متابعة أخبارها:
أمس تركت المذياع، منذ الخامسة فجراً حتى الثامنة مساء، نشطاً. أحياناً أرفع الصوت وأحياناً أخفضه، حسب الضرورة.
في ساعات المساء أصغيت إلى صوت ام كلثوم، من إذاعة أجيال، فقلت:
- عادت الحياة كما كانت قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣.
لأول مرة، منذ التاريخ المذكور، أستمع إلى أغنية كاملة للحاجة.
في الصباح كنت أتابع أخبار اقتحامات نابلس التي صارت عادة أخذ أهل المدينة يألفونها كما كان الأمر قبل العام ١٩٨٧. كأننا لا رحنا ولا جينا.
في نص «ليل الضفة الطويل» ١٩٩٣ دونت شيئاً عما ألفه بعض سكان المدينة: الصداقة مع جنود دروز ترددوا على بيوت الناس.
..........................................
أمس مساء كان البرد يلسع، وفي ساعات الفجر من هذا اليوم تبدو البرودة أشد ما يكون. أنا في بيتي والتدفئة مشعولة وكان الله في عون أهل قطاع غزة الذين يرتجفون الآن من البرد الذي يخر في عظامهم».
انتهت الحرب ولم تنته الكتابة عنها، ولسوف تبدأ في الرواية وفي القصص وفي الشعر أيضاً.
ستكبر مساحة الكتابة بمقدار اتساع مساحة الألم والمعاناة والشعور بالفقد.
***
في طوفان الأقصى كان معين بسيسو يطل علي من خلال كتبه ومقالاته.
من خلال «دفاتر فلسطينية» و»يوميات غزة» و»شمشون ودليلة» وبعض قصائده.. ولأنني واحد ممن كتبوا يوميات الطوفان فلم تخل من نصوصه. هنا أربع يوميات في ذكراه:
1 - ترحيل غزة: فكرة قديمة - جديدة، «مشروع سيناء مشروع قديم»:
للأب الروحي للصهيونية (ثيودور هرتسل) رواية عنوانها «أرض قديمة جديدة» (١٩٠٢) يتصور فيها عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة شركة تعاونية فيها.
نعم شركة تعاونية! والعبارة وردت في الصفحات الأخيرة من الرواية.
ويعمل اليهود العائدون من دول العالم فيها بروح التسامح وتقبل المستوطنين الأوائل للمستوطنين القادمين بعدهم والتعايش معاً، وتفريغ القدس من السكان وتحويلها إلى منطقة سياحية ودينية يؤمها السياح من العالم كله.
تدرج المشروع الصهيوني حتى أسفر عن نكبة ١٩٤٨، وظلت غزة سهماً في الخاصرة يزعجهم، بخاصة أن اللاجئين تدفقوا إليها، فصارت عبئاً على إسرائيل، وبلغ الأمر بـ (إسحق رابين) أن تمنى أن يصحو، ذات صباح، ويجد البحر قد ابتلعها.
في هذه الأيام يريد (بنيامين نتنياهو) تغيير خارطة الشرق الأوسط، فما كان سائداً قبل ٧/ ١٠/ ٢٠٢٣ لن يعود إلى سابق عهده، وهكذا كثر تناقل وسائل الإعلام الحديث عن ترحيل أهل غزة، ليتم بعد ذلك ترحيل سكان الضفة الغربية إلى الأردن.
فكرة التهجير «فكرة قديمة - جديدة» تعود إلى ١٩٥٥، وقد تبنتها أميركا وقاومها الغزيون وكان معين على رأس المظاهرات التي حاربت المشروع، وقد كتب عن هذا في «دفاتر فلسطينية» (١٩٧٨):
«إنهم يجلسون على الأرصفة ويتوهمون أنهم يعرفون كل الذي يجري في الكابيتول، ولكن الجماهير في غزة التي تمشي فوق الأرصفة كانت تعرف الذي حدث في محطة السكة الحديد في غزة. عشرات الجنود المصريين والسودانيين تم ذبحهم بالسناكي وآخرون تحت الأنقاض، واللاجئون الذين تظاهروا في مخيم البريج ضد الغارة الإسرائيلية على محطة السكة الحديد في غزة.
كأن الإسرائيليين أرادوا أن يقولوا:
- ليس هناك من يحميكم من مشروع سيناء.
وأخطأت الساقية الإسرائيلية الحساب فلم يمش إليها الحليب المغشوش بالماء في حواصل أطفال اللاجئين» (صفحة ٥٦).
رفع الحزب الشيوعي يومها شعار: «كتبوا مشروع سيناء بالحبر، وسنمحو مشروع سيناء بالدم».
وهتف معين:
- لا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان.
وعلى فكرة فإن بيته كان في الرمال.
الرئيس الأميركي (جو بايدن) واصل مشروع سلفه (ايزنهاور). (١٦/ ١٠/ ٢٠٢٣)
2 - لكي نفهم ما يجري في غزة:
ثانية أعود إلى مسرحية «شمشون ودليلة» والسبب تكرار ما قاله (بنيامين نتنياهو) من أنه يشن حرباً وجودية.
قرأ معين، قبل أن يكتب مسرحيته، مذكرات (ياعيل دايان) الحربية التي كتبتها في حزيران ١٩٦٧، وكانت مراسلة حربية في سيناء، وفي مذكراتها تورد ما دار من حوار بينها وبين من رافقتهم من الجنود والضباط الذين رأوا أن ما يعني لغيرهم هزيمة يعني لهم الفناء، فهم لا يحتملون هزيمة واحدة.
صاغ معين الحوار على لسان راحيل وشمشون، ولطالما كررته في كتاباتي، وتفترض الظروف الحالية تكراره.
تخاطب راحيل شمشون قائلة:
« - شمشون.../ قدرك أن تكسر.../ أو تنكسر»
فيرد عليها:
«لا بد وأن نكسر...».
ووجهة نظرها أن لليهود قدراً آخر غير جميع الناس، إذ لهم قدر الأجراس إن كفت تقرع ماتت. إنهم كالمحكوم عليهم بأن يضربوا بأيديهم السكين فلا يجرحون، فلو سال الدم ماتوا وقاتلهم هو الجرح الأول:
«إما أن نكسر / أو ننكسر».
هل انكسر الفلسطيني؟
تنتهي المسرحية بمخاطبة ريم الفلسطينية شمشون قائلة:
«در حول المدفع.../هذا هو طاحونك يا شمشون.../ستظل تدور إلى أن تسقط.../ هذا هو قدرك../ هذا هو قدرك..».
ويظل شمشون يدور حول قاعدة المدفع ويلهث حتى تبطئ حركته رويداً رويداً «والأضواء تخفت في اتساق مع حركته الأخيرة».
من سيرفع هذه المرة الأعلام البيض التي رفعناها في حزيران ١٩٦٧؟
هل تنبأ معين بسيسو بنتيجة هذه الحرب أم أنني مغرق في التفاؤل؟ (٥ حزيران ٢٠٢٤).
3 - غزة الآن بحاجة إلى كاتب يقيم فيها يكون بحجم معين، ليكتب لنا عن جراحاتها من داخلها وبعنفوانه وشاعرية لغته.
من سيحقق من كتابها المقيمين فيها الآن لنا هذا الطلب؟ من سيكتب عن جوليات الفلسطيني بمقلاعه البسيط الذي سيمرغ الدبابة الداوودية العملاقة بالوحل؟ من سيكتب عن دليلة الفلسطينية التي سترشد قومها إلى سر شمشون؟
أهي أمنيات أم أنها ترف الكتابة لكاتب برجوازي يده في الماء لا في نار جهنم؟؟!!
4 - نلقاكم في كشوف القتلى على شاطئ غزة:
لو كان معين على قيد الحياة وشاهد شريط الفيديو الذي نشره الجنود الإسرائيليون يصورون اقتحامهم شقة في جنين ويعصبون أعين سكانها ويقيدون أيديهم خلف ظهورهم، وأصغى إلى قائدهم المتعجرف يسأل جنوده، وهو جالس على الكنبيات يؤرجل وهم يأكلون شرائح البطاطا (الشيبس)، يسألهم عن أمنياتهم التي غلبت عليها الرغبة في الاستحمام على شاطئ غزة، لو كان معين على قيد الحياة لكتب قصيدة على غرار قصيدته «نلقاكم في كشوف القتلى على جبهة السويس» وجعل عنوانها «نلقاكم في كشوف القتلى على شاطئ غزة».
***
117- مـسـاحـة الـكـتـابـة عـن غـزة في أربع روايات فلسطينية
قرأت في ٢٠٢٥ أربع روايات فلسطينية صدرت في العام المذكور، والتفت إلى مساحة حضور ما جرى في غزة فيها. والروايات هي «القبر رقم 49» لعاطف أبو سيف و»دابة الأرض» لأحمد رفيق عوض و «منزل الذكريات» و»خريف آخر» لمحمود شقير، وللأخير كتاب عنوانه «حفيدة من هناك» لم أقرأه، وللأسف لم أقرأ لعبد الله تايه روايته التي صدرت في الحرب. [قرأت أيضاً رواية عارف الحسيني «نص أشكنازي» وصدرت في ٢٠٢٤ ويقف زمنها الروائي قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣].
عاش عاطف في غزة الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، ويقيم عوض في رام الله وشقير في القدس، وما زال عبد الله يقيم في غزة.
في الحرب حنق بعض الغزيّين على أهل الضفة الغربية ومناطق ١٩٤٨ في أن أكثريتهم واصلت حياتها كما لو أن لا شيء يحدث في غزة ولا صلة لهم فيها. (استثنى الحانقون مناطق جنين وطولكرم وطوباس وطمون ومخيم الفارعة، فقد عانت بعض ما عاناه أهل غزة).
لا أريد أن أخوض في الموضوع، فما يهمني هو مقدار انشغال الروائيين وشخصياتهم الروائية بما كان يجري في غزة. هل اهتموا وشخصياتهم بالحدث أم أنهم كانوا منصرفين إلى عوالم أخرى.
الزمن الروائي في ثلاث روايات يمتد إلى زمن نشرها - أي ٢٠٢٥، وأستثني رواية شقير «خريف آخر» فزمنها الروائي يعود إلى ما قبل ١٩٦٧.
جرت أحداث رواية عاطف كلها في غزة في فترة طوفان الأقصى، وقد خصصتها بمقالة (الأيام الفلسطينية ٤ / ٥ / ٢٠٢٥). ينتهي زمن الرواية الروائي في شباط ٢٠٢٤، وقد قصت عن الأشهر الخمسة الأولى من الحرب التي أنفق منها الكاتب ثلاثة في غزة. هكذا شغلت الحرب مساحة الرواية كلها، وكان عاطف يكتب يوميات الحرب حتى اليوم ٨٧ تقريباً، يوم مغادرته القطاع. لقد شغل ما جرى هناك اهتمامه كله.
في رواية عوض «دابة الأرض» تذكر أحداث طوفان الأقصى في ١٤ صفحة من ٢٩٥ صفحة، وفي رواية شقير تذكر في صفحة من ١٨٢ صفحة. هذا تقريبي.
غالباً ما يأتي شخوص «دابة الأرض»، وهم من رموز السلطة الفلسطينية الذين يتصارعون فيما بينهم، ومن أبناء الضفة الغربية، غالباً ما يأتون على ذكر طوفان الأقصى لتبيان انعكاسه على واقع حياتهم، ولا يقتصر ذكر الحرب على الشخصيات العربية، فهو يرد على لسان شخصيات إسرائيلية أيضاً تتواصل مع الشخصيات الفلسطينية بحكم التنسيق الأمني بين الطرفين. لنأخذ عينة من العبارات:
«يشدد العدو الخناق على الجميع. بعد السابع من أكتوبر تغير كل شيء».
«السابع من أكتوبر أعطاهم الذريعة ليعيدوا الأمر إلى مربعه الأول. احتلال عسكري متوحش»، «ولم يجد كفاح ما يفعل إلا... أو متابعة الأخبار المتلاحقة التي كانت تضخ فظائع بشرية في غزة وشمال الضفة الغربية المحتلة»، «إن الأوضاع في المنطقة بعد السابع من أكتوبر تحتاج رؤية جديدة تفترض تسوية أمنية بالدرجة الأولى..»، «كان سامي ينقل للناجي... أخبار المذبحة التي نفذها المحتل في غزة بحق المواطنين الجوعى المتحلقين حول شاحنة محملة بالدقيق..». «قال الخال: هل هناك أكثر مما جرى ويجري في غزة».
في رواية شقير التي تتناص مع روايتَي كاتبين عالميين هما (ياسوناري كاواباتا) «الجميلات النائمات» و (غابرييل غارسيا ماركيز) «ذاكرة غانياتي الحزينات»، وتحكي عن شيخوخة مواطن مقدسي، نقرأ:
«بلادنا تئن تحت وطأة محتلين استعماريين عنصريين فاشيين دمروا قطاع غزة بقذائف وصواريخ، فاقت في قوتها التدميرية ثلاثة أضعاف القنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما، ولا يكفّون عن تهويد أرضنا وقدسنا، وهم يتفننون في إهانة كرامتنا وإلحاق الأذى بنا بمختلف الوسائل والأساليب».
في ٣ / ١ / ٢٠٢٦ كتبت في يومياتي الآتي:
«لم تنته الحرب وانتهت متابعة أخبارها:
أمس تركت المذياع، منذ الخامسة فجراً حتى الثامنة مساء، نشطاً. أحياناً أرفع الصوت وأحياناً أخفضه، حسب الضرورة.
في ساعات المساء أصغيت إلى صوت ام كلثوم، من إذاعة أجيال، فقلت:
- عادت الحياة كما كانت قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣.
لأول مرة، منذ التاريخ المذكور، أستمع إلى أغنية كاملة للحاجة.
في الصباح كنت أتابع أخبار اقتحامات نابلس التي صارت عادة أخذ أهل المدينة يألفونها كما كان الأمر قبل العام ١٩٨٧. كأننا لا رحنا ولا جينا.
في نص «ليل الضفة الطويل» ١٩٩٣ دونت شيئاً عما ألفه بعض سكان المدينة: الصداقة مع جنود دروز ترددوا على بيوت الناس.
..........................................
أمس مساء كان البرد يلسع، وفي ساعات الفجر من هذا اليوم تبدو البرودة أشد ما يكون. أنا في بيتي والتدفئة مشعولة وكان الله في عون أهل قطاع غزة الذين يرتجفون الآن من البرد الذي يخر في عظامهم».
انتهت الحرب ولم تنته الكتابة عنها، ولسوف تبدأ في الرواية وفي القصص وفي الشعر أيضاً.
ستكبر مساحة الكتابة بمقدار اتساع مساحة الألم والمعاناة والشعور بالفقد.
***