رشيد لمهوي - الهاتف الجوال.. تأمّل في التعبئة المضاعفة

اللغة مؤسّسة اجتماعية؛ بفضلها يدخل الأفراد في علاقات تواصلية قيما بينهم. وأساس اللغة هو التواصل الذي يحصل على تعيناته في ما يقدمه له المجتمع من فرص لتصريفه وقنوات لامتناهية لترجمته. ويشكّل الهاتف النقّال أحد هذه الممكنات التي يقدّمها المجتمع لأعضائه بسخاء منقطع النظير باعتباره إفرازا تقنيا محضا يمنح للغة مجالا رحبا لاستثمار دوالّها و دلالاتها غير المحدودة.


إنّ رغبة الفرد في الكلام لا تنتهي. انطلاقا من هذه الرغبة التي لا تكلّ ولا ينضب معينها لا تعرف إشباعا إطلاقا. ويتمّ استثمار مفهوم التعبئة المضاعفة التي ليست في عمقها وطبيعتها ذاتها سوى وجه آخر للكلام المضاعف؛ للكلام الذي يتوالد ويتكاثر ويتناسل إلى ما لا نهاية. والذي يختبر حدّه وتخومه في اللامتناهي. إنّ التعبئة المضاعفة هي دوال للغة وهي تلتفّ حول نفسها، إنه تدفق واسترسال ومجرى يصعب إيقافه. إنّها دوالّ لم تعد تكتفي بذاتها بل تعثر على اطمئنانها في سلطان الكلام الذي يهيمن على هذه التقنية من الداخل.

لا غرو أنّ الهاتف الجوال هو امتداد سيكولوجي للشخص. حيث تتبدى ملامح علاقة متينة تستحيل أن يطالها التصدّع. ويضع الشخص فيه كل جوارحه وأمانيه وأحاسيسه ووجدانه العاطفي إلى درجة يغدو فيها الشخص في اغتراب ذاتي في ظل هيمنة الهاتف الجوال الكلية عليه؛ لقد استولى بقوّة على مواطنه الشعورية واللاشعورية، الحسية والإدراكية، هو بمثابة ظله أينما حل وارتحل، وفي حالة فقدانه يخيم على سريرته شعور بالغبن وبسطوة فراغ قاتل.

الهاتف الجوال لا يدخر في جوفه المضمون التواصلي فحسب، بل هو الوجه الآخر الخفيّ للمراقبة. بحيث يتميز بإمكانية قصوى في رصد التفاصيل المتعذّر الوصول إليها ومعرفتها بقدرته الخارقة على تسجيل الصوت مكتملا بالصورة. إذن، تقنية الهاتف الجوال هي تضييق لحرية الكائن في الفعل الحرّ، التلقائي والتحرك بمحض الإرادة. ويبدو للعيان أنّ حضور الهاتف الجوّال في خضمّ العلاقات الاجتماعية بات ملتبسا وغير مفهوم ويمثل تهديدا مباشرا في تدمير وزحزحة أركان هذه العلاقات. إنّه جاسوس متناهي في الدقة والصغر مرصود نحو عمليات الإخبار والفضح على وجه السرعة. على هذا الأساس تكون المراقبة مترحّلة، لا تعرف سكونا، تتخذ من جيوب الأفراد قاعدة لها، يشكل هذا الجهاز في هذه الحالة عينا مفتوحة وآذانا صاغية موجّهة عن قصد إلى المعرفة ورصد السلوكيات التي ينتجها الآخر.

إنّ توجه الأفراد كأعضاء فاعلين داخل المجتمع صوب التعبئة المضاعفة التي تجد نفسها إزاء إقبال جماهيريّ مكثّف، لم يعودوا يكترثون بتعبئة عادية بقدر ما يتطلعون أكثر إلى التعبئة المضاعفة نظرا لما تخوّله لهم من إمكانات الكلام الممتلئ والغزير. إنّ هذا الإقبال يجد تبريره الأصليّ في الرغبة الملحّة للفرد نحو الديمومة. إنّ التكثيف الكلاميّ المنبثق كإمكانية داخل الجهاز النقال هو تكثيف رمزيّ للكينونة وثبات لحضورها في الزمان. بمعنى ما من المعاني إنّ الذاتية في اللحظة التي تتكلم فيها تستشعر أفقا لا متناهيا من الحضور والامتلاء. فرغبة الفرد في الكلام المضاعف هي في حدّ ذاتها رغبة في ديمومتها الزمانية. ما تنشده الذاتية عبر الجهاز بواسطة الكلام هو عدم الاكتمال. هنا يلفي الفرد ديمومته في لا-اكتمال الكلام. هذا الأخير بمثابة مجموعة من الكلمات والدوال تلتفّ حول نفسها وتنبسط على سطح الزمان. لكن هيهات، هذه الديمومة التي يتغيى الفرد تحقيقها على مستوى وجوده الزماني مستحيلة من حيث أنّ الزمان محكوم بالزمانية وهي في عمقها تلاشٍ مستمرّ، علما أنّ الزماني هو ما يندثر وينهار من تلقاء ذاته. ثمّ إنّ الفرد الذي يروم الديمومة محكوم عليه بالتناهي؛ فزمانيته وتناهيه الخاص يجد بديلهما في التقنية بما توفره من كلام يمدّد حضورها. لكن هذا التوق الملحّ للفرد يستحيل نظرا لأنّ الكلام الذي يشكّل بالنسبة إليه سنده النفسي والانطولوجي غير ممكن. الفرد هنا يعيش وهم الحضور عبر الكلام الممتد لفترة زمنية غير محدودة، فعلا الفرد يتوق نحو كلام مستحيل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى