إعداد: المحامي علي أبو حبلة –
مقدمة
تُعدّ الحركة التعاونية إحدى الركائز الأساسية لبناء اقتصاد وطني متين ومستقل، إذ تمثل نموذجًا اقتصاديًا يقوم على العدالة الاجتماعية، والمشاركة المجتمعية، والاعتماد المتبادل بين المواطنين. فهي ليست مشروعًا اقتصادياً فحسب، بل منظومة قيمية وتنموية تعكس روح التكافل وتترجم مفهوم الشراكة في التنمية والقرار.
غير أن الواقع الفلسطيني يُظهر أن هذه الحركة قد انحرفت عن مسارها الأصيل، وتراجعت فعاليتها نتيجة الفساد الإداري والمالي، وتغوّل البيروقراطية، وغياب الرقابة والمساءلة، ما جعلها تفقد دورها كمحرك للتنمية وكأداة لتعزيز الصمود الوطني في مواجهة الاحتلال والتبعية الاقتصادية.
أولاً: المفهوم وأهميته الوطنية
الحركة التعاونية هي تنظيم طوعي ديمقراطي يقوم على تضافر الجهود لتلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية المشتركة. وتستند إلى مبادئ أساسية أقرتها التحالف التعاوني الدولي، أهمها:
العضوية الطوعية والمفتوحة.
الإدارة الديمقراطية للأعضاء.
المشاركة الاقتصادية العادلة.
الاستقلالية الذاتية والشفافية.
التعليم والتدريب المستمر.
التعاون بين التعاونيات.
خدمة المجتمع المحلي.
إن هذه المبادئ تشكّل جوهر المشروع التعاوني الذي يُفترض أن يكون ذراعاً مكمّلاً للاقتصاد الرسمي، يسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتوزيع الثروة بعدالة ويعزز السيادة الاقتصادية.
ثانياً: الاختلالات البنيوية في التجربة الفلسطينية
رغم وجود قانون ينظم عمل التعاونيات (قانون رقم 17 لسنة 2017)، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن تشوهات بنيوية خطيرة، أبرزها:
غياب منظومة رقابة فعالة ومستقلة.
استغلال بعض الجمعيات لمصالح شخصية ضيقة.
ضعف الكفاءة الإدارية والاقتصادية لدى الهيئات القيادية.
تكرار فوز أشخاص بذات المناصب لسنوات طويلة دون تجديد دماء القيادة.
تحوّل عدد من الجمعيات إلى ملكية شبه خاصة بدلًا من أن تكون مؤسسات جماعية تخدم الأعضاء والمجتمع وتفتقد الأساس الذي أنشئت من أجله
وقد تلقت عشرات الجمعيات خلال الأعوام الماضية مساعدات مالية وفنية كبيرة من جهات محلية ودولية، كان يفترض أن تُسهم في تعزيز الإنتاج وفرص العمل، إلا أن جزءًا كبيرًا منها تبدد نتيجة غياب الشفافية والمساءلة. وتشير تقارير صادرة عن هيئة مكافحة الفساد وديوان الرقابة المالية والإدارية إلى وجود ملفات فساد وهدر للمال العام داخل بعض الجمعيات، الأمر الذي يستدعي تحريك هذه الملفات قضائيًا ومحاسبة المسؤولين وفق القانون.
ثالثاً: فجوة الأداء بين التجارب الفلسطينية والعالمية
تُظهر التجارب الدولية (كما في إسرائيل، وكندا، والسويد، والهند) أن الحركة التعاونية الناجحة تعتمد على حوكمة رشيدة، ورقابة مالية صارمة، ودعم حكومي منظم، ما جعلها رافعة اقتصادية حقيقية تسهم في الناتج المحلي وتوفّر مئات آلاف فرص العمل.
في المقابل، لا تزال التعاونيات الفلسطينية تفتقر إلى البنية المؤسسية والشفافية والإدارة المهنية، وهو ما يجعلها غير قادرة على أداء دورها الوطني في التنمية والإنتاج.
رابعاً: نحو رؤية استراتيجية لإصلاح الحركة التعاونية
إن إصلاح الحركة التعاونية الفلسطينية ضرورة وطنية، تتطلب إعادة هيكلتها ضمن خطة استراتيجية شاملة تستند إلى ما يلي:
1. إصلاح الإطار القانوني والإداري
تعديل قانون التعاون رقم (17) لسنة 2017 بما يضمن تحديد مدد الترشح لعضوية مجالس الإدارة وعدم احتكار المناصب التعاونية.
فرض حدود للبيروقراطية الإدارية لتسريع إجراءات التسجيل والمحاسبة.
تعزيز استقلالية الاتحاد التعاوني الفلسطيني ليكون جهة رقابة وتوجيه لا جهة تبعية شكلية.
2. تفعيل الحوكمة والشفافية
تبني نظام حوكمة مالية وإدارية شفاف يعتمد النشر الدوري للتقارير المالية.
إخضاع جميع الجمعيات التعاونية إلى تدقيق مالي خارجي سنوي إلزامي.
ربط التمويل والدعم بمستوى الأداء والالتزام بالحوكمة.
3. تفعيل المساءلة ومكافحة الفساد
تحريك ملفات الفساد المالي والإداري بحق كل من يثبت تورطه في تبديد المال العام.
تعزيز دور هيئة مكافحة الفساد وديوان الرقابة المالية والإدارية في الرقابة الميدانية المستمرة.
تفعيل دور القضاء في الفصل السريع بملفات الفساد التعاوني لضمان الردع والمحاسبة.
4. تطوير القدرات البشرية
اعتماد برامج تدريب وتأهيل في الإدارة والاقتصاد الاجتماعي لأعضاء التعاونيات.
إدخال مفاهيم التعاون والإنتاج الجماعي في المناهج التعليمية لبناء جيل مؤمن بالعمل التعاوني.
5. تعزيز التكامل بين الدولة والمجتمع المدني
إنشاء صندوق وطني لدعم التعاونيات الإنتاجية الملتزمة بالمعايير الوطنية.
إدماج التعاونيات ضمن الاستراتيجيات الاقتصادية والخطط التنموية الرسمية.
خامساً: نحو نموذج فلسطيني رائد للتعاون
إن النهوض بالحركة التعاونية الفلسطينية ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية ملحّة لضمان العدالة الاقتصادية وتقوية النسيج الاجتماعي.
فحين تُدار التعاونيات بمبادئ الشفافية والمساءلة، وتُفعل الحوكمة وتُحاصر البيروقراطية، يمكن تحويلها إلى ذراع اقتصادية وطنية تساهم في تحقيق التنمية المستدامة وتقليل البطالة وتعزيز الصمود.
إن الطريق نحو تعاونيات فاعلة يمر عبر إرادة سياسية جادة، وإدارة مهنية شفافة، ومجتمع مؤمن بالعمل الجماعي لا الفردي.
فمن رحم التعاون الحقيقي يمكن أن يولد اقتصاد وطني مقاوم، مستقل في قراره، ومحصن من الفساد والتبعية.
خاتمة
الحركة التعاونية ليست مجرد مؤسسات اقتصادية، بل مشروع وطني لإعادة توزيع القوة الاقتصادية وبناء العدالة الاجتماعية.
وحتى تنهض هذه الحركة بدورها الحقيقي، يجب أن تتحول من مؤسسات شكلية إلى منظومة إنتاجية خاضعة للحوكمة والمساءلة، تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
إن إصلاح الحركة التعاونية هو مرافعة وطنية شاملة من أجل اقتصاد منتج، ومجتمع متكافل، ودولة عادلة تسودها الشفافية وتُحترم فيها القوانين، لأن العمل التعاوني هو الوجه النبيل للاقتصاد الوطني المقاوم.
مقدمة
تُعدّ الحركة التعاونية إحدى الركائز الأساسية لبناء اقتصاد وطني متين ومستقل، إذ تمثل نموذجًا اقتصاديًا يقوم على العدالة الاجتماعية، والمشاركة المجتمعية، والاعتماد المتبادل بين المواطنين. فهي ليست مشروعًا اقتصادياً فحسب، بل منظومة قيمية وتنموية تعكس روح التكافل وتترجم مفهوم الشراكة في التنمية والقرار.
غير أن الواقع الفلسطيني يُظهر أن هذه الحركة قد انحرفت عن مسارها الأصيل، وتراجعت فعاليتها نتيجة الفساد الإداري والمالي، وتغوّل البيروقراطية، وغياب الرقابة والمساءلة، ما جعلها تفقد دورها كمحرك للتنمية وكأداة لتعزيز الصمود الوطني في مواجهة الاحتلال والتبعية الاقتصادية.
أولاً: المفهوم وأهميته الوطنية
الحركة التعاونية هي تنظيم طوعي ديمقراطي يقوم على تضافر الجهود لتلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية المشتركة. وتستند إلى مبادئ أساسية أقرتها التحالف التعاوني الدولي، أهمها:
العضوية الطوعية والمفتوحة.
الإدارة الديمقراطية للأعضاء.
المشاركة الاقتصادية العادلة.
الاستقلالية الذاتية والشفافية.
التعليم والتدريب المستمر.
التعاون بين التعاونيات.
خدمة المجتمع المحلي.
إن هذه المبادئ تشكّل جوهر المشروع التعاوني الذي يُفترض أن يكون ذراعاً مكمّلاً للاقتصاد الرسمي، يسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتوزيع الثروة بعدالة ويعزز السيادة الاقتصادية.
ثانياً: الاختلالات البنيوية في التجربة الفلسطينية
رغم وجود قانون ينظم عمل التعاونيات (قانون رقم 17 لسنة 2017)، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن تشوهات بنيوية خطيرة، أبرزها:
غياب منظومة رقابة فعالة ومستقلة.
استغلال بعض الجمعيات لمصالح شخصية ضيقة.
ضعف الكفاءة الإدارية والاقتصادية لدى الهيئات القيادية.
تكرار فوز أشخاص بذات المناصب لسنوات طويلة دون تجديد دماء القيادة.
تحوّل عدد من الجمعيات إلى ملكية شبه خاصة بدلًا من أن تكون مؤسسات جماعية تخدم الأعضاء والمجتمع وتفتقد الأساس الذي أنشئت من أجله
وقد تلقت عشرات الجمعيات خلال الأعوام الماضية مساعدات مالية وفنية كبيرة من جهات محلية ودولية، كان يفترض أن تُسهم في تعزيز الإنتاج وفرص العمل، إلا أن جزءًا كبيرًا منها تبدد نتيجة غياب الشفافية والمساءلة. وتشير تقارير صادرة عن هيئة مكافحة الفساد وديوان الرقابة المالية والإدارية إلى وجود ملفات فساد وهدر للمال العام داخل بعض الجمعيات، الأمر الذي يستدعي تحريك هذه الملفات قضائيًا ومحاسبة المسؤولين وفق القانون.
ثالثاً: فجوة الأداء بين التجارب الفلسطينية والعالمية
تُظهر التجارب الدولية (كما في إسرائيل، وكندا، والسويد، والهند) أن الحركة التعاونية الناجحة تعتمد على حوكمة رشيدة، ورقابة مالية صارمة، ودعم حكومي منظم، ما جعلها رافعة اقتصادية حقيقية تسهم في الناتج المحلي وتوفّر مئات آلاف فرص العمل.
في المقابل، لا تزال التعاونيات الفلسطينية تفتقر إلى البنية المؤسسية والشفافية والإدارة المهنية، وهو ما يجعلها غير قادرة على أداء دورها الوطني في التنمية والإنتاج.
رابعاً: نحو رؤية استراتيجية لإصلاح الحركة التعاونية
إن إصلاح الحركة التعاونية الفلسطينية ضرورة وطنية، تتطلب إعادة هيكلتها ضمن خطة استراتيجية شاملة تستند إلى ما يلي:
1. إصلاح الإطار القانوني والإداري
تعديل قانون التعاون رقم (17) لسنة 2017 بما يضمن تحديد مدد الترشح لعضوية مجالس الإدارة وعدم احتكار المناصب التعاونية.
فرض حدود للبيروقراطية الإدارية لتسريع إجراءات التسجيل والمحاسبة.
تعزيز استقلالية الاتحاد التعاوني الفلسطيني ليكون جهة رقابة وتوجيه لا جهة تبعية شكلية.
2. تفعيل الحوكمة والشفافية
تبني نظام حوكمة مالية وإدارية شفاف يعتمد النشر الدوري للتقارير المالية.
إخضاع جميع الجمعيات التعاونية إلى تدقيق مالي خارجي سنوي إلزامي.
ربط التمويل والدعم بمستوى الأداء والالتزام بالحوكمة.
3. تفعيل المساءلة ومكافحة الفساد
تحريك ملفات الفساد المالي والإداري بحق كل من يثبت تورطه في تبديد المال العام.
تعزيز دور هيئة مكافحة الفساد وديوان الرقابة المالية والإدارية في الرقابة الميدانية المستمرة.
تفعيل دور القضاء في الفصل السريع بملفات الفساد التعاوني لضمان الردع والمحاسبة.
4. تطوير القدرات البشرية
اعتماد برامج تدريب وتأهيل في الإدارة والاقتصاد الاجتماعي لأعضاء التعاونيات.
إدخال مفاهيم التعاون والإنتاج الجماعي في المناهج التعليمية لبناء جيل مؤمن بالعمل التعاوني.
5. تعزيز التكامل بين الدولة والمجتمع المدني
إنشاء صندوق وطني لدعم التعاونيات الإنتاجية الملتزمة بالمعايير الوطنية.
إدماج التعاونيات ضمن الاستراتيجيات الاقتصادية والخطط التنموية الرسمية.
خامساً: نحو نموذج فلسطيني رائد للتعاون
إن النهوض بالحركة التعاونية الفلسطينية ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية ملحّة لضمان العدالة الاقتصادية وتقوية النسيج الاجتماعي.
فحين تُدار التعاونيات بمبادئ الشفافية والمساءلة، وتُفعل الحوكمة وتُحاصر البيروقراطية، يمكن تحويلها إلى ذراع اقتصادية وطنية تساهم في تحقيق التنمية المستدامة وتقليل البطالة وتعزيز الصمود.
إن الطريق نحو تعاونيات فاعلة يمر عبر إرادة سياسية جادة، وإدارة مهنية شفافة، ومجتمع مؤمن بالعمل الجماعي لا الفردي.
فمن رحم التعاون الحقيقي يمكن أن يولد اقتصاد وطني مقاوم، مستقل في قراره، ومحصن من الفساد والتبعية.
خاتمة
الحركة التعاونية ليست مجرد مؤسسات اقتصادية، بل مشروع وطني لإعادة توزيع القوة الاقتصادية وبناء العدالة الاجتماعية.
وحتى تنهض هذه الحركة بدورها الحقيقي، يجب أن تتحول من مؤسسات شكلية إلى منظومة إنتاجية خاضعة للحوكمة والمساءلة، تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
إن إصلاح الحركة التعاونية هو مرافعة وطنية شاملة من أجل اقتصاد منتج، ومجتمع متكافل، ودولة عادلة تسودها الشفافية وتُحترم فيها القوانين، لأن العمل التعاوني هو الوجه النبيل للاقتصاد الوطني المقاوم.