116- معين بسيسو في ذكراه: في يوميات طوفان الأقصى
في طوفان الأقصى كان معين بسيسو يطل علي من خلال كتبه ومقالاته.
من خلال «دفاتر فلسطينية» و»يوميات غزة» و»شمشون ودليلة» وبعض قصائده.. ولأنني واحد ممن كتبوا يوميات الطوفان فلم تخل من نصوصه. هنا أربع يوميات في ذكراه:
1 - ترحيل غزة: فكرة قديمة - جديدة، «مشروع سيناء مشروع قديم»:
للأب الروحي للصهيونية (ثيودور هرتسل) رواية عنوانها «أرض قديمة جديدة» (١٩٠٢) يتصور فيها عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة شركة تعاونية فيها.
نعم شركة تعاونية! والعبارة وردت في الصفحات الأخيرة من الرواية.
ويعمل اليهود العائدون من دول العالم فيها بروح التسامح وتقبل المستوطنين الأوائل للمستوطنين القادمين بعدهم والتعايش معاً، وتفريغ القدس من السكان وتحويلها إلى منطقة سياحية ودينية يؤمها السياح من العالم كله.
تدرج المشروع الصهيوني حتى أسفر عن نكبة ١٩٤٨، وظلت غزة سهماً في الخاصرة يزعجهم، بخاصة أن اللاجئين تدفقوا إليها، فصارت عبئاً على إسرائيل، وبلغ الأمر بـ (إسحق رابين) أن تمنى أن يصحو، ذات صباح، ويجد البحر قد ابتلعها.
في هذه الأيام يريد (بنيامين نتنياهو) تغيير خارطة الشرق الأوسط، فما كان سائداً قبل ٧/ ١٠/ ٢٠٢٣ لن يعود إلى سابق عهده، وهكذا كثر تناقل وسائل الإعلام الحديث عن ترحيل أهل غزة، ليتم بعد ذلك ترحيل سكان الضفة الغربية إلى الأردن.
فكرة التهجير «فكرة قديمة - جديدة» تعود إلى ١٩٥٥، وقد تبنتها أميركا وقاومها الغزيون وكان معين على رأس المظاهرات التي حاربت المشروع، وقد كتب عن هذا في «دفاتر فلسطينية» (١٩٧٨):
«إنهم يجلسون على الأرصفة ويتوهمون أنهم يعرفون كل الذي يجري في الكابيتول، ولكن الجماهير في غزة التي تمشي فوق الأرصفة كانت تعرف الذي حدث في محطة السكة الحديد في غزة. عشرات الجنود المصريين والسودانيين تم ذبحهم بالسناكي وآخرون تحت الأنقاض، واللاجئون الذين تظاهروا في مخيم البريج ضد الغارة الإسرائيلية على محطة السكة الحديد في غزة.
كأن الإسرائيليين أرادوا أن يقولوا:
- ليس هناك من يحميكم من مشروع سيناء.
وأخطأت الساقية الإسرائيلية الحساب فلم يمش إليها الحليب المغشوش بالماء في حواصل أطفال اللاجئين» (صفحة ٥٦).
رفع الحزب الشيوعي يومها شعار: «كتبوا مشروع سيناء بالحبر، وسنمحو مشروع سيناء بالدم».
وهتف معين:
- لا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان.
وعلى فكرة فإن بيته كان في الرمال.
الرئيس الأميركي (جو بايدن) واصل مشروع سلفه (ايزنهاور). (١٦/ ١٠/ ٢٠٢٣)
2 - لكي نفهم ما يجري في غزة:
ثانية أعود إلى مسرحية «شمشون ودليلة» والسبب تكرار ما قاله (بنيامين نتنياهو) من أنه يشن حرباً وجودية.
قرأ معين، قبل أن يكتب مسرحيته، مذكرات (ياعيل دايان) الحربية التي كتبتها في حزيران ١٩٦٧، وكانت مراسلة حربية في سيناء، وفي مذكراتها تورد ما دار من حوار بينها وبين من رافقتهم من الجنود والضباط الذين رأوا أن ما يعني لغيرهم هزيمة يعني لهم الفناء، فهم لا يحتملون هزيمة واحدة.
صاغ معين الحوار على لسان راحيل وشمشون، ولطالما كررته في كتاباتي، وتفترض الظروف الحالية تكراره.
تخاطب راحيل شمشون قائلة:
« - شمشون.../ قدرك أن تكسر.../ أو تنكسر»
فيرد عليها:
«لا بد وأن نكسر...».
ووجهة نظرها أن لليهود قدراً آخر غير جميع الناس، إذ لهم قدر الأجراس إن كفت تقرع ماتت. إنهم كالمحكوم عليهم بأن يضربوا بأيديهم السكين فلا يجرحون، فلو سال الدم ماتوا وقاتلهم هو الجرح الأول:
«إما أن نكسر / أو ننكسر».
هل انكسر الفلسطيني؟
تنتهي المسرحية بمخاطبة ريم الفلسطينية شمشون قائلة:
«در حول المدفع.../هذا هو طاحونك يا شمشون.../ستظل تدور إلى أن تسقط.../ هذا هو قدرك../ هذا هو قدرك..».
ويظل شمشون يدور حول قاعدة المدفع ويلهث حتى تبطئ حركته رويداً رويداً «والأضواء تخفت في اتساق مع حركته الأخيرة».
من سيرفع هذه المرة الأعلام البيض التي رفعناها في حزيران ١٩٦٧؟
هل تنبأ معين بسيسو بنتيجة هذه الحرب أم أنني مغرق في التفاؤل؟ (٥ حزيران ٢٠٢٤).
3 - غزة الآن بحاجة إلى كاتب يقيم فيها يكون بحجم معين، ليكتب لنا عن جراحاتها من داخلها وبعنفوانه وشاعرية لغته.
من سيحقق من كتابها المقيمين فيها الآن لنا هذا الطلب؟ من سيكتب عن جوليات الفلسطيني بمقلاعه البسيط الذي سيمرغ الدبابة الداوودية العملاقة بالوحل؟ من سيكتب عن دليلة الفلسطينية التي سترشد قومها إلى سر شمشون؟
أهي أمنيات أم أنها ترف الكتابة لكاتب برجوازي يده في الماء لا في نار جهنم؟؟!!
4 - نلقاكم في كشوف القتلى على شاطئ غزة:
لو كان معين على قيد الحياة وشاهد شريط الفيديو الذي نشره الجنود الإسرائيليون يصورون اقتحامهم شقة في جنين ويعصبون أعين سكانها ويقيدون أيديهم خلف ظهورهم، وأصغى إلى قائدهم المتعجرف يسأل جنوده، وهو جالس على الكنبيات يؤرجل وهم يأكلون شرائح البطاطا (الشيبس)، يسألهم عن أمنياتهم التي غلبت عليها الرغبة في الاستحمام على شاطئ غزة، لو كان معين على قيد الحياة لكتب قصيدة على غرار قصيدته «نلقاكم في كشوف القتلى على جبهة السويس» وجعل عنوانها «نلقاكم في كشوف القتلى على شاطئ غزة».
***
117- مـسـاحـة الـكـتـابـة عـن غـزة في أربع روايات فلسطينية
قرأت في ٢٠٢٥ أربع روايات فلسطينية صدرت في العام المذكور، والتفت إلى مساحة حضور ما جرى في غزة فيها. والروايات هي «القبر رقم 49» لعاطف أبو سيف و»دابة الأرض» لأحمد رفيق عوض و «منزل الذكريات» و»خريف آخر» لمحمود شقير، وللأخير كتاب عنوانه «حفيدة من هناك» لم أقرأه، وللأسف لم أقرأ لعبد الله تايه روايته التي صدرت في الحرب. [قرأت أيضاً رواية عارف الحسيني «نص أشكنازي» وصدرت في ٢٠٢٤ ويقف زمنها الروائي قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣].
عاش عاطف في غزة الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، ويقيم عوض في رام الله وشقير في القدس، وما زال عبد الله يقيم في غزة.
في الحرب حنق بعض الغزيّين على أهل الضفة الغربية ومناطق ١٩٤٨ في أن أكثريتهم واصلت حياتها كما لو أن لا شيء يحدث في غزة ولا صلة لهم فيها. (استثنى الحانقون مناطق جنين وطولكرم وطوباس وطمون ومخيم الفارعة، فقد عانت بعض ما عاناه أهل غزة).
لا أريد أن أخوض في الموضوع، فما يهمني هو مقدار انشغال الروائيين وشخصياتهم الروائية بما كان يجري في غزة. هل اهتموا وشخصياتهم بالحدث أم أنهم كانوا منصرفين إلى عوالم أخرى.
الزمن الروائي في ثلاث روايات يمتد إلى زمن نشرها - أي ٢٠٢٥، وأستثني رواية شقير «خريف آخر» فزمنها الروائي يعود إلى ما قبل ١٩٦٧.
جرت أحداث رواية عاطف كلها في غزة في فترة طوفان الأقصى، وقد خصصتها بمقالة (الأيام الفلسطينية ٤ / ٥ / ٢٠٢٥). ينتهي زمن الرواية الروائي في شباط ٢٠٢٤، وقد قصت عن الأشهر الخمسة الأولى من الحرب التي أنفق منها الكاتب ثلاثة في غزة. هكذا شغلت الحرب مساحة الرواية كلها، وكان عاطف يكتب يوميات الحرب حتى اليوم ٨٧ تقريباً، يوم مغادرته القطاع. لقد شغل ما جرى هناك اهتمامه كله.
في رواية عوض «دابة الأرض» تذكر أحداث طوفان الأقصى في ١٤ صفحة من ٢٩٥ صفحة، وفي رواية شقير تذكر في صفحة من ١٨٢ صفحة. هذا تقريبي.
غالباً ما يأتي شخوص «دابة الأرض»، وهم من رموز السلطة الفلسطينية الذين يتصارعون فيما بينهم، ومن أبناء الضفة الغربية، غالباً ما يأتون على ذكر طوفان الأقصى لتبيان انعكاسه على واقع حياتهم، ولا يقتصر ذكر الحرب على الشخصيات العربية، فهو يرد على لسان شخصيات إسرائيلية أيضاً تتواصل مع الشخصيات الفلسطينية بحكم التنسيق الأمني بين الطرفين. لنأخذ عينة من العبارات:
«يشدد العدو الخناق على الجميع. بعد السابع من أكتوبر تغير كل شيء».
«السابع من أكتوبر أعطاهم الذريعة ليعيدوا الأمر إلى مربعه الأول. احتلال عسكري متوحش»، «ولم يجد كفاح ما يفعل إلا... أو متابعة الأخبار المتلاحقة التي كانت تضخ فظائع بشرية في غزة وشمال الضفة الغربية المحتلة»، «إن الأوضاع في المنطقة بعد السابع من أكتوبر تحتاج رؤية جديدة تفترض تسوية أمنية بالدرجة الأولى..»، «كان سامي ينقل للناجي... أخبار المذبحة التي نفذها المحتل في غزة بحق المواطنين الجوعى المتحلقين حول شاحنة محملة بالدقيق..». «قال الخال: هل هناك أكثر مما جرى ويجري في غزة».
في رواية شقير التي تتناص مع روايتَي كاتبين عالميين هما (ياسوناري كاواباتا) «الجميلات النائمات» و (غابرييل غارسيا ماركيز) «ذاكرة غانياتي الحزينات»، وتحكي عن شيخوخة مواطن مقدسي، نقرأ:
«بلادنا تئن تحت وطأة محتلين استعماريين عنصريين فاشيين دمروا قطاع غزة بقذائف وصواريخ، فاقت في قوتها التدميرية ثلاثة أضعاف القنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما، ولا يكفّون عن تهويد أرضنا وقدسنا، وهم يتفننون في إهانة كرامتنا وإلحاق الأذى بنا بمختلف الوسائل والأساليب».
في ٣ / ١ / ٢٠٢٦ كتبت في يومياتي الآتي:
«لم تنته الحرب وانتهت متابعة أخبارها:
أمس تركت المذياع، منذ الخامسة فجراً حتى الثامنة مساء، نشطاً. أحياناً أرفع الصوت وأحياناً أخفضه، حسب الضرورة.
في ساعات المساء أصغيت إلى صوت ام كلثوم، من إذاعة أجيال، فقلت:
- عادت الحياة كما كانت قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣.
لأول مرة، منذ التاريخ المذكور، أستمع إلى أغنية كاملة للحاجة.
في الصباح كنت أتابع أخبار اقتحامات نابلس التي صارت عادة أخذ أهل المدينة يألفونها كما كان الأمر قبل العام ١٩٨٧. كأننا لا رحنا ولا جينا.
في نص «ليل الضفة الطويل» ١٩٩٣ دونت شيئاً عما ألفه بعض سكان المدينة: الصداقة مع جنود دروز ترددوا على بيوت الناس.
..........................................
أمس مساء كان البرد يلسع، وفي ساعات الفجر من هذا اليوم تبدو البرودة أشد ما يكون. أنا في بيتي والتدفئة مشعولة وكان الله في عون أهل قطاع غزة الذين يرتجفون الآن من البرد الذي يخر في عظامهم».
انتهت الحرب ولم تنته الكتابة عنها، ولسوف تبدأ في الرواية وفي القصص وفي الشعر أيضاً.
ستكبر مساحة الكتابة بمقدار اتساع مساحة الألم والمعاناة والشعور بالفقد.
***
118- مذاقات الموت والركام: رواية من غزة عن الحرب
«مذاقات الموت والركام: الحرب على غزة» رواية من غزة للقاص والروائي عبد الله تايه صدرت في فترة الحرب عن الحرب، وبذلك يتطابق الزمنان الكتابي والروائي، بل وأيضاً زمن السرد.
وكان قسمان منها نشرا في كتابين أصدرهما عاطف أبو سيف، الأول «كتابة خلف الخطوط: يوميات الحرب على غزة»، وفيه نشر عبد الله «مذاقات الموت والركام» [- ج٣ ص ٧٥ إلى ص ٨٥» (٢٠٢٤)] وهي يوميات كتبها في «اليوم الواحد بعد المئة لما يسمى الحرب»، والثاني «استعادات مقلقة: يوميات غزة»، وفيه نشر «رسالة من الحرب إلى غريب عسقلاني» مكتوبة في ٤ حزيران ٢٠٢٤ [الكتاب الأول ص ٢٥٣ - ٢٥٧ (٢٠٢٥ )].
تجري أحداث الرواية في قطاع غزة ويقص أنا المتكلم الذي يعيش تجربة الحرب نازحاً من شمال غزة إلى مدينة دير البلح التي عرفها وتردد من قبل عليها، يقص حكايات الحرب ويرى أنها «ليست مجرد قتل للأبرياء وتهجيرهم عنوة، ولكنها قتل للإنسانية حين لا يعترف القاتل بحقوق الغير».
إنها استمرار قتل قابيل لأخيه هابيل، على الرغم من أن الثاني لم يبسط يده للقتل.
وتجنيسها على أنها رواية يعد تجاوزاً، فحجمها هو حجم النوفيلا/ القصة الطويلة، ولولا الحرب وأجواؤها، التي تجمع شتات الحكايات لكانت أقرب إلى القصص القصيرة والنصوص النثرية التي يتخذ أحدها شكل الرسالة «رسالة إلى غريب عسقلاني/ إبراهيم الزنط»، وفيها يعلمه بما ألم بأهل قطاع غزة، ويقول له إنه استراح فلم يرَ ما لحق بالنساء، ويستطرد في وصف معاناتهن.
تتشكل الرواية - وأكرر تجاوزاً - من عناوين يتصدرها العنوان «المدينة الهادئة» وفيه يحكي السارد عن دير البلح تاريخياً وعلاقته بها، ويليه العنوان «مذاقات الموت والركام» ويقع في أحد عشر مقطعاً تتصدرها الأرقام من 1 - 11، وفيها يسرد حكاية الرحيل من الشمال والإقامة في دير البلح، ويأتي على وسائل التنقل متذكراً ما كتبه الكاتب جميل السلحوت عن حماره، فقد غدا الحمار في الحرب وسيلة الركوب وقدم لأهل قطاع غزة خدمة كبيرة.
كانت الحياة جحيماً لا يطاق يصحو الناس على صوت الزنانة وينامون كذلك وينتظرون هدنة ما، فثمة نقص في المواد الغذائية التي ارتفعت أسعارها في مدينة صغيرة اكتظت بالبشر.
ويسرد بقية الرواية تحت عناوين يمكن أن يقرأ أكثرها منفصلاً، فهو مكتفٍ بذاته: حكاية/ الحرب على غزة/ المقهى والصبي الصغير/ رسالة من الحرب إلى غريب عسقلاني/ إلى الأسلاك الشائكة/ فنجان في مدينة النزوح/ لماذا فعلت ما فعلت/ مقهى في زمن الحرب/ سردية الحياة والموت.
ما أدرج تحت عنوان «حكاية» يحكي عن إسماعيل أبو محمود الذي هاجر أهله في نكبة ١٩٤٨ من «عاقر» وأقاموا في مخيم جباليا، ثم زار معهم بيته الذي سكنته عائلة يهودية عراقية قدمت من البصرة، بل وعمل في البيت ومرة أخذ يبحث عن ذهب خبأته جدته في الجدار، فانتبهت إليه سارة التي تحن إلى بلدها.
حكاية تشبه الحكاية التي كتب عنها إميل حبيبي في «المتشائل» ١٩٧٤، والحكاية التي كتب عنها إلياس خوري في «باب الشمس» ١٩٩٨.
وقد تكون فضيلة الرواية أنها شهادة من داخل غزة عن الحرب فيها كتبت في ظروف صعبة قلقة تبدو الكتابة فيها ضرباً من الضرورة التي لا تكترث بالجماليات إلا قليلاً.
من الرواية نقرأ:
«تمر الأيام، تزداد جداول وأرقام عَدِّ الضحايا،....، يلجأ مزيدٌ من الناس إلى الخيام، يعيشون حياة بائسة...؛ لا طعام، ولا ماء، ولا كهرباء، ولا طرق، ولا صرف صحي، ولا مواد تنظيف، ولا أدوية، ولا أمان، ولا مواصلات سوى الأقدام وعربات الكارو،.... وتنتشر الروائح الكريهة....، ومع كل صوت زنانة، أو هدير طائرة، أو صرخة مدفع، يسقط مزيدٌ من الأبرياء....، تنتشر الأمراض والأوبئة،....، وتزداد فظاعة القتل، والقصف، والموت، ويأتي جيش من المحللين، والساسة، والكذابين، وكل كلامهم لا يروي عطش طفل، ولا يداوي جراح مصاب، ولا يملأ معدة جائع.
يكذب الساسة،.....، تُرك الناس لأقدارهم،.....، يسكنهم الهمُّ والشقاء، وتصبح الحكاية نوع المساعدات لا وقف الحرب،......
انقطع عمل الناس وذهبت بيوتهم، ومدخراتهم، وأحباؤهم، تحرقهم القنابل....، والشمس فوق الخيام، ونقص في كل شيء، ونفاد كل مصدر للحياة، ينتظرون بشارة أمل لوقف الحرب، ترى أين عمر؟ وسعيد؟ وبقية أولاد الحارة؟.... من منهم لا يزال على قيد الحياة؟ ومن منهم طار مع دخان القصف؟ وحين يأتي سؤال السماء من ذا الذي سيجرؤ على الإجابة؟ فسواء متنا في الحرب، أو بقينا بعد الحرب، سيظلُّ موج البحر في غزة يعلن استمرار الحياة، وستنادي ملائكة بيض الثياب في كل ليلة على من دُفنوا على استعجال، أو دفنوا أشلاءً، فيستيقظون من نومهم، يجلسون في حلقة كبيرة وواسعة جداً، يلفهم نور سماوي، وتهبُّ عليهم نسمات باردة معطَّرة، فترتسم على وجوههم ابتسامات الحياة، ويملؤهم النور بالسكينة والرضا. أما عمر وسعيد ومن ظل حيَّا من أولاد الحارة فسيلبسون ملابس البحر المزركشة، ويغطسون في بحر غزة فتغسل أوجاعهم موجة بعد موجة، وضحكاتهم ستملأ الأرض والسماء».
***
[119- محمود درويش: لا شيء يعجبني
ما الذي يعجب أهل قطاع غزة وما الذي لا يعجبهم؟
يبدو أن لسان حالهم صار سطر محمود درويش "لا شيء يعجبني".
في الحرب، استحضر عديدون منهم نماذج من أشعار الشاعر أو كتبوا متأثرين بها. وكنت في "هوامش من وحي ما يجري في غزة" كتبت عن حضور أشعاره في الحرب "صدى للصدى" (٢٤/ ١/ ٢٠٢٥) و"مطار أثينا وقطاع غزة" (١٠/ ٨/ ٢٠٢٥)" و"تل الزعتر وبيروت وغزة: ثلاث قصائد لمحمود درويش" (٣١/ ٨/ ٢٠٢٥). والآن أثير السؤال:
ماذا لو تتبعنا حضور سطره قبل الحرب وفي أثنائها وبعدها؟
هل سنكتب مثل ما كتبه عباد يحيى في "رام الله الشقراء" تحت عنوان "في استغلال الغياب" (صفحة ٤٠)، وما كتبه لا يغيب عن ذهن قارئ الرواية ممن يلاحظون الكثرة المفرطة في استحضار أشعار درويش "أم سنكرر: الحالة تستحضر ما ينطبق عليها؟".
في بداية الشهر، كتبت يوميات "غزة في كتابات أبنائها"، والتفت إلى ما كتبه عبد الكريم عاشور في ٨/ ١/ ٢٠٢٦ تحت عنوان "لا شيء يعجبني".
لقد كتب، إنه منذ ستين عاما وهو جار البحر "لم أفارقه، ولم يفارقني. إلى حد أن بيتي الأخير، الذي دُمر، كانت نوافذه تفتح مباشرةً على شاطئه"، وحين اضطر للنزوح إلى جنوب قطاع غزة، حرص أن يسكن قريبًا من البحر. وعندما عاد من الجنوب إلى ما تبقى من مدينة غزة، قال: "سأبحث عن قهوة أو كافتيريا مطلة على البحر، أذهب إليها كعادتي اليومية، بعد أن دُمرت كل المقاهي والمطاعم التي أحببتها".
ذهب إلى كافتيريا قريبة من مخيم الشاطئ. فبدت من الخارج مكانًا مناسبًا. ولكن ما إن دخل وجلس على مقعد يواجه البحر، حتى جاءه شاب متجهم ليبلغه أن المكان مخصص للعائلات فقط، ويُمنع على "الأفراد أمثاله" الجلوس، إلا بصحبة فتاة… كي يصبح عائلة! مع أن عمره تجاوز السبعين عامًا، فاضطر للمغادرة، خصوصًا أن المكان المخصص "للأفراد" كان مكتظًا بصبية وشباب صغار.
غادر لأن هذا المكان لا يعجبه. بعدها ذهب إلى أطلال مطعم حيفا القديم، المكان الأقرب إلى قلبه، والمحمل بذكرياتٍ جميلة. وجلس على حجرٍ يستعيد ما كان، لكنه استفاق فجأة على رائحة كريهة؛ يبدو أنها من مياه المجاري التي تتسرب بهدوء من وادي غزة المحاذي للبحر، لتغمر المكان. والأدهى من ذلك، مشهد صيادي الشباك الفقراء، وهم يصطادون أسماكًا ملوّثة قرب مصب المجاري. فغادر المكان، عائدًا إلى شقّته البائسة التي لا تعجبه هي الأخرى؛
لقد استأجرها اضطرارًا في حي النصر المدمّر، متحمّلًا جشع أصحاب الشقق الذين يفرضون الإيجار الذي يشاؤون.
"لا شيء يعجبني… ويبدو أنني لم أعد أُعجب أحدًا".
في 20/ 1/ 2026 أرسل إلي أكرم الصوراني ما كان كتبه في ٢٠/ ٢/ ٢٠١٩ "لا شيءَ يُعْجبُني..".
"يقول مسافرٌ في الباص.. لا شيءَ يُعْجبُني/ لا العرق ولا رائحة الغرق ولا الانتظار ولا الزحمة على حاجز قلنديا وصالة أبو يوسف النجار. أُريد أن أبكي./ يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المعبر وابْكِ وحدك ما استطعت.
تقول سيّدةٌ: أَنا أَيضاً. أنا لا شيءَ يُعْجبُني. لا الحسوكه بعد منتصف الليل ولا ابني الذي لم يشرب الحليب ولا اللعبة التي لم يلعبها، أعْجَبَهُ الموت ونامَ في الثلاجة ولم يُوَدِّعْني./ يقول الجامعيُّ: ولا أَنا لا شيءَ يعجبني. لا شهادة التخرج ولا شحادة الرصيف./ يقول الرصيف: ولا أنا لا شيء يعجبني لا الشارع ولا مطب اليمين ولا مطب اليسار ولا رمزون السرايا ولا إشارة (قف) ولا إشارة الأيديولوجيا ولا طخ الشعارات ولا الجنازات ولا طخ المسيرات وضخ الذل وضخ المجاري./ أَجِد الهُوِيَّةَ وحدها لا زالت تعجبني في طابور الكوبونه. هل أنا حقاً أَنا أم محض طحين وسمنه وعلبة سردين؟/ ويقول جنديٌّ: أَنا أَيضاً. أَنا لا شيءَ يُعْجبُني. أقبض على الناس ولا أقبض قوتي.. شَبَح الراتب يُحاصِرُني./ يقولُ السائقُ العصبيُّ: يلعن أبو الشيكل. يقول الركاب: يلعن أبوه.../ يصرخون: نريدُ ما بَعْدَ الموت.. فانطلق واخبط رأسنا بالحائط!
أمَّا أنا فأقول: أنْزِلْني هنا. أنا مثلهم لا شيء يعجبني. لا الحياة تعجبني ولا الموت يعجبني ولكني تعبتُ من الأمل.. فانزلونا تحت الأرض واحكموا المقبرة".
مع الاعتذار من محمود درويش.
ذكرني ما سبق بما كتبته في ١٨/ ١١/ ٢٠١٢ عن حرب غزة "حالات: حالة حصار، لا شيء يعجبني"، وافتتحته بالآتي:
"وأنت تعدّ لكتابة مقال تتكئ فيه إلى رؤى/ كوابيس/ منامات تبدأ الحرب. تتذكر ديوان محمود درويش "حالة حصار" (2002) وأسطره: "كتبت عن الحبّ عشرين سطراً/ فخيل لي/ أن هذا الحصار تراجع عشرين متراً". وأنهيته بـ"لا رغبة في الكتابة، "لا شيء يعجبني". هل تعبت من الكتابة أم تعبت من السفر أم تعبت من الحصار، "لا شيء يعجبني".
عندما قرأ الشاعر حسن جلنبو موجزا لما سأكتب عنه، علق أنه كتب في ٢٠٢١ قصيدة تحاكي قصيدة درويش ونشرها في ديوانه "وشهد شاهد من أهله".
***
120- اللامعقول الذي صار معقولاً: عما جرى في مقبرة الشجاعية
عندما قرأت ما كتبه الناشط سعيد محمد الكحلوت يوم الاثنين ٢٦/ ١/ ٢٠٢٦ تذكرت قصص أكرم هنية المبكرة في مجموعته الأولى «السفينة الأخيرة.. الميناء الأخير» (١٩٧٩).
ما كان خيالا وقرأناه في القصص يتحقق على أرض الواقع.
كتب سعيد:
[تخيل أنك ميت في قبرك، تكمل بهدوء رحلة الغياب، وفجأة - هكذا فجأة - يُفتح عليك غطاء الضريح، ثم يُزاح الكفن عن تفاصيل العدم، وتمتد الأيادي على دفعات: هذا يكسر عظمة فكك، وهذا يزيح ما تبقى من عظام فخذك، وذاك يمسح بمادة لزجة بقايا جمجمتك.
ثم تحملك أيادٍ عملاقة تلقي بك خارج القبر.. تضربك الشمس، وفي الليل يصير ما تبقى فيك من لحم جاف عشاءً لكلب ضال استطاع أن يصل إليك، بعد أن يئس من أن يجد أي قطعة لحم من أجساد رفاقك الموتى في ذات المقبرة.
في الصباح، سيحتفل العالم أنه قد وجد أخيراً الجثة الأخيرة التي أعاقت تقدمه، ورفعت سعر الذهب، وكانت سبباً في كل مشكلات كوكب الأرض!
ماذا عنك وقد صرت عظاماً مبعثرة خارج قبرك المؤقت؟!
أنت رقم؛ سيقال: (كان في المقبرة 300 جثة، وقد استطعنا بفضل رعاية الرب ودعم العالم الحر الوصول للجثة المطلوبة). هل رأيت نفسك في هذا الرقم؟ 300 جثة، وما أنت إلا بعض عظام أخذت رقم 7، أو 67، أو حتى 89.. لا يهم، المهم أنك رقم عابر ينساك العالم.
سينتهي المشهد، ويُغلق الملف، ويُشطب الرقم من كشوفات (المؤقت) ليُقيد في كشوفات (الدائم). ستبقى أنت (بقايا رقم)، وسأبقى أنا أبحث بين القصص عن إنسان كان يحب الحياة ويسمع الموسيقى ويحفظ الشعر ويرقص كلما اقتحم الفرح حياته وربما مات جائعا. وقد كان له اسم لا يتسع له رقم.]،
والدكتور سعيد محمد الكحلوت هو أخصائي الصحة النفسية وكاتب من غزة/ فلسطين وناشط كتب في المقتلة باستمرار وكنت أتابع منشوراته.
ما كتب عنه ليس خيالا أو من أدب اللامعقول، مع أنه بدأ منشوره يخاطب القارئ بالفعل «تخيل أنك»، وكانت مناسبة كتابته بحث جيش الاحتلال الإسرائيلي في اليوم المشار إليه عن جثة الإسرائيلي الأسير الأخيرة في غزة. وفي الموضوع، كتب كثيرون عن موتانا وموتى الإسرائيليين وعن جثث الفلسطينيين وجثث اليهود وكيفية التعامل معها، وكتب عديدون متسائلين إن كان تسليم الجثة الأخيرة سينعكس إيجابا على حياة المواطنين. من ذلك ما كتبه الصحافي محمد الذهبي ساخرا:
[بعد استعادة آخر جثمان في قطاع غزة الذي تم سحقه ومحقه وذبحه بدون مقابل..
الإنجاز الوحيد إني اشتريت ثلاث أناناسات بعشرة شيقل، آه كمان غرقوا البلد أفوكادو وناقص يدخلولنا مشروبات من اللي بالي بالك علشان تزهزه معنا عالآخر.. ورغم الأناناس والأفوكادو والشوكولاتة والصودا، لساتها المستشفيات ما فيها أدوية، ولساتنا عاطلين عن العمل، عن الحب، عن الأمل، وعن الحياة! الله يرحمك يا أحمد زكي؛ كله في الهجايص!]
وكما ذكرت، فإن نص الكحلوت أعادني إلى قصص هنية التي قرأت أولاها قبل أن أتعرف إليه، وكتبت عنها يوم صدورها عن منشورات مكتبة شروق للكاتب أسعد الأسعد، ونشرته في جريدة «الاتحاد» الحيفاوية، وقد التفت فيها إلى توظيف المخيلة للكتابة عن الواقع، وفيها تنبأ كاتبها بضياع القدس وتهويدها، فقد صحا أهل المدينة ذات نهار ولاحظوا سرقة قبة الصخرة، ومرة ثانية كتبت عن هذا تحت عنوان «الأدب والنبوءة» متناولا القصة «بعد الحصار قبل الشمس بقليل» (٢٨ / ٧ / ٢٠١٧) وكنت حللت القصة كاملة.
وأنا أقرأ عما فعله الإسرائيليون في مقبرة الشجاعية تذكرت قصة «تلك القرية.. ذلك الصباح»، وهي قصة تحكي حدثا متخيلا يتمثل في مصادرة إسرائيل مقبرة فلسطينية لإقامة مستوطنة عليها، وفي المقبرة ميت هو أبو محمود القاسمي.
يحس القاسمي بضجة غير عادية، فيفتح عينيه قليلا ويصغي بهدوء ليعود من ثم إلى إغلاقهما، متوقعا أن الصمت سيسود مرة أخرى، ولكن الضجة تتصاعد فيتأفف قائلا:
«- حتى الموتى لا يستطيعون النوم بهدوء».
صحوة «أبو محمود» كانت بعد عشرين عاما من وفاته. ينظر حوله فيرى عالما آخر. حتى بيته لا يراه فقد تهدم. يرى جرافة ضخمة تنتهك حرمة المقبرة يسوقها رجل ليس من القرية. إنه رجل تبدو ملامحه أشبه باليهود. يستبد الفضول بـ»أبو محمود» يريد أن يعرف ماذا يحدث، وحين يصرخ جندي لمرآه، ويطلب منه التوقف يسأله: من أنت؟ فيرد: ومن أنت؟
ماذا سيفعل الإسرائيليون مع الميت القادم من قبره؟ أيسجنونه؟ كيف يسجنون رجلا خرج من القبور؟
الأهم مما سبق هو إزالة المقبرة، ويقرر الحاكم العسكري إبعاده إلى الضفة الأخرى، وهو ما يرفضه أبو محمود الذي يلقي بنفسه في النهر.
هل حدث شيء من هذا في مقبرة الشجاعية؟
ربما! ولكن الأهم من استرجاع جثة الإسرائيلي الأسير هو إبعاد أبو محمود القاسمي إلى الضفة الأخرى، وفي حال وضع أهل قطاع غزة فهو تهجيرهم أولا وأخيرا، وهذا ما كان يفكر فيه الإسرائيليون منذ خمسينيات القرن العشرين وكتب عنه الشاعر معين بسيسو الذي مرت ذكرى وفاته قبل أيام. هل تذكرون كتابه «دفاتر فلسطينية»؟
المطلوب هو «أرض أكثر وعرب أقل».
***
121- هوامش من وحي ما يجري في غزة : ماذا لو استقبلت حماس بنيامين نتنياهو بأغصان الزيتون؟
في غزة وفي خارجها لي أصدقاء غزيون كثيرون تعرفنا إلى بعضنا من خلال الفيسبوك ومن خلال الأدب ، وغالبا ما تجادلنا معا منذ بدأ طوفان الأقصى حوله وكثيرا ما اختلفت آراؤنا ، وقسم منهم يصر على تحميل المسؤولية لحماس حيث رأى فيما أقدمت عليه عملا انتحاريا ، وأنا شخصيا توقفت أمام ما قاله حسن نصرالله في خطابه الأول بعد ٧ أكتوبر حيث عزا الطوفان إلى أربعة ملفات دفعت حماس إلى ما قامت به ؛ الحصار والاسرى والأقصى والاحتلال .
لا أزعم أنني أمتلك الحقيقة وأنني على صواب فيما كنت أراه ، فقد أكون مخطئا ، عدا أن رأيي لا يقدم ولا يؤخر ، وأنا أمثل شخصي ولست تابعا لفصيل له رأي أتبناه ، ولكني أجتهد اجتهادا فرديا .
الجدل مع الأصدقاء ، لولا سعة صدورنا ، كان يمكن أن يؤدي إلى خصومة وقطيعة و " بلك / حذف " فيسبوكي ، وهذا ما لم بحدث وهذا حسن .
حقا ماذا لو استقبلت حركة حماس بنيامين نتنياهو ووزراءه وقادة جيشه بأغصان الزيتون والورود وحاورتهم حوار محمود درويش في قصيدته " جندي يحلم بالزنابق البيضاء " مع الجندي الإسرائيلي ؟ يعني ماذا لو رفضت حماس منطق سعيد . س ومن ورائه غسان كنفاني في رواية " عائد إلى حيفا " :
"- تستطيعان البفاء مؤقتا في بيتنا ، فذلك شيء _ أمر تحتاج تسويته إلى حرب ؟ " . وماذا لو تبنت رأي نتنياهو الذي أورده في كتابه " مكان تحت الشمس " عن حواره مع فلسطيني لاجيء من مخيم جباليا ، في فترة هدوء نسبي في انتفاضة ١٩٨٧ ، حيث انفرد نتنياهو عن معظم الجنود الذين رافقوه ، وتجول ، برفقة مترجم ، في أزقة المخيم . وبالقرب من أحد المباني الاسمنتية التقى عربيا طاعنا في السن ، وأجرى معه الحديث الآتي :
" - من أين أنت ؟
- من المجدل .
- ومن أين أولادك ؟
- من المجدل .( توقعت أن يكون أولاده من أبناء جيلي لذلك من المحتمل أن يكونوا من مواليد المجدل حقا )
- ومن أين أحفادك ؟
- من المجدل .
- هل ستعود إلى المجدل ؟
- إن شاء الله .( يحل السلام ونعود إلى المجدل ) .
وقلت أنا أيضا إن شاء الله أنت تزور المجدل ونحن نزور جباليا . لكن ابتسامته تلاشت دفعة واحدة وقال :
- نحن نعود إلى المجدل ، وأنتم تعودون إلى بولندا " . (ص٢٣٨ ).
ما سبق أعادني إلى بعض ما حدث في العام ١٩٤٨ .
في كتاب عادل مناع " نكبة وبقاء : حكاية فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل " يأتي على سر بقاء أهل الناصرة وعدم هجرتهم ،ويذكر أنهم فاوضوا القوات اليهودية وسلموا المدينة بعد أن رأوا ما حل باللد والرملة ومجزرة جامع دهمش ، عدا أن ( بن غوريون ) كان معنيا بألا يمس ثلاثة مدن منها الناصرة لطبيعة سكانها حتى لا يسيء العلاقة مع الغرب ( ينظر الصفحات ٧٤ وما بعدها من طبعة ٢٠١٥) .
لكن ما حدث في الناصرة لم يحدث في أماكن أخرى ، كما ورد في بعض الأدبيات التي أرخت لنكبة العام ١٩٤٨ ومنها كتاب المؤرخ الإسرائيلي ( إيلان بابيه ) ، فقد تعامل " جيش اليهود " مع قرى عربية كانت مسالمة مع مستوطنات مجاورة لها ، مثل تعامله مع قرى كان سكانها يقاومون ، ويأتي ( بابيه ) على ما جرى في قرية سيرين ويكتب قصتها ويصف الحياة التي كانت سائدة فيها :
" هذا العالم الصغير من التعايش الديني والانسجام ثم تدميره تماما خلال ساعات قليلة معدودة . لم يقاتل القرويون . جمعت القوات اليهودية المسلمين - من الحمولتين- والمسيحيين معا وأمرتهم بالتوجه إلى نهر الأردن وعبوره إلى الجانب الآخر ، ومن ثم نسفت المسجد والكنيسة والدير والبيوت كافة ، ولم تلبث الأشجار في البساتين أن جفت وماتت " [ الحمولتان هما الزعبي وأبو الهيجاء ] .
وإن كان هناك ضباط يهود تعاملوا مع قرى عربية تعاون سكانها مع اليهود لأعوام طويلة بأسلوب غير الطرد [ " إقرأ : " تعاونت مع عدو " ] .
كان السؤال هو : هل يجب طردها هي أيضا ؟ وكانت الإجابة نعم ، ولكن بعض الضباط استثنوا عائلات ، وهؤلاء الضباط ، مثل ( بالتي سيل ) ، لم يغفر لهم زملاؤهم طوال أعوام عديدة ما فعلوه " في غيابي ، يقول الناس عني بأنني خائن ، لكني فخور بذلك " .
ويصف أنطون شماس في روايته " أرابسك " مشهد استقبال أهل قرية فسوطة الجليلية لقوات العصابات الصهيونية حتى يظلوا فيها ولا يرحلوا ، وهو مشهد لفت نظر إلياس خوري فكتب عنه في روايته " أولاد الغيتو : إسمي آدم " بلاغة صمت الضحايا في ساحة الجامع الكبير في اللد أخذتني إلى بلاغة الرقص في ساحة قرية فسوطة الجليلية . رأيت غبار الصمت ينتشر ويغطي الجميع . غبار يشبه ذاك الذي تصاعد من تحت أقدام أهل فسوطة ، وهم يستسلمون للجيش الإسرائيلي عبر دبكتهم الشمالية ، فغطاهم الغبار الذي حجب معهم جنود الجيش ، فتساوى المنتصر والمهزوم في الغياب والاختقاء .." .(صفحة ٢٣٤ )
"
وجيلنا لا ينسى ما قام به أبناء حركة فتح في العام ١٩٩٣ بعد توقيع اتفاقية أوسلو حيث قدموا أغصان الزيتون لجنود الجيش الإسرائيلي ، ولا يخفى على متابع للشأن الفلسطيني سياسة الرئيس الفلسطيني أبو مازن الذي يقر بالمقاومة السلمية ويرفض المقاومة المسلحة .
في غزة لجأت حركة حماس إلى تبني المقاومة المسلحة ورأينا النتيجة ، وفي الضفة تتبنى السلطة المقاومة السلمية وأنتم ترون النتيجة .
عندنا مثل يقول " لا مع ستي بخير ولا مع سيدي بخير " ، ويبدو أن الشاعر إبراهيم طوقان كان ذا بصيرة حين كتب :
أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟
إنهم يريدون المحو والإزالة ، والعربي الجيد هو العربي الميت و " أرض بلا شعب " يريد الشعب الذي بلا أرض .
حالة تعبانة !
٢ /و ١٩ / ٢ / ٢٠٢٦
مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية
ليوم الأحد ٢٢ / ٢ / ٢٠٢٦
عادل الأسطة
***
في طوفان الأقصى كان معين بسيسو يطل علي من خلال كتبه ومقالاته.
من خلال «دفاتر فلسطينية» و»يوميات غزة» و»شمشون ودليلة» وبعض قصائده.. ولأنني واحد ممن كتبوا يوميات الطوفان فلم تخل من نصوصه. هنا أربع يوميات في ذكراه:
1 - ترحيل غزة: فكرة قديمة - جديدة، «مشروع سيناء مشروع قديم»:
للأب الروحي للصهيونية (ثيودور هرتسل) رواية عنوانها «أرض قديمة جديدة» (١٩٠٢) يتصور فيها عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة شركة تعاونية فيها.
نعم شركة تعاونية! والعبارة وردت في الصفحات الأخيرة من الرواية.
ويعمل اليهود العائدون من دول العالم فيها بروح التسامح وتقبل المستوطنين الأوائل للمستوطنين القادمين بعدهم والتعايش معاً، وتفريغ القدس من السكان وتحويلها إلى منطقة سياحية ودينية يؤمها السياح من العالم كله.
تدرج المشروع الصهيوني حتى أسفر عن نكبة ١٩٤٨، وظلت غزة سهماً في الخاصرة يزعجهم، بخاصة أن اللاجئين تدفقوا إليها، فصارت عبئاً على إسرائيل، وبلغ الأمر بـ (إسحق رابين) أن تمنى أن يصحو، ذات صباح، ويجد البحر قد ابتلعها.
في هذه الأيام يريد (بنيامين نتنياهو) تغيير خارطة الشرق الأوسط، فما كان سائداً قبل ٧/ ١٠/ ٢٠٢٣ لن يعود إلى سابق عهده، وهكذا كثر تناقل وسائل الإعلام الحديث عن ترحيل أهل غزة، ليتم بعد ذلك ترحيل سكان الضفة الغربية إلى الأردن.
فكرة التهجير «فكرة قديمة - جديدة» تعود إلى ١٩٥٥، وقد تبنتها أميركا وقاومها الغزيون وكان معين على رأس المظاهرات التي حاربت المشروع، وقد كتب عن هذا في «دفاتر فلسطينية» (١٩٧٨):
«إنهم يجلسون على الأرصفة ويتوهمون أنهم يعرفون كل الذي يجري في الكابيتول، ولكن الجماهير في غزة التي تمشي فوق الأرصفة كانت تعرف الذي حدث في محطة السكة الحديد في غزة. عشرات الجنود المصريين والسودانيين تم ذبحهم بالسناكي وآخرون تحت الأنقاض، واللاجئون الذين تظاهروا في مخيم البريج ضد الغارة الإسرائيلية على محطة السكة الحديد في غزة.
كأن الإسرائيليين أرادوا أن يقولوا:
- ليس هناك من يحميكم من مشروع سيناء.
وأخطأت الساقية الإسرائيلية الحساب فلم يمش إليها الحليب المغشوش بالماء في حواصل أطفال اللاجئين» (صفحة ٥٦).
رفع الحزب الشيوعي يومها شعار: «كتبوا مشروع سيناء بالحبر، وسنمحو مشروع سيناء بالدم».
وهتف معين:
- لا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان.
وعلى فكرة فإن بيته كان في الرمال.
الرئيس الأميركي (جو بايدن) واصل مشروع سلفه (ايزنهاور). (١٦/ ١٠/ ٢٠٢٣)
2 - لكي نفهم ما يجري في غزة:
ثانية أعود إلى مسرحية «شمشون ودليلة» والسبب تكرار ما قاله (بنيامين نتنياهو) من أنه يشن حرباً وجودية.
قرأ معين، قبل أن يكتب مسرحيته، مذكرات (ياعيل دايان) الحربية التي كتبتها في حزيران ١٩٦٧، وكانت مراسلة حربية في سيناء، وفي مذكراتها تورد ما دار من حوار بينها وبين من رافقتهم من الجنود والضباط الذين رأوا أن ما يعني لغيرهم هزيمة يعني لهم الفناء، فهم لا يحتملون هزيمة واحدة.
صاغ معين الحوار على لسان راحيل وشمشون، ولطالما كررته في كتاباتي، وتفترض الظروف الحالية تكراره.
تخاطب راحيل شمشون قائلة:
« - شمشون.../ قدرك أن تكسر.../ أو تنكسر»
فيرد عليها:
«لا بد وأن نكسر...».
ووجهة نظرها أن لليهود قدراً آخر غير جميع الناس، إذ لهم قدر الأجراس إن كفت تقرع ماتت. إنهم كالمحكوم عليهم بأن يضربوا بأيديهم السكين فلا يجرحون، فلو سال الدم ماتوا وقاتلهم هو الجرح الأول:
«إما أن نكسر / أو ننكسر».
هل انكسر الفلسطيني؟
تنتهي المسرحية بمخاطبة ريم الفلسطينية شمشون قائلة:
«در حول المدفع.../هذا هو طاحونك يا شمشون.../ستظل تدور إلى أن تسقط.../ هذا هو قدرك../ هذا هو قدرك..».
ويظل شمشون يدور حول قاعدة المدفع ويلهث حتى تبطئ حركته رويداً رويداً «والأضواء تخفت في اتساق مع حركته الأخيرة».
من سيرفع هذه المرة الأعلام البيض التي رفعناها في حزيران ١٩٦٧؟
هل تنبأ معين بسيسو بنتيجة هذه الحرب أم أنني مغرق في التفاؤل؟ (٥ حزيران ٢٠٢٤).
3 - غزة الآن بحاجة إلى كاتب يقيم فيها يكون بحجم معين، ليكتب لنا عن جراحاتها من داخلها وبعنفوانه وشاعرية لغته.
من سيحقق من كتابها المقيمين فيها الآن لنا هذا الطلب؟ من سيكتب عن جوليات الفلسطيني بمقلاعه البسيط الذي سيمرغ الدبابة الداوودية العملاقة بالوحل؟ من سيكتب عن دليلة الفلسطينية التي سترشد قومها إلى سر شمشون؟
أهي أمنيات أم أنها ترف الكتابة لكاتب برجوازي يده في الماء لا في نار جهنم؟؟!!
4 - نلقاكم في كشوف القتلى على شاطئ غزة:
لو كان معين على قيد الحياة وشاهد شريط الفيديو الذي نشره الجنود الإسرائيليون يصورون اقتحامهم شقة في جنين ويعصبون أعين سكانها ويقيدون أيديهم خلف ظهورهم، وأصغى إلى قائدهم المتعجرف يسأل جنوده، وهو جالس على الكنبيات يؤرجل وهم يأكلون شرائح البطاطا (الشيبس)، يسألهم عن أمنياتهم التي غلبت عليها الرغبة في الاستحمام على شاطئ غزة، لو كان معين على قيد الحياة لكتب قصيدة على غرار قصيدته «نلقاكم في كشوف القتلى على جبهة السويس» وجعل عنوانها «نلقاكم في كشوف القتلى على شاطئ غزة».
***
117- مـسـاحـة الـكـتـابـة عـن غـزة في أربع روايات فلسطينية
قرأت في ٢٠٢٥ أربع روايات فلسطينية صدرت في العام المذكور، والتفت إلى مساحة حضور ما جرى في غزة فيها. والروايات هي «القبر رقم 49» لعاطف أبو سيف و»دابة الأرض» لأحمد رفيق عوض و «منزل الذكريات» و»خريف آخر» لمحمود شقير، وللأخير كتاب عنوانه «حفيدة من هناك» لم أقرأه، وللأسف لم أقرأ لعبد الله تايه روايته التي صدرت في الحرب. [قرأت أيضاً رواية عارف الحسيني «نص أشكنازي» وصدرت في ٢٠٢٤ ويقف زمنها الروائي قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣].
عاش عاطف في غزة الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، ويقيم عوض في رام الله وشقير في القدس، وما زال عبد الله يقيم في غزة.
في الحرب حنق بعض الغزيّين على أهل الضفة الغربية ومناطق ١٩٤٨ في أن أكثريتهم واصلت حياتها كما لو أن لا شيء يحدث في غزة ولا صلة لهم فيها. (استثنى الحانقون مناطق جنين وطولكرم وطوباس وطمون ومخيم الفارعة، فقد عانت بعض ما عاناه أهل غزة).
لا أريد أن أخوض في الموضوع، فما يهمني هو مقدار انشغال الروائيين وشخصياتهم الروائية بما كان يجري في غزة. هل اهتموا وشخصياتهم بالحدث أم أنهم كانوا منصرفين إلى عوالم أخرى.
الزمن الروائي في ثلاث روايات يمتد إلى زمن نشرها - أي ٢٠٢٥، وأستثني رواية شقير «خريف آخر» فزمنها الروائي يعود إلى ما قبل ١٩٦٧.
جرت أحداث رواية عاطف كلها في غزة في فترة طوفان الأقصى، وقد خصصتها بمقالة (الأيام الفلسطينية ٤ / ٥ / ٢٠٢٥). ينتهي زمن الرواية الروائي في شباط ٢٠٢٤، وقد قصت عن الأشهر الخمسة الأولى من الحرب التي أنفق منها الكاتب ثلاثة في غزة. هكذا شغلت الحرب مساحة الرواية كلها، وكان عاطف يكتب يوميات الحرب حتى اليوم ٨٧ تقريباً، يوم مغادرته القطاع. لقد شغل ما جرى هناك اهتمامه كله.
في رواية عوض «دابة الأرض» تذكر أحداث طوفان الأقصى في ١٤ صفحة من ٢٩٥ صفحة، وفي رواية شقير تذكر في صفحة من ١٨٢ صفحة. هذا تقريبي.
غالباً ما يأتي شخوص «دابة الأرض»، وهم من رموز السلطة الفلسطينية الذين يتصارعون فيما بينهم، ومن أبناء الضفة الغربية، غالباً ما يأتون على ذكر طوفان الأقصى لتبيان انعكاسه على واقع حياتهم، ولا يقتصر ذكر الحرب على الشخصيات العربية، فهو يرد على لسان شخصيات إسرائيلية أيضاً تتواصل مع الشخصيات الفلسطينية بحكم التنسيق الأمني بين الطرفين. لنأخذ عينة من العبارات:
«يشدد العدو الخناق على الجميع. بعد السابع من أكتوبر تغير كل شيء».
«السابع من أكتوبر أعطاهم الذريعة ليعيدوا الأمر إلى مربعه الأول. احتلال عسكري متوحش»، «ولم يجد كفاح ما يفعل إلا... أو متابعة الأخبار المتلاحقة التي كانت تضخ فظائع بشرية في غزة وشمال الضفة الغربية المحتلة»، «إن الأوضاع في المنطقة بعد السابع من أكتوبر تحتاج رؤية جديدة تفترض تسوية أمنية بالدرجة الأولى..»، «كان سامي ينقل للناجي... أخبار المذبحة التي نفذها المحتل في غزة بحق المواطنين الجوعى المتحلقين حول شاحنة محملة بالدقيق..». «قال الخال: هل هناك أكثر مما جرى ويجري في غزة».
في رواية شقير التي تتناص مع روايتَي كاتبين عالميين هما (ياسوناري كاواباتا) «الجميلات النائمات» و (غابرييل غارسيا ماركيز) «ذاكرة غانياتي الحزينات»، وتحكي عن شيخوخة مواطن مقدسي، نقرأ:
«بلادنا تئن تحت وطأة محتلين استعماريين عنصريين فاشيين دمروا قطاع غزة بقذائف وصواريخ، فاقت في قوتها التدميرية ثلاثة أضعاف القنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما، ولا يكفّون عن تهويد أرضنا وقدسنا، وهم يتفننون في إهانة كرامتنا وإلحاق الأذى بنا بمختلف الوسائل والأساليب».
في ٣ / ١ / ٢٠٢٦ كتبت في يومياتي الآتي:
«لم تنته الحرب وانتهت متابعة أخبارها:
أمس تركت المذياع، منذ الخامسة فجراً حتى الثامنة مساء، نشطاً. أحياناً أرفع الصوت وأحياناً أخفضه، حسب الضرورة.
في ساعات المساء أصغيت إلى صوت ام كلثوم، من إذاعة أجيال، فقلت:
- عادت الحياة كما كانت قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣.
لأول مرة، منذ التاريخ المذكور، أستمع إلى أغنية كاملة للحاجة.
في الصباح كنت أتابع أخبار اقتحامات نابلس التي صارت عادة أخذ أهل المدينة يألفونها كما كان الأمر قبل العام ١٩٨٧. كأننا لا رحنا ولا جينا.
في نص «ليل الضفة الطويل» ١٩٩٣ دونت شيئاً عما ألفه بعض سكان المدينة: الصداقة مع جنود دروز ترددوا على بيوت الناس.
..........................................
أمس مساء كان البرد يلسع، وفي ساعات الفجر من هذا اليوم تبدو البرودة أشد ما يكون. أنا في بيتي والتدفئة مشعولة وكان الله في عون أهل قطاع غزة الذين يرتجفون الآن من البرد الذي يخر في عظامهم».
انتهت الحرب ولم تنته الكتابة عنها، ولسوف تبدأ في الرواية وفي القصص وفي الشعر أيضاً.
ستكبر مساحة الكتابة بمقدار اتساع مساحة الألم والمعاناة والشعور بالفقد.
***
118- مذاقات الموت والركام: رواية من غزة عن الحرب
«مذاقات الموت والركام: الحرب على غزة» رواية من غزة للقاص والروائي عبد الله تايه صدرت في فترة الحرب عن الحرب، وبذلك يتطابق الزمنان الكتابي والروائي، بل وأيضاً زمن السرد.
وكان قسمان منها نشرا في كتابين أصدرهما عاطف أبو سيف، الأول «كتابة خلف الخطوط: يوميات الحرب على غزة»، وفيه نشر عبد الله «مذاقات الموت والركام» [- ج٣ ص ٧٥ إلى ص ٨٥» (٢٠٢٤)] وهي يوميات كتبها في «اليوم الواحد بعد المئة لما يسمى الحرب»، والثاني «استعادات مقلقة: يوميات غزة»، وفيه نشر «رسالة من الحرب إلى غريب عسقلاني» مكتوبة في ٤ حزيران ٢٠٢٤ [الكتاب الأول ص ٢٥٣ - ٢٥٧ (٢٠٢٥ )].
تجري أحداث الرواية في قطاع غزة ويقص أنا المتكلم الذي يعيش تجربة الحرب نازحاً من شمال غزة إلى مدينة دير البلح التي عرفها وتردد من قبل عليها، يقص حكايات الحرب ويرى أنها «ليست مجرد قتل للأبرياء وتهجيرهم عنوة، ولكنها قتل للإنسانية حين لا يعترف القاتل بحقوق الغير».
إنها استمرار قتل قابيل لأخيه هابيل، على الرغم من أن الثاني لم يبسط يده للقتل.
وتجنيسها على أنها رواية يعد تجاوزاً، فحجمها هو حجم النوفيلا/ القصة الطويلة، ولولا الحرب وأجواؤها، التي تجمع شتات الحكايات لكانت أقرب إلى القصص القصيرة والنصوص النثرية التي يتخذ أحدها شكل الرسالة «رسالة إلى غريب عسقلاني/ إبراهيم الزنط»، وفيها يعلمه بما ألم بأهل قطاع غزة، ويقول له إنه استراح فلم يرَ ما لحق بالنساء، ويستطرد في وصف معاناتهن.
تتشكل الرواية - وأكرر تجاوزاً - من عناوين يتصدرها العنوان «المدينة الهادئة» وفيه يحكي السارد عن دير البلح تاريخياً وعلاقته بها، ويليه العنوان «مذاقات الموت والركام» ويقع في أحد عشر مقطعاً تتصدرها الأرقام من 1 - 11، وفيها يسرد حكاية الرحيل من الشمال والإقامة في دير البلح، ويأتي على وسائل التنقل متذكراً ما كتبه الكاتب جميل السلحوت عن حماره، فقد غدا الحمار في الحرب وسيلة الركوب وقدم لأهل قطاع غزة خدمة كبيرة.
كانت الحياة جحيماً لا يطاق يصحو الناس على صوت الزنانة وينامون كذلك وينتظرون هدنة ما، فثمة نقص في المواد الغذائية التي ارتفعت أسعارها في مدينة صغيرة اكتظت بالبشر.
ويسرد بقية الرواية تحت عناوين يمكن أن يقرأ أكثرها منفصلاً، فهو مكتفٍ بذاته: حكاية/ الحرب على غزة/ المقهى والصبي الصغير/ رسالة من الحرب إلى غريب عسقلاني/ إلى الأسلاك الشائكة/ فنجان في مدينة النزوح/ لماذا فعلت ما فعلت/ مقهى في زمن الحرب/ سردية الحياة والموت.
ما أدرج تحت عنوان «حكاية» يحكي عن إسماعيل أبو محمود الذي هاجر أهله في نكبة ١٩٤٨ من «عاقر» وأقاموا في مخيم جباليا، ثم زار معهم بيته الذي سكنته عائلة يهودية عراقية قدمت من البصرة، بل وعمل في البيت ومرة أخذ يبحث عن ذهب خبأته جدته في الجدار، فانتبهت إليه سارة التي تحن إلى بلدها.
حكاية تشبه الحكاية التي كتب عنها إميل حبيبي في «المتشائل» ١٩٧٤، والحكاية التي كتب عنها إلياس خوري في «باب الشمس» ١٩٩٨.
وقد تكون فضيلة الرواية أنها شهادة من داخل غزة عن الحرب فيها كتبت في ظروف صعبة قلقة تبدو الكتابة فيها ضرباً من الضرورة التي لا تكترث بالجماليات إلا قليلاً.
من الرواية نقرأ:
«تمر الأيام، تزداد جداول وأرقام عَدِّ الضحايا،....، يلجأ مزيدٌ من الناس إلى الخيام، يعيشون حياة بائسة...؛ لا طعام، ولا ماء، ولا كهرباء، ولا طرق، ولا صرف صحي، ولا مواد تنظيف، ولا أدوية، ولا أمان، ولا مواصلات سوى الأقدام وعربات الكارو،.... وتنتشر الروائح الكريهة....، ومع كل صوت زنانة، أو هدير طائرة، أو صرخة مدفع، يسقط مزيدٌ من الأبرياء....، تنتشر الأمراض والأوبئة،....، وتزداد فظاعة القتل، والقصف، والموت، ويأتي جيش من المحللين، والساسة، والكذابين، وكل كلامهم لا يروي عطش طفل، ولا يداوي جراح مصاب، ولا يملأ معدة جائع.
يكذب الساسة،.....، تُرك الناس لأقدارهم،.....، يسكنهم الهمُّ والشقاء، وتصبح الحكاية نوع المساعدات لا وقف الحرب،......
انقطع عمل الناس وذهبت بيوتهم، ومدخراتهم، وأحباؤهم، تحرقهم القنابل....، والشمس فوق الخيام، ونقص في كل شيء، ونفاد كل مصدر للحياة، ينتظرون بشارة أمل لوقف الحرب، ترى أين عمر؟ وسعيد؟ وبقية أولاد الحارة؟.... من منهم لا يزال على قيد الحياة؟ ومن منهم طار مع دخان القصف؟ وحين يأتي سؤال السماء من ذا الذي سيجرؤ على الإجابة؟ فسواء متنا في الحرب، أو بقينا بعد الحرب، سيظلُّ موج البحر في غزة يعلن استمرار الحياة، وستنادي ملائكة بيض الثياب في كل ليلة على من دُفنوا على استعجال، أو دفنوا أشلاءً، فيستيقظون من نومهم، يجلسون في حلقة كبيرة وواسعة جداً، يلفهم نور سماوي، وتهبُّ عليهم نسمات باردة معطَّرة، فترتسم على وجوههم ابتسامات الحياة، ويملؤهم النور بالسكينة والرضا. أما عمر وسعيد ومن ظل حيَّا من أولاد الحارة فسيلبسون ملابس البحر المزركشة، ويغطسون في بحر غزة فتغسل أوجاعهم موجة بعد موجة، وضحكاتهم ستملأ الأرض والسماء».
***
[119- محمود درويش: لا شيء يعجبني
ما الذي يعجب أهل قطاع غزة وما الذي لا يعجبهم؟
يبدو أن لسان حالهم صار سطر محمود درويش "لا شيء يعجبني".
في الحرب، استحضر عديدون منهم نماذج من أشعار الشاعر أو كتبوا متأثرين بها. وكنت في "هوامش من وحي ما يجري في غزة" كتبت عن حضور أشعاره في الحرب "صدى للصدى" (٢٤/ ١/ ٢٠٢٥) و"مطار أثينا وقطاع غزة" (١٠/ ٨/ ٢٠٢٥)" و"تل الزعتر وبيروت وغزة: ثلاث قصائد لمحمود درويش" (٣١/ ٨/ ٢٠٢٥). والآن أثير السؤال:
ماذا لو تتبعنا حضور سطره قبل الحرب وفي أثنائها وبعدها؟
هل سنكتب مثل ما كتبه عباد يحيى في "رام الله الشقراء" تحت عنوان "في استغلال الغياب" (صفحة ٤٠)، وما كتبه لا يغيب عن ذهن قارئ الرواية ممن يلاحظون الكثرة المفرطة في استحضار أشعار درويش "أم سنكرر: الحالة تستحضر ما ينطبق عليها؟".
في بداية الشهر، كتبت يوميات "غزة في كتابات أبنائها"، والتفت إلى ما كتبه عبد الكريم عاشور في ٨/ ١/ ٢٠٢٦ تحت عنوان "لا شيء يعجبني".
لقد كتب، إنه منذ ستين عاما وهو جار البحر "لم أفارقه، ولم يفارقني. إلى حد أن بيتي الأخير، الذي دُمر، كانت نوافذه تفتح مباشرةً على شاطئه"، وحين اضطر للنزوح إلى جنوب قطاع غزة، حرص أن يسكن قريبًا من البحر. وعندما عاد من الجنوب إلى ما تبقى من مدينة غزة، قال: "سأبحث عن قهوة أو كافتيريا مطلة على البحر، أذهب إليها كعادتي اليومية، بعد أن دُمرت كل المقاهي والمطاعم التي أحببتها".
ذهب إلى كافتيريا قريبة من مخيم الشاطئ. فبدت من الخارج مكانًا مناسبًا. ولكن ما إن دخل وجلس على مقعد يواجه البحر، حتى جاءه شاب متجهم ليبلغه أن المكان مخصص للعائلات فقط، ويُمنع على "الأفراد أمثاله" الجلوس، إلا بصحبة فتاة… كي يصبح عائلة! مع أن عمره تجاوز السبعين عامًا، فاضطر للمغادرة، خصوصًا أن المكان المخصص "للأفراد" كان مكتظًا بصبية وشباب صغار.
غادر لأن هذا المكان لا يعجبه. بعدها ذهب إلى أطلال مطعم حيفا القديم، المكان الأقرب إلى قلبه، والمحمل بذكرياتٍ جميلة. وجلس على حجرٍ يستعيد ما كان، لكنه استفاق فجأة على رائحة كريهة؛ يبدو أنها من مياه المجاري التي تتسرب بهدوء من وادي غزة المحاذي للبحر، لتغمر المكان. والأدهى من ذلك، مشهد صيادي الشباك الفقراء، وهم يصطادون أسماكًا ملوّثة قرب مصب المجاري. فغادر المكان، عائدًا إلى شقّته البائسة التي لا تعجبه هي الأخرى؛
لقد استأجرها اضطرارًا في حي النصر المدمّر، متحمّلًا جشع أصحاب الشقق الذين يفرضون الإيجار الذي يشاؤون.
"لا شيء يعجبني… ويبدو أنني لم أعد أُعجب أحدًا".
في 20/ 1/ 2026 أرسل إلي أكرم الصوراني ما كان كتبه في ٢٠/ ٢/ ٢٠١٩ "لا شيءَ يُعْجبُني..".
"يقول مسافرٌ في الباص.. لا شيءَ يُعْجبُني/ لا العرق ولا رائحة الغرق ولا الانتظار ولا الزحمة على حاجز قلنديا وصالة أبو يوسف النجار. أُريد أن أبكي./ يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المعبر وابْكِ وحدك ما استطعت.
تقول سيّدةٌ: أَنا أَيضاً. أنا لا شيءَ يُعْجبُني. لا الحسوكه بعد منتصف الليل ولا ابني الذي لم يشرب الحليب ولا اللعبة التي لم يلعبها، أعْجَبَهُ الموت ونامَ في الثلاجة ولم يُوَدِّعْني./ يقول الجامعيُّ: ولا أَنا لا شيءَ يعجبني. لا شهادة التخرج ولا شحادة الرصيف./ يقول الرصيف: ولا أنا لا شيء يعجبني لا الشارع ولا مطب اليمين ولا مطب اليسار ولا رمزون السرايا ولا إشارة (قف) ولا إشارة الأيديولوجيا ولا طخ الشعارات ولا الجنازات ولا طخ المسيرات وضخ الذل وضخ المجاري./ أَجِد الهُوِيَّةَ وحدها لا زالت تعجبني في طابور الكوبونه. هل أنا حقاً أَنا أم محض طحين وسمنه وعلبة سردين؟/ ويقول جنديٌّ: أَنا أَيضاً. أَنا لا شيءَ يُعْجبُني. أقبض على الناس ولا أقبض قوتي.. شَبَح الراتب يُحاصِرُني./ يقولُ السائقُ العصبيُّ: يلعن أبو الشيكل. يقول الركاب: يلعن أبوه.../ يصرخون: نريدُ ما بَعْدَ الموت.. فانطلق واخبط رأسنا بالحائط!
أمَّا أنا فأقول: أنْزِلْني هنا. أنا مثلهم لا شيء يعجبني. لا الحياة تعجبني ولا الموت يعجبني ولكني تعبتُ من الأمل.. فانزلونا تحت الأرض واحكموا المقبرة".
مع الاعتذار من محمود درويش.
ذكرني ما سبق بما كتبته في ١٨/ ١١/ ٢٠١٢ عن حرب غزة "حالات: حالة حصار، لا شيء يعجبني"، وافتتحته بالآتي:
"وأنت تعدّ لكتابة مقال تتكئ فيه إلى رؤى/ كوابيس/ منامات تبدأ الحرب. تتذكر ديوان محمود درويش "حالة حصار" (2002) وأسطره: "كتبت عن الحبّ عشرين سطراً/ فخيل لي/ أن هذا الحصار تراجع عشرين متراً". وأنهيته بـ"لا رغبة في الكتابة، "لا شيء يعجبني". هل تعبت من الكتابة أم تعبت من السفر أم تعبت من الحصار، "لا شيء يعجبني".
عندما قرأ الشاعر حسن جلنبو موجزا لما سأكتب عنه، علق أنه كتب في ٢٠٢١ قصيدة تحاكي قصيدة درويش ونشرها في ديوانه "وشهد شاهد من أهله".
***
120- اللامعقول الذي صار معقولاً: عما جرى في مقبرة الشجاعية
عندما قرأت ما كتبه الناشط سعيد محمد الكحلوت يوم الاثنين ٢٦/ ١/ ٢٠٢٦ تذكرت قصص أكرم هنية المبكرة في مجموعته الأولى «السفينة الأخيرة.. الميناء الأخير» (١٩٧٩).
ما كان خيالا وقرأناه في القصص يتحقق على أرض الواقع.
كتب سعيد:
[تخيل أنك ميت في قبرك، تكمل بهدوء رحلة الغياب، وفجأة - هكذا فجأة - يُفتح عليك غطاء الضريح، ثم يُزاح الكفن عن تفاصيل العدم، وتمتد الأيادي على دفعات: هذا يكسر عظمة فكك، وهذا يزيح ما تبقى من عظام فخذك، وذاك يمسح بمادة لزجة بقايا جمجمتك.
ثم تحملك أيادٍ عملاقة تلقي بك خارج القبر.. تضربك الشمس، وفي الليل يصير ما تبقى فيك من لحم جاف عشاءً لكلب ضال استطاع أن يصل إليك، بعد أن يئس من أن يجد أي قطعة لحم من أجساد رفاقك الموتى في ذات المقبرة.
في الصباح، سيحتفل العالم أنه قد وجد أخيراً الجثة الأخيرة التي أعاقت تقدمه، ورفعت سعر الذهب، وكانت سبباً في كل مشكلات كوكب الأرض!
ماذا عنك وقد صرت عظاماً مبعثرة خارج قبرك المؤقت؟!
أنت رقم؛ سيقال: (كان في المقبرة 300 جثة، وقد استطعنا بفضل رعاية الرب ودعم العالم الحر الوصول للجثة المطلوبة). هل رأيت نفسك في هذا الرقم؟ 300 جثة، وما أنت إلا بعض عظام أخذت رقم 7، أو 67، أو حتى 89.. لا يهم، المهم أنك رقم عابر ينساك العالم.
سينتهي المشهد، ويُغلق الملف، ويُشطب الرقم من كشوفات (المؤقت) ليُقيد في كشوفات (الدائم). ستبقى أنت (بقايا رقم)، وسأبقى أنا أبحث بين القصص عن إنسان كان يحب الحياة ويسمع الموسيقى ويحفظ الشعر ويرقص كلما اقتحم الفرح حياته وربما مات جائعا. وقد كان له اسم لا يتسع له رقم.]،
والدكتور سعيد محمد الكحلوت هو أخصائي الصحة النفسية وكاتب من غزة/ فلسطين وناشط كتب في المقتلة باستمرار وكنت أتابع منشوراته.
ما كتب عنه ليس خيالا أو من أدب اللامعقول، مع أنه بدأ منشوره يخاطب القارئ بالفعل «تخيل أنك»، وكانت مناسبة كتابته بحث جيش الاحتلال الإسرائيلي في اليوم المشار إليه عن جثة الإسرائيلي الأسير الأخيرة في غزة. وفي الموضوع، كتب كثيرون عن موتانا وموتى الإسرائيليين وعن جثث الفلسطينيين وجثث اليهود وكيفية التعامل معها، وكتب عديدون متسائلين إن كان تسليم الجثة الأخيرة سينعكس إيجابا على حياة المواطنين. من ذلك ما كتبه الصحافي محمد الذهبي ساخرا:
[بعد استعادة آخر جثمان في قطاع غزة الذي تم سحقه ومحقه وذبحه بدون مقابل..
الإنجاز الوحيد إني اشتريت ثلاث أناناسات بعشرة شيقل، آه كمان غرقوا البلد أفوكادو وناقص يدخلولنا مشروبات من اللي بالي بالك علشان تزهزه معنا عالآخر.. ورغم الأناناس والأفوكادو والشوكولاتة والصودا، لساتها المستشفيات ما فيها أدوية، ولساتنا عاطلين عن العمل، عن الحب، عن الأمل، وعن الحياة! الله يرحمك يا أحمد زكي؛ كله في الهجايص!]
وكما ذكرت، فإن نص الكحلوت أعادني إلى قصص هنية التي قرأت أولاها قبل أن أتعرف إليه، وكتبت عنها يوم صدورها عن منشورات مكتبة شروق للكاتب أسعد الأسعد، ونشرته في جريدة «الاتحاد» الحيفاوية، وقد التفت فيها إلى توظيف المخيلة للكتابة عن الواقع، وفيها تنبأ كاتبها بضياع القدس وتهويدها، فقد صحا أهل المدينة ذات نهار ولاحظوا سرقة قبة الصخرة، ومرة ثانية كتبت عن هذا تحت عنوان «الأدب والنبوءة» متناولا القصة «بعد الحصار قبل الشمس بقليل» (٢٨ / ٧ / ٢٠١٧) وكنت حللت القصة كاملة.
وأنا أقرأ عما فعله الإسرائيليون في مقبرة الشجاعية تذكرت قصة «تلك القرية.. ذلك الصباح»، وهي قصة تحكي حدثا متخيلا يتمثل في مصادرة إسرائيل مقبرة فلسطينية لإقامة مستوطنة عليها، وفي المقبرة ميت هو أبو محمود القاسمي.
يحس القاسمي بضجة غير عادية، فيفتح عينيه قليلا ويصغي بهدوء ليعود من ثم إلى إغلاقهما، متوقعا أن الصمت سيسود مرة أخرى، ولكن الضجة تتصاعد فيتأفف قائلا:
«- حتى الموتى لا يستطيعون النوم بهدوء».
صحوة «أبو محمود» كانت بعد عشرين عاما من وفاته. ينظر حوله فيرى عالما آخر. حتى بيته لا يراه فقد تهدم. يرى جرافة ضخمة تنتهك حرمة المقبرة يسوقها رجل ليس من القرية. إنه رجل تبدو ملامحه أشبه باليهود. يستبد الفضول بـ»أبو محمود» يريد أن يعرف ماذا يحدث، وحين يصرخ جندي لمرآه، ويطلب منه التوقف يسأله: من أنت؟ فيرد: ومن أنت؟
ماذا سيفعل الإسرائيليون مع الميت القادم من قبره؟ أيسجنونه؟ كيف يسجنون رجلا خرج من القبور؟
الأهم مما سبق هو إزالة المقبرة، ويقرر الحاكم العسكري إبعاده إلى الضفة الأخرى، وهو ما يرفضه أبو محمود الذي يلقي بنفسه في النهر.
هل حدث شيء من هذا في مقبرة الشجاعية؟
ربما! ولكن الأهم من استرجاع جثة الإسرائيلي الأسير هو إبعاد أبو محمود القاسمي إلى الضفة الأخرى، وفي حال وضع أهل قطاع غزة فهو تهجيرهم أولا وأخيرا، وهذا ما كان يفكر فيه الإسرائيليون منذ خمسينيات القرن العشرين وكتب عنه الشاعر معين بسيسو الذي مرت ذكرى وفاته قبل أيام. هل تذكرون كتابه «دفاتر فلسطينية»؟
المطلوب هو «أرض أكثر وعرب أقل».
***
121- هوامش من وحي ما يجري في غزة : ماذا لو استقبلت حماس بنيامين نتنياهو بأغصان الزيتون؟
في غزة وفي خارجها لي أصدقاء غزيون كثيرون تعرفنا إلى بعضنا من خلال الفيسبوك ومن خلال الأدب ، وغالبا ما تجادلنا معا منذ بدأ طوفان الأقصى حوله وكثيرا ما اختلفت آراؤنا ، وقسم منهم يصر على تحميل المسؤولية لحماس حيث رأى فيما أقدمت عليه عملا انتحاريا ، وأنا شخصيا توقفت أمام ما قاله حسن نصرالله في خطابه الأول بعد ٧ أكتوبر حيث عزا الطوفان إلى أربعة ملفات دفعت حماس إلى ما قامت به ؛ الحصار والاسرى والأقصى والاحتلال .
لا أزعم أنني أمتلك الحقيقة وأنني على صواب فيما كنت أراه ، فقد أكون مخطئا ، عدا أن رأيي لا يقدم ولا يؤخر ، وأنا أمثل شخصي ولست تابعا لفصيل له رأي أتبناه ، ولكني أجتهد اجتهادا فرديا .
الجدل مع الأصدقاء ، لولا سعة صدورنا ، كان يمكن أن يؤدي إلى خصومة وقطيعة و " بلك / حذف " فيسبوكي ، وهذا ما لم بحدث وهذا حسن .
حقا ماذا لو استقبلت حركة حماس بنيامين نتنياهو ووزراءه وقادة جيشه بأغصان الزيتون والورود وحاورتهم حوار محمود درويش في قصيدته " جندي يحلم بالزنابق البيضاء " مع الجندي الإسرائيلي ؟ يعني ماذا لو رفضت حماس منطق سعيد . س ومن ورائه غسان كنفاني في رواية " عائد إلى حيفا " :
"- تستطيعان البفاء مؤقتا في بيتنا ، فذلك شيء _ أمر تحتاج تسويته إلى حرب ؟ " . وماذا لو تبنت رأي نتنياهو الذي أورده في كتابه " مكان تحت الشمس " عن حواره مع فلسطيني لاجيء من مخيم جباليا ، في فترة هدوء نسبي في انتفاضة ١٩٨٧ ، حيث انفرد نتنياهو عن معظم الجنود الذين رافقوه ، وتجول ، برفقة مترجم ، في أزقة المخيم . وبالقرب من أحد المباني الاسمنتية التقى عربيا طاعنا في السن ، وأجرى معه الحديث الآتي :
" - من أين أنت ؟
- من المجدل .
- ومن أين أولادك ؟
- من المجدل .( توقعت أن يكون أولاده من أبناء جيلي لذلك من المحتمل أن يكونوا من مواليد المجدل حقا )
- ومن أين أحفادك ؟
- من المجدل .
- هل ستعود إلى المجدل ؟
- إن شاء الله .( يحل السلام ونعود إلى المجدل ) .
وقلت أنا أيضا إن شاء الله أنت تزور المجدل ونحن نزور جباليا . لكن ابتسامته تلاشت دفعة واحدة وقال :
- نحن نعود إلى المجدل ، وأنتم تعودون إلى بولندا " . (ص٢٣٨ ).
ما سبق أعادني إلى بعض ما حدث في العام ١٩٤٨ .
في كتاب عادل مناع " نكبة وبقاء : حكاية فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل " يأتي على سر بقاء أهل الناصرة وعدم هجرتهم ،ويذكر أنهم فاوضوا القوات اليهودية وسلموا المدينة بعد أن رأوا ما حل باللد والرملة ومجزرة جامع دهمش ، عدا أن ( بن غوريون ) كان معنيا بألا يمس ثلاثة مدن منها الناصرة لطبيعة سكانها حتى لا يسيء العلاقة مع الغرب ( ينظر الصفحات ٧٤ وما بعدها من طبعة ٢٠١٥) .
لكن ما حدث في الناصرة لم يحدث في أماكن أخرى ، كما ورد في بعض الأدبيات التي أرخت لنكبة العام ١٩٤٨ ومنها كتاب المؤرخ الإسرائيلي ( إيلان بابيه ) ، فقد تعامل " جيش اليهود " مع قرى عربية كانت مسالمة مع مستوطنات مجاورة لها ، مثل تعامله مع قرى كان سكانها يقاومون ، ويأتي ( بابيه ) على ما جرى في قرية سيرين ويكتب قصتها ويصف الحياة التي كانت سائدة فيها :
" هذا العالم الصغير من التعايش الديني والانسجام ثم تدميره تماما خلال ساعات قليلة معدودة . لم يقاتل القرويون . جمعت القوات اليهودية المسلمين - من الحمولتين- والمسيحيين معا وأمرتهم بالتوجه إلى نهر الأردن وعبوره إلى الجانب الآخر ، ومن ثم نسفت المسجد والكنيسة والدير والبيوت كافة ، ولم تلبث الأشجار في البساتين أن جفت وماتت " [ الحمولتان هما الزعبي وأبو الهيجاء ] .
وإن كان هناك ضباط يهود تعاملوا مع قرى عربية تعاون سكانها مع اليهود لأعوام طويلة بأسلوب غير الطرد [ " إقرأ : " تعاونت مع عدو " ] .
كان السؤال هو : هل يجب طردها هي أيضا ؟ وكانت الإجابة نعم ، ولكن بعض الضباط استثنوا عائلات ، وهؤلاء الضباط ، مثل ( بالتي سيل ) ، لم يغفر لهم زملاؤهم طوال أعوام عديدة ما فعلوه " في غيابي ، يقول الناس عني بأنني خائن ، لكني فخور بذلك " .
ويصف أنطون شماس في روايته " أرابسك " مشهد استقبال أهل قرية فسوطة الجليلية لقوات العصابات الصهيونية حتى يظلوا فيها ولا يرحلوا ، وهو مشهد لفت نظر إلياس خوري فكتب عنه في روايته " أولاد الغيتو : إسمي آدم " بلاغة صمت الضحايا في ساحة الجامع الكبير في اللد أخذتني إلى بلاغة الرقص في ساحة قرية فسوطة الجليلية . رأيت غبار الصمت ينتشر ويغطي الجميع . غبار يشبه ذاك الذي تصاعد من تحت أقدام أهل فسوطة ، وهم يستسلمون للجيش الإسرائيلي عبر دبكتهم الشمالية ، فغطاهم الغبار الذي حجب معهم جنود الجيش ، فتساوى المنتصر والمهزوم في الغياب والاختقاء .." .(صفحة ٢٣٤ )
"
وجيلنا لا ينسى ما قام به أبناء حركة فتح في العام ١٩٩٣ بعد توقيع اتفاقية أوسلو حيث قدموا أغصان الزيتون لجنود الجيش الإسرائيلي ، ولا يخفى على متابع للشأن الفلسطيني سياسة الرئيس الفلسطيني أبو مازن الذي يقر بالمقاومة السلمية ويرفض المقاومة المسلحة .
في غزة لجأت حركة حماس إلى تبني المقاومة المسلحة ورأينا النتيجة ، وفي الضفة تتبنى السلطة المقاومة السلمية وأنتم ترون النتيجة .
عندنا مثل يقول " لا مع ستي بخير ولا مع سيدي بخير " ، ويبدو أن الشاعر إبراهيم طوقان كان ذا بصيرة حين كتب :
أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟
إنهم يريدون المحو والإزالة ، والعربي الجيد هو العربي الميت و " أرض بلا شعب " يريد الشعب الذي بلا أرض .
حالة تعبانة !
٢ /و ١٩ / ٢ / ٢٠٢٦
مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية
ليوم الأحد ٢٢ / ٢ / ٢٠٢٦
عادل الأسطة
***