جريمة بيت ليد يجب أن لا تمر دون ملاحقة المجرمين

جريمة بيت ليد يجب أن لا تمر دون ملاحقة المجرمين

إعداد: المحامي علي أبو حبلة –

في تصعيد خطير يعكس طبيعة الإرهاب المنظم الذي تمارسه عصابات المستوطنين تحت رعاية وحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، شنّ مستوطنون، يوم الثلاثاء، هجومًا همجيًا على المنطقة الصناعية “اللدائن” قرب بلدة بيت ليد شرق طولكرم في الضفة الغربية المحتلة، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين الفلسطينيين وإحراق شاحنات ومركبات ومنشآت صناعية وأراضٍ زراعية.

الهجوم لم يكن حادثًا عابرًا، بل جريمة إرهابية متعمدة ومخطط لها مسبقًا، استهدفت البنية الاقتصادية والمجتمعية الفلسطينية في المنطقة، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى جعل البيئة الفلسطينية طاردة للحياة ومهيأة للتهجير القسري.

وأفادت المصادر الميدانية بأن المستوطنين أضرموا النار في عشرات المركبات والشاحنات داخل المنطقة الصناعية، وامتدت الحرائق إلى الأراضي الزراعية المحيطة، في وقت منعت فيه قوات الاحتلال طواقم الإطفاء والدفاع المدني من الوصول إلى بعض المواقع المشتعلة، ما ضاعف من حجم الخسائر والأضرار.

وادعى جيش الاحتلال لاحقًا أنه اعتقل عددًا من المستوطنين بعد أن هاجموا مركبة عسكرية إسرائيلية، إلا أن هذا الادعاء لا يغير من حقيقة تواطؤ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي وفرت الغطاء والحماية للمعتدين منذ لحظة الهجوم وحتى انسحابهم.

وفي الوقت ذاته، واصل المستوطنون في الأغوار الشمالية تسييج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والرعوية في منطقة الفارسية، ما يعني عمليًا الاستيلاء عليها وحرمان أصحابها الفلسطينيين من مصدر رزقهم، في انتهاك صارخ لكافة الأعراف والقوانين الدولية.

جريمة إرهابية مكتملة الأركان ومسؤولية قانونية واضحة

تؤكد الوقائع الميدانية أن ما جرى في بيت ليد يشكل جريمة إرهاب منظم وفقًا لأحكام القانون الدولي الإنساني، وجريمة عدوان ضد المدنيين وممتلكاتهم بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.

كما أن سلطات الاحتلال، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، تتحمل المسؤولية الكاملة عن حماية السكان المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم في الإقليم المحتل، وفقًا للمادة (27) من الاتفاقية ذاتها.

وما يزيد من جسامة الجريمة أن هذه الأفعال تمت عن قصد وتخطيط مسبق، ولا تمت بأي صلة إلى ما يُسمى “ضرورات أمنية”، ما يجعلها جريمة عدوانية مقصودة تستوجب الملاحقة والمحاسبة، ليس فقط أمام المحاكم الدولية، بل أيضًا أمام المحاكم الإسرائيلية استنادًا إلى الاتفاقيات الموقعة بين حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية التي نصّت على التزامات متبادلة بحماية المدنيين وضمان الأمن العام في المناطق الخاضعة للسيطرة المشتركة.

وبناءً على هذه الاتفاقيات، فإن على الجانب الفلسطيني تقديم شكاوى رسمية أمام القضاء الإسرائيلي ضد الجناة، ومطالبة سلطات الاحتلال بالتعويض الكامل عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالمواطنين الفلسطينيين، باعتبار أن المستوطنين وجيش الاحتلال يشكّلون معًا الجهة الفاعلة والمسؤولة قانونيًا عن هذه الجريمة وعن توفير الغطاء والحماية لمرتكبيها.

المطلوب: تحرك قانوني ودبلوماسي فاعل لا يكتفي بالإدانة

إن الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار لم يعد مجديًا، وقد آن الأوان للانتقال إلى مرحلة الفعل القانوني والسياسي.

على السلطة الوطنية الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية المختصة أن تشكل فريق ادعاء قانوني وطني ودولي لملاحقة هذه الجرائم وفق القانون الدولي الإنساني، وبالتعاون مع محكمة الجنايات الدولية والمنظمات الحقوقية الدولية.

كما يتوجب العمل على توثيق الجرائم بشكل رسمي وممنهج، ورفعها إلى الهيئات الدولية المعنية، ولا سيما مجلس حقوق الإنسان والأمم المتحدة، لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، والتأكيد أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية القانونية والسياسية والمالية الكاملة عن جميع الانتهاكات التي يرتكبها المستوطنون وجيش الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين.

خاتمة

إن جريمة بيت ليد ليست حدثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة الإرهاب الاستيطاني الممنهج الذي يتغذى من خطاب الكراهية الذي يزرعه المتطرفون في الحكومة الإسرائيلية.

إن مواجهة هذه الجرائم تتطلب توحيد الجهود الوطنية والقانونية والإعلامية، والعمل بجدية على تفعيل أدوات القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية، لضمان محاسبة المجرمين وعدم إفلاتهم من العقاب.

فـ جريمة – بيت ليد – يجب ألا تمر دون ملاحقة ومسائلة، لأنها ليست فقط اعتداءً على ممتلكات الفلسطينيين، بل اعتداء على القانون والعدالة والكرامة الإنسانية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى