في ربيع عام 1968، لم يكن للقرية أحاديث، إلا ظهور ستنا «مريم» أم سيدنا عيسى فوق كنيسة العذراء في القاهرة.
اجتمع ممدوح ـ الذي يشعر بذاته أكبر من عمره ويميل إلى مصادقة الكبار ـ وأصدقاؤه تحت شجرة جميز، الشيخ «علي أبو طرطور»، في مصلى صغير، مفروش بالقش لصق الرشاح، كان أبو طرطور يجمع بالليل لبن الجميز، كل ربيع، قبل أن يثمر، فهي حرفته التي يعتاش عليها، يجففه ثم يبيعه لأهل القرية كعلاج لمشاكل المعدة والأمعاء والطمث والنفاس. وفي النهار يجمع الصمغ من شجر السنط وبيعه لميتاؤوس الإسكافي.
رجل يأنس إليه الشباب والصبية، حلو الحديث، منظم، ومرتب، ويعرف تاريخ شجرته التي يأتيه خيرها كل عام، لا يمل من تكرار حكايتها، وكثيرا ما يمد عنقه تيها، وهو يذكر سيرة شجرة الجميز العطرة، وكيف أنه صُنع من خشبها نعش الإله «أوزير»... يضحك الشباب ويلاطفونه:
- مَنْ الإله «أوزير» يا عم علي؟!
- والله... يا أولاد ما أعرفه. سمعته من المرحوم أبويا.
ـ هههه... تقسم بالله؟! أي إله؟! إياك تقصد «الإله» أوزير؟!
- لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا رزقني الليلة بجبلاية قرود!
تنهد تنهيدة طويلة وأطرق بعض الوقت ثم فاجأهم بما هو أثقل:
- ما رأيكم... إن أرواح موتانا تغادر «التُرب/ المقابر» كل ليلة، وتأتي هنا على هيئة طيور، لتأوي إلى شجرة الجميز، حيث تجد حاجتها من الطعام.
- هههههه... عادي!
- يعني تصدقونني؟!
- ولِمَ لا؟!.. إذا كنا صدقنا إن ستنا مريم أم سيدنا عيسى ظهرت فوق كنيسة العذرا في مكان اسمه الزيتون في مصر/ القاهرة.
- سمعت «طراطيش» كلام عند مسجد أبو سعود. وقالوا إن «الواد» فوزي أبو طلوقة سيغادر مع أمه، للقاهرة لتشفيه العذراء من شلل الأطفال.
كان ممدوح قد أطلع من أبيه على تفاصيل أكثر، من جريدة الأهرام، ابتاعها أبوه خصيصا لهذا السبب:
- سمعت أبي يذكر سائق أتوبيس اسمه «فاروق أبو عطوة» سمع صياح بعض المارة فخرج مسرعًا ليعرف ما الأمر، فوجد أناسًا متجمهرين أمام الكنيسة، يشيرون إلى القبة، فرأى سيدة تلبس ملابس بيضاء وتقف فوق القبة البحرية، وكأنها تنوى الانتحار، ولكنها لم تتحرك، ودقق النظر فوجدها على شكل راهبة وفجأة طار فوقها حمام أبيض. وشخص ثاني اسمه... اسمه (ويزم ممدوح شفتيه)... اسمه... آه اسمه «مأمون» تقريبًا، قال إنه سمع خفير الجراج يصيح بصوتٍ عالٍ (نور فوق القبة)، فخرج بسرعة وشاهد بعينيه سيدة تتحرك فوق القبة، ويشع منها نور غير عادى، فأضاء ظلمة المكان المحيط بالقبة، ودقق النظر إليها، وظل بصره متعلقًا بها، فتبين أنها العذراء وأنه رآها تمشى فوق القبة الملساء، جسمها شعلة من النور وكانت تسير في هدوء.
أطرق «علي أبو طرطور» طويلاً منصتًا لحديث الأولاد مستمتعًا به، وراقت له فكرة السفر وعرض زوجته على العذراء لعلها تنجب له ذكرًا يخلّد اسمه ويأخذ عزاءه بعد وفاته، بعد أن سمع «ممدوح» من أبيه، أن الرئيس عبد الناصر بذات نفسه ونائبه حسين الشافعي أمضيا الليل بطوله أمام الكنيسة ينتظران العذراء، وأنها تجلت لهما وهما يجلسان فوق سطح دار في حي الزيتون لأكبر تجار الفاكهة في مصر:
- لو الحكاية صحيحة يا أولاد، يبقى باض لي اليمام على الوتد.
لم يفهم الشباب ما يقصده أبو طرطور ولم يحرك فضولهم بشأنه... وعاجله ممدوح بما يبلل به حلمه الجاف:
اقرأ التفاصيل في روايتي "التقفيصة"
@إشارة • جزء من رواية "التقفيصة" . محمود سلطان . إصدار مؤسسة شمس للنشر والإعلام طبعة القاهرة 2024
• تطلب الرواية من وتساب 01288890065
اجتمع ممدوح ـ الذي يشعر بذاته أكبر من عمره ويميل إلى مصادقة الكبار ـ وأصدقاؤه تحت شجرة جميز، الشيخ «علي أبو طرطور»، في مصلى صغير، مفروش بالقش لصق الرشاح، كان أبو طرطور يجمع بالليل لبن الجميز، كل ربيع، قبل أن يثمر، فهي حرفته التي يعتاش عليها، يجففه ثم يبيعه لأهل القرية كعلاج لمشاكل المعدة والأمعاء والطمث والنفاس. وفي النهار يجمع الصمغ من شجر السنط وبيعه لميتاؤوس الإسكافي.
رجل يأنس إليه الشباب والصبية، حلو الحديث، منظم، ومرتب، ويعرف تاريخ شجرته التي يأتيه خيرها كل عام، لا يمل من تكرار حكايتها، وكثيرا ما يمد عنقه تيها، وهو يذكر سيرة شجرة الجميز العطرة، وكيف أنه صُنع من خشبها نعش الإله «أوزير»... يضحك الشباب ويلاطفونه:
- مَنْ الإله «أوزير» يا عم علي؟!
- والله... يا أولاد ما أعرفه. سمعته من المرحوم أبويا.
ـ هههه... تقسم بالله؟! أي إله؟! إياك تقصد «الإله» أوزير؟!
- لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا رزقني الليلة بجبلاية قرود!
تنهد تنهيدة طويلة وأطرق بعض الوقت ثم فاجأهم بما هو أثقل:
- ما رأيكم... إن أرواح موتانا تغادر «التُرب/ المقابر» كل ليلة، وتأتي هنا على هيئة طيور، لتأوي إلى شجرة الجميز، حيث تجد حاجتها من الطعام.
- هههههه... عادي!
- يعني تصدقونني؟!
- ولِمَ لا؟!.. إذا كنا صدقنا إن ستنا مريم أم سيدنا عيسى ظهرت فوق كنيسة العذرا في مكان اسمه الزيتون في مصر/ القاهرة.
- سمعت «طراطيش» كلام عند مسجد أبو سعود. وقالوا إن «الواد» فوزي أبو طلوقة سيغادر مع أمه، للقاهرة لتشفيه العذراء من شلل الأطفال.
كان ممدوح قد أطلع من أبيه على تفاصيل أكثر، من جريدة الأهرام، ابتاعها أبوه خصيصا لهذا السبب:
- سمعت أبي يذكر سائق أتوبيس اسمه «فاروق أبو عطوة» سمع صياح بعض المارة فخرج مسرعًا ليعرف ما الأمر، فوجد أناسًا متجمهرين أمام الكنيسة، يشيرون إلى القبة، فرأى سيدة تلبس ملابس بيضاء وتقف فوق القبة البحرية، وكأنها تنوى الانتحار، ولكنها لم تتحرك، ودقق النظر فوجدها على شكل راهبة وفجأة طار فوقها حمام أبيض. وشخص ثاني اسمه... اسمه (ويزم ممدوح شفتيه)... اسمه... آه اسمه «مأمون» تقريبًا، قال إنه سمع خفير الجراج يصيح بصوتٍ عالٍ (نور فوق القبة)، فخرج بسرعة وشاهد بعينيه سيدة تتحرك فوق القبة، ويشع منها نور غير عادى، فأضاء ظلمة المكان المحيط بالقبة، ودقق النظر إليها، وظل بصره متعلقًا بها، فتبين أنها العذراء وأنه رآها تمشى فوق القبة الملساء، جسمها شعلة من النور وكانت تسير في هدوء.
أطرق «علي أبو طرطور» طويلاً منصتًا لحديث الأولاد مستمتعًا به، وراقت له فكرة السفر وعرض زوجته على العذراء لعلها تنجب له ذكرًا يخلّد اسمه ويأخذ عزاءه بعد وفاته، بعد أن سمع «ممدوح» من أبيه، أن الرئيس عبد الناصر بذات نفسه ونائبه حسين الشافعي أمضيا الليل بطوله أمام الكنيسة ينتظران العذراء، وأنها تجلت لهما وهما يجلسان فوق سطح دار في حي الزيتون لأكبر تجار الفاكهة في مصر:
- لو الحكاية صحيحة يا أولاد، يبقى باض لي اليمام على الوتد.
لم يفهم الشباب ما يقصده أبو طرطور ولم يحرك فضولهم بشأنه... وعاجله ممدوح بما يبلل به حلمه الجاف:
اقرأ التفاصيل في روايتي "التقفيصة"
@إشارة • جزء من رواية "التقفيصة" . محمود سلطان . إصدار مؤسسة شمس للنشر والإعلام طبعة القاهرة 2024
• تطلب الرواية من وتساب 01288890065