بورك قلبه الواسع الحليم، الأديب الخلوق النخبوي، السامق اللامع الإبداع في شعره وأقاصصيه وفكره النقدي،الأستاذ الصديق ((محمود علي السعيد، أبو رامز)) المحترم.
لقد لمح بك الموهبة الأدبية الفذة منذ بداياتك، فعمل على تعزيز قدراتك الكامنة،وشجع على استمراريتك نحو الإبداع المتجدد، ومنحك بحكم إدارته للنادي العربي الفلسطيني؛ فرصا عديدة للمشاركة في الأماسي، بل قدمك إلى الجمهور بنفسه لمرات عديدة، إذ رأى أن قصصك تنطوي على الهم الاجتماعي، وعرف عنك روعة الانتقاء للأحداث المثيرة، وقوة الحَبْكة، وبساطة الحوار، وسحر التأثير النفسي، والمنلوج والديالوج، وعفوية السرد وحرارته التي تلامس وجدان الناس، وتوقظ ضمائر الأمة، وتُفتِّح وعي الأجيال.
لقد تبناك بشكل من الأشكال،وراح يخشى عليك من سخط الدولة ورهابها المرير،وقد أحب ماتتّسم به قصصك من أسلوب، ومن إدهاش، وسخرية، وتمرد، ونقمة، وتثوير، واندفاع،وتهور في معظم الأحيان..؟!
كان الأديب الكبير يطلق لك عنان الإبداع ويهيئ لك فرص الانطلاق، ويجعل من نفسه بحنكته وخبرته وحكمته طوق نجاة لك من هيمنة المخبرين ويرد عنك أذاهم؛ بإبعاده عنك شبهة الاتهامات السياسية المباشرة، وبكل محبة، حيث كان بحدسه مستوعباً لعقلية المخبرين، وراصداً لأعين النظام، الذين كان كثيرا مايخاطبهم بكلمة رفيق، حيث يجيؤون إلى الأمسية لا كمتذوقين، بل كرفاق ممثلين لرأس السلطة الهرمية المستبدة بأنفاس الشعب.
ولمَّا كان تصويرك للسلطة في قصتك "إقلاق راحة" يتخذ من الشرطة والأمن رمزاً للامبالاة والجشع والتردي الخلقي واستغلال النفوذ والابتزاز وإشباع الغرائز والروتين والملل والاستسلام والكسل والغرق في النوم الطويل، والعنجهية والعجرفة،ورمزا للاستهتار بالمواطن وقهره وابتزازه، وهدر كرامته، وتحقيره، كنتَ كمن كان يحفر قبره بيديه ولم يدرِ عاقبة مايفعله.
حيث كانت السلطة في قصتك سلطةً سلبية معطلة وقمعية، لا تعرف للعدالة أو الديمقراطية معنى ولا تحافظ على حقوق المواطن المهضومة، ولم تكن فاعلة بإخلاص في تطبيق القانون وحماية المواطن، فالعناصر لا يفعلون شيئاً سوى إطاعة وخدمة مرؤوسهم المنغمس بإشباع لذاته الشهوانية.
وما كان المخفر في قصتك سوى عينة صغيرة ترمز إلى الأجهزة المخابراتية التي تهدف لأمن السلطة لا لأمن المواطن، بل كانت سلطة هشة وواهية وفظيعة النهج في رقابتها على الفكر والأدب،ووحشاً كاسراً يبث الخوف في نفوس العامة ويملأ قلوبهم بالرعب والرهاب.
لقد كدت أن تقع بمصيدة المخبر من جراء قصتك، لولا مسارعة أديبنا المخضرم الكبير لإنقاذك من مأزق خطير، حيث فوجئت وفوجئ جميع الحضور بعد انتهائك من إلقاء قصتك" إقلاق راحة" في ذات أمسية، بالتعرض إلى تحقيق علني وسط دهشة الحاضرين وصمتهم الرهيب،إذ راح يستجوبك ضابط متنكر،ليستنكر أحداث القصة: أين ومتى وقعت..؟!
