أود أن أتوجّه بجزيل الشكر للمهندس غسان جبر، الذي أضاف وأثرى مقالي «استعادة المشهد: من خارطة الطريق إلى خطة ترامب …إعادة إنتاج العطب البنيوي الفلسطيني في خطاب الإصلاح والسلام» بقراءته المتبصّرة الثرية، التي عمّقت الفكرة وأغنت الحوار الوطني حول معاني التحرر والإصلاح.
ويسعدني ان أشارككم مقاله المميز:
من “خارطة الطريق” إلى “خطة ترامب”.. حين يُعاد إنتاج الوهم باسم الإصلاح،
قراءة وطنية في مقال غانية ملحيس: استعادة المشهد
بقلم: المهندس غسان جابر
18/10/2025
تضع الكاتبة الفلسطينية غانية ملحيس في مقالها الأخير مرآة أمام الوعي الفلسطيني، وتدعونا جميعًا - قبل أن نحلم بالانتخابات أو “المرحلة القادمة” - إلى أن ننظر بصدق في وجوهنا كما أصبحت بعد ثلاثة عقود من “عملية السلام”.
فاستعادة الذاكرة، كما تقول، ليست عودة إلى الماضي، بل شرط النجاة من تكرار الأخطاء ذاتها بأسماء جديدة وشعارات براقة.
ذاكرة تُنقذ وطنًا
منذ أوسلو وحتى اليوم، عشنا كل أنواع “الخرائط” و“الخطط”:
خارطة الطريق، مؤتمر لندن، خطة ترامب، والآن “التحالف الإبراهيمي”. لكن الجوهر لم يتغير: كلها مشاريع تُعيد إنتاج السيطرة الإسرائيلية على الأرض والإنسان الفلسطيني، وتُلبسها ثوب الإصلاح والسلام.
لقد تحوّل مصطلح “الإصلاح السياسي” إلى أداة ضغط، لا إلى حق وطني. صار المطلوب من الفلسطيني أن يُثبت حسن سلوكه، لا أن يثبت حقه في الحرية.
والمأساة أن هذه اللغة وجدت من يردّدها داخل البيت الفلسطيني، حتى صار التحرر مرادفًا “للعنف”، والمقاومة تُوصَف بـ“الإرهاب”، والاحتلال يُسمّى “شريكًا في السلام”.
من عرفات إلى ما بعده.. التحوّل من الثورة إلى الإدارة
تُذكّرنا ملحيس بالتحول الخطير الذي جرى في بداية الألفية: حين حوصِر الرئيس الشهيد ياسر عرفات في المقاطعة، لم يكن المطلوب فقط إسقاط شخص، بل إسقاط فكرة - فكرة القيادة التي تُعبّر عن إرادة شعبٍ يريد أن يتحرر لا أن يُدار.
وبعد رحيل عرفات، جرى هندسة النظام السياسي الفلسطيني من جديد تحت شعار “الإصلاح”، لتصبح السلطة جهازًا إداريًا يخدم منطق السيطرة أكثر مما يخدم مشروع التحرر.
أُعيد تعريف المقاومة لتُحاصر، وأُعيد تشكيل المؤسسات لتصبح أكثر انضباطًا أمام المانحين، وأقل انتماءً لنبض الشارع الفلسطيني.
المانحون يصيغون القرار
من مؤتمر لندن إلى مؤتمرات شرم الشيخ، ومن برامج الحوكمة إلى مشاريع الدعم المشروط، تم إدخال النظام السياسي الفلسطيني في “مصنع التمويل الدولي”.
كل دولار يُمنح مشروط بـ“تحسين الأداء الأمني”، وكل “إصلاح إداري” يُترجم إلى ضبط المجتمع لا تمكينه. وهكذا، بدل أن تكون التنمية طريقًا للتحرر، أصبحت وسيلةً لفرض التبعية. وما جرى بعد عام 2005 لم يكن سوى تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مشروع إدارة محلية تحت الاحتلال.
الانقسام.. جرحٌ يخدم من خلقه
حين فازت حركة حماس في انتخابات 2006، كان الرد الدولي والعربي مبرمجًا مسبقًا: حصار، عزل، وانقسام. النتيجة أننا اليوم أمام سلطتين تُداران من الجيب نفسه: كلتاهما محاصرتان، ممولتان من ذات القوى التي تملك مفاتيح الضغط السياسي والمالي.
لم يكن الانقسام خطأً عابرًا، بل جزءًا من “خارطة الطريق” التي أرادتها واشنطن وتل أبيب: فصل جغرافي يُنتج فصلًا سياسيًا، وفصل سياسي يُنتج شللًا وطنيًا.
2025.. نفس المسرح بأزياء جديدة
ما نراه اليوم ليس إلا نسخة محدثة من المشهد القديم. قمة شرم الشيخ الجديدة هي تكرار لقمم 2003، وتوني بلير يعود من جديد، لا كوسيط، بل كمهندس في خطة ترامب، بينما تُقدَّم “الإصلاحات” الفلسطينية في ثوبٍ أكثر نعومة لتُغطّي ذات الجوهر القديم: تطويع الفلسطيني لا تحريره. وفي الوقت نفسه، يتحدث العالم عن “انتخابات فلسطينية قادمة”، وكأن الصندوق يمكن أن يصنع حرية بينما القيد ما زال في المعصم.
الوعي قبل الانتخابات
الدرس الذي تقدّمه غانية ملحيس ليس أكاديميًا، بل وطنيًا في جوهره:
قبل أن نتحدث عن صناديق الاقتراع، علينا أن نعيد بناء الوعي.
قبل أن نصلح المؤسسات، علينا أن نُصلح المفهوم نفسه:
أن الإصلاح لا يكون بإرضاء المانحين، بل بإرضاء الضمير الوطني.
وأن التحرر لا يُمنح بقرار دولي، بل يُنتزع بإرادة شعبٍ قرر أن يتذكر من هو.
نقول: الذاكرة بوصلتنا نحو المستقبل
إن أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية اليوم ليس الاحتلال فحسب، بل فقدان الذاكرة الوطنية الذي يجعلنا نقبل تكرار نفس الأخطاء ونحن نظن أننا نسير نحو التغيير.
حين تتحول المقاومة إلى تهمة، والإصلاح إلى وصاية، والدولة إلى إدارة، يصبح استعادة الذاكرة واجبًا وطنيًا مقدسًا.
فكما تقول غانية ملحيس: “التحرر يبدأ من الوعي، لا من الصناديق التي تمولها القوى التي تصادر القرار.”
ولهذا، فإن أولى خطوات الإصلاح الحقيقي هي أن نتذكر - لا لنجترّ الألم - بل لنمنع تكراره.
ويسعدني ان أشارككم مقاله المميز:
من “خارطة الطريق” إلى “خطة ترامب”.. حين يُعاد إنتاج الوهم باسم الإصلاح،
قراءة وطنية في مقال غانية ملحيس: استعادة المشهد
بقلم: المهندس غسان جابر
18/10/2025
تضع الكاتبة الفلسطينية غانية ملحيس في مقالها الأخير مرآة أمام الوعي الفلسطيني، وتدعونا جميعًا - قبل أن نحلم بالانتخابات أو “المرحلة القادمة” - إلى أن ننظر بصدق في وجوهنا كما أصبحت بعد ثلاثة عقود من “عملية السلام”.
فاستعادة الذاكرة، كما تقول، ليست عودة إلى الماضي، بل شرط النجاة من تكرار الأخطاء ذاتها بأسماء جديدة وشعارات براقة.
ذاكرة تُنقذ وطنًا
منذ أوسلو وحتى اليوم، عشنا كل أنواع “الخرائط” و“الخطط”:
خارطة الطريق، مؤتمر لندن، خطة ترامب، والآن “التحالف الإبراهيمي”. لكن الجوهر لم يتغير: كلها مشاريع تُعيد إنتاج السيطرة الإسرائيلية على الأرض والإنسان الفلسطيني، وتُلبسها ثوب الإصلاح والسلام.
لقد تحوّل مصطلح “الإصلاح السياسي” إلى أداة ضغط، لا إلى حق وطني. صار المطلوب من الفلسطيني أن يُثبت حسن سلوكه، لا أن يثبت حقه في الحرية.
والمأساة أن هذه اللغة وجدت من يردّدها داخل البيت الفلسطيني، حتى صار التحرر مرادفًا “للعنف”، والمقاومة تُوصَف بـ“الإرهاب”، والاحتلال يُسمّى “شريكًا في السلام”.
من عرفات إلى ما بعده.. التحوّل من الثورة إلى الإدارة
تُذكّرنا ملحيس بالتحول الخطير الذي جرى في بداية الألفية: حين حوصِر الرئيس الشهيد ياسر عرفات في المقاطعة، لم يكن المطلوب فقط إسقاط شخص، بل إسقاط فكرة - فكرة القيادة التي تُعبّر عن إرادة شعبٍ يريد أن يتحرر لا أن يُدار.
وبعد رحيل عرفات، جرى هندسة النظام السياسي الفلسطيني من جديد تحت شعار “الإصلاح”، لتصبح السلطة جهازًا إداريًا يخدم منطق السيطرة أكثر مما يخدم مشروع التحرر.
أُعيد تعريف المقاومة لتُحاصر، وأُعيد تشكيل المؤسسات لتصبح أكثر انضباطًا أمام المانحين، وأقل انتماءً لنبض الشارع الفلسطيني.
المانحون يصيغون القرار
من مؤتمر لندن إلى مؤتمرات شرم الشيخ، ومن برامج الحوكمة إلى مشاريع الدعم المشروط، تم إدخال النظام السياسي الفلسطيني في “مصنع التمويل الدولي”.
كل دولار يُمنح مشروط بـ“تحسين الأداء الأمني”، وكل “إصلاح إداري” يُترجم إلى ضبط المجتمع لا تمكينه. وهكذا، بدل أن تكون التنمية طريقًا للتحرر، أصبحت وسيلةً لفرض التبعية. وما جرى بعد عام 2005 لم يكن سوى تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مشروع إدارة محلية تحت الاحتلال.
الانقسام.. جرحٌ يخدم من خلقه
حين فازت حركة حماس في انتخابات 2006، كان الرد الدولي والعربي مبرمجًا مسبقًا: حصار، عزل، وانقسام. النتيجة أننا اليوم أمام سلطتين تُداران من الجيب نفسه: كلتاهما محاصرتان، ممولتان من ذات القوى التي تملك مفاتيح الضغط السياسي والمالي.
لم يكن الانقسام خطأً عابرًا، بل جزءًا من “خارطة الطريق” التي أرادتها واشنطن وتل أبيب: فصل جغرافي يُنتج فصلًا سياسيًا، وفصل سياسي يُنتج شللًا وطنيًا.
2025.. نفس المسرح بأزياء جديدة
ما نراه اليوم ليس إلا نسخة محدثة من المشهد القديم. قمة شرم الشيخ الجديدة هي تكرار لقمم 2003، وتوني بلير يعود من جديد، لا كوسيط، بل كمهندس في خطة ترامب، بينما تُقدَّم “الإصلاحات” الفلسطينية في ثوبٍ أكثر نعومة لتُغطّي ذات الجوهر القديم: تطويع الفلسطيني لا تحريره. وفي الوقت نفسه، يتحدث العالم عن “انتخابات فلسطينية قادمة”، وكأن الصندوق يمكن أن يصنع حرية بينما القيد ما زال في المعصم.
الوعي قبل الانتخابات
الدرس الذي تقدّمه غانية ملحيس ليس أكاديميًا، بل وطنيًا في جوهره:
قبل أن نتحدث عن صناديق الاقتراع، علينا أن نعيد بناء الوعي.
قبل أن نصلح المؤسسات، علينا أن نُصلح المفهوم نفسه:
أن الإصلاح لا يكون بإرضاء المانحين، بل بإرضاء الضمير الوطني.
وأن التحرر لا يُمنح بقرار دولي، بل يُنتزع بإرادة شعبٍ قرر أن يتذكر من هو.
نقول: الذاكرة بوصلتنا نحو المستقبل
إن أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية اليوم ليس الاحتلال فحسب، بل فقدان الذاكرة الوطنية الذي يجعلنا نقبل تكرار نفس الأخطاء ونحن نظن أننا نسير نحو التغيير.
حين تتحول المقاومة إلى تهمة، والإصلاح إلى وصاية، والدولة إلى إدارة، يصبح استعادة الذاكرة واجبًا وطنيًا مقدسًا.
فكما تقول غانية ملحيس: “التحرر يبدأ من الوعي، لا من الصناديق التي تمولها القوى التي تصادر القرار.”
ولهذا، فإن أولى خطوات الإصلاح الحقيقي هي أن نتذكر - لا لنجترّ الألم - بل لنمنع تكراره.