إبراهيم محمود - مجرد إنسان "ثلاث قصائد منقولة عن الفرنسية مع التقديم"

1761816761686.png


تقديم المترجم:
هناك دائماً من يناديك حيثما، وأينما، وكيفما كنتَ، قريباً منك، بعيداً عنك، مستيقظاً، أم نائماً، منهمكاً في عملك، أم عاطلاً عنه، شارداً، أم مفكّراً، كبيراً أم صغيراً، رجلاً أم امرأة، أسود أم أبيض، مريضاً أم سليماً..إلخ، مهما كان نوع لغتك، وصفتك الجنسية، يناديك بصوت مشاعرك، أحاسيسك، هواجسك، مخاوفك، آمال أو آلام لك، يناديك بالطريقة التي تشعر بها أن هذا الصوت لا يأتي من كل ما ذكرت صفات ٍ أو حالات، إنما يتدفق داخلك، يتسرب إلى حيث يوقظ قوى لك كامنة، لم يتسن لها الظهور كما هي لتكون قادراً على تلقيها أو تشرّبها، عبر مسامات روحك، لا جلدك، عبر نسيجك العصبي، لا نسيجك الحياتي القابل للتلف سريعاً، كما لو أنه صوتك، إنها حالات، قدرات، لحظات منفلتة: برقية، شلالية، تكفي لأن تواجهك بمن تشتهي أن تكون، تشتهي أن تمضي إليه، وهو مقيم، متجذر داخلك، أن تقف على أمره، صحبة ما استيقظ باطنَك، في لحظة لم تضع لها حساباً، أو تعيشها انتظاراً، لحظة تهاتفك بصمت، كما لو أن يداً حنوناً تمسّد على شعرك، حين كنت طفللاً، يداً يُمرَّر على وجهه، تودعه ملمس رقة لم تعشها، يداً تربت على كتفك، تدفع بك إلى النظر أمامك، وأنت تستشعر شمساً صغيرة تطرق بؤبؤيك محبة، وتهبك ما تفتقده، هو أنك أنت نفسه، وليس الآخر المعتبَر غريباً ..
صوت كهذا موجود دائماً،دون توقيت يُذكَر، عندما يخلع أحدنا، أو يكون مهيئاً دائماً في أن يخلع عنه جلده الخارجي، كما الحية التي تخلع قشرتها القديمة ربيعاً، لدخول حياة، وكأنها الآخر المتجدد فيها، بطريقة نيتشه، لاستقبال ثوب جديد، هو مرتجى روحك التي أقضَّها انتظار تلك اللحظة. فلا يعود جسمك سجنك اللحمي الذي يضيق بك خناقاً، أم يهبك عمقاً يجذرك في الوجود، ويودعُك آفاقاً لتنطلق إنساناً مختلفاً.
كم هو جميل، ألا يكون أحدنا تلك الصدفة التي تبقيها موجة بحرية على شاطئها، أو تلقيها هناك، وتنسى أو تتناسى الصدفة هذه أنها تعيش رحابة الفضاء في وحدة تثملها، ولا أكثر من الطيور المحلّقة على ارتفاع منخفض، في انتظارها، لتلقطها، وتنهيها سريعاً، وفي غفلة منها طبعاً.
لا يعود الصوت المنادي صوت الآخر، إنما صوت أي منا، حين يدقّق في حسب نفسه، حقيقة وجوده، فالآخر حقيقتنا، وليس له من قاعدة شرطية، لتكونه، أو بغية قبولك، ليس له من زمن معلوم، لتنتسب إليه، ليس من مؤهلات ذات خصوصية، وأنت تجهد لكسَبها، إنما مجرد بعض من المرونة، في بعض من الانفتاح، في بعض في النظر، لتشعر، كما لو أنك لم تكن، وقد أصبحت ذلك الآخر موفور الحياة.
في الشعر، ثمة تجربة إنسانية من هذا النوع، إنها تجربة لها لغة واحدة، سهلة، إنما لمن يعيش داخلَه لحظة التهيؤ لسماع دائم لهذا الآخر" الإنساني" يدعوك وأنت تمضي إليه، يأتي إليك في الحال، وأنت مستعد لأن تسبح في مطلق وجوده. دون ذلك لا معنى البتة لحياة، تفصلها على على مقاسك، لماء تسكبه في مقاس كأسك، لوجه ترتديه بحجم رأسك، لنبض تبرمجه تناسباً مع وزن قلبك، لحياة بحجم قبضة يدك..!
ثلاث قصائد عن الفرنسية، من بين أخريات، وما أكثرها، أحببت نقلها إلى العربية، إشعاراً بما ذكرت، ولا بد أن في كل لغة ثمة – دائماً، صوتاً كهذا الذي افتتحت به هذا التقديم، دون ذلك لما يُسوَّغ الحديث عما هو إنساني، في كل منا، ما يجعله لأن يكون مسكوناً بما هو كوني، فالمشاعر لا تترجَم ، إنما تعاش، لتجذرها في داخل منا، والترجمة ، أولاً وأخيراً، هو أن يعيش أحدناً هذا الآخر في روحه، وليس في العابر لديه.. مثل أي كان، وكأي كان، أحاول، وأتمنى أن أكون مجرد إنسان، ليكون في الآخر ما يطمئنه أنني الآخر الذي يعنيه في الصميم تماماً. هوذا الوجود، لا سواه، الذي يضمن لنا الدخول ، ومن ثم الإقامة فيه ما بقينا أحياء!


ريك دي لا بروم : أنا مجرد إنسان -


أنا مجرد إنسان، لا شيء سوى إنسان.
أود أن أجوب العالم، وأكتشف بلادًا مجهولة،
وأعشق الحرية.

كثيرًا ما يصفني الناس بالأنانية،
فأنا لا أفكر إلا بنفسي،
بمتعتي الخاصة،
دون أن أهتم بالآخرين.

ومع ذلك، فأنا كأي كائن حي،
لدي مشاعر، وأحتاج إلى الحب
كأي كائن حي،
لكنني مجرد إنسان!

لست امرأة،
أرى الأشياء بشكل مختلف،
لي طريقتي الخاصة في التعبير عن مشاعري،
وفي تجربة الأشياء.

بالطبع، لديّ عيوبي
كأي كائن حي.

لست كاملًا،
أنا بعيد كل البعد عن أن أكون إلهًا.

أنا مجرد إنسان، لا شيء سوى إنسان.

أحيانًا تظن أنني لا أحبك،
لأنني لا أعبّر عن مشاعري بما يكفي،
أبدو فظًا، ولا أجرؤ على البوح بها.

كل ذلك لأنني مجرد إنسان!

لعصور، تعلّمتُ أن أكون إنساناً، لا أبكي،
وأن أعرف كيف أخفي مشاعري.

لا أحمل طفلًا في داخلي،
ولن أعرف أبدًا معنى أن أحمل الحياة في داخلي،
وأن أُخرج ما نفخته في روحي.

كل هذا يجعلني أكثر انفصالًا،
ويجعلني أتفاعل بشكل مختلف،
وأبدو أقل تعلقًا، وأحيانًا أتعلم المزيد عن الحب.

بعد فترة، لا تبدو الكلمات ضرورية للتعبير عن حبي؛
يبدو الأمر واضحًا لي.

في بعض الأحيان،
عندما يتغيّر الحب،
لا أجرؤ على التعبير عنه،
لا أشعر أن لديّ الحق.

أو أشعر بمرارة فقدان الحب الأول،
لا أجد الكلمات المناسبة.
أنا مجرد إنسان، لا شيء سوى إنسان.

لعصور، تعلّمتُ ألا أبكي،
أن أخفي حزني،
أن أدفن حساسيتي.

ومع ذلك، لم يجعلني هذا أقل حساسية،
بل أحيانًا أكثر فخرًا،
أكثر تأملًا،
أقل تعبيرًا عن مشاعري.

هذا ما يجعلنا، يا سيدات، أكثر جرأة منكن، ل
أن كل شيء يُكتم في الداخل،
ثم يُكشف في نوبات الغضب.

أنا مجرد إنسان، لن أكون شيئًا آخر،
أشبهكن، لكنني مختلف،
ولكني أحبكن بالقدر نفسه.

إريك دي لا بروم
٨ نيسان ٢٠١٦
Je ne suis qu’un homme – Eric de la Brume
ملاحظة: الصورة المنشورة أعلاه، مرفقة- في الأصل – بهذه القصيدة " المترجم "
***
رينيه فيلومبي: الإنسان الذي يشبهك
الإنسان الذي يشبهك
طرقتُ بابك
طرقتُ قلبك
طلبًا لسريرٍ مريح
لمدفأة دافئة
لماذا ترفضني؟
افتح لي يا أخي!...
لماذا تسألني
إن كنتُ من أفريقيا
إن كنتُ من أمريكا
إن كنتُ من آسيا
إن كنتُ من أوروبا؟
افتح لي يا أخي!...
لماذا تسألني
طول أنفي
سماكة فمي
لون بشرتي
وأسماء آلهتي،
افتح لي يا أخي!...
لستُ أسود
لستُ أحمر
لستُ أصفر
لستُ أبيض
لكنني مجرد إنسان
افتح لي يا أخي!...
افتح لي بابك
افتح لي قلبك
لأني إنسان
إنسان كل العصور
إنسان كل السماوات
الإنسان الذي يشبهك!...
René Philombé: L’homme qui te ressemble
***

فرنسيس: أنا مجرد إنسان

أنا مجرد إنسان، مجرد إنسان يعتقد
أنه عاش حياته وسط عذاب
حلم بحبٍ حرٍّ من التبعية
لكنه يعيش الآن، في يأسٍ شديد.

أنا مجرد إنسان، إنسان أحب
متوقعًا في المقابل حبًا رائعًا.
تمضي العواطف، يا للأسف! ولكن من الملام؟
هل هو مرور الوقت؟ أم قلة البهجة؟

أنا مجرد إنسان، أحيانًا حائر
وأحيانًا ملهم، لا يبالي أبدًا
عرفت الفشل، لكنني ناضلت
لأحقق الأفضل،
دون أن أكون متعجلًا.
أنا مجرد إنسان، لستُ عملاقًا.
لقد تحملتُ الكثير، ولم أنجح دائمًا.
لم أفشل قط على أبواب النسيان.
في مواجهة الشدائد، لم أستسلم.
أنا مجرد إنسان، كريم القلب.
لو أحرقتُ جناحيّ على أبواب الجحيم.
لطالما قاومتُ المحتالين الصغار.
ومع ذلك، أنت تعلم كيف يتكاثرون.
أنا مجرد إنسان، مُنذر الآن.
بين طعم الحياة وطعم العدم.
أختار الأول، ولكن في المقابل.
يجب ألا أبقى وحيدًا إلى الأبد.

Francis: Je ne suis qu'un homme
فرانسيس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى