مقتطف توفيق معمر - مذكرات لاجيء أو حيفا في المعركة... الفصل العاشر - الخاتمة

الفصل العاشر
الخاتمة


لم ينقطع اتصالي بأبي دياب خلال هذه الأيام العصيبة التي واجهناها خصوصا ونحن من أبناء بلدة واحدة وحارة واحدة زادتنا الهزيمة والفوضى تماسكا وقربا . على أن حينا لبعده عن المناطق اليهودية ومواقع القتال ، بقي في منجى من تعديات الرعاع والنهابين ومن ضربات " الهاجناه " وهجماتها الاستطلاعية خلال الاضطراب الذي ساد المدينة ولم يتعرض لأية نيران سوى ما كان يتساقط علينا بين حين وآخر من قنابل الهاون ورصاص السلبند فتنفجر هنا وهناك في رحاب الحي وفجواته دون أن تحدث خسائر في الأرواح . كما أن قادة الهاجناه على إثر الاجتماعين اللذين عقدا في دار البلدية بين ممثلي العرب واليهود وبعد ما رأوا من تهافت العرب على الرحيل ما رأوا ، كفوا عن إطلاق النار واوقفوا هجماتهم على الأحياء العربية واكتفوا بحراسة الشوارع الهامة والمرابطة في مداخل الأحياء العربية المجاورة لهم والملاصقة لحدودهم يفتشون النازحين العرب وهم في طريقهم إلى الميناء ، أو من يشتبهون بهم من المناضلين وحملة الأسلحة .
لم تفقدنا الفوضى والبلبلة وعينا ورشدنا بل لبثنا معظم وقتنا معتصمين بمنازلنا صابرين مؤمنين في انتظار ما يسهل علينا سفرنا مثلنا مثل الألوف غيرنا من أهل حيفا العرب الذين آثروا الرحيل على البقاء وحزموا أمرهم على مغادرة البلاد . وتم الأمر بيننا على الرحيل معا ضمن قافلة بريطانية واحدة إلى الأردن على أن أحط رحالي في نابلس ويتابع أبو دياب سفره إلى إربد إلى بعض أقربائه هناك . كما تعاهدنا على الاهتمام بعائلة المرحوم محمد الأسمر وتسهيل سفرها وتيسير أمرها إلى بلدها " يعبد " الواقعة في قضاء جنين ، كذلك أخذنا نعد أنفسنا للالتحاق بإحدى القوافل المسافرة إلى جنين ونهيء أمورنا لليوم المنتظر لنكون على تمام الأهبة إذا ما دعينا إلى السفر فجأة .
وفي اليوم المعين جمعت أمتعتي وفراشي وأثاث بيتي وحزمتها ثم نقلتها إلى سيارة التراك القريبة ، وما تركت حاجة ولا داجة إلا أخذتها ، ولما أغلقت باب المنزل وهممت بنزول السلم إذ برسمية تصيح من بعيد : " جرن الكبة يا غالب هل نسيته ؟ فقلت لها : " حمله ثقيل " قالت : " ايتني به وإلا فلن أذهب بدونه " فقلت : " أمري لله " وعدت ادراجي إلى المنزل وجئت بالجرن إلى السيارة وقد هد كتفي .
وفي يوم كئيب قاتم متلبد الغيوم لم ينقطع فيه المطر سافرت أنا وأبو دياب وعائلته تصحبنا زوجة محمد الأسمر وولداه حسن وأكرم ضمن قافلة بريطانية تضم ست عشرة سيارة تراك وبعض " التكسيات " والسيارات الخاصة إلى جنين تتقدمها دبابة وسيارة " جيب " بريطانيتان ، ولما كان قائد القافلة البريطاني يطالب النازحين بأجرة لانضمامهم إلى القافلة لذلك فقد دفعنا له نحن العائلات الثلاث عشر ليرات فلسطينية أجرة انضوائنا إليه وسفرنا تحت لوائه فكان بالفعل رحيلا ميمونا مع دفع الأجرة . وفي جنين انفرط عقد القافلة واتخذ كل مسافر الوجهة التي يريد ، أما أبو دياب وأنا فقد أوصلنا عائلة محمد الأسمر إلى يعبد ثم تابعنا سيدنا إلى نابلس حيث ألقيت عصا الترحال . فودعت قائدنا نايف ادريس وداعا حارا وطالبا إليه أن يوافيني بأخباره دائما ومتمنيا له كل خير وفلاح ثم واصل سفره إلى إربد . ولكن إقامتنا في الأردن لم تطل لما تعرضنا له من تجارب ومحن لم تكن في الحسبان .
تعاطيت في نابلس مهنة التدريس وهي مهنتي الأصلية التي مارستها في حيفا فالتحقت بإحدى المدارس الوطنية في المدينة واستطعت أن أحصل ما فيه كفايتي و كفاية عيالي واستمررت في عملي هذا مدة من الزمن إلى أن وقع ما عكر علي حياتي الهادئة وقلبها رأسا على عقب .
ففي ذات يوم سافرت إلى عمان لقضاء حاجة ما تتعلق بمدرستي فحدث وأنا جالس في مقهى " النصر " قبيل الظهر أن وقع بصري على سيارة كرايسلر فخمة تقف في الطريق العام أمام المقهى وينزل منها ضابط بريطاني كبير من ضباط الجيش الأردني برتبة " ميجر " ، وما إن وقعت عليه عيناي حتى ضاع صوابي ومادت الأرض تحت قدمي ، حملقت في الرجل من مكاني في المقهى وأنا غير مصدق ما ترى عيناي فإذا هو كريستوفر كنزي بعينه بلباس الجيش الأردني الأنيق ، فطار عقلي وجمدت في مكاني وقلت في نفسي : " من سيارة أوستن إلى كرايسلر ومن شاويش بسيط في سلك البوليس الفلسطيني إلى " ميجور " في الجيش الأردني ، فيا لسخرية القدر ... ، وأخيرا لم أستطع كبح جماح نفسي فقمت من مقعدي واندفعت إليه كالثور الهائج وصحت في وجهه بالعربية كمن أصابه مس :
- أهذا هو أنت ... أأنت كريستوفر كنزي ؟!
فأجاب بلغة عربية صحيحة يقول :
- نعم ، ماذا تريد ؟!!
- أأنت هو صديق أبي دياب في حيفا ؟
- نعم .... أتدري أين هو اليوم ، ما أحب هذا الرجل وما أعزه علي .
فصحت في وجهه وأنا ارتجف من شدة الغضب :
- من حيفا إلى عمان ... إما تخاف الله يا رجل .... ألا يكفيك ما فعلت بحيفا والآن جئت تعمل عملك في الأردن ؟!
وهكذا أخذت ازمجر و اكيل له التهم جزافا وأصب عليه جام غضبي بكلمات هستيرية ... وجمد كريستوفر واقفا قبالتي وقد أصابه الذهول دون أن ينطق بكلمة واحدة . وأحاط بي جمهور كبير يتساءلون عن سبب هياجي وصياحي كما أخذ بعضهم يهدئونني ويطيبون خاطري بينما ظل كريستوفر واقفا على الرصيف محتارا مرتبكا كأنه لا يفهم ما أقول ، ثم برز رجل من بين الجمهور ودنا مني قائلا :
- شوية شوية يا رجل ... شو المسألة .. يظهر أنك تجهل هذه الشخصية البريطانية النبيلة ...
- أجهل هذه الشخصية البريطانية النبيلة ؟! ومن يجهل كريستوفر كنزي الخائن الجاسوس مشرد مدينة حيفا...
- حيفا ... وما لنا وحيفا ... لقد انتهى أمرها ... أنت في عمان يا رجل لا في حيفا ... أرى أنك بدأت " تخربط " !
عندئذ فقدت رشدي وأخذت اصيح في الجمهور بملء صوتي :
- اقبضوا على المجرم ... اقبضوا على الجاسوس ... يا ناس ... يا عالم سينتهي أمركم ويقضى عليكم كما قضي علينا في حيفا ، ورحت أشرح لهم الدور الذي لعبه في " بيع " حيفا وتشريد شمل سكانها العرب ...
فوضع الرجل يده على كتفي وقال محاولا تسكين غضبي وهياجي :
- ما أعجب طبعك يا رجل ! وما أشد عنادك ، هديء من روعك ... أنت مخطيء ... أنت متوهم ..هذا هو غير الذي تظنه ... هذا هو كريستوفر كنزي قاهر اليهود ، والعضو الرئيسي في لجنة الهدنة الأردنية الإسرائيلية المشتركة . والده عضو في مجلس العموم وعمه عضو في مجلس اللوردات وهو الكل في الكل في الحكومة الأردنية والجيش الأردني الباسل ... أنت غلطان ، روح دور على غريمك يا هذا ...
فصحت في الجمهور : ويحكم يا مغرورون يا مغفلون ... أنتم المخطئون الواهمون ، هذا هو كريستوفر كنزي قاتل محمد الأسمر وصحبه ومشرد مدينة حيفا ... فصاح الرجل :
- ماذا تقول؟! ... قاتل ؟ .. الله أكبر ! ... هل جننت ؟ هذا الرجل هو شيخ من مشايخنا وصديق من أصدقاء العرب والمسلمين ، ويعرف سمير باشا الرفاعي رئيس محلس الوزراء ، والمستشار الأمين لجلالة الملك المعظم ، صقر قريش ، سليل الدوحة النبوية الشريفة ، المنقذ بن المنقذ ، محرر الوطن السليب ، ومطهر الفردوس المفقود ... إنه فخر الجيش الأردني واليد اليمنى لراعي البويضة جلوب باشا ، وعما قريب سيصبح جنرالا ...
فصحت في الجمهور : جنرال ، وأين تكونون وأين يكون سليل الدوحة النبوية الشريفة وآل البيت الهاشمي حين يصبح هذا الميجور جنرالا ...؟
ولم أطق صبرا بعد ذلك فانقضضت على كريستوفر محاولا تمزيق عنقه بيدي فأشهر مسدسه وكاد يطلقه علي لولا كثافة الجمهور الذي أحاط بي على رصيف المقهى ، وحال بيني وبين موت محقق . وأخيرا جاء نفر من رجال الشرطة ، فألقوا القبض علي واستاقوني إلى السجن ، فقلت في نفسي وأنا في طريقي إلى السجن : " إن تشريد مليون عربي رفع هذا المجرم من جاويش بسيط إلى ميجور . ترى كم مليونا ينبغي أن يشرد منهم حتى يصبح جنرالا أو مارشال ميدان . عملية حسابية بسيطة .
ولم يمض على توقيفي أسبوعان حتى مثلت أمام المحكمة العسكرية في عمان المؤلفة من رئيس وعضوين وجميعهم من ضباط الجيش الأردني وحوكمت بتهمتين الأولى الشيوعية والثانية تحقير كريستوفر كنزي الضابط الكبير في الجيش الأردني والمساعد الأول لجلوب باشا قائد الجيش ، لم أجبن ولم اتخاذل أثناء المحاكمة فأنكرت تهمة الشيوعية وقلت : " لم أكن شيوعيا في يوم من أيام حياتي " ورحت أشرح للمحكمة كل ما أعرفه من أمر هذا الرجل ، ولكنني ما كدت أشرح الدور الذي لعبه كريستوفر في معركة حيفا والمشهد الذي شاهدته في مركز قيادة الهاجناه حتى اعترضني رئيس المحكمة وزجرني ومنعني من متابعة كلامي قائلا : " إن ذلك خارج عن نطاق القضية " عندئذ خرجت عن رشدي وصرخت في القضاة : " لا قوة في الدنيا تستطيع أن تغير من حقيقة هذا الرجل أو من معتقدي فيه أنه جاسوس مجرم وقاتل محمد الأسمر وعشرات غيره من أهل حيفا العرب ومشرد سكانها . لقد جاء إليكم ليقتلكم أنتم ويمزقكم اربا اربا يا عبيد الاستعمار ويا عبدة الاسترليني والدولار " .
وذهب كلامي أدراج الرياح ، فبعد جلسة صاخبة حملت فيها على الحكم القائم في الأردن وطعنت في حكامه جرمت بالتهمتين وحكم علي بالسجن ستة أشهر . وقد رحمتني المحكمة لأنني لاجيء على حد قول رئيسها .
وبعد أن انقضت مدة السجن وأفرج عني ، كان أول ما فعلته أن مضيت إلى إربد حيث كان أبو دياب يعمل في دكان للبقالة . ومن هناك ذهبنا معا إلى قرية الحصن القريبة حيث كان أبو دياب يقيم وقضيت ليلتي ضيفا عليه . فأخبرته بكل ما جرى لي مع كريستوفر في عمان وكيف حوكمت وزج بي في السجن لمدة ستة أشهر .
اكفهر وجه أبو دياب وغلى الدم عروقه عند سماع هذا الخبر ، وقد رأى أن يذهب إلى كريستوفر بنفسه إلى مقر الجيش العربي ويفضح أمره لدى أولي الأمر هناك . ولكني أقنعته بفساد رأيه واحتمال ما قد يعقب ذهابه من نتائج وخيمة ، وطلبت إليه التريث قليلا ومعالجة الأمور بالصبر والتأني موضحا إليه أن من العبث مقاومة التيار الجارف في الأردن الآن بعمل فردي قد يفضي به إلى السجن ، لا لستة أشهر ، بل لسنين طويلة .
فقال أبو دياب : " من المؤلم حقا أن يكون لدى العرب حكام لا ضمير لهم ولا شرف يعملون للأجنبي ويضمرون كل شر لشعوبهم " .
- إن ما يسخطني ويحز في نفسي أنهم تحت ستار مقاومة الشيوعية يطعنون الأمة العربية في الصميم ، ويكيدون لأبنائها فيعملون على ذلهم وقهرهم وتشتيت شملهم وإفنائهم إرضاء للأجنبي وتمكينا له من بلادهم لقاء دريهمات ينفقونها على مسراتهم وملذاتهم .
- وماذا ترى في وجود كريستوفر في الأردن يا غالب؟
- لقد جاء إلى الأردن ليكمل ما قام به من عمل في حيفا . ومما يؤلم حقا ويدمي القلوب أن الشعب الأردني يجهل ما يراد به ... قلت كريستوفر كنزي قالوا محمد كنزي ، قلت مجرم قالوا بريء ، قلت مشرد عرب حيفا قالوا عضو في لجنة الهدنة الأردنية الإسرائيلية المشتركة ، قلت جاسوس قالوا اليد اليمنى لراعي البويضة الجنرال جلوب ، والمستشار الأمين لسليل الدوحة النبوية الشريفة ، المنقذ بن المنقذ ، ومحرر الوطن السليب ، وماذا بعد ذلك ...
- ليس صحيحا أن الشعب جاهل بما يراد به وما هو صائر إليه ، وما هذا الوصف الساخر لكريستوفر الذي خرج به إليك رجل من الجمهور إلا دليل المعرفة بحقائق الأمور ونتيجة لما يحمله الشعب الأردني في صدره من كراهية وضغينة وحقد على الحكم القائم في ربوعه .
- أنا معك يا أبا دياب ، إن حكام هذا البلد ، ومن سار على نهجهم من عملاء الاستعمار في البلاد العربية ، يجهلون الحقيقة الناصعة وهي أنهم مهما استعملوا من وسائل الكبت والقهر والتنكيل ، ومهما سلطوا على أحرار شعوبهم من حديد ونار ، فإنهم لن يطفئوا جذوة تلك النيران المتقدة في صدور الملايين من أبناء الأمة العربية . إنه يوم ويوم قريب وتلتهم هذه النيران المستعرة أجساد حكامهم النتنة ، وتجعل من بقاياها رمادا تذروه الرياح ... رياح القومية العربية المتأججة في الصدور .
- وكيف يستطيع العرب تحقيق أمانيهم؟
- إن كفاح الشعوب العربية لا يؤتي ثماره إلا بتطهيرها من العناصر الفاسدة واجتثاثها من أصولها ، وذلك بفرض التعليم الإلزامي وإزالة الأمية وتثقيف الجماهير تثقيفا جامعا صحيحا يعمل على بعث القوى العربية الكامنة في جميع الأقطار وتوجيدها واستثمار طاقاتها وإمكانياتها ، لتتفادى الوقوع في كارثة أخرى وتدرأ عنها كل خطر وعدوان .
وبعد حديث قصير استقر رأينا على أن نغادر الأردن ، ونمضي إلى بلاد ليس فيها بريطانيون من أمثال كريستوفر ولا نفوذ بريطاني ولا أجنبي مهما كان نوعه ولونه . لذلك عقدنا العزم ، خصوصا ونحن لاجئون فلسطينيون من بلد واحد جمعتنا خطوب واحدة وآلام واحدة وآمال واحدة ، على شد الركاب إلى بلد ينعم بالحرية الصحيحة الكاملة ، والعيش فيه حيث لا نفوذ أجنبي نخشاه .
وما هي إلا أسابيع قليلة حتى أعددنا عدتنا و هيأنا أنفسنا ومضينا إليه حيث حططنا رحالنا واتخذناه وطنا ثانيا لنا . وحالفنا التوفيق في ربوعه فعملت أنا وأبو دياب في مصلحة واحدة في إحدى الخدمات العامة في العاصمة عملا وإن كان شاقا إلا أنه ضمن لنا عيشا مرضيا واستقرارا ، أرجو أن يكون وقتيا ، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا .

# تمت #


( اختيار عادل الاسطة )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى