عبدالناصر لقاح - حول الترجمة 2 ( تتمّة)

2 ( تابع)


نتصوّر أن ثمة متكلما من أولاء (أصحاب برج بابل) صار تاجرا، فنزل بقرية لا تتحدث لغته ليعرض أدوات وآلات وأوانيَ مختلفة لا يعرفها أصحاب القرية، ولا يعرف هو لغتهم: سيعرض سلعته بأن يسمّي الأشياء التي لم يعرفها مخاطبوه، فيقول مثلا: Casserole ويردّد بعده المتكلم الأجنبي الاسم، فيتحول عنده إلى كاسرونا مثلا، ويتحول لفظ constat إلى كوسطا في سياق اجتماعي آخر. إن السامع بسبب من الحاجة (لأنه ليس مخترع َالآلة) أو لأنه لم يخض التجربة الاجتماعية نفسها، ينقل الكلمة كما هي، ( سيدي CD ، تيليفون téléphone ، صولد solde،لاكارت سيمla carte sim ، لاكارت ميموار la carte mémoire) أو يغيّر قليلا في طريقة النطق بها...وقد يتعلق الأمر بمكان، يسمع اسمه هذا التاجر في القرية، فيغيّر منه على مستوى النطق، فيصير مثلا cap de l’eau قابو ياوا، أو يستعمل عطّوشة بدل Atocha1
تُسمّى هذه العملية في الترجمة اقتراضا (emprunt.fr. préstamo. es. Borrowing. eng)2 ويعتبر اللسانيون ومنظّرو الترجمة، الاقتراض تقنية في الترجمة ضمن تقنيات أخرى، مع أننا في حال الاقتراض لا نترجم إلى لغتنا، بل ننقل الكلمة كما هي أو نقوم بشيء من تغيير في الأصوات لعجز في نطق الصوت الأصلي أو لرغبة في إضفاء طابع ذاتي وطني لغويا على الكلمة الأجنبية.
ولهذا تنقل عبارة football بالإنجليزية إلى الفرنسية باللفظ نفسه مادام الصوتان المتعاقبان oo ينطقان بالشكل نفسه ، وتنقل إلى الإسبانية بشكل مختلف: fútbol حيث حافظ المتكلم الإسباني على الشكل الصوتي وغيّر في المكتوب، لتكييف الكلمة مع البنية الكتابية في lلإسبانية، مادامتú في الإسبانية تعادلoo بالإنجليزية ، وتنقل كلمة la retraite إلى ل)انتريت( كما تصبح كلمة البنّاء في الإسبانية albañil (البَنْيِيل) وكلمة الجرّة la jarra( لَخَرّا)، وتتحول كلمة muñeca إلى مونيكا بدل )مونييكا( و poupée إلى )بوبويا (poupouya وتغدو كلمة عشق العربية بالهندية إشق Ishk لعدم نطق المتكلمين الهنود، المسلمين والهندوس، صوت العين الحلقي، وتصبح ماشاء الله (ما شَلّا) بحذف الألف والهمز والهاء، وتصبح الظاء زايا في نَزَرْ أي نظر ، بينما تحافظ، عندهم عبارة بِالكل العربية على الأصوات أنفسها (بلْكل)، بمعنى كلّيا أو كلّهم، لقدرتهم على النطق بها.
يعتمد المتكلم اقتراض كلمات من لغة أخرى لأسباب منها:
- أنه لا يتوافر على معادل لها في لغته، ويكثر هذا في الألفاظ الدالة على الحضارة ( طعام وملبس وأوان)، من مثل Kouskous في الفرنسية من اللغة المغربية كُسكُس، و من ذلك ما تم اقتراضه من العربية في اللغة الإندونيسية ك:
( Sholat) صلاة و( Silaturrahmi) صلة الرحم و( Ibadah) عبادة.
- أنه يفضل استعمال اللفظ الأجنبي، رغم وجود المعادل في لغته، لأمر فنّي، أو للرغبة في المحافظة على خصوص في الأصل الأجنبي، من ذلك استعمال المتكلم العربي باللسان الدارج والفرنسي والإسباني كلمة من نوع weekend مع أن له معادلا للكلمة: (نهاية الأسبوع، fin de semaine.fr. fin de semana.es)
انتبهت العرب إلى ما تقدّم، فمازت في الاقتراض بين الدخيل والمعرّب. يعادل الدخيل الاقتراض التام الذي يتم فيه نقل اللفظ بشكله في الأصل اللغوي الأجنبي، فيما يمثّل المعرّب الاقتراض الذي تتم فيه تغييرات من أجل تجريد اللفظ من التغريب التام بحيث يبدو عربيا وذلك بمراعاة أوزان الصرف مثلا، وذلك نحو الاقتراض في قرميد وقرطاس وفردوس من اليوناينة.
نفترض الآن أن أولاء الشاغبين أصحاب برج بابل، بعد أن تفرقوا، صاروا يلتقون شيئا فشيئا، وصاروا يتعلمون مسمّيات ما لم يكن لديهم معادلات لها، أو ما تعودوا على استعماله، وإن كان لديهم معادل له... صاروا إذن قادرين إلى حدود كبيرة على التواصل في ما بينهم...ومع ذلك ثمة دائما اكتشافات جديدة تقتضي كلمات وعبارات جديدة، وثمة دائما تجارب جديدة ذاتية وجماعية تحتاج إلى وصف باللغة.
يقول إنجليزي لعربي football فيقوم المتكلم العربي بنقل كلمة foot إلى العربية (قدم)، ثم كلمة ball (كرة)، وينتج عن ذلك تعبير جديد، لكنه بكلمتين عربيتين: كرة القدم، وbalompié بالإسبانية، مع أن الإسبان استعملوا أيضا futbol
ما الفرق بين الاستعمالين؟ هما في العمق معا اقتراض، لأنهما تعبير عن أمر لم يعرفه الإسبان، مع أننا نسمي نقل معاني الكلمات بكلمات من لغاتنا نسخا: (Calque.fr. Calco.esp. Calque. eng.)
ما صور هذا النسخ؟ وما فائدته في إثراء اللغات وتعلّمها؟
هوامش:
1- هي محطة القطار الشهيرة بمدريد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى