لا أعرف قامة عالمية وُلِدَتْ من دون رحمٍ، أطول من قارورة الكوكاكولا، فهي الأشهر بالرغوة التي يذهب زبدها جفاء؛ بأشياء من مثل هذه الحَتَّى، كنت أتحدث في نفسي، وأنا أصيخ السمع لمداخلات ندوة» المسرح العربي.. والعالم « التي حضرتُها في فعاليات الدورة الرابعة والعشرين لأيام الشَّارِقة المسرحية (مارس 2014) ؛ بل إن سخرية التفكير مضت تشريحاً أبعد من الميكروفون، لتذكرني بمبدعين عرب ملسوعين بنعرة تهافت التهافت، فلا ينون يهرولون إلى العالم الغربي، للظفر بدمغة العالمية، ولو كان ثمنها سلخاً للجلد، دون أن يؤسسوا شيئاً يحيا في ذاكرة الناس والأرض حيث سقطوا بالرؤوس..! يبدو أن مفهوم الحداثة وما بعدها، يورطنا دائماً في شرك الحديث عن العالمية التي نتخذها عن دهشة وانبهار زائف، سقفاً معيارياً، لقياس درجة أدبيتنا؛ شعراً ورواية ومسرحاً وتشكيلا؛ في حين أن هذه العالمية أو الكرة الأرضية، تتسع جغرافيا عقدتها في بعض الأنفس المريضة بالبارانويا، التي كلما أوغلت في ممارسة فراسخ هذا الانفصام الفاقد للوعي، إلا وتجد رأسها في آخر التفكير، تمحو حمولة الذاكرة لتنتسب إلى الآخر الغريب الذي ما أكثر ما يعطينا دروساً في التعصب لثقافته وأصوله، أما ما تبقى في عرفه الديكي فمجرد أقليات عطشى لأبخس اعتراف..! إن هذه الأنفس المريضة بلذة العالمية التي لا تعرف من حيث أحقية الإبداع موطناً، تستطيع أن تمحو تاريخها من أجل قفزة جغرافية لما وراء المحيط، وهي بهذا الصنيع الكيميائي غير الأصيل، إنما تُذوِّب تراثنا الذي هو لوننا وشكلنا ولغتنا، حتى يصير مسخاً لا تستجمع سيماء صورته مرآة ..! لِنقل، إن هذه الذاكرة بجمهراتها الناطقة بالتاريخ، هي أنفسنا التي نُدلي بهويتها في المطارات حين نريد عبوراً لأي بلد في العالم؛ يجدر بحبر إبداعنا الأدبي، أن يرين بلونه الأثير والمحلي، ليس في شبر ماء، بل في كل البحارات المحيطة من الإنسان إلى الإنسان؛ لكن هذا لا يمنع أن تقع الطيور على غير ألوانها، ليحصل كما بالنسبة للتهجين العرقي أو البشري، تهجينا أدبيا يكرس اختلافية الإبداع..! المحتوم إذاً، أن الشعراء والمسرحيين والروائيين والتشكيليين، ليسوا زجاجات كوكاكولا، ليولدوا ماركات مسجلة عالميا؛ بل أرواح تستمد أسباب حياتها إلى الأزل، من تربة الولادة التي تُعمِّدها بصفات المثقف والأديب والشاعر والفنان بعد صفة الآدمي؛ ولا أعجب إلا ممن تحولت أقلامهم الإبداعية في آخر العمر، إلى عكاكيز مشلولة من فرط الجري الكسيح وراء العالمية، متناسين أن أول ما ينبت في الشجرة على الأرض الأم، هي الجذور، وأنه ليس ثمة من نبات يبدأ الحياة من السماء، إلا إذا كان طفيليا وبه مسٌّ من الأغصان ..!
(ملحق "العلم الثقافي" 2014/5/8)
(ملحق "العلم الثقافي" 2014/5/8)