فالضابط بثقافته الضحلة لا يكترث لتقنية القصة أبدا، ولا لخيال الكاتب من" حبكة وسرد،وسخرية واشمئزاز للمعاملة، ولم يكن ليلمح تهرب المسؤول من واجبه، ويتعاطف مع المواطن الملهوف، ولم تثيره المواقف الحيادية للأهل، ولا جور السلطة، ولم يلفته الحوار غير المتكافئ بين المواطن والسلطة، ولم يتأثر ذرة بالمنلوج الداخلي الذي كان يشي بعذابات البطل، ولم يسترعِ انتباهه فرط النشاط البدني والذهني لدى المشتكي، ولاتقاعس العناصر وأنانياتهم، ولا سلوكيات رئيس المخفر اللامنتمي، ولا ضرورة اللجوء القصوى إلى القانون، لكنه كان مكتفيا بالاستشعار حول معارضة الكاتب على ممارسات السلطة العتيدة وانتهاك قدسيتها.
كما أنه لم يكن ليفهم الخاتمة المسرحية المؤلمة في للقصة، حيث التودد والتوسط للكلب المدلل عند السيد المحصن، عسى السيد يستجيب للكلب ويفعل شيئاً لإحقاق الحق وإنصاف المواطن المغلوب.
لقد بدا النقيب متحمسا لمهاجمتك ككاتب مزور للتاريخ، ولينفي التهم الشنيعة عن النظام المهترئ اللامبالي والفاقد لكل القيم،والتابع في أحكامه لشريعة الغاب والمتجاهل للقانون، ولم يلحظ بأن تصرف المسؤولين نابع من تقديراتهم الذاتية، حيث تطغى أهواؤهم وأمزجتهم على أفعالهم، وهم لايهتمون إلا بإشباع غرائزهم من حب السلطة والمال والجنس، ولا يلقى المعارض لهم إلا عقوبة التوقيف العرفي المباشر، والمكوث في السجن والنسيان لسنين طوال دون محاكمات.
وكأن الضابط المخبر المتذاكي ماسمع من القصة سوى خبر صحافي مستنسخ عن الواقع بحرفيته، لذلك طرح عليك أسئلته المحرجة لتغييبك وراء الشمس، ولعل هذا الموقف كان في صالح القصة ويدلل على إنجاحها من حيث النتيجة، لكنه قد يعود بالضرر على كاتبها،فقد استطاعت القصة ان تحرض رجل الأمن، فجعلته قزماً يخجل من وضعه ضمن السلك الأمني المزري، لذلك تأهبّ للذود عن النظام بعد أن تم شحنه، واستعد للمزاودة الوطنية أمام الحضور، تحت شعارات رنانة يبصمها، كالشرطة في خدمة الشعب.
كان الأستاذ المتألق (محمود علي السعيد) فطينا ونبيها، إذ عرف بحدسه أن الموضوع شائك للغاية ؛فتكفل على الفور بالإجابة عنك، ممازحا النقيب بحنكة وحكمة وروح اجتماعية مرحة قائلاً: "هذه القصة يارفيقي حصلت في بلد مجاور،أي في العراق الذي رئيسه لايحبه رئيسنا"، وكأنما قصد بتلك الإجابة المختزلة إسكاته،وتمييع الموضوع بإضحاكه، وإبعاد الشبهة عنك وعن النظام ذاته، وبذلك تم تخليصك من الحرج القاتم، وإنقاذك من ورطة التحقيق العنيف،أو ربما استطاع الجواب أن ينجيك من سجن محتم، ومن تعذيب جهنمي طويل الأمد، حيث كنا نعتقد في عهد الدكتاتور البائد،بأن للجدران أذان،أذ كان نظام الدكتاتور يحكم القبضة على الشعب عبر فروعه الأمنية المتعددة، وكان جل مايخشاه حرية الكلمة ووعي الجماهير.
نعم كان الأستاذ محمود علي سعيد ولما يزل أديبا سامقا فاضلاً، يرعى المواهب الأدبية الشابة بكل حب،ويحمي أصحاب المواهب الواعدين من حماسهم الثوري المتسارع والمباشر..
فبالغ الشكر والمحبة والتقدير لشخصه النبيل وإبداعه ومواقفه الإنسانية الراقية،وتحياتي لإبداعك المتجدد شقيقي الرائع الشاعر القاص الغالي مصطفى الحاج حسين.*
سامي الحاج حسين.
لقد لمح بك الموهبة الأدبية الفذة منذ بداياتك، فعمل على تعزيز قدراتك الكامنة،وشجع على استمراريتك نحو الإبداع المتجدد، ومنحك بحكم إدارته للنادي العربي الفلسطيني؛ فرصا عديدة للمشاركة في الأماسي، بل قدمك إلى الجمهور بنفسه لمرات عديدة، إذ رأى أن قصصك تنطوي على الهم الاجتماعي، وعرف عنك روعة الانتقاء للأحداث المثيرة، وقوة الحَبْكة، وبساطة الحوار، وسحر التأثير النفسي، والمنلوج والديالوج، وعفوية السرد وحرارته التي تلامس وجدان الناس، وتوقظ ضمائر الأمة، وتُفتِّح وعي الأجيال.
لقد تبناك بشكل من الأشكال،وراح يخشى عليك من سخط الدولة ورهابها المرير،وقد أحب ماتتّسم به قصصك من أسلوب، ومن إدهاش، وسخرية، وتمرد، ونقمة، وتثوير، واندفاع،وتهور في معظم الأحيان..؟!
كان الأديب الكبير يطلق لك عنان الإبداع ويهيئ لك فرص الانطلاق، ويجعل من نفسه بحنكته وخبرته وحكمته طوق نجاة لك من هيمنة المخبرين ويرد عنك أذاهم؛ بإبعاده عنك شبهة الاتهامات السياسية المباشرة، وبكل محبة، حيث كان بحدسه مستوعباً لعقلية المخبرين، وراصداً لأعين النظام، الذين كان كثيرا مايخاطبهم بكلمة رفيق، حيث يجيؤون إلى الأمسية لا كمتذوقين، بل كرفاق ممثلين لرأس السلطة الهرمية المستبدة بأنفاس الشعب.
ولمَّا كان تصويرك للسلطة في قصتك "إقلاق راحة" يتخذ من الشرطة والأمن رمزاً للامبالاة والجشع والتردي الخلقي واستغلال النفوذ والابتزاز وإشباع الغرائز والروتين والملل والاستسلام والكسل والغرق في النوم الطويل، والعنجهية والعجرفة،ورمزا للاستهتار بالمواطن وقهره وابتزازه، وهدر كرامته، وتحقيره، كنتَ كمن كان يحفر قبره بيديه ولم يدرِ عاقبة مايفعله.
حيث كانت السلطة في قصتك سلطةً سلبية معطلة وقمعية، لا تعرف للعدالة أو الديمقراطية معنى ولا تحافظ على حقوق المواطن المهضومة، ولم تكن فاعلة بإخلاص في تطبيق القانون وحماية المواطن، فالعناصر لا يفعلون شيئاً سوى إطاعة وخدمة مرؤوسهم المنغمس بإشباع لذاته الشهوانية.
وما كان المخفر في قصتك سوى عينة صغيرة ترمز إلى الأجهزة المخابراتية التي تهدف لأمن السلطة لا لأمن المواطن، بل كانت سلطة هشة وواهية وفظيعة النهج في رقابتها على الفكر والأدب،ووحشاً كاسراً يبث الخوف في نفوس العامة ويملأ قلوبهم بالرعب والرهاب.
لقد كدت أن تقع بمصيدة المخبر من جراء قصتك، لولا مسارعة أديبنا المخضرم الكبير لإنقاذك من مأزق خطير، حيث فوجئت وفوجئ جميع الحضور بعد انتهائك من إلقاء قصتك" إقلاق راحة" في ذات أمسية، بالتعرض إلى تحقيق علني وسط دهشة الحاضرين وصمتهم الرهيب،إذ راح يستجوبك ضابط متنكر،ليستنكر أحداث القصة: أين ومتى وقعت..؟!
فالضابط بثقافته الضحلة لا يكترث لتقنية القصة أبدا، ولا لخيال الكاتب من" حبكة وسرد،وسخرية واشمئزاز للمعاملة، ولم يكن ليلمح تهرب المسؤول من واجبه، ويتعاطف مع المواطن الملهوف، ولم تثيره المواقف الحيادية للأهل، ولا جور السلطة، ولم يلفته الحوار غير المتكافئ بين المواطن والسلطة، ولم يتأثر ذرة بالمنلوج الداخلي الذي كان يشي بعذابات البطل، ولم يسترعِ انتباهه فرط النشاط البدني والذهني لدى المشتكي، ولاتقاعس العناصر وأنانياتهم، ولا سلوكيات رئيس المخفر اللامنتمي، ولا ضرورة اللجوء القصوى إلى القانون، لكنه كان مكتفيا بالاستشعار حول معارضة الكاتب على ممارسات السلطة العتيدة وانتهاك قدسيتها.
كما أنه لم يكن ليفهم الخاتمة المسرحية المؤلمة في للقصة، حيث التودد والتوسط للكلب المدلل عند السيد المحصن، عسى السيد يستجيب للكلب ويفعل شيئاً لإحقاق الحق وإنصاف المواطن المغلوب.
لقد بدا النقيب متحمسا لمهاجمتك ككاتب مزور للتاريخ، ولينفي التهم الشنيعة عن النظام المهترئ اللامبالي والفاقد لكل القيم،والتابع في أحكامه لشريعة الغاب والمتجاهل للقانون، ولم يلحظ بأن تصرف المسؤولين نابع من تقديراتهم الذاتية، حيث تطغى أهواؤهم وأمزجتهم على أفعالهم، وهم لايهتمون إلا بإشباع غرائزهم من حب السلطة والمال والجنس، ولا يلقى المعارض لهم إلا عقوبة التوقيف العرفي المباشر، والمكوث في السجن والنسيان لسنين طوال دون محاكمات.
وكأن الضابط المخبر المتذاكي ماسمع من القصة سوى خبر صحافي مستنسخ عن الواقع بحرفيته، لذلك طرح عليك أسئلته المحرجة لتغييبك وراء الشمس، ولعل هذا الموقف كان في صالح القصة ويدلل على إنجاحها من حيث النتيجة، لكنه قد يعود بالضرر على كاتبها،فقد استطاعت القصة ان تحرض رجل الأمن، فجعلته قزماً يخجل من وضعه ضمن السلك الأمني المزري، لذلك تأهبّ للذود عن النظام بعد أن تم شحنه، واستعد للمزاودة الوطنية أمام الحضور، تحت شعارات رنانة يبصمها، كالشرطة في خدمة الشعب.
كان الأستاذ المتألق (محمود علي السعيد) فطينا ونبيها، إذ عرف بحدسه أن الموضوع شائك للغاية ؛فتكفل على الفور بالإجابة عنك، ممازحا النقيب بحنكة وحكمة وروح اجتماعية مرحة قائلاً: "هذه القصة يارفيقي حصلت في بلد مجاور،أي في العراق الذي رئيسه لايحبه رئيسنا"، وكأنما قصد بتلك الإجابة المختزلة إسكاته،وتمييع الموضوع بإضحاكه، وإبعاد الشبهة عنك وعن النظام ذاته، وبذلك تم تخليصك من الحرج القاتم، وإنقاذك من ورطة التحقيق العنيف،أو ربما استطاع الجواب أن ينجيك من سجن محتم، ومن تعذيب جهنمي طويل الأمد، حيث كنا نعتقد في عهد الدكتاتور البائد،بأن للجدران أذان،أذ كان نظام الدكتاتور يحكم القبضة على الشعب عبر فروعه الأمنية المتعددة، وكان جل مايخشاه حرية الكلمة ووعي الجماهير.
نعم كان الأستاذ محمود علي سعيد ولما يزل أديبا سامقا فاضلاً، يرعى المواهب الأدبية الشابة بكل حب،ويحمي أصحاب المواهب الواعدين من حماسهم الثوري المتسارع والمباشر..
فبالغ الشكر والمحبة والتقدير لشخصه النبيل وإبداعه ومواقفه الإنسانية الراقية،وتحياتي لإبداعك المتجدد شقيقي الرائع الشاعر القاص الغالي مصطفى الحاج حسين.*
سامي الحاج حسين.