تنبيه للقارئ:
نظرًا لطول هذه الدراسة وعمق المعالجة التي تتطلب تفصيل المحاور والأطر النظرية، فقد تم تقسيمها إلى جزأين متكاملين. كل جزء يحتفظ باستقلاليته التحليلية، مع مراعاة تسلسل الأفكار والمنهجية نفسها بين الجزأين، بما يضمن استمرارية الفهم والتفاعل بين المفاهيم والنظريات المطروحة. هذا التقسيم يأتي أيضًا لأسباب تقنية تتعلق بإمكانات النشر والطباعة، لكنه لا يؤثر على تماسك البناء المعرفي للدراسة أو على ربط بين محاورها المختلفة.
فقد تم تقسيمها إلى جزأين متكاملين. يتناول الجزء الأول المقدمة، ويشمل المحور الأول حول الإبداع وقصيدة الزجل، والمحور الثاني حول الرؤى الزجلية في قصيدة الزجل المغربية المعاصرة، والمحور الثالث حول النقد وإبداع الزجل. أما الجزء الثاني فيخصص لدراسة الزجلية كنظرية نقدية في ضوء ما بعد السيميائيات.
هذا التقسيم يهدف إلى تسهيل القراءة، وضمان وضوح الربط المنهجي بين المحاور، مع الحفاظ على تماسك البناء المعرفي للدراسة، ويأخذ بعين الاعتبار أيضًا عوامل تقنية النشر والطباعة.
الجزء الأول
ابداع الزجل ورؤاه وعلاقته بالنقد في القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة
يشمل هذا الجزء المقدمة، والمحور الأول المتعلق بالإبداع وقصيدة الزجل، والمحور الثاني حول الرؤى الزجلية في قصيدة الزجل المغربية المعاصرة، والمحور الثالث الذي يعالج النقد وإبداع الزجل.
مقدمة
تقدم هذه الدراسة مقاربة جديدة للزجل من خلال مفهوم «الزجلية»، الذي يتجاوز تصنيف النصوص الزجلية كفن شعبي أو شكل شعري تقليدي. فالزجلية ليست مجرد إطار وصفي، بل أداة نقدية منهجية تسمح بفهم الزجل كنص حي، يتفاعل مع السياق الثقافي والاجتماعي ومع المتلقي، ويعيد إنتاج المعنى باستمرار. من خلال هذا المنظور، يتحول الزجل إلى مادة معرفية وجمالية متكاملة، تولد أدواتها النقدية من خصائص النصوص نفسها، بما يتيح قراءة تفاعلية تجمع بين الإبداع الزجلي والتحليل النقدي العميق، مع تجاوز الحدود التقليدية التي طالما حصرته في خانة الأدب الشعبي الشفهي.
في هذا الأفق، لا يتحدد الزجل بكونه جنساً واحداً أو شكلاً ثابتاً، بل بمادته المتعددة من حيث أنواعه، وأجناسه، وأشكاله. فالتنوع داخل الزجل ليس هامشاً أو تفصيلاً، بل هو جوهر يُعطيه القدرة على الانفتاح والتجدد. ومن هنا تتجلى الزجلية باعتبارها رؤية تستثمر غنى هذا الفن، لترتقي به إلى مستوى مفهومي يتجاوز حدود "الأدبية" التي شكلت مركز النقد الغربي الشكلاني. بهذا تصبح الزجلية بمثابة فضاء معرفي وجمالي يُعيد ترتيب العلاقة بين الإبداع والنقد، وبين المحلي والكوني، وبين الشفوي والكتابي.
ومن أهم ما تتيحه الزجلية هو النظر إلى العلاقة بين قصيدة الزجل والنقد في ضوء ما بعد السيميائيات[ محمد ازلماط : القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة بين دينامية التجديد وممارسة النقد في ضوء ما بعد السيميائيات/ دار بصمة للنشر والتوزيع، فاس، الطبعة الأولى،2025،ص188]، التي فتحت أفقاً أوسع، حيث لم تعد العلامة مجرد عنصرا ثابتا داخل النص، بل أصبحت حركة دلالية متجددة تنبع من التفاعل المستمر بين النص ومحيطه. ومن هذا المنطلق، فإن إبداع قصيدة الزجل لا يُنظر إليه باعتباره منجزاً نهائياً، بل بوصفه نقطة انطلاق لحوار دائم مع القراءات النقدية التي تعيد إنتاج النصوص في ضوء أدوات جديدة.
فإن ما بعد السيميائيات تجعل من النقد امتداداً للإبداع، ومن الإبداع أرضية للنقد. فقصيدة الزجل- تبتكر لغة وصوراً وإيقاعات[ محمد ازلماط : القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة بين دينامية التجديد وممارسة النقد في ضوء ما بعد السيميائيات/ دار بصمة للنشر والتوزيع، فاس، الطبعة الأولى،2025،ص58]، بينما يقوم النقد بتوسيع دائرة هذه الابتكارات، واستكشاف تداخل العلامات بين التراث والحداثة وما بعد الحداثة والحداثة الخلاقة التجريدية [ محمد ازلماط : القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة بين دينامية التجديد وممارسة النقد في ضوء ما بعد السيميائيات/ دار بصمة للنشر والتوزيع، فاس، الطبعة الأولى،2025،ص18]؛من خلال إدخالها في شبكة من العلاقات الثقافية والاجتماعية والفكرية. وفي هذا التفاعل المستمر لا يعود الإبداع مجرد لحظة إنتاج، ولا يعود النقد مجرد لحظة تحليل، بل يتحولان معاً إلى سيرورة واحدة تُعيد رسم ملامح النص وتثري حضوره في الذاكرة الجمالية والمعرفية.و ستتناول المداخلة المحاور التالية:
المحور الأول: الابداع وقصيدة الزجل
الإبداع في قصيدة الزجل المغربية يكتسب خصوصية متميزة مقارنة بالأجناس الشعرية الأخرى مثل الشعر الكلاسيكي باللغة الفصحى أو قصيدة التفعيلة الحديثة.أو الشعر الأمازيغي أو الشعر الحساني فالزجل لم يُنشأ مجرد تقليد شعبي للفصحى، بل برز كخطاب ثقافي متعدد الأجناس منها الجنس الشعري يزاوج بين الأصالة والابتكار، وينفتح على التداول اليومي واللغة الدارجة[ الدستور المغربي الصادر في فاتح يوليوز2011 الذي ينص الفصل 5 على على إعادة تأكيد العربية الفصحى لغةً رسمية للدولة مع الالتزام بـ«حمايتها وتطويرها وتوسيع استعمالها». كما تمّ الاعتراف بالأمازيغية لغةً رسمية، بينما لم تُمنح الحسانية صفة اللغة الرسمية، وإن كانت الدولة تلتزم «بصونها» بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية المغربية. كما يُنصّ على حماية «اللهجات والتعبيرات الثقافية الحالية» في المغرب.
وهكذا، يُرسّخ الدستور الجديد الهوية العربية للمغرب، ويمنح الأمازيغية وضعًا رسميًا، ويؤكد ارتباط المغرب بالصحراء عبر الاعتراف بالحسانية، لكنه في المقابل يجعل الدارجة ـ وهي اللغة الأم لغالبية المغاربة ـ في موقع لغوي مهم من الناحية الثقافية فقط، دون أي صفة رسمية.]، ويتنوع إلى أشكال وأنواع، ما منحه قدرة على التعبير عن وجدان الجماعة الشعبية وتطلعاتها.
ويتجلى الإبداع الزجلي في تحويل اللغة الدارجة إلى خطاب شعري ذي حمولة جمالية ورمزية، مع تجاوز قيود الوزن والقافية التقليدية والانخراط في بناء خطاب تواصلي يدمج الفصحى بالدارجة، والذات بالآخر، والنص بالفضاء الاجتماعي. وتكسير حدود المركز واللامركز[ بن دحمان، حنان. « الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي ». Langues, Cultures et Sociétés 9، 2 (ديسمبر 2023): 94–108.رابط موقع النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ]،بالمقابل، ظل الشعر باللغة الفصحى العربية مرتبطًا بالصرامة الشكلية والبعد النخبوي،بينما اختراق الزجل للمتخيل الشعبي واستحضاره لأنماط الحياة اليومية منحه دينامية أقرب إلى المتلقي وأكثر التصاقًا بسياقه.
وإن دخول الدارجة إلى الكتابة يعني تحوّل العلامة من نطاق التداول الشفهي إلى فضاء تمثيلي جديد، ما يغيّر وظائفها الرمزية داخل الثقافة المغربية.
فالدارجة المكتوبة في الزجل هنا لا تنقل معنىً فقط، بل تفاوض موقعها داخل البنية السلطوية للغات[ Elinson, Alexander. “’Darija’ and Changing Writing Practices in Morocco.” International Journal of Middle East Studies 45, no. 4 (November 2013), pp. 715-730 (16 pages)
]:
سلطة الفصحى كحاملة للتراث والقداسة.
سلطة الفرنسية كحاملة للحداثة والمؤسسات.
سلطة الأمازيغية كحاملة للهوية التاريخية.
ظهور الدارجة الكتابية في الزجل تكشف إعادة توزيع للسلطة الرمزية داخل الحقل الثقافي. وتصبح الكتابة بالدارجة استراتيجية لإعادة صياغة العلاقة بين الصوت والكتابة، بين الجسد والنص، وبين الجماعة والمجال العمومي.
كما يتجلى الإبداع في ارتباط النص بالواقع الاجتماعي والثقافي، من خلال تعبيره عن قضايا الفقر، الهجرة، التحولات السياسية، والبحث عن الهوية، وتحويله إلى خطاب نقدي يعكس تحولات المجتمع ويعيد إنتاجها شعريًا، بالتوازي مع التلقي الجماهيري الذي يجعل الإبداع ممارسة مشتركة بين المبدع والجمهور، سواء في الأداء المباشر أو من خلال الوسائط الرقمية، حيث يصبح النص قابلًا لتأويلات متعددة. وتقوم اللغة بدور جوهري، إذ تتحول العامية المغربية من وعاء تعبيري إلى مادة شعرية غنية بالرمزية والدلالة، تجمع بين البساطة الشعبية والعمق التأويلي، مع الحفاظ على الطابع الجماهيري والقدرة على التواصل.
المحور الثاني الرؤى الزجلية في قصيدة الزجل المغربية المعاصرة
الرؤية الزجلية هي منظومة إدراكية وجمالية وثقافية تُمكِّن الشاعر الزجال من بناء عالمه الشعري عبر اللغة الدارجة، من خلال استثمار حساسيات الجماعة الشعبية وتمثلاتها، وإعادة صياغتها في خطاب فني يقوم على المزج بين الشفهي والكتابي، اليومي والمتخيل، الواقعي والرمزي. [ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2023 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ، ص95]. وتُعدّ الرؤية الزجلية بنية ذهنية قبل أن تكون بنية لغوية، لأنها تتأسس على وعي الشاعر بعلاقته بالفضاء الاجتماعي وبالشروط الثقافية التي تحكم إنتاج المعنى، فيعيد من خلالها تشكيل التجربة المشتركة للجماعة في شكل صور وإيقاعات ومواقف وأصوات تتجاوز حدود القول العفوي إلى أفق شعري متخيّل[ Aragón Huerta, Mercedes. 2019. «Tentativas de escritura del árabe marroquí. La poesía del zéjel». AlAndalus Magreb 26: p10
].
في هذا المحور، يلاحظ أن الجهاز المفاهيمي الذي أتعامل معه هو جهاز الرؤى الزجلية. لكونه يساهم في فهم الزجل المغربي المعاصر من منظوره الإدراكي والثقافي والجمالي، بحيث لا يُنظر إليه كنص شعري فحسب، بل كنظام متكامل يشمل البنية الذهنية للشاعر، وعلاقته بالجماعة، والفضاء الثقافي، والإيقاع، واللغة.
ويرتكز هذا الجهاز على أربعة أبعاد رئيسية أو دوائر:
1.الدائرة الطقوسية الجماعية التي تركز على العلاقة بين النص والزمن الجماعي، وعلى استثمار الطقوس الشعبية لإنتاج معنى جماعي.
فهذه الدائرة تفهم الزجل ليس فقط على أنه نص شعري فردي، بل كــ ممارسة طقوسية جماعية؛ بمعنى أن الزجل ينتمي إلى فضاء الجماعة الشعبية، إلى زمن وطبيعة اجتماعية دنيوية — حفلات، مناسبات، تعابير شعبية جماعية. الزجل هنا ليس خطابًا مغلقًا، بل أداء اجتماعي، يقيم علاقة بين القول والأداء، بين الشاعر والجماعة، بين النص والجسد، بين الإيقاع والمشاركة.
فنص–أداء جماعي. الزجل في هذا البعد يتحول من مجرد قصيدة مكتوبة أو شفوية إلى طقس؛ له بعد زمني (الاحتفاء، الزمن الطقوسي)، بعد جماعي (الحضور، المشاركة، الاستجابة)، وبعد تفاعلي (سماع، رد فعل، مشاركة جسدية أو صوتية).
ومن حيث الخصائص، يمكن حصرها في:
استعمال اللغة الدارجة / العامية التي يفهمها الجماعة.
الإيقاع الموسيقي / الشعري أو شبه موسيقي — ما يجعل الأداء قابلًا للاستجابة الجماعية.
الحضور الجماعي في الأداء (مشاركة المتلقي ليست استماعية فقط، بل تفاعلية).
استحضار الرموز، الذكريات، القيم المشتركة: الزجل بوصفه وسيلة لإحياء ذاكرة جماعية.
هوية مشتركة: الزجل كفضاء لإعادة إنتاج الهوية الشعبية، بل استحضار الوعي الجمعي.
أما الاستراتيجيات فتتمثل في:
تحويل النص إلى طقس: من قراءة/كتابة إلى أداء جماعي.
تفعيل الذاكرة الجماعية: استخدام رموز، صور، مواقف مألوفة.
مزج الدارجة + الإيقاع + المشاركة: لخلق علاقة بين الشاعر والجماعة.
إعادة التأصيل الشعبي: الزجل ليس للتمييز الطبقي أو النخبوي، بل للجماعة الشع
2.الدائرة الوجودية الذاتية التي تتعلق بالوعي الذاتي للشاعر وكيفية تأمل تجربته الفردية داخل المجتمع والثقافة.
هذه الدائرة تهتم بـ «الشاعر–كذات»؛ بفهم الزجل كفضاء وجودي، حيث يعكس الشاعر تجربته الفردية، تأمله الذاتي، ووعيه بذاته داخل المجتمع. الزجل عند هذا البُعد ليس تعبيرًا جماعياً فقط، بل مقامًا تأمليًا يسمح للشاعر بمواجهة ذاته، بالصراعات الداخلية، بالاشتباك مع الذاكرة، بالعجز أو الاغتراب، بالهوية الفردية في مواجهة الواقع.
نص ذاتي–تفكّري. الزجل هنا فضاء انكفاء على الذات، مراجعة داخلية، ووعي بعيش الفرد داخل محيطه الثقافي والاجتماعي.
ويمكن تحديد الخصائص في:
استعمال لغة دارجة أو شبه دارجة قريبة من الواقع الحياتي؛ تعكس التجربة اليومية.
توظيف المفارقة، الصمت، التكرار، لغة ذات حمولة وجدانية — تعبير عن صراع داخلي، إحساس باللاجدوى، الحنين، الشوق، الغربة أو الانكسار.
نزوع نحو التجريب: قد يغدو الزجل شكلًا تأمليًا/شعريًا يتجاوز الشكل التقليدي.
تحول القصيدة إلى مساحة للتحدّث عن الذات، عن الزمن، عن الوجود.
أما الاستراتيجيات، فيمكن تحديدها في ما يلي:
الزجل ككتابة الذات: تعبير عن الذات الفردية، تجسيدها، بوحها.
الانفصال الجزئي أو النقد للفضاء العام: استعمال الزجل لطرح تساؤلات وجودية، نقد الواقع، التشكيك في المرجعيات.
المزج بين الشكل الشفوي/ الشعبي وبين الكتابي/ التأملي.
3.الدائرة الكونية التفاعلية التي توسع النص الزجلي ليصبح فضاءً تفاعليًا بين الذات، اللغة، والقارئ، ويجعل العلامة الشعرية جسيمًا طاقيًا حيًا قادرًا على توليد المعنى.
فهذه الدائرة توسّع الزجل إلى ما يتجاوز الذات والجماعة — إلى علاقة بين اللغة، الذات، القارئ، المكان، الزمان، الكون. الزجل هنا يُرى كـ فضاء للتفاعل المعرفي–الجمالي–الكوني: العلامة الشعرية ليست مجرد دال، بل جسيم طاقي حيّ قادر على التفاعل، وعلى إنتاج معنى متعدد الأبعاد — شخصي، اجتماعي، كوني.
وفي نص–شبكة علاقات. الزجل في هذا البُعد ليس نصًا مغلقًا، بل نظاماً تواصليًا–ديناميكيًا يربط عدة مستويات: اللغة، الوعي، الذاكرة، القارئ، الزمان والمكان.
أما الخصائص ، فتتحدد في:
لغة مبتكرة، تأخذ أشكال رمزية/مجازية، تنطلق من الدارجة أو العامية، لكنها تفتح أفقًا تأمليًا وفلسفيًا.
تعدد الأصوات، تعدد الإشارات والمستويات الدلالية.
تفاعل بين النص والمتلقي: القصيدة ليست للقراءة الساكنة فقط، بل تفاعل وجداني/عصبي/إدراكي.
وعي بالبعد الزماني والمكاني: الزجل يرتبط بالمجال، بالزمان، بالذاكرة، بالهوية التاريخية والثقافية — ما يعطيه بعدًا كونيًا.
ويمكن تحديد الاستراتيجيات فيما يلي:
تجريب لغوي وشعري: لغة الدارجة + رموز + صور + تأملات فلسفية.
الانفتاح على المتلقي: ليس فقط شِعريّ وإنما وجودي/معرفي — النص يطلب مشاركة ووعي.
بناء متعددة المستويات: لا تكتفي بالدلالة الظاهرة، بل تشتغل على الدلالة العميقة، العلاقة بين الذات والكون.
اعتبار العلامة الشعرية كـ «كائن حيّ» يشارك في بناء الوعي، وليس كإشارة جامدة.
4.دائرة التأنيث التي أُظهر من خلالها العمق الثقافي والوجداني للزجل النسائي، وكيفية تأثيره على اللغة والفضاء الزجلي.
هذه الدائرة تستثمر البعد الجنسي/الجندري في الزجل؛ أي أن الزجل ليس محصورًا في تجربة ذكرية أو شعبية مطلقة، بل يمتلك بعدًا مؤنثًا — عبر المرأة، عبر تجربة أنثوية، عبر لغة وإحساس خاص بـ «الأنثى» داخل الثقافة الشعبية. الزجل هنا يصبح فضاءً لإظهار الذات الأنثوية، وجودها، إحساسها، تجربتها، بآليات شعرية خاصة.
أما نص/فضاء هوياتي–جندري. الزجل يصبح وسيلة للتعبير عن تجربة نسائية — قد تكون شفوية أو مكتوبة — لها لغتها، رموزها، إيقاعها، حساسيتها الخاصة.
أما الخصائص، فيمكن حصرها في:
لغة قد تميل إلى الحميمية، الرقة، البوح، الشوق، الحنين، العاطفة؛ بعكس الزجل العام الرسمي أو الجماعي.
موضوعات متعلقة بالمرأة: الحب، العشق، الفقد، الهوية، الذاكرة الأنثوية، التجربة العاطفية أو الوجدانية.
ممكن أن يكون الأداء أو الانتشار في فضاءات نسائية، أو أن يكون التلقي خاصًّا أو جماعيًا.
مزج بين التقليدي والشخصي، بين العامّ والخاصّ؛ بين اللغة اليومية والرمزية.
وفيما يتعلق بالاستراتيجيات ، فيمكن تحديدها في الآتي
إعطاء الصوت للمرأة: ليست فقط كمشاركة، بل كصاحبة خطاب، بوعي جندري.
تفكيك الصور التقليدية: الزجل لا يقتصر على المذكر/الجماعة، بل يفتح لأصواتهوية متعددة.
استخدام الزجل كفضاءللبوح والتحرر الرمزي من ضغوط اجتماعية، وتوسيع مفهوم الهوية الشعرية.
تشكل المراجع الداعمة للجهاز المفاهيمي للرؤى الزجلية إطارًا معرفيًا متينًا لفهم الزجل المغربي المعاصر كظاهرة شعورية، اجتماعية وجمالية متعددة الأبعاد. من الناحية النظرية، يوفر Clifford Geertz في كتابه The Interpretation of Cultures (1973, 112) منظورًا لإدراك العلاقة بين النص والجماعة، إذ يُنظر إلى الزجل كنص شعري وفضاء لإعادة إنتاج المعاني المشتركة والطقوس الجماعية، وهو ما يعزز البنية المفاهيمية للدائرة الطقوسية الجماعية. أما Thomas Sebeok في Signs: An Introduction to Semiotics (2001, 28) فيوضح أن العلامة ليست مجرد دال لغوي ثابت، بل حدث إدراكي وذهنّي يتفاعل مع السياق الاجتماعي والثقافي، وهو ما ينسجم مع رؤية الزجل كجهاز معرفي–حسّي يربط بين الصورة والإيقاع واللغة الدارجة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي.
على صعيد الزجل كفضاء وجودي وذاتي، توفر أعمال Maurice Merleau-Ponty في Phenomenology of Perception (1964, 76) رؤية معمقة لكيفية اشتغال التجربة الإدراكية والوعي الجسدي–المعرفي على تشكيل المعنى الشعري، ما يجعل الدائرة الوجودية الذاتية في الزجل إطارًا تحليليًا قادرًا على دراسة علاقة الذات بالفعل الإبداعي والمجتمع، من خلال الصوت والإيقاع واللغة. كما يشير Johnson في The Body in the Mind (2007, 44) إلى أن التجربة اليومية ليست مجرد واقع جاهز، بل مادة معرفية تُعاد صياغتها عبر وعي الشاعر، ما يتيح للباحث استثمار البعد الحسي والمعرفي للزجل في دراسة العلاقة بين النص والواقع الاجتماعي.
فيما يخص الرؤية الكونية التفاعلية، توفر أعمال Victor Turner في The Ritual Process (1969, 45) وRichard Bauman في Verbal Art as Performance (1986, 73) تصورات منهجية حول الشبكات الاجتماعية والطقوس التفاعلية، إذ يُنظر إلى العلامة الشعرية كجسيم طاقي حي قادر على توليد المعنى في فضاء دينامي بين الشاعر، النص، والمتلقي. ويؤكد Pâques في كتابه Le Chant Populaire (1991, 61; 142) على أن الإيقاع الزجلي يتحول من مجرد موسيقى مصاحبة للنص إلى طاقة روحية ومعرفية تربط بين الجسد والروح، وبين الفرد والجماعة، ما يجعل التحليل يركز على بعد الزجل كطقس شعوري يشارك في إنتاج الهوية الجماعية والفردية في آن واحد.
أما دائرة التأنيث، فقد دعمتها الدراسات الحديثة حول الزجل النسائي المغربي، حيث تشير الدراسات حول زجل العروبيات بفاس إلى أن البعد المؤنث يتجاوز مجرد هوية قائلات الزجل ليصبح جوهرًا بنيويًا وثقافيًا وروحيًا يؤثر على اللغة، الإيقاع، والبنية الوجدانية للنص[ (Le360, 2023؛ Revue Marocaine de Littérature, 2022)] ومن خلال هذا البعد، يمكن دراسة كيفية إعادة إنتاج التجربة النسائية داخل الزجل المغربي المعاصر، وتحويل القصيدة إلى فضاء معرفي–جمالي يمتد من الشفهي إلى الكتابي ومن الهامش إلى مركز النقد والاعتراف الأدبي، مؤكدًا أن الزجل النسائي ليس مجرد استثناء بل عامل فعال في تجديد الوعي الشعري والثقافي.
بناءً على هذه المراجع، يكتسب الجهاز المفاهيمي للمحور الثاني ثقلًا تحليليًا، إذ يربط بين النظرية والتطبيق، بين الطقس الجماعي والوعي الذاتي، بين التجربة الحسية والمعرفية، وبين الزجل النسائي والكوني، ما يتيح صياغة فرضيات دقيقة حول وظيفة الزجل المغربي المعاصر في إنتاج المعنى على مستويات متعددة: الجماعية، الذاتية، التفاعلية والجندرية.
ومن منطلقاته ، تتشكل الرؤى الشعرية في القصيدة الزجلية من أربع دوائر وكل دائرة تضم البنية المعرفية التي تحدد الوظيفة. وتتمثل في الدائرة الرؤية الطقوسية الجماعية، الدائرة الوجودية الذاتية والدائرة الرؤية الكونية التفاعلية والدائرة الرؤية التأنيث[ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2023 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ص97]
دائرة الرؤية الطقوسية الجماعية للزجل
تتأسّس دائرة الرؤية الطقوسية الجماعية للزجل على كون هذا الخطاب الزجلي ينتمي بطبيعته إلى مجال تداولي جماعي يرتبط بطقوس الحياة اليومية واحتفالات الجماعة الشعبية، حيث يتحول الفعل الزجلي من مجرد قول ايقاعي إلى ممارسة رمزية تستعيد الطقس الجماعي وتعيد إنتاج قيمه ومعانيه[ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2023 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ص97]
. فإيقاعات الزجل، وصوره، وبنياته التداولية تستمد طاقتها من طقس شفهي جماعي يقوم على المشاركة، ويجعل المتلقي جزءًا من دائرة الأداء. ومن خلال هذا البعد الطقوسي، ينسج الزجل علاقة خاصة بين النص والجماعة، إذ لا يُقرأ بوصفه خطابًا فرديًا مغلقًا، بل باعتباره امتدادًا لاحتفالية شعبية تستدعي الذاكرة، وتعيد بعث الرموز، وتتيح للغة الدارجة أن تعمل كوسيط لإعادة إنتاج الوعي الجمعي[ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2023 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ].
وبذلك تشكل دائرة الرؤية الطقوسية الجماعية بنية دلالية تُظهر كيف يوظّف الزجل الطقس في توليد المعنى، وكيف يحول اللحظة الشعرية إلى فضاء تشاركي يُعاد فيه بناء الهوية الشعبية من خلال الأداء، والإيقاع، والاحتفال، والحضور الجماعي الذي يمنح النص شرعيته وفاعليته، وتتأسس من نمطين اثنين هما:
أولًا: رؤية قصيدة وصف طاقة التجديد
تُجسّد رؤية قصيدة الوصف الطاقي التجددي في الزجل المغربي المعاصر امتدادًا جماليًا ومعرفيًا للأنماط الزجلية والشفهية التقليدية مثل العيطة والسرابة والكناوية والحسانية والشكوري العبري وغيرها؛ لكنها لا تكتفي بإعادة هذا التراث؛ بل تعيد شحنه بطاقة إبداعية جديدة تحوّل الوصف من مجرد تقنية سردية إلى آلية لإعادة توليد الوعي الزجلي[ محمد راشق: أنواع الزجل بالمغرب من الغنائية إلى التفاعلية: دراسة ونصوص. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر.2008 ص15]، فهي روافد تُعبّر عن الشخصية الثقافية المغربية وتُبرز قدراتها الابتكارية داخل فضاء السيادة الوطنية. غير أنّ الزجل المعاصر لا يكتفي باستعادة هذه الأشكال، بل يعيد شحنها بطاقة إبداعية جديدة تُحوّل الوصف من مجرد تقنية سردية إلى آلية لإعادة توليد الوعي الزجلي.
في هذا الأفق، تتحوّل القصيدة الزجلية إلى جهاز معرفي–حسّي يستثمر الصورة والإيقاع واللغة الدارجة لخلق علاقة تفاعلية بين الذات والعالم، بحيث ينتقل الوصف من التكرار إلى التأويل، ومن تسجيل الظاهر إلى اكتشاف طبقات المعنى الكامنة في التفاصيل اليومية. وهكذا يغدو اليومي مجالًا للدهشة ولإنتاج العلامة، لا بوصفه واقعًا جاهزًا، بل مادة حية يُعاد تشكيلها عبر الوعي الجمالي الشعبي.
الرؤية الروحية- الايقاعية
تمثّل الرؤية الروحية–الإيقاعية في الزجل المغربي المعاصر أحد أبرز التحولات التي نقلت الزجل من بنيته الإيقاعية التراثية إلى أفق جمالي–معرفي جديد، حيث لم يعد الإيقاع عنصرًا موسيقيًا مصاحبًا للنص، بل أصبح طاقة روحية ومعرفية تُعيد تشكيل وعي الشاعر والمتلقي بالعالم. ويظهر هذا التحول بوضوح في التجارب التي تستلهم البعد الكناوي[ Viviana Pâques. 1991. La Religion des esclaves: Recherches sur la confrérie Gnawa. Paris: Maisonneuve.
]، إذ يتحول الإيقاع إلى طقس تحويلي يربط بين الجسد والروح، وبين الفرد والجماعة، مستثمرًا الذاكرة الصوفية والإفريقية للفنون الشفوية المغربية[ عصام الامحراك: المرأة من التدنيس إلى التقديس عند ادريس أمغار مسناوي، Revue Langues, cultures et sociétés, volume 7, n° 2,décembre 2021165 ،رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/29556/1533
].
في هذا الأفق، تتحوّل القصيدة الزجلية إلى جهاز معرفي–حسّي يستثمر الصورة والإيقاع واللغة الدارجة لخلق علاقة تفاعلية بين الذات والعالم، بحيث ينتقل الوصف من التكرار إلى التأويل، ومن تسجيل الظاهر إلى اكتشاف طبقات المعنى الكامنة في التفاصيل اليومية[ Aragón Huerta, Mercedes. 2019. «Tentativas de escritura del árabe marroquí. La poesía del zéjel». AlAndalus Magreb 26
12
]
في هذا السياق، تغدو القصيدة فضاءً للعبور والتجلّي، وتتحول اللغة إلى ذبذبات تُحدث أثرًا إدراكيًا وروحيًا، بينما يصبح الشاعر وسيطًا بين المرئي واللامرئي. ويستبدل النص مركزية اللغة بمركزية الطقس، فتتحول العلامة من رمز لغوي إلى طاقة تفاعلية تتجاوز ثنائية الدال والمدلول، منسجمة مع ربط إنتاج المعنى بالتفاعل بين الصوت والجسد والذاكرة[ حنان بن دحمان: الزجل النسائي المغربي- من الصوت إلى الحرف، RevueLangues, cultures et sociétés, volume 5, n. 2, décembre 2019، رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/18654/10288
،].
دائرة التأنيث في الزجل المغربي: قراءة في زجل العروبيات بفاس وومضة على التبراع الحساني
تُعدّ تجربة زجل «العروبيات»[ Le360. "زجل العروبيات في فاس: دراسة في الزجل النسوي." Le360, 2023.
] إحدى أهم الحلقات الشعرية التي كشفت عن دائرة التأنيث داخل الثقافة الزجلية المغربية. فالتأنيث هنا لا يعني فقط كون القول صادرًا عن نساء، أو متداولاً في فضاءات نسائية، بل يتجلى بوصفه جوهرًا بنيويًا وثقافيًا وروحيًا يؤسس معنى هذا الزجل ويمدّه بعمقه الجمالي[ زهور كرام. 2010. كتابة النساء في المغرب: أسئلة الاختلاف والتعدد. الرباط: منشورات جامعة محمد الخامس.]. وهكذا يصبح زجل «العروبيات» نصًّا مؤنثًا من الداخل، من خلال موضوعاته، لغته، بنيته الوجدانية، وإيقاعه الطقوسي، لا من خلال هوية قائلاته فقط. فالزجل النسائي، كما تشير دراسة حديثة، انتقل من الشفهي إلى الكتابي ومن الهامش إلى مركز النقد والاعتراف الأدبي[ حنان بن دحمان: الزجل النسائي المغربي- من الصوت إلى الحرف، RevueLangues, cultures et sociétés, volume 5, n. 2, décembre 2019، رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/18654/10288
،]..
ومع أنه أقل شهرة مقارنة بأشكال الزجل المغربي الأخرى، فإن خصوصيته تكمن في أنّه أحد أعمق التعبيرات الرومانسية العذرية التي صاغتها المرأة الفاسية داخل فضاء شعري شفهي، يعيد بناء التجربة الداخلية للعاشقات، ويمنحها شرعية جمالية لم تكن ممكنة في مجتمع محافظ. لقد بدا هذا الزجل في ظاهره نوعًا من الغناء النسائي البسيط، لكنه في العمق يمثل سجلًّا وجدانيًا وثقافيًا مؤنثًا ظل حيًّا داخل ذاكرة فاس، وتوارثته نساء البيوت والأحياء والزوايا.
وتتم صياغة هذا القول في مقاطع رباعية قصيرة تشبه الومضات، مشحونة بنبرة أنثوية رقيقة، تحمل جدّة في التعبير عن الشوق، العشق والعذري، وتستلهم حساسية خاصة بالفضاء الفاسي أو الحساني. وهكذا تشتغل هذه الدائرة على: (أ) أداة شعرية بمفردات مجازية وأنثوية، (ب) موضوع شعري يعكس عوالم المرأة الداخلية، من حنين، ألم، رجاء وشوق، (ج) بنية صوتية–إيقاعية خاصة، و(د) رمزية مكثفة تراعي خصوصيات الهوية الحسّانية أو الفاسية. [ عصام الامحراك: المرأة من التدنيس إلى التقديس عند ادريس أمغار مسناوي، Revue Langues, cultures et sociétés, volume 7, n° 2,décembre 2021165 ،رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/29556/1533
]
الدائرة الوجودية الذاتية للزجل
تُعنى الدائرة الوجودية الذاتية للزجل بالفضاء الشعوري والمعرفي الذي يعكس وعي الزجّال بذاته الفردية داخل المجتمع، وكيفية إدراكه لعلاقته بالمجال الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه. في هذا الإطار، يصبح الزجل أكثر من مجرد خطاب شعري أو ترفيه لغوي، إذ يتحوّل إلى تجربة وجودية تعكس التفاعل بين الذات والفعل الإبداعي والمجتمع، بما يتيح إعادة تشكيل الواقع اليومي من خلال الصوت والإيقاع واللغة الدارجة.
ويمكن تصنيف هذه الدائرة الوجودية الذاتية إلى نوعين رئيسيين، من منظوري حسب ما بعد السيميائيات وهما:
1.رؤية اللاجدوى أو الرؤية الوجودية النقدية: تتميز هذه الرؤية بانكسار المركز الإنساني وتفكك المرجعيات الكبرى، حيث يصبح الشعر فضاءً لمواجهة العدم وفائض العالم بلا وعود بالخلاص. في هذا النوع، تتحول القصيدة إلى تجربة وجودية تأملية، تقيم في الفجوة بين القول واللاّقول، بين الحضور والغياب، وتعيد للزجل المغربي بعده الثقافي، معتمدة لغة المفارقة والصمت والتكرار والمقاومة الرمزية للابتذال السيميائي للعصر.
2.رؤية البرزخية: تمثل هذه الرؤية حدًا وجوديًا بين عالمين شعريين؛ الالتزام بالقضايا الاجتماعية والتعددية الداخلية للذات. وهي فضاء دينامي للعبور بين الانتماء للجماعة والانفتاح على الذات المتعددة الأصوات، حيث تتجسد القصيدة كجسر بين الداخل والخارج، بين الحضور والغياب، وبين اللغة والصمت. في هذا النوع، يصبح الزجل وسيلة لاستكشاف الذات الداخلية والتوترات الوجودية، مع الحفاظ على طابعها الجمالي والفلسفي كفضاء للعبور والتجربة الوجودية. فهو يعد فضاء عبور بين الالتزام بالقضايا الاجتماعية والانفتاح على تعددية الذات — حيث يتشكل الزجل كجسر بين الداخل والخارج، بين الذات والجماعة، بين اللغة والصمت، في فضاء يعكس تعقيدات الوجود والانتماء[ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2008 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ].
بهذه الطريقة، تتضح أهمية الدائرة الوجودية الذاتية للزجل في كونها إطارًا تحليليًا يسمح بفهم التحولات المعرفية والوجدانية للزجّال، مع إبراز علاقة الشعر بالوعي الفردي والجماعي، واللغة بالإيقاع، والمجتمع بالذات، مستندةً إلى المنهجية التحليلية لما بعد السيميائيات
دائرة الرؤية الكونية التفاعلية
تمثل دائرة الرؤية الكونية التفاعلية أفقًا معرفيًا وفلسفيًا جديدًا في الشعر الزجلي المغربي المعاصر، حيث تتجاوز القصيدة حدود الوعي الذاتي والانغلاق اللغوي لتصبح فضاءً متفاعلًا بين الذات والكون واللغة. واللغة نفسها، في هذا الإطار، لم تعد العلامة الشعرية مجرد إشارة أو رمز للنقل والتعبير، بل صارت جسيمًا طاقيًا حيًا يتحرك ضمن شبكة علاقات معرفية، عصبية، وجمالية، تتفاعل فيها الذات الشاعرة مع المحيط الزماني والمكاني والقارئ، فتتشكل تجربة إدراكية–وجودية شاملة. تفتح هذه الدائرة أفقًا معرفياً وفلسفياً جديداً في الشعر الزجلي المغربي المعاصر: القصيدة تتجاوز حدود التعبير المحلي لتصبح فضاء تفاعلياً بين الذات، العالم، الزمان والمكان، بل واللغة نفسها. في هذا الأفق، لم تعد العلامة الشعريّة مجرد إشارة أو رمز ثابت، بل صارت جسيمًا طاقياً حيّاً يتحرك ضمن شبكة علاقات معرفية، عصبية وجمالية [ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2023 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ].
تُظهر هذه الدائرة أن القصيدة لم تعد مسرحًا للتعبير الفردي أو وسيلة للسرد الاجتماعي فحسب، بل حقل إنتاجي كوني، حيث تتداخل مستويات الوعي الذاتي والفكري والعاطفي، وتتشابك معها العمليات الجمالية واللغوية بطريقة ديناميكية. فهي تعمل على تفكيك العلاقة التقليدية بين الدال والمدلول،[ Abdelkébir Khatibi. 1983. La Poésie de la différence. Paris: Denoël.
] وتعيد تعريف العلامة الشعرية ككائن قادر على التفاعل والتوليد المستمر للمعنى، وليس كإشارة ثابتة أو مطابقة مسبقة للواقع.
من منظور موسّع، يمكن القول إن دائرة الرؤية الكونية التفاعلية تنقسم إلى قسمين رئيسيين، يشكل كل منهما جانبًا مكملًا للآخر:
رؤية قصيدة تكتب الشاعر
تُمثل رؤية قصيدة تكتب الشاعر مرحلة متقدمة في التحول الشعري للزجل المغربي، حيث تنتقل القصيدة من فضاء البرزخ بين الالتزام والتعددية إلى حقل داخلي للوعي الذاتي واللغوي. في هذا السياق، لم تعد القصيدة وسيطًا بين الذات والعالم فحسب، بل صارت جهازًا لغويًا–عصبيًا يُعيد تشكيل الذات نفسها من خلال اللغة، بحيث يصبح الشاعر فاعلًا داخل اللغة نفسها لا مجرد متلقٍّ للواقع الخارجي.
في هذه الرؤية، تتحوّل اللغة إلى امتداد للوعي؛ فالحرف لم يعد دالًا فحسب، بل وحدة طاقية تتحرك داخل الذهن، تعيد تركيب الذاكرة والإدراك، وتستحضر التجربة الوجودية للشاعر في لحظة الكتابة. وتتجلى هذه الرؤية في نصوص علي مفتاح، مثل “برهان بلا دليل”، حيث تُرى القصيدة كنظام متفاعل من كلمات وجمل وإيقاعات وفواصل زمنية تشكّل وعاءً للوعي الذاتي للشاعر. فالزجال هنا يكتب القصيدة وهو يكتب ذاته، والكتابة لا تمثل نقلًا للخبرة، بل إنتاجًا للوعي في اللحظة نفسها التي تُكتب فيها القصيدة.
إنّ عبارة “القصيدة تكتب الشاعر” ليست استعارة، بل تحول في بنية الفعل المعرفي ذاته؛ فاللغة لم تعد وسيطًا بين الذات والعالم، بل نظامًا عصبيًا–دلاليًا يُنتج الإدراك ويصوغ الكينونة. فالقصيدة ليست انعكاسًا لذات قائمة، بل مجال تشكّلي يتكوّن فيه الوعي من خلال التفاعل بين العلامة والإحساس والفكر.
في ضوء ما بعد السيميائيات، تمثل هذه الرؤية لحظة انقلاب في مفهوم الإبداع: لم يعد الشاعر مصدر المعنى، بل نتاج لتفاعل داخلي بين اللغة والعصبونات، بين الخيال والذاكرة، وبين العلامة والجسد. تتحرك العلامة هنا ككائن حي، لا تشير فقط، بل تولّد؛ إنها طاقة خالقة تعمل على إعادة تنظيم الوعي عبر فعل الكتابة نفسه[ Evan Thompson. 2010. Mind in Life: Biology, Phenomenology, and the Sciences of Mind. Harvard University Press.
]. من هذا المنظور، يمكن اعتبار هذه الرؤية تأسيسًا لما يمكن تسميته بـ أنطولوجيا القصيدة: قصيدة ككائن يولد الشاعر بدل أن يولده، حقل وجودي مفتوح تُعيد فيه العلامة تعريف الذات والعالم واللغة في آن واحد.
رؤية إيكزو قصيده (الرؤية التفاعلية الكونية)
تمثل قصيدة «إيكزو قصيده» تحولًا جذريًا في التجربة الزجلية المغربية المعاصرة، حيث تتجاوز الوظيفة التقليدية للنص الزجلي كوسيلة للتعبير عن الذات أو سرد خبرة فردية، لتصبح فضاءً إنتاجيًا للوعي الكوني التفاعلي. في هذه التجربة، لا تقتصر العلامة اللغوية على مجرد الإشارة أو الدلالة النصية، بل تتحول إلى جسيمات طاقية أخلاقية تتفاعل مع المتلقي والزمان والمكان، وتشكل شبكة متشابكة من المعاني والإدراكات التي تتجاوز حدود اللغة الزجلية التقليدية. والتركيز على الإيقاع كحدث ادراكي- جسدي لا لغوي فقط.[ Mark Johnson. 2007. The Meaning of the Body: Aesthetics of Human Understanding. Chicago: University of Chicago Press.
]
تعيد قصيدة «إيكزو قصيده» بناء الفضاء الزجلي نفسه، فتصبح اللغة أداة لا لتمثيل العالم فحسب، بل لإنشاء عالم جديد يُستشعر ويُعاش. وتصبح كل وحدة نصية — من كلمة إلى سطر — حاملة لشحنة إبداعية قادرة على تفعيل الوعي والخيال الكوني لدى القارئ. العلامة الزجلية تتحرك هنا كجسيم طاقي خلاق داخل نظام نصي شامل، يعيد تشكيل الواقع عبر التفاعل بين اللغة، الوعي، والكون، بحيث يصبح النص شبكة متكاملة من الطاقة، حيث كل كلمة وحرف كائن حي يتحرك ويؤثر ويتأثر ببيئته النصية.
فرؤية «إيكزو قصيده» تتجاوز الذات اللغوية إلى وعي كوني تفاعلي، فتصبح القصيدة الزجلية ميدانًا لتفاعل الطاقة الإبداعية بين النص والكون والفاعل المتلقي. فالقصيدة هنا ليست مجرد نص، بل نظام حيوي مفتوح يشارك في خلق الوعي، حيث العلامة تتحول إلى جسيم طاقي كوني يتحرك داخل شبكة من التفاعلات بين الوعي واللغة والكون.
تمثل هذه الرؤية نقطة تحول أساسية في الزجل المغربي المعاصر، حيث لم يعد الزجل مجرد كلام شعبي أو فن تعبيري، بل أصبح لغة فلسفية–جمالية تعبّر عن تحولات الوعي الإنساني على أعمق مستوياته. فالقصيدة لم تعد تنغلق على دلالتها، بل انفتحت على كل ما هو معرفي، عصبي، رقمي، وكوني، من خلال تفاعلها الديناميكي مع القارئ والكون في شبكة طاقية متكاملة
أهداف الرؤى الزجلية في قصيدة الزجل المغربية المعاصرة
تهدف الرؤية الزجلية إلى تمكين الشاعر الزجال من بناء عالمه الشعري عبر اللغة الدارجة، مستثمراً حساسيات الجماعة الشعبية وتمثلاتها، بحيث يتحول النص الزجلي إلى فضاء معرفي–ثقافي متكامل يربط بين الفرد والمجتمع، بين اليومي والمتخيل، وبين الواقعي والرمزي (بنيس 2010, 55). ومن خلال هذا الهدف، يصبح الزجل أداة لإعادة إنتاج الوعي الجمعي وإحياء الذاكرة الشعبية، وهو ما تؤكده الدراسات التي ترى في الزجل وسيلة للتعبير عن الهوية الثقافية المغربية عبر الصور والإيقاعات والممارسات الجماعية[ Bauman, Richard. Verbal Art as Performance. Rowley: Newbury House, 1986.p22
].
كما تهدف الرؤية الزجلية إلى توسيع تجربة الشاعر الذاتية، من خلال الدائرة الوجودية الذاتية، بحيث يتمكن الزجال من التأمل في ذاته وعلاقته بالمجتمع وإعادة صياغة التجربة الفردية ضمن السياق الثقافي، وهو ما يسمح له بتحويل القصيدة إلى تجربة وجودية معرفية، تجمع بين الصوت واللغة والإيقاع[ Hammoudi, Abdellah. La Civilisation Marocaine et la Performance Orale. Paris: Karthala, 1997.p88
]. هنا، يتحول الزجل من مجرد خطاب شعري إلى جهاز معرفي–حسّي يتيح للذات التعبير عن تطلعاتها ومشاعرها والتفاعل مع المحيط الاجتماعي.
أما في بعده الكوني التفاعلي، تهدف الرؤية الزجلية إلى تحويل العلامة الشعرية إلى جسيم طاقي حي قادر على التفاعل مع القارئ والزمن والمكان، بحيث يصبح النص فضاءً تفاعلياً معرفياً–جمالياً، يتجاوز حدود اللغة التقليدية، ويتيح للشاعر والمستمع على حد سواء المشاركة في إنتاج المعنى[ Merleau-Ponty, Maurice. Phenomenology of Perception. London: Routledge & Kegan Paul, 1964.p76
] هذا الهدف يؤكد على قدرة الزجل على تحريك الذهن والإحساس والفكر، وتحويل التجربة اليومية إلى إدراك شعري متكامل.
أكما تسعى الرؤية الزجلية إلى إبراز العمق الثقافي والوجداني للزجل النسائي من خلال دائرة التأنيث، حيث تتحول اللغة والموضوعات والبنية الصوتية–الإيقاعية إلى أداة للتعبير عن التجربة الداخلية للمرأة، ما يمنح النص الزجلي النسائي عمقاً جماليًا وروحانيًا داخل الفضاء الشعري المغربي، ويؤكد على قدرة الزجل على إعادة إنتاج الهوية الثقافية والوجدانية من منظور نسائي;[ Khatibi, Abdelkébir. Le Roman Maghrébin Contemporain: Poétique et Linguistique. Paris: Sindbad, 1983.p77
- Le360. “Zajal al-‘Aroubiyyat fi Fas: Dirasa fi al-Zajal al-Nisawi.” Le360, 2023.
]
وتهدف الرؤى الزجلية إلى ربط التجربة الفردية بالوعي الجماعي، واللغة بالإيقاع، والمجتمع بالذات، والهوية الثقافية بالممارسة الإبداعية، ما يجعل الزجل أداة معرفية وجمالية متعددة الأبعاد في الفضاء المغربي المعاصر.
النتائج المتوقعة من الرؤى الزجلية في قصيدة الزجل المغربية المعاصرة
تتجلى النتائج الرئيسية للرؤى الزجلية في قدرتها على إعادة تشكيل التجربة الثقافية والفنية للمجتمع المغربي، حيث يصبح الزجل وسيلة لإحياء الذاكرة الجماعية وإعادة إنتاج القيم والمعاني التراثية في صياغة حديثة تتوافق مع التحولات المعرفية والجمالية المعاصرة[ Bauman, Richard. Verbal Art as Performance. Rowley: Newbury House, 1986.p22
]. فالدائرة الطقوسية الجماعية على سبيل المثال تُظهر كيف يتحول النص إلى فضاء تشاركي يربط بين الأداء الفردي والجماعة، ويعزز الشعور بالهوية المشتركة، مما يمنح الزجل شرعية ثقافية واجتماعية داخل السياق المغربي.
أما الدائرة الوجودية الذاتية، فتبرز نتائجها في تطوير وعي الشاعر بذاته وعلاقته بالمجتمع، إذ يتيح الزجل للذات التعبير عن مشاعرها وأفكارها الداخلية، وتحويل التجربة اليومية إلى إدراك شعري–معرفي[ Turner, Victor. The Ritual Process: Structure and Anti-Structure. Chicago: Aldine, 1969.p45
]هذه العملية تجعل من القصيدة الزجلية جهازًا معرفيًا–حسيًا، يمكن من خلاله للمتلقي والمبدع على حد سواء اكتشاف مستويات متعددة للمعنى، تجمع بين الصوت، الإيقاع، والصورة اللغوية.
في بعده الكوني التفاعلي، تظهر النتائج في تحويل العلامة الشعرية إلى جسيم طاقي حي قادر على التفاعل مع المتلقي والزمن والمكان، ما يجعل النص الزجلي فضاءً ديناميكياً لتوليد المعنى وهذا يعزز إمكانيات الزجل في إنتاج معرفة متعددة الأبعاد، حيث تتفاعل اللغة والوعي والإيقاع والخيال في شبكة معرفية–جمالية متكاملة.
أخيرًا، تؤكد دائرة التأنيث على نتائج مهمة في إبراز العمق الثقافي والوجداني للزجل النسائي، إذ يمكن للقصيدة أن تصبح وسيلة لإعادة إنتاج الهوية الثقافية للمرأة المغربية، وتتيح لها التعبير عن مشاعرها، تجاربها الداخلية، والبعد الجمالي–الإيقاعي الخاص بها.[ Le360. “Zajal al-‘Aroubiyyat fi Fas: Dirasa fi al-Zajal al-Nisawi.” Le360, 2023. Le360 - Le média des actualités du Maroc.
] هذه النتائج تؤكد أن الزجل النسائي ليس مجرد خطاب شعبي، بل جهاز ثقافي–إبداعي قادر على إعادة تشكيل الفضاء الزجلي المغربي.
باختصار، النتائج المتوقعة من الرؤى الزجلية تتمثل في:
1.إعادة إنتاج الهوية الثقافية والجمالية للمجتمع المغربي.
2.توسيع وعي الشاعر الفردي والجماعي.
3.تحويل العلامة الشعرية إلى طاقة تفاعلية تولّد المعنى باستمرار.
4.إبراز التجربة النسائية وإعادة إنتاج الوعي الثقافي والوجداني.
إنّ النتائج المتوقعة من الرؤى الزجلية، بما تحمله من إعادة إنتاج للهوية الثقافية والجمالية للمجتمع المغربي، وتوسيع لوعي الشاعر الفردي والجماعي، وتحويل للعلامة الشعرية إلى طاقة تفاعلية تولّد المعنى باستمرار، وإبراز للتجربة النسائية بما تحمله من عمق وجداني وثقافي، تُفضي جميعها إلى ضرورة انتقال الخطاب من مستوى التحليل الداخلي للرؤيا إلى مستوى التفاعل النقدي مع هذه الدينامية الجديدة. فحين يصبح الزجل مجالًا لإنتاج الهوية وإعادة تشكيل الوعي، تتأكد الحاجة إلى نقد قادر على استيعاب هذه التحولات واستثمارها، نقد يتجاوز حدود القراءة الانطباعية نحو مقاربات متعددة تستوعب الطابع الحيوي للنص الزجلي، باعتباره نصًا يتفاعل مع الأداء والطقس الشعبي، ويتشكل ضمن سياقات اجتماعية وثقافية متغيرة.
ومن هنا تتأسس أهمية المحور الثالث: قصيدة الزجل والنقد، إذ يصبح النقد آليةً لمواكبة هذه الحيوية النصية، ووسيلة لفهم كيفية تشكّل الرؤية داخل النص، وتجلّيها في الأداء، وتمثّلاتها لدى الجمهور. ففي هذا السياق، لا يعود النقد مجرد تحليل لغوي، بل ممارسة معرفية تستخدم مقاربات تداولية، وسيميائية، وسوسيولوجية للكشف عن البنى العميقة التي تنتج المعنى، وتوضح كيف تتقاطع التجربة الفردية للشاعر مع الوعي الجماعي للمجتمع، وكيف ينفتح النص الزجلي على أسئلة الهوية، والذاكرة، والتحولات الاجتماعية والسياسية.
المحور الثالث قصيدة الزجل والنقد
عرفت دراسة الزجل المغربي خلال العقود الأخيرة تحوّلاً نقديًا عميقًا انتقل بها من خانة الأدب الشفوي الشعبي إلى أفق بحثي قائم الذات داخل العلوم الإنسانية، نتيجة تراكم الدراسات الأكاديمية، وتطور المناهج، وظهور الحاجة إلى قراءة جديدة تراعي تعدد مستويات الخطاب الزجلي وارتباطه بالسياق الاجتماعي والثقافي.
هذا التحوّل لم يكن مجرد تطور في الأدوات التقنية، بل مثّل إعادة تموقع معرفي، وفق ما يسميه Pierre Bourdieu “تحوّلاً في موقع الحقل”[ Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. Cambridge: Polity Press, 1991.p34
]، حيث انتقل الزجل من موقع التابع للهامش الشعبي إلى موقع الفاعل داخل الثقافة المغربية.
ويمكن للنقد أن يواكب دينامية الإبداع الزجلي المتمثلة في رؤاه المضمرة في أنساق النصوص عبر اعتماد مقاربات متعددة ومرنة، تفهم النصوص الزجلية كنصوص حيّة ديناميكية، تتجاوز البنية الداخلية إلى الأداء، والتلقي الجماهيري، والوظائف الاجتماعية والثقافية. ومن هذا المنطلق، يستخدم النقد أدوات مثل المنهج التداولي لفهم العلاقة بين الزجال والجمهور، والمنهج السيميائي لتحليل الموروث الشعبي، كما عند عبد الكبير الخطيبي ورولان بارت[ Barthes, Roland. Éléments de Sémiologie. Paris: Seuil, 1964.p89] ،.والمنهج السوسيولوجي لتوضيح انعكاس التحولات الاجتماعية والسياسية على النص[ Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. Cambridge: Polity Press, 1991.p22
]
مع التحولات الرقمية، أصبح النقد الرقمي وسيلة لدراسة الزجل عبر الفيديو ومنصات التواصل، بما يعكس تفاعلية النص واستراتيجيات التجديد لدى الزجال.[ Aouragh, Miriyam. Digital Political Ethnography in Morocco. Oxford: OII Press, 2019.p73
] كما يسمح النقد المقارن بدراسة الزجل المغربي مقابل أشكال شعرية شعبية أخرى لفهم خصوصياته الإبداعية وكيفية تفاعل التراث مع الحداثة.
تاريخيًا، ارتبط موقف النقد من الزجل بالتمييز بين الفصحى والعامية، مما حد من الاعتراف الأكاديمي به. إلا أن الدراسات الحديثة، خاصة بعد صعود الدراسات الثقافية والنقد الحداثي وما بعد الحداثي، أعادت الاعتبار للزجل باعتباره نصًا شعريًا ذا بعد إبداعي متكامل، قادر على التفاعل مع الحداثة دون فقدان جذوره الشعبية، كما برز عند رواد مثل عبد الله كنون ومحمد الفاسي، ولاحقًا محمد راشق.
النقد الحديث للزجل، و يشمل الأبعاد الجمالية، الثقافية والاجتماعية:
جماليًا: تحليل الإيقاع، الصور الشعرية، البنية الصوتية والتكرار الموسيقي، لإظهار قدرة الزجال على توليد نص متوازن بين البساطة والعمق الفني.فالجمال لا يختزل في زخرفة لغوية أو في متعة حسية عابرة بل يقدم باعتباره فعلا نقديا وحوديا لأن الحس الجمالي يتضمن نواة المقاومة وممارسة من أجل البقاء الروحي والارتقاء الذوقي لا تسلية أدبية.[ محمد ازلماط: انبثاق النقد الذزقي- الثقافي من الدارجة في خطاب ادريس مسناوي، داربصمة، فاس، 2025،ص90-91]
ثقافيًا: إبراز قدرة النص على تسجيل القيم الاجتماعية والرموز الثقافية والموروث الشعبي، بما يجعل الزجل وعاءً ثقافيًا متحركًا[ Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books, 1973.
].حيث إن لغنه المتمثلة في الدارجة تعد أداة تأويل ثقافي ومعرفي، لاعتبارها وسيلة فعالة في تشكيل سرديات الانتماء والهوية.[ محمد ازلماط: انبثاق النقد الذزقي- الثقافي من الدارجة في خطاب ادريس مسناوي، داربصمة، فاس، 2025،ص90 وما بعدها]
اجتماعيًا: دراسة العلاقة بين النص والجمهور، سواء في الأداء المباشر أو عبر الوسائط الرقمية، وفهم النص كخطاب شعبي تفاعلي يساهم في توثيق وقضايا المجتمع المعاصر[ Aouragh, Miriyam. Digital Political Ethnography in Morocco. Oxford: OII Press, 2019.p81].
من هنا، تطورت المناهج النقدية للزجل في المغرب،ونذكرمنها بايجاز مقتضب
1.المنهج الإبستمولوجي-التاريخي التأسيسي (عباس الجراري): جمع النصوص، التوثيق التاريخي، التحليل الأولي، وتوضيح دور الزجل في ترسيخ الهوية الوطنية، مع التركيز على السياق الاجتماعي والتاريخي[ عباس الجراري الزجل في المغرب: القصيدة، مطبعة الأمنية الرباط، سنة 1970].
2.المنهج البنيوي النسقي (مراد القادري): دراسة النص من الداخل (بنية، إيقاع، صور)، مع دمج المنهج الجمالي، السيميائي، والثقافي لفهم الشعرية الزجلية الحديثة.[ مراد القادري: جمالية الكتابة في القصيدة الزجلية المغربية الحديثة، مؤسسة نادي الكتاب بالمغرب، فاس،2013]
3.المنهج الأركيولوجي–الأسلوبي (محمد بوستة): الحفر في الجذور التاريخية للزجل، التحليل الأسلوبي والسيميائي والفلسفي، لتقديم رؤية متكاملة تجمع بين التراث والإبداع المعاصر.
4.المنهج المركب السيميائي-السوسيولساني-الأسلوبي (علي مفتاح): دراسة اللغة، الهوية، البنية النصية، والتفاعل الاجتماعي والثقافي، مع التركيز على تحويل اللغة العامية المنطوقة إلى كتابة زجلية متقعدة.
5.المنهج الجيو-ثقافي/الجيو-سياسي (حنان بندحمان): قراءة النصوص كفضاءات حية، دراسة العلاقة بين اللغة والمكان، تحليل التمثلات السياسية والاجتماعية، ودمج الأبعاد البيئية والثقافية والجيوسياسية.
6.منهج الذوق الثقافي (إدريس المسناوي): الزجل كأداة للتنوير الفكري والثورة الجمالية، مع التركيز على اللغة كلغة إبداعية حية، وإظهار النص ككيان يفتح آفاقًا للتفكير والابتكار الفني[ ادريس مسناوي: كناش 8، دار بصمة للنشر والتوزيع فاس، الطبعة الأولى2021-2023].
7.منهج ما بعد السيميائيات ( محمد ازلماط) النص الزجلي ككيان ديناميكي متحوّل، حيث تكون العلاقة بين النقد والإبداع تفاعلية ومتداخلة. فالعلامة الزجل ليست ثابتة، بل تتحرك باستمرار، ويصبح النقد جزءًا من عملية إنتاج المعنى عبر القراءة والتأويل. يركز المنهج على تفكيك العلامة وإعادة بنائها، ويفتح النص على تأويلات متعددة، مع إبراز التوتر بين البعد الشعبي التراثي والبعد الحداثي وما بعده
لقد استوعبت المناهج الحديثة للنقد الأدبي معظم خصوصيات الزجل، في البعد الجمالي والفني، أبرزت هذه المناهج عناصر الإبداع الداخلي للزجل، مثل الإيقاع الداخلي والخارجي، والتنغيم الصوتي، واللازمات المتكررة، والمجازات اليومية، والمرونة في التلاعب بالعامية، ما يوضح قدرة الزجل على المزج بين الإيقاع الشعبي والابتكار الفني، وهو ما غاب عن الدراسات التقليدية التي ركزت على الفصحى والبلاغة الكلاسيكية.
الجهاز المفاهيمي في هذا المحور يمثل الإطار المعرفي والمنهجي الذي اعتمدته لدراسة الزجل المغربي ونقده. وهو مجموعة من المفاهيم، العمليات التحليلية، والاستراتيجيات الفكرية التي تتيح فهم الزجل ليس كنص شعبي فقط، بل كنص ديناميكي متعدد الأبعاد قادر على التفاعل مع المتلقي والسياق الاجتماعي والثقافي، ومواكبة التحولات النقدية الحديثة. يقوم هذا الجهاز على الربط بين ثلاثة مستويات: التحول النقدي للزجل، أبعاد النقد (الجمالي، الثقافي، والاجتماعي)، واستنباط المناهج النقدية الملائمة لفهم النص الزجلي.
في التعامل مع المحور الثالث حول «قصيدة الزجل والنقد»، ارتكزتُ على مجموعة من المفاهيم الإجرائية التي شكلت الجهاز التحليلي لهذا البحث. أولًا، تحديد التحوّل النقدي للزجل المغربي، من خلال تتبع كيف انتقل الزجل من خانة الأدب الشعبي الشفوي إلى أفق أكاديمي، مع إبراز إعادة تموقعه داخل الثقافة المغربية وارتباطه بالسياق الاجتماعي والثقافي، بما يوضح عملية «تحوّل موقع الحقل» [ Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. Cambridge: Polity Press, 1991.p34
]كما أسماه Pierre Bourdieu. ثانيًا، مواكبة دينامية الإبداع الزجلي، عبر تحليل النصوص كنصوص حيّة ديناميكية، تفهم ليس فقط من خلال البنية الداخلية، بل أيضًا من خلال الأداء، والتلقي الجماهيري، والتفاعلات الرقمية، بما يعكس استمرارية إنتاج المعنى.
ثالثًا، اعتماد أبعاد النقد الزجلي: الجمالي، الثقافي، والاجتماعي، حيث درست البعد الجمالي عبر تحليل الإيقاع، الصور الشعرية، البنية الصوتية، واللازمات المتكررة، لإظهار قدرة النص على المزج بين البساطة والعمق الفني. أما البعد الثقافي، فركز على دور النص في تسجيل القيم والموروث الشعبي والرموز الاجتماعية، مع اعتبار اللغة العامية أداة تأويلية لتمثيل الهوية والانتماء. وأخيرًا، البعد الاجتماعي، الذي يتناول العلاقة بين النص والجمهور في الأداء المباشر وعبر الوسائط الرقمية، لبيان كيف يتحول النص إلى خطاب شعبي تفاعلي.
رابعًا، إجراء استنباط المناهج النقدية من خريطة النقد، حيث قمت بتحديد الاتجاهات النقدية التي تعاملت مع الزجل المغربي، مثل المنهج الإبستمولوجي-التاريخي، البنيوي-النسقي، الأركيولوجي-الأسلوبي، المنهج المركب السيميائي-السوسيولساني-الأسلوبي، والمنهج الجيو-ثقافي/الجيو-سياسي، والمنهج الذوقي الثقافي بالإضافة إلى منهج ما بعد السيميائيات، وبيان كيفية مساهمة كل منها في فهم الأبعاد الجمالية والثقافية والاجتماعية للزجل.
إنّ الإطار المفاهيمي الذي اعتمدته لدراسة الزجل المغربي في هذا المحور ينطلق من فرضية أساسية: أن الزجل ليس مجرد “تراث شفوي شعبي” أو جنس ثانوي، بل خطاب شعري–ثقافي–اجتماعي مؤهل لأن يكون موضوع نقد معمّق. من هذا المنطلق، يُنظر إلى الزجل على أنه ظاهرة ديناميكية متعددة الأبعاد — له بعد جمالي، ثقافي، اجتماعي، وتأويلي — تحتاج إلى جهاز نقدي خاص، لا إلى معايير النقد الكلاسيكي المعتاد على الفصحى فقط. بهذا الإطار، يصبح الزجل كيانًا حيًّا يتفاعل مع الجمهور، مع السياق المجتمعي، ومع التحولات الزمانية والمكانية، وهو ما يقتضي نقدًا حيًا ومتجددًا.
طبيعة هذا الجهاز نقدية–تأويلية، تعتمد على قراءة الزجل ضمن شبكة علاقات لا تنحصر في النص فقط، بل تمتدّ إلى أداء الزجّال، إلى تفاعل الجمهور، إلى البعد التاريخي–الثقافي، وإلى وضعه ضمن تداخل التراث والحداثة. بهذا، يصبح النقد ليس وصفًا جامدًا، بل ممارسة تشريحية وتحليلية تفضح الطبقات المتعددة التي يحملها الزجل: من الإيقاع والصوت إلى الدلالات الثقافية، ومن العلاقة الفردية–الجماعية إلى الهوية الجماعية والمجال.
كنه هذا الجهاز — بمعنى جوهره الداخلي — هو إعادة تأطير الزجل كمجال نقدي معرفي، أي تحريره من خانة “التراث الشعبي” نحو خانة “الإبداع الشعري–الفكري” القادر على التفاعل مع قضايا العصر. الجهاز لا يكتفي بجمالية الزجل بل يوصله بالسياق والوظيفة: كيف تمثل اللغة العامية تجربة اجتماعية، كيف تشكل الهوية الجماعية، كيف يُسجّل التوتر بين المحلي والعالمي، بين القديم والجديد.
عندما وضعت هذا الإطار موضع التنفيذ، استخدمت مجموعة من آليات نقدية: تحليل النص من حيث البنية الجمالية (إيقاع، موسيقى، صور شعرية)، مع دراسة السياق الاجتماعي — أي كيف يرتبط الزجل بالبيئة، بالمكان، بالفئات الاجتماعية. كما أوليت اهتمامًا للأداء والتلقي: الزجل ليس نصًا يُقرأ فقط، بل يُستمَع إليه، يُؤدَّى أمام جمهور، ويمكن أن يعاد تفسيره في ضوء تغيرات الواقع، وهو ما يظهر بوضوح في تجارب الزجل المغربي المعاصر كما درست في بحث عن «الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي[ بن دحمان حنان: “الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي.” Langues, Cultures et Sociétés 9, no. 2 (2023): 94–108،رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ] تتم هذه القراءة في ضوء مناهج نقدية مستعارة ومكيفة: سيميائية، جيوثقافية، تراكمية تاريخياً، تأويلية — لتبيان كيف ينتقل الزجل من الهامش إلى المركز كخطاب معاصر.
بشكل عام، هذا الجهاز المفاهيمي يجعل من الزجل أكثر من نص: يجعله ظاهرة ثقافية–اجتماعية–جمالية قابلة للتحول، قابلة للتجديد، وقابلة لأن تكون موضوع نقد جاد ومنهجي. بواسطته، يمكن الكشف عن الخصوصية المغربية في التعبير الشفهي والكتابي، عن الشعور الجماعي، عن الهوية المختلطة — وعن قدرة الزجل على أن يكون جسرًا بين الماضي والحاضر، بين الشفوية والكتابة، بين الجماعة والفرد.
من الأهداف الأساسية لمحور «قصيدة الزجل والنقد» هو إعادة الاعتبار لهذا الفن الشعبي باعتباره مجالًا معرفيًّا مستحقًّا للدراسة الأكاديمية. في هذا الإطار، تسعى الدراسة إلى تحليل كيفية انتقال الزجل من خانة الشفوية الشعبية الهامشية إلى مرتبة الأدب المكتوب، عبر توثيق أعمال قديمة وحديثة للزجل، والرجوع إلى دراسات رائدة، مثل أطروحة عباس الجراري «القصيدة: الزجل في المغرب» التي أولت للزجل مكانة نظرية وأكاديمية.[ مجمزعة من المؤلفين : أرشيف منتدى الفصيحرابط النشر: - أرشيف منتدى الفصيح - دراسة حول الزجل و قصائد الشعر العامي بالمغرب - المكتبة الشاملة الحديثة] بهذه الخطوة، يصبح الزجل موضوعًا جدّيًا للنقد والتحليل، وليس مجرد إبداع شفوي مؤقت، كما كان ينظر إليه في السابق.
كما هدفت الدراسة إلى كشف ديناميكية الإبداع الزجلي عبر الأجيال، بحيث لا يُنظر إلى الزجل كتراث جامد، بل كخطاب حيّ يتجدّد بتغير الزمان والمجتمع. فبحث مثل الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي لـ حنان بندحمان يبيّن كيف أن الجيل الجديد من الزجالين يسهم في “مراكمة الكتابة الزجلية” بعد مرحلة الشفوية، منفتحين على موضوعات معاصرة وتمثّلات ذاتية وجماعية[ بن دحمان حنان: “الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي.” Langues, Cultures et Sociétés 9, no. 2 (2023): 94–108،رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939]. ومن ثم يصبح هدف المحور أيضًا رصد هذه التحولات — من الشفوية إلى الكتابة، من التقليد إلى التجديد — وفهم كيف تتشكل هوية زجلية معاصرة في ضوء الواقع المجتمعي.
إضافة إلى ذلك، تسعى الدراسة إلى إبراز الزجل كخطاب متعدد الأبعاد: جمالي، ثقافي، اجتماعي. الهدف هنا ليس تحليل القصيدة كتقافة صوتية فحسب، بل النظر إلى الزجل كـوعاء للقيم والذاكرة الشعبية، كوسيلة تعبير عن الانتماء، الهوية، والتحول المجتمعي. فمن خلال نقد الزجل لا تُستجلب الصور الصوتية والإيقاعات فقط، بل تُفهم دلالات العامية، الرموز الثقافية، البنية المجتمعية التي أنتجته، ولغة الجماعة التي حملته — وهكذا يُنظر إلى الزجل كجسر بين الفرد والجماعة، بين القديم والحديث، بين المحلي والعالمي.
كما من أهداف هذا المحور أن يُوفّر إطارًا نقديًا منهجيًّا — أي مجموعة من أدوات التحليل والمناهج التي تناسب طبيعة الزجل — تشمل مناهج تاريخية، سيميائية، جيوثقافية، تحليل الأداء والتلقي. بفضل هذا الإطار النقدي، يمكن قراءة الزجل بعمق، ليس فقط كبقية أجناس الشعر، بل كنمط شعري–ثقافي–اجتماعي خاص. دراسة مثل أطروحة مراد القادري «جمالية الكتابة في القصيدة الزجلية المغربية الحديثة» تؤكد هذا التوجه النقدي المنهجي، حيث تعالج الكتابة الزجلية من زاوية جمالية ونقدية معاصرة [ ديوان العرب - منبر حر للثقافة والفكر والأدب
]
ويسعى أيضا إلى المساهمة في بناء وعي نقدي وثقافي لدى القارئ والباحث بالمغرب — وذاك بأن يُنعت الزجل ليس مجرد منشور شعبي أو أداء مألوف، بل نص يُقرأ، يُحلّل، يُنتقد، ويُفهم في بعده الفني، التاريخي، الاجتماعي والسياسي. بهذا يصبح الزجل ليس إرثًا فقط، بل مشروعًا إبداعيًا متجددًا، قادرًا على مسايرة التحولات، والتعبير عن الهوية الجديدة، والاشتغال كمنبر للنقد والتفكير في قضايا المجتمع والحداثة.
وفي هذا الاطار يمكن رصد جدول يربط بين المراجع الأساسية المتعلقة بالمحور الثالث: قصيدة الزجل والنقد، مع إبراز الجهاز المفاهيمي، الأهداف، والنتائج المتوخاة.
المرجع الجهاز المفاهيمي الأهداف النتائج المتوخاة
بندحمان، حنان. الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي. 2023. الزجل كنص شعري حي ديناميكي، مرتبط بالسياق الاجتماعي والثقافي، ويظهر التحول النقدي من الهامش إلى الفاعلية الثقافية. دراسة التحولات النقدية للزجل المغربي، فهم العلاقة بين الزجال والجمهور، توسيع الأفق الثقافي للزجل المغربي. إبراز دور الزجل في إنتاج الهوية الثقافية، تحليل الأداء الجماهيري، وتمكين النص من التفاعل مع الحداثة دون فقدان جذوره الشعبية.
الراشق، محمد. أنواع الزجل بالمغرب: من الغنائية إلى التفاعلية. (سنة النشر) الزجل من حيث الأداء والتلقي، إبراز أبعاد الغنائية والتفاعلية، مع فهم البنية الداخلية للنصوص الزجلية. التعرف على مختلف أنواع الزجل المغربي، استنباط المعايير الجمالية والاجتماعية للنصوص. رصد قدرة الزجل على المزج بين الإيقاع الشعبي والابتكار الفني، وفهم ديناميكيات التلقي الجماهيري.
الخطيبي، عبد الكبير. البعد السيميائي في الأدب الشعبي. (سنة النشر) النص الزجلي كنظام دلالي معقد، يُفهم عبر المنهج السيميائي، الربط بين العلامة والموروث الشعبي. تطبيق المنهج السيميائي على الزجل المغربي، تحليل العلامات الثقافية والاجتماعية في النصوص. تحويل العلامة الزجلية إلى حدث تفاعلي يولد معنى مستمر، فهم التوتر بين التراث والحداثة.
بوفلاقة، محمد سيف الإسلام. التميز في النص الشعري الأندلسي – الزجل أنموذجا. 2020 الزجل ضمن التراث الأندلسي، دراسة جذور الزجل، البنية الصوتية والإيقاعية، التلاعب بالصور الشعرية. فهم الجذور التاريخية للزجل المغربي، إبراز أبعاد الأداء واللغة في النصوص القديمة والمعاصرة. تعزيز فهم العلاقة بين التراث والحداثة في الزجل المغربي، إبراز قدرة النص على التجدد والإبداع المستمر.
Bourdieu, Pierre. La Distinction: Critique sociale du jugement. 1979 مفهوم "تحول الموقع الحقل الثقافي" لتفسير صعود الزجل من الهامش الشعبي إلى موقع ثقافي فاعل. إدراك دور الموقع الاجتماعي والثقافي للزجل في إعادة ترتيب قيمته داخل الحقل الثقافي المغربي. تمكين الزجل من الاعتراف الأكاديمي وتحويله إلى نص شعري موضوعي للدراسة النقدية والتح
يُظهر الجدول المتعلق بالمحور الثالث «قصيدة الزجل والنقد» أن هذا المحور مبني على جهاز مفاهيمي واضح ومتماسك، ينتمي إلى ما بعد النقد (Post-criticism) وليس إلى نقد النقد الذي ينشغل ببنية النص الداخلية فقط. من خلال هذا التنظيم المفاهيمي، يصبح المحور مُرتكزًا على ثلاث دوائر مفاهيمية رئيسية تتمثل في تحديد التحول النقدي، ومواكبة دينامية الإبداع الزجلي، واستنباط المناهج النقدية من خريطة النقد المغربي. وهذه العناصر الثلاثة تعكس انتقالًا منهجيًا من مجرد وصف النص إلى فهم وضعه داخل الحقل الثقافي، وهو انتقال تنبّه إليه Bourdieu في تحليله لمواقع الحقول الثقافية.
يتضح من الجدول أنّ الجهاز المفاهيمي المعتمد لا يُعرّف الزجل على أنه مادة خام للتحليل، بل بوصفه بنية معرفية تُنتج معنى اجتماعيًا وثقافيًا. وهذا واضح في إدخال مفاهيم مثل:
التحوّل النقدي، الحقل الثقافي، التداولية، السيميائيات، السوسيولوجيا الأدبية، العلامة الشعرية، الأداء، التلقي، الدينامية، الزجلية (بوصفها منهجًا مقترحًا).
إن وجود هذه المفاهيم يعكس وعيًا بأن دراسة الزجل اليوم تتجاوز إعادة تأريخه أو وصف لغته، لتصبح قراءة في منطق إنتاج المعنى عند الجماعة المغربية. وتوضح أيضا أنّ الحقل الزجلي لم يعد يُقرأ باعتباره ممارسة شعرية شفهية أو تعبيرًا وجدانيا فحسب، بل أصبح مجالًا يُعاد تشكيله داخل فضاء نقدي جديد يستند إلى أدوات تحليل ما بعد النقد. فالمرجعيات التي يستند إليها المحور تكشف عن انتقال نوعي في التفكير النقدي من الانشغال بوصف الظاهرة الزجلية إلى تفكيك بنياتها الدلالية والجمالية والسوسيو–ثقافية، مما جعل النقد يتجاوز دور التتبع والتأريخ نحو مساءلة آليات إنتاج المعنى داخل النص الزجلي ذاته. كما يبرز الجدول أن الجهاز المفاهيمي المُعتمد يتأسس على مفاهيم مركزية مثل التحول النقدي، ودينامية الإبداع، والبنية الثقافية، والقراءة التداولية للنص، وهي مفاهيم تنتمي في جوهرها إلى الحقول البنيوية والسيميائية وما بعد السيميائية، وهو ما يمنح المحور قدرة على إعادة تنظيم العلاقة بين النص الزجلي وفضاء تلقيه
وتكشف مراجعة هذا الجهاز أن المفاهيم الموظفة—مثل «التحول النقدي»، و«دينامية الإبداع»، و«البنية الثقافية»، و«التمثيل الاجتماعي»، و«القراءة التداولية» —تنتمي إلى ما يسميه عبد الفتاح كيليطو «تعدد أنماط القراءة»[ عبد الفتاح كيليطو.الأدب والغرابة. الدار البيضاء: دار توبقال، 1982.ص11-14] ، أي ذلك الانفتاح على مقاربة النص نهائيًا بوصفه شبكة من العلاقات، لا بوصفه كيانًا مكتملًا. ويأتي هذا التنظير منسجمًا مع التوجهات الحديثة التي ترى أن الشعر الشعبي لا يُفهم إلا داخل سياقه الثقافي ووظيفته التعبيرية،.
أما على مستوى الأهداف، فيُبرز الجدول أن المحور لا يرمي إلى تقييم جودة النصوص الزجلية، بل إلى تفكيك علاقاتها بالسياقات الاجتماعية والثقافية والتاريخية. ومن ثمّ، فإن الأهداف تنتمي إلى السيميائيات الثقافية والسيميائيات المعرفية والعصبية بالأساس، لا إلى التحليل البلاغي أو الجمالي وحده. وأبرز هذه الأهداف:
1.فهم التحوّل الذي عرفه موقع الزجل داخل الحقل الثقافي المغربي.
2.تحليل كيفية تفاعل الإبداع الزجلي مع الجمهور ومع المجال الرقمي.
3.إعادة بناء المعنى الجمالي والاجتماعي للزجل عبر مقاربات متعددة (تداولية، سيميائية، سوسيولوجية).
4.تثبيت الزجل كخطاب ثقافي يُسهم في صناعة الوعي الجماعي.
وهذه الأهداف تؤكد أن المحور يشتغل بمنطق نقدي يتجاوز النظرة الأدبية المحضة، ويتجه نحو تفكير معرفي في وظيفة الزجل داخل المجتمع.
أما النتائج التي يستخرجها الجدول فهي منسجمة بدورها مع الجهاز المفاهيمي والأهداف، وتكشف أن الاشتغال بالنقد المعاصر للزجل يقوم على:
إعادة إنتاج الهوية الثقافية والجمالية للمجتمع المغربي عبر النصوص الزجلية.
بناء وعي فردي وجماعي جديد لدى الزجال ولدى الجمهور.
تفعيل العلامة الشعرية بوصفها كيانًا دلاليًا متحركًا (وليس بنية ثابتة).
إبراز التجربة النسائية في الزجل وإعادة ترتيب موقعها داخل الحقل الثقافي.
هذه النتائج تؤكد أن الزجل لم يعد –في التصور النقدي الجديد– مجرد فن شفوي، بل أصبح وعاءً للمعنى الثقافي والاجتماعي، وتعبيرًا عن حساسية جمالية جديدة تفرض مراجعة الحدود التقليدية بين الأدب الشعبي والأدب المكتوب.
أمّا المراجع التي تظهر في الجدول فهي تُثبّت الطابع العلمي للمحور، لأنها:
تربط التحليل النظري بمصادر تاريخية (محمد الفاسي،عباس الجراري، محمد راشق)،
وتستند إلى مراجع حداثية وما بعدها وسيميائية
وتستفيد من مساهمات نقدية جديدة في الزجل المغربي (القادري، بوستة، الراشق، بندحمان).
وهذا التنوع المرجعي يعكس غنى المجال البحثي الذي يشتغل عليه المحور، كما يؤكد أنّ دراسة الزجل اليوم تتطلب تقاطعًا منهجيًا لا يكتفي بمقاربة واحدة.
وإنّ تحليل المعطيات التي يكشف عنها الجدول السابق لا يقف عند حدود الوظيفة التنظيمية، بل يفصح عن أفقٍ إبستمولوجي جديد يمكن وصفه بـ«الزجلية» باعتبارها مفهومًا موازياً لمفاهيم تأسيسية في تاريخ النظرية الأدبية؛ إذ يشبه هذا المسعى ما قام به الشكلانيون الروس حين سعوا إلى تحديد «خاصّيّة الأدبية» أو ما يجعل النص أدبًا وفق تصور شلوفسكي[ Shklovsky, Viktor. “Art as Technique.” In Russian Formalist Criticism: Four Essays, translated by Lee T. Lemon and Marion J. Reis, 3–24. Lincoln: University of Nebraska Press, 1965., والمقال الأصلي تم نشره بلغته الأصلية1917 وفي ذات السياق تمت ترجمة نصوص الشكلانيين الروس إلى العربية من قبل إبراهيم الخطيب بعنوان نظرية المنهج الشكلي، الطبعة الأولى سنة 1982 مؤسسة الأبحاث العربية بيروت لبنان ص 122 وما بعدها مقال لتسوفلسكي
] وياكوبسن[ Jakobson, Roman. “Closing Statement: Linguistics and Poetics.” In Style in Language, edited by Thomas A. Sebeok, 350–377. Cambridge: MIT Press, 1960.p350
] ، وكذا ما دأب عليه التقليد الأرسطي في بناء «الشعرية» باعتبارها تقنية لصنع الخطاب الشعري وتنظيم مكوّناته.[ Aristotle. Poetics. Translated by Malcolm Heath. London: Penguin Classics, 1995.p23
] وعلى هذا الأساس، فإن «الزجلية» لا تأتي بوصفها مجرد استعارة منهجية، بل كجهد نقدي يروم الكشف عن العناصر التي تجعل النص الزجلي ينتج معنى خاصًا به، معنى لا يتأسس فقط على طبيعته الشعبية أو الشفوية، بل على كثافته الإيقاعية وقدرته على بناء تمثيلات ثقافية واجتماعية تمنحه شرعية معرفية موازية لما حازتْه النصوص الشعرية المكتوبة في التراث العربي والغربي على حدّ سواء.
وتبيّن القراءة المتأنية لمكوّنات الجدول أن المحور الثالث لا يعالج قصيدة الزجل باعتبارها موضوعًا تحليليًا معزولًا، بل يعالج التحوّل النقدي الذي أفرز معرفة جديدة بالزجل داخل العلوم الإنسانية، وهي معرفة تتجاوز حدود المقاربة الانطباعية التقليدية التي حكمت النظر إلى الشعر الشعبي، لتدخل في نطاق ما يسميه تودوروف «التأسيس النظري للموضوع الأدبي».[ Todorov, Tzvetan. Theories of the Symbol. Translated by Catherine Porter. Cornell University Press, 1982.p5
] وبذلك تنتقل دراسة الزجل من مستوى التلقي التتبعي إلى مستوى البناء النظري الذي يسعى إلى فهم اشتغاله بوصفه نسقًا لغويًا–ثقافيًا تنتج داخله العلامة الشعبية دلالات متحوّلة تتفاعل مع البنية الاجتماعية والتاريخية.
إن العلاقة التي يرسمها الجدول بين الجهاز المفاهيمي والأهداف والنتائج تكشف أن بناء «الزجلية» لا ينطلق من تعريفات جاهزة، بل من سيرورة معرفية معقّدة يتم فيها تفسير التحوّل النقدي نفسه، وكيف أصبح الزجل موضوعًا معرفيًا قادرًا على إنتاج أسئلة جديدة حول الشعرية والهوية والخيال الشعبي. وتبيّن هذه السيرورة أن الانتقال من الأدبية إلى الزجلية ليس نقلة شكلية، بل إعادة موضعة للزجل داخل الحقل الثقافي المغربي، على نحو يستجيب لما يسميه بورديو «تحوّل موقع الحقل»[ Bourdieu, Pierre. The Rules of Art: Genesis and Structure of the Literary Field. Stanford: Stanford University Press, 1996.p97
] ومن ثمّ، فإن «الزجلية» المقترحة هنا تتأسس بوصفها نظرية نقدية تُعيد النظر في أدوات الدرس الأدبي، من خلال مساءلة العلاقة بين النص الشفهي وأشكال المعنى، وموقع العامية الإبداعية، وطبيعة العلاقة بين الأداء والجمهور، وكيفية انتقال الزجل من الشفوي إلى المكتوب.
وبهذا المعنى، يغدو الجدول جزءًا من المعمار النظري للمحور، لأنه لا يقدّم فقط خريطة مفهومية دقيقة، بل يوضح ترابط البنية النقدية التي تجعل من الزجل نصًا قابلاً لأن يُقرأ داخل أفق معرفي جديد، أفق يُشبه ما صنعه الشكلانيون في بداية القرن العشرين حين فصلوا بين النص ومرجعياته، وما قدّمه النقد البنيوي في إعادة الاعتبار لآليات الاشتغال الداخلي للنص. وهكذا تتحوّل دراسة الزجل في هذا البحث من وصفٍ لنصوصٍ شعبية إلى فعل نظري يطمح إلى تأسيس «الزجلية» باعتبارها نظرية نقدية متكاملة، قادرة على إعادة ترتيب علاقة النقد بالشفوية، وإعادة تعريف المكان المعرفي للزجل داخل الثقافة المغربية المعاصرة.
نظرًا لطول هذه الدراسة وعمق المعالجة التي تتطلب تفصيل المحاور والأطر النظرية، فقد تم تقسيمها إلى جزأين متكاملين. كل جزء يحتفظ باستقلاليته التحليلية، مع مراعاة تسلسل الأفكار والمنهجية نفسها بين الجزأين، بما يضمن استمرارية الفهم والتفاعل بين المفاهيم والنظريات المطروحة. هذا التقسيم يأتي أيضًا لأسباب تقنية تتعلق بإمكانات النشر والطباعة، لكنه لا يؤثر على تماسك البناء المعرفي للدراسة أو على ربط بين محاورها المختلفة.
فقد تم تقسيمها إلى جزأين متكاملين. يتناول الجزء الأول المقدمة، ويشمل المحور الأول حول الإبداع وقصيدة الزجل، والمحور الثاني حول الرؤى الزجلية في قصيدة الزجل المغربية المعاصرة، والمحور الثالث حول النقد وإبداع الزجل. أما الجزء الثاني فيخصص لدراسة الزجلية كنظرية نقدية في ضوء ما بعد السيميائيات.
هذا التقسيم يهدف إلى تسهيل القراءة، وضمان وضوح الربط المنهجي بين المحاور، مع الحفاظ على تماسك البناء المعرفي للدراسة، ويأخذ بعين الاعتبار أيضًا عوامل تقنية النشر والطباعة.
الجزء الأول
ابداع الزجل ورؤاه وعلاقته بالنقد في القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة
يشمل هذا الجزء المقدمة، والمحور الأول المتعلق بالإبداع وقصيدة الزجل، والمحور الثاني حول الرؤى الزجلية في قصيدة الزجل المغربية المعاصرة، والمحور الثالث الذي يعالج النقد وإبداع الزجل.
مقدمة
تقدم هذه الدراسة مقاربة جديدة للزجل من خلال مفهوم «الزجلية»، الذي يتجاوز تصنيف النصوص الزجلية كفن شعبي أو شكل شعري تقليدي. فالزجلية ليست مجرد إطار وصفي، بل أداة نقدية منهجية تسمح بفهم الزجل كنص حي، يتفاعل مع السياق الثقافي والاجتماعي ومع المتلقي، ويعيد إنتاج المعنى باستمرار. من خلال هذا المنظور، يتحول الزجل إلى مادة معرفية وجمالية متكاملة، تولد أدواتها النقدية من خصائص النصوص نفسها، بما يتيح قراءة تفاعلية تجمع بين الإبداع الزجلي والتحليل النقدي العميق، مع تجاوز الحدود التقليدية التي طالما حصرته في خانة الأدب الشعبي الشفهي.
في هذا الأفق، لا يتحدد الزجل بكونه جنساً واحداً أو شكلاً ثابتاً، بل بمادته المتعددة من حيث أنواعه، وأجناسه، وأشكاله. فالتنوع داخل الزجل ليس هامشاً أو تفصيلاً، بل هو جوهر يُعطيه القدرة على الانفتاح والتجدد. ومن هنا تتجلى الزجلية باعتبارها رؤية تستثمر غنى هذا الفن، لترتقي به إلى مستوى مفهومي يتجاوز حدود "الأدبية" التي شكلت مركز النقد الغربي الشكلاني. بهذا تصبح الزجلية بمثابة فضاء معرفي وجمالي يُعيد ترتيب العلاقة بين الإبداع والنقد، وبين المحلي والكوني، وبين الشفوي والكتابي.
ومن أهم ما تتيحه الزجلية هو النظر إلى العلاقة بين قصيدة الزجل والنقد في ضوء ما بعد السيميائيات[ محمد ازلماط : القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة بين دينامية التجديد وممارسة النقد في ضوء ما بعد السيميائيات/ دار بصمة للنشر والتوزيع، فاس، الطبعة الأولى،2025،ص188]، التي فتحت أفقاً أوسع، حيث لم تعد العلامة مجرد عنصرا ثابتا داخل النص، بل أصبحت حركة دلالية متجددة تنبع من التفاعل المستمر بين النص ومحيطه. ومن هذا المنطلق، فإن إبداع قصيدة الزجل لا يُنظر إليه باعتباره منجزاً نهائياً، بل بوصفه نقطة انطلاق لحوار دائم مع القراءات النقدية التي تعيد إنتاج النصوص في ضوء أدوات جديدة.
فإن ما بعد السيميائيات تجعل من النقد امتداداً للإبداع، ومن الإبداع أرضية للنقد. فقصيدة الزجل- تبتكر لغة وصوراً وإيقاعات[ محمد ازلماط : القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة بين دينامية التجديد وممارسة النقد في ضوء ما بعد السيميائيات/ دار بصمة للنشر والتوزيع، فاس، الطبعة الأولى،2025،ص58]، بينما يقوم النقد بتوسيع دائرة هذه الابتكارات، واستكشاف تداخل العلامات بين التراث والحداثة وما بعد الحداثة والحداثة الخلاقة التجريدية [ محمد ازلماط : القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة بين دينامية التجديد وممارسة النقد في ضوء ما بعد السيميائيات/ دار بصمة للنشر والتوزيع، فاس، الطبعة الأولى،2025،ص18]؛من خلال إدخالها في شبكة من العلاقات الثقافية والاجتماعية والفكرية. وفي هذا التفاعل المستمر لا يعود الإبداع مجرد لحظة إنتاج، ولا يعود النقد مجرد لحظة تحليل، بل يتحولان معاً إلى سيرورة واحدة تُعيد رسم ملامح النص وتثري حضوره في الذاكرة الجمالية والمعرفية.و ستتناول المداخلة المحاور التالية:
المحور الأول: الابداع وقصيدة الزجل
الإبداع في قصيدة الزجل المغربية يكتسب خصوصية متميزة مقارنة بالأجناس الشعرية الأخرى مثل الشعر الكلاسيكي باللغة الفصحى أو قصيدة التفعيلة الحديثة.أو الشعر الأمازيغي أو الشعر الحساني فالزجل لم يُنشأ مجرد تقليد شعبي للفصحى، بل برز كخطاب ثقافي متعدد الأجناس منها الجنس الشعري يزاوج بين الأصالة والابتكار، وينفتح على التداول اليومي واللغة الدارجة[ الدستور المغربي الصادر في فاتح يوليوز2011 الذي ينص الفصل 5 على على إعادة تأكيد العربية الفصحى لغةً رسمية للدولة مع الالتزام بـ«حمايتها وتطويرها وتوسيع استعمالها». كما تمّ الاعتراف بالأمازيغية لغةً رسمية، بينما لم تُمنح الحسانية صفة اللغة الرسمية، وإن كانت الدولة تلتزم «بصونها» بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية المغربية. كما يُنصّ على حماية «اللهجات والتعبيرات الثقافية الحالية» في المغرب.
وهكذا، يُرسّخ الدستور الجديد الهوية العربية للمغرب، ويمنح الأمازيغية وضعًا رسميًا، ويؤكد ارتباط المغرب بالصحراء عبر الاعتراف بالحسانية، لكنه في المقابل يجعل الدارجة ـ وهي اللغة الأم لغالبية المغاربة ـ في موقع لغوي مهم من الناحية الثقافية فقط، دون أي صفة رسمية.]، ويتنوع إلى أشكال وأنواع، ما منحه قدرة على التعبير عن وجدان الجماعة الشعبية وتطلعاتها.
ويتجلى الإبداع الزجلي في تحويل اللغة الدارجة إلى خطاب شعري ذي حمولة جمالية ورمزية، مع تجاوز قيود الوزن والقافية التقليدية والانخراط في بناء خطاب تواصلي يدمج الفصحى بالدارجة، والذات بالآخر، والنص بالفضاء الاجتماعي. وتكسير حدود المركز واللامركز[ بن دحمان، حنان. « الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي ». Langues, Cultures et Sociétés 9، 2 (ديسمبر 2023): 94–108.رابط موقع النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ]،بالمقابل، ظل الشعر باللغة الفصحى العربية مرتبطًا بالصرامة الشكلية والبعد النخبوي،بينما اختراق الزجل للمتخيل الشعبي واستحضاره لأنماط الحياة اليومية منحه دينامية أقرب إلى المتلقي وأكثر التصاقًا بسياقه.
وإن دخول الدارجة إلى الكتابة يعني تحوّل العلامة من نطاق التداول الشفهي إلى فضاء تمثيلي جديد، ما يغيّر وظائفها الرمزية داخل الثقافة المغربية.
فالدارجة المكتوبة في الزجل هنا لا تنقل معنىً فقط، بل تفاوض موقعها داخل البنية السلطوية للغات[ Elinson, Alexander. “’Darija’ and Changing Writing Practices in Morocco.” International Journal of Middle East Studies 45, no. 4 (November 2013), pp. 715-730 (16 pages)
]:
سلطة الفصحى كحاملة للتراث والقداسة.
سلطة الفرنسية كحاملة للحداثة والمؤسسات.
سلطة الأمازيغية كحاملة للهوية التاريخية.
ظهور الدارجة الكتابية في الزجل تكشف إعادة توزيع للسلطة الرمزية داخل الحقل الثقافي. وتصبح الكتابة بالدارجة استراتيجية لإعادة صياغة العلاقة بين الصوت والكتابة، بين الجسد والنص، وبين الجماعة والمجال العمومي.
كما يتجلى الإبداع في ارتباط النص بالواقع الاجتماعي والثقافي، من خلال تعبيره عن قضايا الفقر، الهجرة، التحولات السياسية، والبحث عن الهوية، وتحويله إلى خطاب نقدي يعكس تحولات المجتمع ويعيد إنتاجها شعريًا، بالتوازي مع التلقي الجماهيري الذي يجعل الإبداع ممارسة مشتركة بين المبدع والجمهور، سواء في الأداء المباشر أو من خلال الوسائط الرقمية، حيث يصبح النص قابلًا لتأويلات متعددة. وتقوم اللغة بدور جوهري، إذ تتحول العامية المغربية من وعاء تعبيري إلى مادة شعرية غنية بالرمزية والدلالة، تجمع بين البساطة الشعبية والعمق التأويلي، مع الحفاظ على الطابع الجماهيري والقدرة على التواصل.
المحور الثاني الرؤى الزجلية في قصيدة الزجل المغربية المعاصرة
الرؤية الزجلية هي منظومة إدراكية وجمالية وثقافية تُمكِّن الشاعر الزجال من بناء عالمه الشعري عبر اللغة الدارجة، من خلال استثمار حساسيات الجماعة الشعبية وتمثلاتها، وإعادة صياغتها في خطاب فني يقوم على المزج بين الشفهي والكتابي، اليومي والمتخيل، الواقعي والرمزي. [ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2023 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ، ص95]. وتُعدّ الرؤية الزجلية بنية ذهنية قبل أن تكون بنية لغوية، لأنها تتأسس على وعي الشاعر بعلاقته بالفضاء الاجتماعي وبالشروط الثقافية التي تحكم إنتاج المعنى، فيعيد من خلالها تشكيل التجربة المشتركة للجماعة في شكل صور وإيقاعات ومواقف وأصوات تتجاوز حدود القول العفوي إلى أفق شعري متخيّل[ Aragón Huerta, Mercedes. 2019. «Tentativas de escritura del árabe marroquí. La poesía del zéjel». AlAndalus Magreb 26: p10
].
في هذا المحور، يلاحظ أن الجهاز المفاهيمي الذي أتعامل معه هو جهاز الرؤى الزجلية. لكونه يساهم في فهم الزجل المغربي المعاصر من منظوره الإدراكي والثقافي والجمالي، بحيث لا يُنظر إليه كنص شعري فحسب، بل كنظام متكامل يشمل البنية الذهنية للشاعر، وعلاقته بالجماعة، والفضاء الثقافي، والإيقاع، واللغة.
ويرتكز هذا الجهاز على أربعة أبعاد رئيسية أو دوائر:
1.الدائرة الطقوسية الجماعية التي تركز على العلاقة بين النص والزمن الجماعي، وعلى استثمار الطقوس الشعبية لإنتاج معنى جماعي.
فهذه الدائرة تفهم الزجل ليس فقط على أنه نص شعري فردي، بل كــ ممارسة طقوسية جماعية؛ بمعنى أن الزجل ينتمي إلى فضاء الجماعة الشعبية، إلى زمن وطبيعة اجتماعية دنيوية — حفلات، مناسبات، تعابير شعبية جماعية. الزجل هنا ليس خطابًا مغلقًا، بل أداء اجتماعي، يقيم علاقة بين القول والأداء، بين الشاعر والجماعة، بين النص والجسد، بين الإيقاع والمشاركة.
فنص–أداء جماعي. الزجل في هذا البعد يتحول من مجرد قصيدة مكتوبة أو شفوية إلى طقس؛ له بعد زمني (الاحتفاء، الزمن الطقوسي)، بعد جماعي (الحضور، المشاركة، الاستجابة)، وبعد تفاعلي (سماع، رد فعل، مشاركة جسدية أو صوتية).
ومن حيث الخصائص، يمكن حصرها في:
استعمال اللغة الدارجة / العامية التي يفهمها الجماعة.
الإيقاع الموسيقي / الشعري أو شبه موسيقي — ما يجعل الأداء قابلًا للاستجابة الجماعية.
الحضور الجماعي في الأداء (مشاركة المتلقي ليست استماعية فقط، بل تفاعلية).
استحضار الرموز، الذكريات، القيم المشتركة: الزجل بوصفه وسيلة لإحياء ذاكرة جماعية.
هوية مشتركة: الزجل كفضاء لإعادة إنتاج الهوية الشعبية، بل استحضار الوعي الجمعي.
أما الاستراتيجيات فتتمثل في:
تحويل النص إلى طقس: من قراءة/كتابة إلى أداء جماعي.
تفعيل الذاكرة الجماعية: استخدام رموز، صور، مواقف مألوفة.
مزج الدارجة + الإيقاع + المشاركة: لخلق علاقة بين الشاعر والجماعة.
إعادة التأصيل الشعبي: الزجل ليس للتمييز الطبقي أو النخبوي، بل للجماعة الشع
2.الدائرة الوجودية الذاتية التي تتعلق بالوعي الذاتي للشاعر وكيفية تأمل تجربته الفردية داخل المجتمع والثقافة.
هذه الدائرة تهتم بـ «الشاعر–كذات»؛ بفهم الزجل كفضاء وجودي، حيث يعكس الشاعر تجربته الفردية، تأمله الذاتي، ووعيه بذاته داخل المجتمع. الزجل عند هذا البُعد ليس تعبيرًا جماعياً فقط، بل مقامًا تأمليًا يسمح للشاعر بمواجهة ذاته، بالصراعات الداخلية، بالاشتباك مع الذاكرة، بالعجز أو الاغتراب، بالهوية الفردية في مواجهة الواقع.
نص ذاتي–تفكّري. الزجل هنا فضاء انكفاء على الذات، مراجعة داخلية، ووعي بعيش الفرد داخل محيطه الثقافي والاجتماعي.
ويمكن تحديد الخصائص في:
استعمال لغة دارجة أو شبه دارجة قريبة من الواقع الحياتي؛ تعكس التجربة اليومية.
توظيف المفارقة، الصمت، التكرار، لغة ذات حمولة وجدانية — تعبير عن صراع داخلي، إحساس باللاجدوى، الحنين، الشوق، الغربة أو الانكسار.
نزوع نحو التجريب: قد يغدو الزجل شكلًا تأمليًا/شعريًا يتجاوز الشكل التقليدي.
تحول القصيدة إلى مساحة للتحدّث عن الذات، عن الزمن، عن الوجود.
أما الاستراتيجيات، فيمكن تحديدها في ما يلي:
الزجل ككتابة الذات: تعبير عن الذات الفردية، تجسيدها، بوحها.
الانفصال الجزئي أو النقد للفضاء العام: استعمال الزجل لطرح تساؤلات وجودية، نقد الواقع، التشكيك في المرجعيات.
المزج بين الشكل الشفوي/ الشعبي وبين الكتابي/ التأملي.
3.الدائرة الكونية التفاعلية التي توسع النص الزجلي ليصبح فضاءً تفاعليًا بين الذات، اللغة، والقارئ، ويجعل العلامة الشعرية جسيمًا طاقيًا حيًا قادرًا على توليد المعنى.
فهذه الدائرة توسّع الزجل إلى ما يتجاوز الذات والجماعة — إلى علاقة بين اللغة، الذات، القارئ، المكان، الزمان، الكون. الزجل هنا يُرى كـ فضاء للتفاعل المعرفي–الجمالي–الكوني: العلامة الشعرية ليست مجرد دال، بل جسيم طاقي حيّ قادر على التفاعل، وعلى إنتاج معنى متعدد الأبعاد — شخصي، اجتماعي، كوني.
وفي نص–شبكة علاقات. الزجل في هذا البُعد ليس نصًا مغلقًا، بل نظاماً تواصليًا–ديناميكيًا يربط عدة مستويات: اللغة، الوعي، الذاكرة، القارئ، الزمان والمكان.
أما الخصائص ، فتتحدد في:
لغة مبتكرة، تأخذ أشكال رمزية/مجازية، تنطلق من الدارجة أو العامية، لكنها تفتح أفقًا تأمليًا وفلسفيًا.
تعدد الأصوات، تعدد الإشارات والمستويات الدلالية.
تفاعل بين النص والمتلقي: القصيدة ليست للقراءة الساكنة فقط، بل تفاعل وجداني/عصبي/إدراكي.
وعي بالبعد الزماني والمكاني: الزجل يرتبط بالمجال، بالزمان، بالذاكرة، بالهوية التاريخية والثقافية — ما يعطيه بعدًا كونيًا.
ويمكن تحديد الاستراتيجيات فيما يلي:
تجريب لغوي وشعري: لغة الدارجة + رموز + صور + تأملات فلسفية.
الانفتاح على المتلقي: ليس فقط شِعريّ وإنما وجودي/معرفي — النص يطلب مشاركة ووعي.
بناء متعددة المستويات: لا تكتفي بالدلالة الظاهرة، بل تشتغل على الدلالة العميقة، العلاقة بين الذات والكون.
اعتبار العلامة الشعرية كـ «كائن حيّ» يشارك في بناء الوعي، وليس كإشارة جامدة.
4.دائرة التأنيث التي أُظهر من خلالها العمق الثقافي والوجداني للزجل النسائي، وكيفية تأثيره على اللغة والفضاء الزجلي.
هذه الدائرة تستثمر البعد الجنسي/الجندري في الزجل؛ أي أن الزجل ليس محصورًا في تجربة ذكرية أو شعبية مطلقة، بل يمتلك بعدًا مؤنثًا — عبر المرأة، عبر تجربة أنثوية، عبر لغة وإحساس خاص بـ «الأنثى» داخل الثقافة الشعبية. الزجل هنا يصبح فضاءً لإظهار الذات الأنثوية، وجودها، إحساسها، تجربتها، بآليات شعرية خاصة.
أما نص/فضاء هوياتي–جندري. الزجل يصبح وسيلة للتعبير عن تجربة نسائية — قد تكون شفوية أو مكتوبة — لها لغتها، رموزها، إيقاعها، حساسيتها الخاصة.
أما الخصائص، فيمكن حصرها في:
لغة قد تميل إلى الحميمية، الرقة، البوح، الشوق، الحنين، العاطفة؛ بعكس الزجل العام الرسمي أو الجماعي.
موضوعات متعلقة بالمرأة: الحب، العشق، الفقد، الهوية، الذاكرة الأنثوية، التجربة العاطفية أو الوجدانية.
ممكن أن يكون الأداء أو الانتشار في فضاءات نسائية، أو أن يكون التلقي خاصًّا أو جماعيًا.
مزج بين التقليدي والشخصي، بين العامّ والخاصّ؛ بين اللغة اليومية والرمزية.
وفيما يتعلق بالاستراتيجيات ، فيمكن تحديدها في الآتي
إعطاء الصوت للمرأة: ليست فقط كمشاركة، بل كصاحبة خطاب، بوعي جندري.
تفكيك الصور التقليدية: الزجل لا يقتصر على المذكر/الجماعة، بل يفتح لأصواتهوية متعددة.
استخدام الزجل كفضاءللبوح والتحرر الرمزي من ضغوط اجتماعية، وتوسيع مفهوم الهوية الشعرية.
تشكل المراجع الداعمة للجهاز المفاهيمي للرؤى الزجلية إطارًا معرفيًا متينًا لفهم الزجل المغربي المعاصر كظاهرة شعورية، اجتماعية وجمالية متعددة الأبعاد. من الناحية النظرية، يوفر Clifford Geertz في كتابه The Interpretation of Cultures (1973, 112) منظورًا لإدراك العلاقة بين النص والجماعة، إذ يُنظر إلى الزجل كنص شعري وفضاء لإعادة إنتاج المعاني المشتركة والطقوس الجماعية، وهو ما يعزز البنية المفاهيمية للدائرة الطقوسية الجماعية. أما Thomas Sebeok في Signs: An Introduction to Semiotics (2001, 28) فيوضح أن العلامة ليست مجرد دال لغوي ثابت، بل حدث إدراكي وذهنّي يتفاعل مع السياق الاجتماعي والثقافي، وهو ما ينسجم مع رؤية الزجل كجهاز معرفي–حسّي يربط بين الصورة والإيقاع واللغة الدارجة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي.
على صعيد الزجل كفضاء وجودي وذاتي، توفر أعمال Maurice Merleau-Ponty في Phenomenology of Perception (1964, 76) رؤية معمقة لكيفية اشتغال التجربة الإدراكية والوعي الجسدي–المعرفي على تشكيل المعنى الشعري، ما يجعل الدائرة الوجودية الذاتية في الزجل إطارًا تحليليًا قادرًا على دراسة علاقة الذات بالفعل الإبداعي والمجتمع، من خلال الصوت والإيقاع واللغة. كما يشير Johnson في The Body in the Mind (2007, 44) إلى أن التجربة اليومية ليست مجرد واقع جاهز، بل مادة معرفية تُعاد صياغتها عبر وعي الشاعر، ما يتيح للباحث استثمار البعد الحسي والمعرفي للزجل في دراسة العلاقة بين النص والواقع الاجتماعي.
فيما يخص الرؤية الكونية التفاعلية، توفر أعمال Victor Turner في The Ritual Process (1969, 45) وRichard Bauman في Verbal Art as Performance (1986, 73) تصورات منهجية حول الشبكات الاجتماعية والطقوس التفاعلية، إذ يُنظر إلى العلامة الشعرية كجسيم طاقي حي قادر على توليد المعنى في فضاء دينامي بين الشاعر، النص، والمتلقي. ويؤكد Pâques في كتابه Le Chant Populaire (1991, 61; 142) على أن الإيقاع الزجلي يتحول من مجرد موسيقى مصاحبة للنص إلى طاقة روحية ومعرفية تربط بين الجسد والروح، وبين الفرد والجماعة، ما يجعل التحليل يركز على بعد الزجل كطقس شعوري يشارك في إنتاج الهوية الجماعية والفردية في آن واحد.
أما دائرة التأنيث، فقد دعمتها الدراسات الحديثة حول الزجل النسائي المغربي، حيث تشير الدراسات حول زجل العروبيات بفاس إلى أن البعد المؤنث يتجاوز مجرد هوية قائلات الزجل ليصبح جوهرًا بنيويًا وثقافيًا وروحيًا يؤثر على اللغة، الإيقاع، والبنية الوجدانية للنص[ (Le360, 2023؛ Revue Marocaine de Littérature, 2022)] ومن خلال هذا البعد، يمكن دراسة كيفية إعادة إنتاج التجربة النسائية داخل الزجل المغربي المعاصر، وتحويل القصيدة إلى فضاء معرفي–جمالي يمتد من الشفهي إلى الكتابي ومن الهامش إلى مركز النقد والاعتراف الأدبي، مؤكدًا أن الزجل النسائي ليس مجرد استثناء بل عامل فعال في تجديد الوعي الشعري والثقافي.
بناءً على هذه المراجع، يكتسب الجهاز المفاهيمي للمحور الثاني ثقلًا تحليليًا، إذ يربط بين النظرية والتطبيق، بين الطقس الجماعي والوعي الذاتي، بين التجربة الحسية والمعرفية، وبين الزجل النسائي والكوني، ما يتيح صياغة فرضيات دقيقة حول وظيفة الزجل المغربي المعاصر في إنتاج المعنى على مستويات متعددة: الجماعية، الذاتية، التفاعلية والجندرية.
ومن منطلقاته ، تتشكل الرؤى الشعرية في القصيدة الزجلية من أربع دوائر وكل دائرة تضم البنية المعرفية التي تحدد الوظيفة. وتتمثل في الدائرة الرؤية الطقوسية الجماعية، الدائرة الوجودية الذاتية والدائرة الرؤية الكونية التفاعلية والدائرة الرؤية التأنيث[ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2023 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ص97]
دائرة الرؤية الطقوسية الجماعية للزجل
تتأسّس دائرة الرؤية الطقوسية الجماعية للزجل على كون هذا الخطاب الزجلي ينتمي بطبيعته إلى مجال تداولي جماعي يرتبط بطقوس الحياة اليومية واحتفالات الجماعة الشعبية، حيث يتحول الفعل الزجلي من مجرد قول ايقاعي إلى ممارسة رمزية تستعيد الطقس الجماعي وتعيد إنتاج قيمه ومعانيه[ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2023 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ص97]
. فإيقاعات الزجل، وصوره، وبنياته التداولية تستمد طاقتها من طقس شفهي جماعي يقوم على المشاركة، ويجعل المتلقي جزءًا من دائرة الأداء. ومن خلال هذا البعد الطقوسي، ينسج الزجل علاقة خاصة بين النص والجماعة، إذ لا يُقرأ بوصفه خطابًا فرديًا مغلقًا، بل باعتباره امتدادًا لاحتفالية شعبية تستدعي الذاكرة، وتعيد بعث الرموز، وتتيح للغة الدارجة أن تعمل كوسيط لإعادة إنتاج الوعي الجمعي[ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2023 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ].
وبذلك تشكل دائرة الرؤية الطقوسية الجماعية بنية دلالية تُظهر كيف يوظّف الزجل الطقس في توليد المعنى، وكيف يحول اللحظة الشعرية إلى فضاء تشاركي يُعاد فيه بناء الهوية الشعبية من خلال الأداء، والإيقاع، والاحتفال، والحضور الجماعي الذي يمنح النص شرعيته وفاعليته، وتتأسس من نمطين اثنين هما:
أولًا: رؤية قصيدة وصف طاقة التجديد
تُجسّد رؤية قصيدة الوصف الطاقي التجددي في الزجل المغربي المعاصر امتدادًا جماليًا ومعرفيًا للأنماط الزجلية والشفهية التقليدية مثل العيطة والسرابة والكناوية والحسانية والشكوري العبري وغيرها؛ لكنها لا تكتفي بإعادة هذا التراث؛ بل تعيد شحنه بطاقة إبداعية جديدة تحوّل الوصف من مجرد تقنية سردية إلى آلية لإعادة توليد الوعي الزجلي[ محمد راشق: أنواع الزجل بالمغرب من الغنائية إلى التفاعلية: دراسة ونصوص. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر.2008 ص15]، فهي روافد تُعبّر عن الشخصية الثقافية المغربية وتُبرز قدراتها الابتكارية داخل فضاء السيادة الوطنية. غير أنّ الزجل المعاصر لا يكتفي باستعادة هذه الأشكال، بل يعيد شحنها بطاقة إبداعية جديدة تُحوّل الوصف من مجرد تقنية سردية إلى آلية لإعادة توليد الوعي الزجلي.
في هذا الأفق، تتحوّل القصيدة الزجلية إلى جهاز معرفي–حسّي يستثمر الصورة والإيقاع واللغة الدارجة لخلق علاقة تفاعلية بين الذات والعالم، بحيث ينتقل الوصف من التكرار إلى التأويل، ومن تسجيل الظاهر إلى اكتشاف طبقات المعنى الكامنة في التفاصيل اليومية. وهكذا يغدو اليومي مجالًا للدهشة ولإنتاج العلامة، لا بوصفه واقعًا جاهزًا، بل مادة حية يُعاد تشكيلها عبر الوعي الجمالي الشعبي.
الرؤية الروحية- الايقاعية
تمثّل الرؤية الروحية–الإيقاعية في الزجل المغربي المعاصر أحد أبرز التحولات التي نقلت الزجل من بنيته الإيقاعية التراثية إلى أفق جمالي–معرفي جديد، حيث لم يعد الإيقاع عنصرًا موسيقيًا مصاحبًا للنص، بل أصبح طاقة روحية ومعرفية تُعيد تشكيل وعي الشاعر والمتلقي بالعالم. ويظهر هذا التحول بوضوح في التجارب التي تستلهم البعد الكناوي[ Viviana Pâques. 1991. La Religion des esclaves: Recherches sur la confrérie Gnawa. Paris: Maisonneuve.
]، إذ يتحول الإيقاع إلى طقس تحويلي يربط بين الجسد والروح، وبين الفرد والجماعة، مستثمرًا الذاكرة الصوفية والإفريقية للفنون الشفوية المغربية[ عصام الامحراك: المرأة من التدنيس إلى التقديس عند ادريس أمغار مسناوي، Revue Langues, cultures et sociétés, volume 7, n° 2,décembre 2021165 ،رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/29556/1533
].
في هذا الأفق، تتحوّل القصيدة الزجلية إلى جهاز معرفي–حسّي يستثمر الصورة والإيقاع واللغة الدارجة لخلق علاقة تفاعلية بين الذات والعالم، بحيث ينتقل الوصف من التكرار إلى التأويل، ومن تسجيل الظاهر إلى اكتشاف طبقات المعنى الكامنة في التفاصيل اليومية[ Aragón Huerta, Mercedes. 2019. «Tentativas de escritura del árabe marroquí. La poesía del zéjel». AlAndalus Magreb 26
]
في هذا السياق، تغدو القصيدة فضاءً للعبور والتجلّي، وتتحول اللغة إلى ذبذبات تُحدث أثرًا إدراكيًا وروحيًا، بينما يصبح الشاعر وسيطًا بين المرئي واللامرئي. ويستبدل النص مركزية اللغة بمركزية الطقس، فتتحول العلامة من رمز لغوي إلى طاقة تفاعلية تتجاوز ثنائية الدال والمدلول، منسجمة مع ربط إنتاج المعنى بالتفاعل بين الصوت والجسد والذاكرة[ حنان بن دحمان: الزجل النسائي المغربي- من الصوت إلى الحرف، RevueLangues, cultures et sociétés, volume 5, n. 2, décembre 2019، رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/18654/10288
،].
دائرة التأنيث في الزجل المغربي: قراءة في زجل العروبيات بفاس وومضة على التبراع الحساني
تُعدّ تجربة زجل «العروبيات»[ Le360. "زجل العروبيات في فاس: دراسة في الزجل النسوي." Le360, 2023.
] إحدى أهم الحلقات الشعرية التي كشفت عن دائرة التأنيث داخل الثقافة الزجلية المغربية. فالتأنيث هنا لا يعني فقط كون القول صادرًا عن نساء، أو متداولاً في فضاءات نسائية، بل يتجلى بوصفه جوهرًا بنيويًا وثقافيًا وروحيًا يؤسس معنى هذا الزجل ويمدّه بعمقه الجمالي[ زهور كرام. 2010. كتابة النساء في المغرب: أسئلة الاختلاف والتعدد. الرباط: منشورات جامعة محمد الخامس.]. وهكذا يصبح زجل «العروبيات» نصًّا مؤنثًا من الداخل، من خلال موضوعاته، لغته، بنيته الوجدانية، وإيقاعه الطقوسي، لا من خلال هوية قائلاته فقط. فالزجل النسائي، كما تشير دراسة حديثة، انتقل من الشفهي إلى الكتابي ومن الهامش إلى مركز النقد والاعتراف الأدبي[ حنان بن دحمان: الزجل النسائي المغربي- من الصوت إلى الحرف، RevueLangues, cultures et sociétés, volume 5, n. 2, décembre 2019، رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/18654/10288
،]..
ومع أنه أقل شهرة مقارنة بأشكال الزجل المغربي الأخرى، فإن خصوصيته تكمن في أنّه أحد أعمق التعبيرات الرومانسية العذرية التي صاغتها المرأة الفاسية داخل فضاء شعري شفهي، يعيد بناء التجربة الداخلية للعاشقات، ويمنحها شرعية جمالية لم تكن ممكنة في مجتمع محافظ. لقد بدا هذا الزجل في ظاهره نوعًا من الغناء النسائي البسيط، لكنه في العمق يمثل سجلًّا وجدانيًا وثقافيًا مؤنثًا ظل حيًّا داخل ذاكرة فاس، وتوارثته نساء البيوت والأحياء والزوايا.
وتتم صياغة هذا القول في مقاطع رباعية قصيرة تشبه الومضات، مشحونة بنبرة أنثوية رقيقة، تحمل جدّة في التعبير عن الشوق، العشق والعذري، وتستلهم حساسية خاصة بالفضاء الفاسي أو الحساني. وهكذا تشتغل هذه الدائرة على: (أ) أداة شعرية بمفردات مجازية وأنثوية، (ب) موضوع شعري يعكس عوالم المرأة الداخلية، من حنين، ألم، رجاء وشوق، (ج) بنية صوتية–إيقاعية خاصة، و(د) رمزية مكثفة تراعي خصوصيات الهوية الحسّانية أو الفاسية. [ عصام الامحراك: المرأة من التدنيس إلى التقديس عند ادريس أمغار مسناوي، Revue Langues, cultures et sociétés, volume 7, n° 2,décembre 2021165 ،رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/29556/1533
]
الدائرة الوجودية الذاتية للزجل
تُعنى الدائرة الوجودية الذاتية للزجل بالفضاء الشعوري والمعرفي الذي يعكس وعي الزجّال بذاته الفردية داخل المجتمع، وكيفية إدراكه لعلاقته بالمجال الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه. في هذا الإطار، يصبح الزجل أكثر من مجرد خطاب شعري أو ترفيه لغوي، إذ يتحوّل إلى تجربة وجودية تعكس التفاعل بين الذات والفعل الإبداعي والمجتمع، بما يتيح إعادة تشكيل الواقع اليومي من خلال الصوت والإيقاع واللغة الدارجة.
ويمكن تصنيف هذه الدائرة الوجودية الذاتية إلى نوعين رئيسيين، من منظوري حسب ما بعد السيميائيات وهما:
1.رؤية اللاجدوى أو الرؤية الوجودية النقدية: تتميز هذه الرؤية بانكسار المركز الإنساني وتفكك المرجعيات الكبرى، حيث يصبح الشعر فضاءً لمواجهة العدم وفائض العالم بلا وعود بالخلاص. في هذا النوع، تتحول القصيدة إلى تجربة وجودية تأملية، تقيم في الفجوة بين القول واللاّقول، بين الحضور والغياب، وتعيد للزجل المغربي بعده الثقافي، معتمدة لغة المفارقة والصمت والتكرار والمقاومة الرمزية للابتذال السيميائي للعصر.
2.رؤية البرزخية: تمثل هذه الرؤية حدًا وجوديًا بين عالمين شعريين؛ الالتزام بالقضايا الاجتماعية والتعددية الداخلية للذات. وهي فضاء دينامي للعبور بين الانتماء للجماعة والانفتاح على الذات المتعددة الأصوات، حيث تتجسد القصيدة كجسر بين الداخل والخارج، بين الحضور والغياب، وبين اللغة والصمت. في هذا النوع، يصبح الزجل وسيلة لاستكشاف الذات الداخلية والتوترات الوجودية، مع الحفاظ على طابعها الجمالي والفلسفي كفضاء للعبور والتجربة الوجودية. فهو يعد فضاء عبور بين الالتزام بالقضايا الاجتماعية والانفتاح على تعددية الذات — حيث يتشكل الزجل كجسر بين الداخل والخارج، بين الذات والجماعة، بين اللغة والصمت، في فضاء يعكس تعقيدات الوجود والانتماء[ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2008 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ].
بهذه الطريقة، تتضح أهمية الدائرة الوجودية الذاتية للزجل في كونها إطارًا تحليليًا يسمح بفهم التحولات المعرفية والوجدانية للزجّال، مع إبراز علاقة الشعر بالوعي الفردي والجماعي، واللغة بالإيقاع، والمجتمع بالذات، مستندةً إلى المنهجية التحليلية لما بعد السيميائيات
دائرة الرؤية الكونية التفاعلية
تمثل دائرة الرؤية الكونية التفاعلية أفقًا معرفيًا وفلسفيًا جديدًا في الشعر الزجلي المغربي المعاصر، حيث تتجاوز القصيدة حدود الوعي الذاتي والانغلاق اللغوي لتصبح فضاءً متفاعلًا بين الذات والكون واللغة. واللغة نفسها، في هذا الإطار، لم تعد العلامة الشعرية مجرد إشارة أو رمز للنقل والتعبير، بل صارت جسيمًا طاقيًا حيًا يتحرك ضمن شبكة علاقات معرفية، عصبية، وجمالية، تتفاعل فيها الذات الشاعرة مع المحيط الزماني والمكاني والقارئ، فتتشكل تجربة إدراكية–وجودية شاملة. تفتح هذه الدائرة أفقًا معرفياً وفلسفياً جديداً في الشعر الزجلي المغربي المعاصر: القصيدة تتجاوز حدود التعبير المحلي لتصبح فضاء تفاعلياً بين الذات، العالم، الزمان والمكان، بل واللغة نفسها. في هذا الأفق، لم تعد العلامة الشعريّة مجرد إشارة أو رمز ثابت، بل صارت جسيمًا طاقياً حيّاً يتحرك ضمن شبكة علاقات معرفية، عصبية وجمالية [ حنان بندحمان الزجل المغربي المعاصر كتابة الذات في صراعها المجالي ،: 2023 RevueLangues, cultures et sociétés, volume 9, n° 2, décembre202394،https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ].
تُظهر هذه الدائرة أن القصيدة لم تعد مسرحًا للتعبير الفردي أو وسيلة للسرد الاجتماعي فحسب، بل حقل إنتاجي كوني، حيث تتداخل مستويات الوعي الذاتي والفكري والعاطفي، وتتشابك معها العمليات الجمالية واللغوية بطريقة ديناميكية. فهي تعمل على تفكيك العلاقة التقليدية بين الدال والمدلول،[ Abdelkébir Khatibi. 1983. La Poésie de la différence. Paris: Denoël.
] وتعيد تعريف العلامة الشعرية ككائن قادر على التفاعل والتوليد المستمر للمعنى، وليس كإشارة ثابتة أو مطابقة مسبقة للواقع.
من منظور موسّع، يمكن القول إن دائرة الرؤية الكونية التفاعلية تنقسم إلى قسمين رئيسيين، يشكل كل منهما جانبًا مكملًا للآخر:
رؤية قصيدة تكتب الشاعر
تُمثل رؤية قصيدة تكتب الشاعر مرحلة متقدمة في التحول الشعري للزجل المغربي، حيث تنتقل القصيدة من فضاء البرزخ بين الالتزام والتعددية إلى حقل داخلي للوعي الذاتي واللغوي. في هذا السياق، لم تعد القصيدة وسيطًا بين الذات والعالم فحسب، بل صارت جهازًا لغويًا–عصبيًا يُعيد تشكيل الذات نفسها من خلال اللغة، بحيث يصبح الشاعر فاعلًا داخل اللغة نفسها لا مجرد متلقٍّ للواقع الخارجي.
في هذه الرؤية، تتحوّل اللغة إلى امتداد للوعي؛ فالحرف لم يعد دالًا فحسب، بل وحدة طاقية تتحرك داخل الذهن، تعيد تركيب الذاكرة والإدراك، وتستحضر التجربة الوجودية للشاعر في لحظة الكتابة. وتتجلى هذه الرؤية في نصوص علي مفتاح، مثل “برهان بلا دليل”، حيث تُرى القصيدة كنظام متفاعل من كلمات وجمل وإيقاعات وفواصل زمنية تشكّل وعاءً للوعي الذاتي للشاعر. فالزجال هنا يكتب القصيدة وهو يكتب ذاته، والكتابة لا تمثل نقلًا للخبرة، بل إنتاجًا للوعي في اللحظة نفسها التي تُكتب فيها القصيدة.
إنّ عبارة “القصيدة تكتب الشاعر” ليست استعارة، بل تحول في بنية الفعل المعرفي ذاته؛ فاللغة لم تعد وسيطًا بين الذات والعالم، بل نظامًا عصبيًا–دلاليًا يُنتج الإدراك ويصوغ الكينونة. فالقصيدة ليست انعكاسًا لذات قائمة، بل مجال تشكّلي يتكوّن فيه الوعي من خلال التفاعل بين العلامة والإحساس والفكر.
في ضوء ما بعد السيميائيات، تمثل هذه الرؤية لحظة انقلاب في مفهوم الإبداع: لم يعد الشاعر مصدر المعنى، بل نتاج لتفاعل داخلي بين اللغة والعصبونات، بين الخيال والذاكرة، وبين العلامة والجسد. تتحرك العلامة هنا ككائن حي، لا تشير فقط، بل تولّد؛ إنها طاقة خالقة تعمل على إعادة تنظيم الوعي عبر فعل الكتابة نفسه[ Evan Thompson. 2010. Mind in Life: Biology, Phenomenology, and the Sciences of Mind. Harvard University Press.
]. من هذا المنظور، يمكن اعتبار هذه الرؤية تأسيسًا لما يمكن تسميته بـ أنطولوجيا القصيدة: قصيدة ككائن يولد الشاعر بدل أن يولده، حقل وجودي مفتوح تُعيد فيه العلامة تعريف الذات والعالم واللغة في آن واحد.
رؤية إيكزو قصيده (الرؤية التفاعلية الكونية)
تمثل قصيدة «إيكزو قصيده» تحولًا جذريًا في التجربة الزجلية المغربية المعاصرة، حيث تتجاوز الوظيفة التقليدية للنص الزجلي كوسيلة للتعبير عن الذات أو سرد خبرة فردية، لتصبح فضاءً إنتاجيًا للوعي الكوني التفاعلي. في هذه التجربة، لا تقتصر العلامة اللغوية على مجرد الإشارة أو الدلالة النصية، بل تتحول إلى جسيمات طاقية أخلاقية تتفاعل مع المتلقي والزمان والمكان، وتشكل شبكة متشابكة من المعاني والإدراكات التي تتجاوز حدود اللغة الزجلية التقليدية. والتركيز على الإيقاع كحدث ادراكي- جسدي لا لغوي فقط.[ Mark Johnson. 2007. The Meaning of the Body: Aesthetics of Human Understanding. Chicago: University of Chicago Press.
]
تعيد قصيدة «إيكزو قصيده» بناء الفضاء الزجلي نفسه، فتصبح اللغة أداة لا لتمثيل العالم فحسب، بل لإنشاء عالم جديد يُستشعر ويُعاش. وتصبح كل وحدة نصية — من كلمة إلى سطر — حاملة لشحنة إبداعية قادرة على تفعيل الوعي والخيال الكوني لدى القارئ. العلامة الزجلية تتحرك هنا كجسيم طاقي خلاق داخل نظام نصي شامل، يعيد تشكيل الواقع عبر التفاعل بين اللغة، الوعي، والكون، بحيث يصبح النص شبكة متكاملة من الطاقة، حيث كل كلمة وحرف كائن حي يتحرك ويؤثر ويتأثر ببيئته النصية.
فرؤية «إيكزو قصيده» تتجاوز الذات اللغوية إلى وعي كوني تفاعلي، فتصبح القصيدة الزجلية ميدانًا لتفاعل الطاقة الإبداعية بين النص والكون والفاعل المتلقي. فالقصيدة هنا ليست مجرد نص، بل نظام حيوي مفتوح يشارك في خلق الوعي، حيث العلامة تتحول إلى جسيم طاقي كوني يتحرك داخل شبكة من التفاعلات بين الوعي واللغة والكون.
تمثل هذه الرؤية نقطة تحول أساسية في الزجل المغربي المعاصر، حيث لم يعد الزجل مجرد كلام شعبي أو فن تعبيري، بل أصبح لغة فلسفية–جمالية تعبّر عن تحولات الوعي الإنساني على أعمق مستوياته. فالقصيدة لم تعد تنغلق على دلالتها، بل انفتحت على كل ما هو معرفي، عصبي، رقمي، وكوني، من خلال تفاعلها الديناميكي مع القارئ والكون في شبكة طاقية متكاملة
أهداف الرؤى الزجلية في قصيدة الزجل المغربية المعاصرة
تهدف الرؤية الزجلية إلى تمكين الشاعر الزجال من بناء عالمه الشعري عبر اللغة الدارجة، مستثمراً حساسيات الجماعة الشعبية وتمثلاتها، بحيث يتحول النص الزجلي إلى فضاء معرفي–ثقافي متكامل يربط بين الفرد والمجتمع، بين اليومي والمتخيل، وبين الواقعي والرمزي (بنيس 2010, 55). ومن خلال هذا الهدف، يصبح الزجل أداة لإعادة إنتاج الوعي الجمعي وإحياء الذاكرة الشعبية، وهو ما تؤكده الدراسات التي ترى في الزجل وسيلة للتعبير عن الهوية الثقافية المغربية عبر الصور والإيقاعات والممارسات الجماعية[ Bauman, Richard. Verbal Art as Performance. Rowley: Newbury House, 1986.p22
].
كما تهدف الرؤية الزجلية إلى توسيع تجربة الشاعر الذاتية، من خلال الدائرة الوجودية الذاتية، بحيث يتمكن الزجال من التأمل في ذاته وعلاقته بالمجتمع وإعادة صياغة التجربة الفردية ضمن السياق الثقافي، وهو ما يسمح له بتحويل القصيدة إلى تجربة وجودية معرفية، تجمع بين الصوت واللغة والإيقاع[ Hammoudi, Abdellah. La Civilisation Marocaine et la Performance Orale. Paris: Karthala, 1997.p88
]. هنا، يتحول الزجل من مجرد خطاب شعري إلى جهاز معرفي–حسّي يتيح للذات التعبير عن تطلعاتها ومشاعرها والتفاعل مع المحيط الاجتماعي.
أما في بعده الكوني التفاعلي، تهدف الرؤية الزجلية إلى تحويل العلامة الشعرية إلى جسيم طاقي حي قادر على التفاعل مع القارئ والزمن والمكان، بحيث يصبح النص فضاءً تفاعلياً معرفياً–جمالياً، يتجاوز حدود اللغة التقليدية، ويتيح للشاعر والمستمع على حد سواء المشاركة في إنتاج المعنى[ Merleau-Ponty, Maurice. Phenomenology of Perception. London: Routledge & Kegan Paul, 1964.p76
] هذا الهدف يؤكد على قدرة الزجل على تحريك الذهن والإحساس والفكر، وتحويل التجربة اليومية إلى إدراك شعري متكامل.
أكما تسعى الرؤية الزجلية إلى إبراز العمق الثقافي والوجداني للزجل النسائي من خلال دائرة التأنيث، حيث تتحول اللغة والموضوعات والبنية الصوتية–الإيقاعية إلى أداة للتعبير عن التجربة الداخلية للمرأة، ما يمنح النص الزجلي النسائي عمقاً جماليًا وروحانيًا داخل الفضاء الشعري المغربي، ويؤكد على قدرة الزجل على إعادة إنتاج الهوية الثقافية والوجدانية من منظور نسائي;[ Khatibi, Abdelkébir. Le Roman Maghrébin Contemporain: Poétique et Linguistique. Paris: Sindbad, 1983.p77
- Le360. “Zajal al-‘Aroubiyyat fi Fas: Dirasa fi al-Zajal al-Nisawi.” Le360, 2023.
]
وتهدف الرؤى الزجلية إلى ربط التجربة الفردية بالوعي الجماعي، واللغة بالإيقاع، والمجتمع بالذات، والهوية الثقافية بالممارسة الإبداعية، ما يجعل الزجل أداة معرفية وجمالية متعددة الأبعاد في الفضاء المغربي المعاصر.
النتائج المتوقعة من الرؤى الزجلية في قصيدة الزجل المغربية المعاصرة
تتجلى النتائج الرئيسية للرؤى الزجلية في قدرتها على إعادة تشكيل التجربة الثقافية والفنية للمجتمع المغربي، حيث يصبح الزجل وسيلة لإحياء الذاكرة الجماعية وإعادة إنتاج القيم والمعاني التراثية في صياغة حديثة تتوافق مع التحولات المعرفية والجمالية المعاصرة[ Bauman, Richard. Verbal Art as Performance. Rowley: Newbury House, 1986.p22
]. فالدائرة الطقوسية الجماعية على سبيل المثال تُظهر كيف يتحول النص إلى فضاء تشاركي يربط بين الأداء الفردي والجماعة، ويعزز الشعور بالهوية المشتركة، مما يمنح الزجل شرعية ثقافية واجتماعية داخل السياق المغربي.
أما الدائرة الوجودية الذاتية، فتبرز نتائجها في تطوير وعي الشاعر بذاته وعلاقته بالمجتمع، إذ يتيح الزجل للذات التعبير عن مشاعرها وأفكارها الداخلية، وتحويل التجربة اليومية إلى إدراك شعري–معرفي[ Turner, Victor. The Ritual Process: Structure and Anti-Structure. Chicago: Aldine, 1969.p45
]هذه العملية تجعل من القصيدة الزجلية جهازًا معرفيًا–حسيًا، يمكن من خلاله للمتلقي والمبدع على حد سواء اكتشاف مستويات متعددة للمعنى، تجمع بين الصوت، الإيقاع، والصورة اللغوية.
في بعده الكوني التفاعلي، تظهر النتائج في تحويل العلامة الشعرية إلى جسيم طاقي حي قادر على التفاعل مع المتلقي والزمن والمكان، ما يجعل النص الزجلي فضاءً ديناميكياً لتوليد المعنى وهذا يعزز إمكانيات الزجل في إنتاج معرفة متعددة الأبعاد، حيث تتفاعل اللغة والوعي والإيقاع والخيال في شبكة معرفية–جمالية متكاملة.
أخيرًا، تؤكد دائرة التأنيث على نتائج مهمة في إبراز العمق الثقافي والوجداني للزجل النسائي، إذ يمكن للقصيدة أن تصبح وسيلة لإعادة إنتاج الهوية الثقافية للمرأة المغربية، وتتيح لها التعبير عن مشاعرها، تجاربها الداخلية، والبعد الجمالي–الإيقاعي الخاص بها.[ Le360. “Zajal al-‘Aroubiyyat fi Fas: Dirasa fi al-Zajal al-Nisawi.” Le360, 2023. Le360 - Le média des actualités du Maroc.
] هذه النتائج تؤكد أن الزجل النسائي ليس مجرد خطاب شعبي، بل جهاز ثقافي–إبداعي قادر على إعادة تشكيل الفضاء الزجلي المغربي.
باختصار، النتائج المتوقعة من الرؤى الزجلية تتمثل في:
1.إعادة إنتاج الهوية الثقافية والجمالية للمجتمع المغربي.
2.توسيع وعي الشاعر الفردي والجماعي.
3.تحويل العلامة الشعرية إلى طاقة تفاعلية تولّد المعنى باستمرار.
4.إبراز التجربة النسائية وإعادة إنتاج الوعي الثقافي والوجداني.
إنّ النتائج المتوقعة من الرؤى الزجلية، بما تحمله من إعادة إنتاج للهوية الثقافية والجمالية للمجتمع المغربي، وتوسيع لوعي الشاعر الفردي والجماعي، وتحويل للعلامة الشعرية إلى طاقة تفاعلية تولّد المعنى باستمرار، وإبراز للتجربة النسائية بما تحمله من عمق وجداني وثقافي، تُفضي جميعها إلى ضرورة انتقال الخطاب من مستوى التحليل الداخلي للرؤيا إلى مستوى التفاعل النقدي مع هذه الدينامية الجديدة. فحين يصبح الزجل مجالًا لإنتاج الهوية وإعادة تشكيل الوعي، تتأكد الحاجة إلى نقد قادر على استيعاب هذه التحولات واستثمارها، نقد يتجاوز حدود القراءة الانطباعية نحو مقاربات متعددة تستوعب الطابع الحيوي للنص الزجلي، باعتباره نصًا يتفاعل مع الأداء والطقس الشعبي، ويتشكل ضمن سياقات اجتماعية وثقافية متغيرة.
ومن هنا تتأسس أهمية المحور الثالث: قصيدة الزجل والنقد، إذ يصبح النقد آليةً لمواكبة هذه الحيوية النصية، ووسيلة لفهم كيفية تشكّل الرؤية داخل النص، وتجلّيها في الأداء، وتمثّلاتها لدى الجمهور. ففي هذا السياق، لا يعود النقد مجرد تحليل لغوي، بل ممارسة معرفية تستخدم مقاربات تداولية، وسيميائية، وسوسيولوجية للكشف عن البنى العميقة التي تنتج المعنى، وتوضح كيف تتقاطع التجربة الفردية للشاعر مع الوعي الجماعي للمجتمع، وكيف ينفتح النص الزجلي على أسئلة الهوية، والذاكرة، والتحولات الاجتماعية والسياسية.
المحور الثالث قصيدة الزجل والنقد
عرفت دراسة الزجل المغربي خلال العقود الأخيرة تحوّلاً نقديًا عميقًا انتقل بها من خانة الأدب الشفوي الشعبي إلى أفق بحثي قائم الذات داخل العلوم الإنسانية، نتيجة تراكم الدراسات الأكاديمية، وتطور المناهج، وظهور الحاجة إلى قراءة جديدة تراعي تعدد مستويات الخطاب الزجلي وارتباطه بالسياق الاجتماعي والثقافي.
هذا التحوّل لم يكن مجرد تطور في الأدوات التقنية، بل مثّل إعادة تموقع معرفي، وفق ما يسميه Pierre Bourdieu “تحوّلاً في موقع الحقل”[ Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. Cambridge: Polity Press, 1991.p34
]، حيث انتقل الزجل من موقع التابع للهامش الشعبي إلى موقع الفاعل داخل الثقافة المغربية.
ويمكن للنقد أن يواكب دينامية الإبداع الزجلي المتمثلة في رؤاه المضمرة في أنساق النصوص عبر اعتماد مقاربات متعددة ومرنة، تفهم النصوص الزجلية كنصوص حيّة ديناميكية، تتجاوز البنية الداخلية إلى الأداء، والتلقي الجماهيري، والوظائف الاجتماعية والثقافية. ومن هذا المنطلق، يستخدم النقد أدوات مثل المنهج التداولي لفهم العلاقة بين الزجال والجمهور، والمنهج السيميائي لتحليل الموروث الشعبي، كما عند عبد الكبير الخطيبي ورولان بارت[ Barthes, Roland. Éléments de Sémiologie. Paris: Seuil, 1964.p89] ،.والمنهج السوسيولوجي لتوضيح انعكاس التحولات الاجتماعية والسياسية على النص[ Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. Cambridge: Polity Press, 1991.p22
]
مع التحولات الرقمية، أصبح النقد الرقمي وسيلة لدراسة الزجل عبر الفيديو ومنصات التواصل، بما يعكس تفاعلية النص واستراتيجيات التجديد لدى الزجال.[ Aouragh, Miriyam. Digital Political Ethnography in Morocco. Oxford: OII Press, 2019.p73
] كما يسمح النقد المقارن بدراسة الزجل المغربي مقابل أشكال شعرية شعبية أخرى لفهم خصوصياته الإبداعية وكيفية تفاعل التراث مع الحداثة.
تاريخيًا، ارتبط موقف النقد من الزجل بالتمييز بين الفصحى والعامية، مما حد من الاعتراف الأكاديمي به. إلا أن الدراسات الحديثة، خاصة بعد صعود الدراسات الثقافية والنقد الحداثي وما بعد الحداثي، أعادت الاعتبار للزجل باعتباره نصًا شعريًا ذا بعد إبداعي متكامل، قادر على التفاعل مع الحداثة دون فقدان جذوره الشعبية، كما برز عند رواد مثل عبد الله كنون ومحمد الفاسي، ولاحقًا محمد راشق.
النقد الحديث للزجل، و يشمل الأبعاد الجمالية، الثقافية والاجتماعية:
جماليًا: تحليل الإيقاع، الصور الشعرية، البنية الصوتية والتكرار الموسيقي، لإظهار قدرة الزجال على توليد نص متوازن بين البساطة والعمق الفني.فالجمال لا يختزل في زخرفة لغوية أو في متعة حسية عابرة بل يقدم باعتباره فعلا نقديا وحوديا لأن الحس الجمالي يتضمن نواة المقاومة وممارسة من أجل البقاء الروحي والارتقاء الذوقي لا تسلية أدبية.[ محمد ازلماط: انبثاق النقد الذزقي- الثقافي من الدارجة في خطاب ادريس مسناوي، داربصمة، فاس، 2025،ص90-91]
ثقافيًا: إبراز قدرة النص على تسجيل القيم الاجتماعية والرموز الثقافية والموروث الشعبي، بما يجعل الزجل وعاءً ثقافيًا متحركًا[ Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books, 1973.
].حيث إن لغنه المتمثلة في الدارجة تعد أداة تأويل ثقافي ومعرفي، لاعتبارها وسيلة فعالة في تشكيل سرديات الانتماء والهوية.[ محمد ازلماط: انبثاق النقد الذزقي- الثقافي من الدارجة في خطاب ادريس مسناوي، داربصمة، فاس، 2025،ص90 وما بعدها]
اجتماعيًا: دراسة العلاقة بين النص والجمهور، سواء في الأداء المباشر أو عبر الوسائط الرقمية، وفهم النص كخطاب شعبي تفاعلي يساهم في توثيق وقضايا المجتمع المعاصر[ Aouragh, Miriyam. Digital Political Ethnography in Morocco. Oxford: OII Press, 2019.p81].
من هنا، تطورت المناهج النقدية للزجل في المغرب،ونذكرمنها بايجاز مقتضب
1.المنهج الإبستمولوجي-التاريخي التأسيسي (عباس الجراري): جمع النصوص، التوثيق التاريخي، التحليل الأولي، وتوضيح دور الزجل في ترسيخ الهوية الوطنية، مع التركيز على السياق الاجتماعي والتاريخي[ عباس الجراري الزجل في المغرب: القصيدة، مطبعة الأمنية الرباط، سنة 1970].
2.المنهج البنيوي النسقي (مراد القادري): دراسة النص من الداخل (بنية، إيقاع، صور)، مع دمج المنهج الجمالي، السيميائي، والثقافي لفهم الشعرية الزجلية الحديثة.[ مراد القادري: جمالية الكتابة في القصيدة الزجلية المغربية الحديثة، مؤسسة نادي الكتاب بالمغرب، فاس،2013]
3.المنهج الأركيولوجي–الأسلوبي (محمد بوستة): الحفر في الجذور التاريخية للزجل، التحليل الأسلوبي والسيميائي والفلسفي، لتقديم رؤية متكاملة تجمع بين التراث والإبداع المعاصر.
4.المنهج المركب السيميائي-السوسيولساني-الأسلوبي (علي مفتاح): دراسة اللغة، الهوية، البنية النصية، والتفاعل الاجتماعي والثقافي، مع التركيز على تحويل اللغة العامية المنطوقة إلى كتابة زجلية متقعدة.
5.المنهج الجيو-ثقافي/الجيو-سياسي (حنان بندحمان): قراءة النصوص كفضاءات حية، دراسة العلاقة بين اللغة والمكان، تحليل التمثلات السياسية والاجتماعية، ودمج الأبعاد البيئية والثقافية والجيوسياسية.
6.منهج الذوق الثقافي (إدريس المسناوي): الزجل كأداة للتنوير الفكري والثورة الجمالية، مع التركيز على اللغة كلغة إبداعية حية، وإظهار النص ككيان يفتح آفاقًا للتفكير والابتكار الفني[ ادريس مسناوي: كناش 8، دار بصمة للنشر والتوزيع فاس، الطبعة الأولى2021-2023].
7.منهج ما بعد السيميائيات ( محمد ازلماط) النص الزجلي ككيان ديناميكي متحوّل، حيث تكون العلاقة بين النقد والإبداع تفاعلية ومتداخلة. فالعلامة الزجل ليست ثابتة، بل تتحرك باستمرار، ويصبح النقد جزءًا من عملية إنتاج المعنى عبر القراءة والتأويل. يركز المنهج على تفكيك العلامة وإعادة بنائها، ويفتح النص على تأويلات متعددة، مع إبراز التوتر بين البعد الشعبي التراثي والبعد الحداثي وما بعده
لقد استوعبت المناهج الحديثة للنقد الأدبي معظم خصوصيات الزجل، في البعد الجمالي والفني، أبرزت هذه المناهج عناصر الإبداع الداخلي للزجل، مثل الإيقاع الداخلي والخارجي، والتنغيم الصوتي، واللازمات المتكررة، والمجازات اليومية، والمرونة في التلاعب بالعامية، ما يوضح قدرة الزجل على المزج بين الإيقاع الشعبي والابتكار الفني، وهو ما غاب عن الدراسات التقليدية التي ركزت على الفصحى والبلاغة الكلاسيكية.
الجهاز المفاهيمي في هذا المحور يمثل الإطار المعرفي والمنهجي الذي اعتمدته لدراسة الزجل المغربي ونقده. وهو مجموعة من المفاهيم، العمليات التحليلية، والاستراتيجيات الفكرية التي تتيح فهم الزجل ليس كنص شعبي فقط، بل كنص ديناميكي متعدد الأبعاد قادر على التفاعل مع المتلقي والسياق الاجتماعي والثقافي، ومواكبة التحولات النقدية الحديثة. يقوم هذا الجهاز على الربط بين ثلاثة مستويات: التحول النقدي للزجل، أبعاد النقد (الجمالي، الثقافي، والاجتماعي)، واستنباط المناهج النقدية الملائمة لفهم النص الزجلي.
في التعامل مع المحور الثالث حول «قصيدة الزجل والنقد»، ارتكزتُ على مجموعة من المفاهيم الإجرائية التي شكلت الجهاز التحليلي لهذا البحث. أولًا، تحديد التحوّل النقدي للزجل المغربي، من خلال تتبع كيف انتقل الزجل من خانة الأدب الشعبي الشفوي إلى أفق أكاديمي، مع إبراز إعادة تموقعه داخل الثقافة المغربية وارتباطه بالسياق الاجتماعي والثقافي، بما يوضح عملية «تحوّل موقع الحقل» [ Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. Cambridge: Polity Press, 1991.p34
]كما أسماه Pierre Bourdieu. ثانيًا، مواكبة دينامية الإبداع الزجلي، عبر تحليل النصوص كنصوص حيّة ديناميكية، تفهم ليس فقط من خلال البنية الداخلية، بل أيضًا من خلال الأداء، والتلقي الجماهيري، والتفاعلات الرقمية، بما يعكس استمرارية إنتاج المعنى.
ثالثًا، اعتماد أبعاد النقد الزجلي: الجمالي، الثقافي، والاجتماعي، حيث درست البعد الجمالي عبر تحليل الإيقاع، الصور الشعرية، البنية الصوتية، واللازمات المتكررة، لإظهار قدرة النص على المزج بين البساطة والعمق الفني. أما البعد الثقافي، فركز على دور النص في تسجيل القيم والموروث الشعبي والرموز الاجتماعية، مع اعتبار اللغة العامية أداة تأويلية لتمثيل الهوية والانتماء. وأخيرًا، البعد الاجتماعي، الذي يتناول العلاقة بين النص والجمهور في الأداء المباشر وعبر الوسائط الرقمية، لبيان كيف يتحول النص إلى خطاب شعبي تفاعلي.
رابعًا، إجراء استنباط المناهج النقدية من خريطة النقد، حيث قمت بتحديد الاتجاهات النقدية التي تعاملت مع الزجل المغربي، مثل المنهج الإبستمولوجي-التاريخي، البنيوي-النسقي، الأركيولوجي-الأسلوبي، المنهج المركب السيميائي-السوسيولساني-الأسلوبي، والمنهج الجيو-ثقافي/الجيو-سياسي، والمنهج الذوقي الثقافي بالإضافة إلى منهج ما بعد السيميائيات، وبيان كيفية مساهمة كل منها في فهم الأبعاد الجمالية والثقافية والاجتماعية للزجل.
إنّ الإطار المفاهيمي الذي اعتمدته لدراسة الزجل المغربي في هذا المحور ينطلق من فرضية أساسية: أن الزجل ليس مجرد “تراث شفوي شعبي” أو جنس ثانوي، بل خطاب شعري–ثقافي–اجتماعي مؤهل لأن يكون موضوع نقد معمّق. من هذا المنطلق، يُنظر إلى الزجل على أنه ظاهرة ديناميكية متعددة الأبعاد — له بعد جمالي، ثقافي، اجتماعي، وتأويلي — تحتاج إلى جهاز نقدي خاص، لا إلى معايير النقد الكلاسيكي المعتاد على الفصحى فقط. بهذا الإطار، يصبح الزجل كيانًا حيًّا يتفاعل مع الجمهور، مع السياق المجتمعي، ومع التحولات الزمانية والمكانية، وهو ما يقتضي نقدًا حيًا ومتجددًا.
طبيعة هذا الجهاز نقدية–تأويلية، تعتمد على قراءة الزجل ضمن شبكة علاقات لا تنحصر في النص فقط، بل تمتدّ إلى أداء الزجّال، إلى تفاعل الجمهور، إلى البعد التاريخي–الثقافي، وإلى وضعه ضمن تداخل التراث والحداثة. بهذا، يصبح النقد ليس وصفًا جامدًا، بل ممارسة تشريحية وتحليلية تفضح الطبقات المتعددة التي يحملها الزجل: من الإيقاع والصوت إلى الدلالات الثقافية، ومن العلاقة الفردية–الجماعية إلى الهوية الجماعية والمجال.
كنه هذا الجهاز — بمعنى جوهره الداخلي — هو إعادة تأطير الزجل كمجال نقدي معرفي، أي تحريره من خانة “التراث الشعبي” نحو خانة “الإبداع الشعري–الفكري” القادر على التفاعل مع قضايا العصر. الجهاز لا يكتفي بجمالية الزجل بل يوصله بالسياق والوظيفة: كيف تمثل اللغة العامية تجربة اجتماعية، كيف تشكل الهوية الجماعية، كيف يُسجّل التوتر بين المحلي والعالمي، بين القديم والجديد.
عندما وضعت هذا الإطار موضع التنفيذ، استخدمت مجموعة من آليات نقدية: تحليل النص من حيث البنية الجمالية (إيقاع، موسيقى، صور شعرية)، مع دراسة السياق الاجتماعي — أي كيف يرتبط الزجل بالبيئة، بالمكان، بالفئات الاجتماعية. كما أوليت اهتمامًا للأداء والتلقي: الزجل ليس نصًا يُقرأ فقط، بل يُستمَع إليه، يُؤدَّى أمام جمهور، ويمكن أن يعاد تفسيره في ضوء تغيرات الواقع، وهو ما يظهر بوضوح في تجارب الزجل المغربي المعاصر كما درست في بحث عن «الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي[ بن دحمان حنان: “الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي.” Langues, Cultures et Sociétés 9, no. 2 (2023): 94–108،رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939 ] تتم هذه القراءة في ضوء مناهج نقدية مستعارة ومكيفة: سيميائية، جيوثقافية، تراكمية تاريخياً، تأويلية — لتبيان كيف ينتقل الزجل من الهامش إلى المركز كخطاب معاصر.
بشكل عام، هذا الجهاز المفاهيمي يجعل من الزجل أكثر من نص: يجعله ظاهرة ثقافية–اجتماعية–جمالية قابلة للتحول، قابلة للتجديد، وقابلة لأن تكون موضوع نقد جاد ومنهجي. بواسطته، يمكن الكشف عن الخصوصية المغربية في التعبير الشفهي والكتابي، عن الشعور الجماعي، عن الهوية المختلطة — وعن قدرة الزجل على أن يكون جسرًا بين الماضي والحاضر، بين الشفوية والكتابة، بين الجماعة والفرد.
من الأهداف الأساسية لمحور «قصيدة الزجل والنقد» هو إعادة الاعتبار لهذا الفن الشعبي باعتباره مجالًا معرفيًّا مستحقًّا للدراسة الأكاديمية. في هذا الإطار، تسعى الدراسة إلى تحليل كيفية انتقال الزجل من خانة الشفوية الشعبية الهامشية إلى مرتبة الأدب المكتوب، عبر توثيق أعمال قديمة وحديثة للزجل، والرجوع إلى دراسات رائدة، مثل أطروحة عباس الجراري «القصيدة: الزجل في المغرب» التي أولت للزجل مكانة نظرية وأكاديمية.[ مجمزعة من المؤلفين : أرشيف منتدى الفصيحرابط النشر: - أرشيف منتدى الفصيح - دراسة حول الزجل و قصائد الشعر العامي بالمغرب - المكتبة الشاملة الحديثة] بهذه الخطوة، يصبح الزجل موضوعًا جدّيًا للنقد والتحليل، وليس مجرد إبداع شفوي مؤقت، كما كان ينظر إليه في السابق.
كما هدفت الدراسة إلى كشف ديناميكية الإبداع الزجلي عبر الأجيال، بحيث لا يُنظر إلى الزجل كتراث جامد، بل كخطاب حيّ يتجدّد بتغير الزمان والمجتمع. فبحث مثل الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي لـ حنان بندحمان يبيّن كيف أن الجيل الجديد من الزجالين يسهم في “مراكمة الكتابة الزجلية” بعد مرحلة الشفوية، منفتحين على موضوعات معاصرة وتمثّلات ذاتية وجماعية[ بن دحمان حنان: “الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي.” Langues, Cultures et Sociétés 9, no. 2 (2023): 94–108،رابط النشر: https://revues.imist.ma/index.php/LCS/article/view/45257/22939]. ومن ثم يصبح هدف المحور أيضًا رصد هذه التحولات — من الشفوية إلى الكتابة، من التقليد إلى التجديد — وفهم كيف تتشكل هوية زجلية معاصرة في ضوء الواقع المجتمعي.
إضافة إلى ذلك، تسعى الدراسة إلى إبراز الزجل كخطاب متعدد الأبعاد: جمالي، ثقافي، اجتماعي. الهدف هنا ليس تحليل القصيدة كتقافة صوتية فحسب، بل النظر إلى الزجل كـوعاء للقيم والذاكرة الشعبية، كوسيلة تعبير عن الانتماء، الهوية، والتحول المجتمعي. فمن خلال نقد الزجل لا تُستجلب الصور الصوتية والإيقاعات فقط، بل تُفهم دلالات العامية، الرموز الثقافية، البنية المجتمعية التي أنتجته، ولغة الجماعة التي حملته — وهكذا يُنظر إلى الزجل كجسر بين الفرد والجماعة، بين القديم والحديث، بين المحلي والعالمي.
كما من أهداف هذا المحور أن يُوفّر إطارًا نقديًا منهجيًّا — أي مجموعة من أدوات التحليل والمناهج التي تناسب طبيعة الزجل — تشمل مناهج تاريخية، سيميائية، جيوثقافية، تحليل الأداء والتلقي. بفضل هذا الإطار النقدي، يمكن قراءة الزجل بعمق، ليس فقط كبقية أجناس الشعر، بل كنمط شعري–ثقافي–اجتماعي خاص. دراسة مثل أطروحة مراد القادري «جمالية الكتابة في القصيدة الزجلية المغربية الحديثة» تؤكد هذا التوجه النقدي المنهجي، حيث تعالج الكتابة الزجلية من زاوية جمالية ونقدية معاصرة [ ديوان العرب - منبر حر للثقافة والفكر والأدب
]
ويسعى أيضا إلى المساهمة في بناء وعي نقدي وثقافي لدى القارئ والباحث بالمغرب — وذاك بأن يُنعت الزجل ليس مجرد منشور شعبي أو أداء مألوف، بل نص يُقرأ، يُحلّل، يُنتقد، ويُفهم في بعده الفني، التاريخي، الاجتماعي والسياسي. بهذا يصبح الزجل ليس إرثًا فقط، بل مشروعًا إبداعيًا متجددًا، قادرًا على مسايرة التحولات، والتعبير عن الهوية الجديدة، والاشتغال كمنبر للنقد والتفكير في قضايا المجتمع والحداثة.
وفي هذا الاطار يمكن رصد جدول يربط بين المراجع الأساسية المتعلقة بالمحور الثالث: قصيدة الزجل والنقد، مع إبراز الجهاز المفاهيمي، الأهداف، والنتائج المتوخاة.
المرجع الجهاز المفاهيمي الأهداف النتائج المتوخاة
بندحمان، حنان. الزجل المغربي المعاصر: كتابة الذات في صراعها المجالي. 2023. الزجل كنص شعري حي ديناميكي، مرتبط بالسياق الاجتماعي والثقافي، ويظهر التحول النقدي من الهامش إلى الفاعلية الثقافية. دراسة التحولات النقدية للزجل المغربي، فهم العلاقة بين الزجال والجمهور، توسيع الأفق الثقافي للزجل المغربي. إبراز دور الزجل في إنتاج الهوية الثقافية، تحليل الأداء الجماهيري، وتمكين النص من التفاعل مع الحداثة دون فقدان جذوره الشعبية.
الراشق، محمد. أنواع الزجل بالمغرب: من الغنائية إلى التفاعلية. (سنة النشر) الزجل من حيث الأداء والتلقي، إبراز أبعاد الغنائية والتفاعلية، مع فهم البنية الداخلية للنصوص الزجلية. التعرف على مختلف أنواع الزجل المغربي، استنباط المعايير الجمالية والاجتماعية للنصوص. رصد قدرة الزجل على المزج بين الإيقاع الشعبي والابتكار الفني، وفهم ديناميكيات التلقي الجماهيري.
الخطيبي، عبد الكبير. البعد السيميائي في الأدب الشعبي. (سنة النشر) النص الزجلي كنظام دلالي معقد، يُفهم عبر المنهج السيميائي، الربط بين العلامة والموروث الشعبي. تطبيق المنهج السيميائي على الزجل المغربي، تحليل العلامات الثقافية والاجتماعية في النصوص. تحويل العلامة الزجلية إلى حدث تفاعلي يولد معنى مستمر، فهم التوتر بين التراث والحداثة.
بوفلاقة، محمد سيف الإسلام. التميز في النص الشعري الأندلسي – الزجل أنموذجا. 2020 الزجل ضمن التراث الأندلسي، دراسة جذور الزجل، البنية الصوتية والإيقاعية، التلاعب بالصور الشعرية. فهم الجذور التاريخية للزجل المغربي، إبراز أبعاد الأداء واللغة في النصوص القديمة والمعاصرة. تعزيز فهم العلاقة بين التراث والحداثة في الزجل المغربي، إبراز قدرة النص على التجدد والإبداع المستمر.
Bourdieu, Pierre. La Distinction: Critique sociale du jugement. 1979 مفهوم "تحول الموقع الحقل الثقافي" لتفسير صعود الزجل من الهامش الشعبي إلى موقع ثقافي فاعل. إدراك دور الموقع الاجتماعي والثقافي للزجل في إعادة ترتيب قيمته داخل الحقل الثقافي المغربي. تمكين الزجل من الاعتراف الأكاديمي وتحويله إلى نص شعري موضوعي للدراسة النقدية والتح
يُظهر الجدول المتعلق بالمحور الثالث «قصيدة الزجل والنقد» أن هذا المحور مبني على جهاز مفاهيمي واضح ومتماسك، ينتمي إلى ما بعد النقد (Post-criticism) وليس إلى نقد النقد الذي ينشغل ببنية النص الداخلية فقط. من خلال هذا التنظيم المفاهيمي، يصبح المحور مُرتكزًا على ثلاث دوائر مفاهيمية رئيسية تتمثل في تحديد التحول النقدي، ومواكبة دينامية الإبداع الزجلي، واستنباط المناهج النقدية من خريطة النقد المغربي. وهذه العناصر الثلاثة تعكس انتقالًا منهجيًا من مجرد وصف النص إلى فهم وضعه داخل الحقل الثقافي، وهو انتقال تنبّه إليه Bourdieu في تحليله لمواقع الحقول الثقافية.
يتضح من الجدول أنّ الجهاز المفاهيمي المعتمد لا يُعرّف الزجل على أنه مادة خام للتحليل، بل بوصفه بنية معرفية تُنتج معنى اجتماعيًا وثقافيًا. وهذا واضح في إدخال مفاهيم مثل:
التحوّل النقدي، الحقل الثقافي، التداولية، السيميائيات، السوسيولوجيا الأدبية، العلامة الشعرية، الأداء، التلقي، الدينامية، الزجلية (بوصفها منهجًا مقترحًا).
إن وجود هذه المفاهيم يعكس وعيًا بأن دراسة الزجل اليوم تتجاوز إعادة تأريخه أو وصف لغته، لتصبح قراءة في منطق إنتاج المعنى عند الجماعة المغربية. وتوضح أيضا أنّ الحقل الزجلي لم يعد يُقرأ باعتباره ممارسة شعرية شفهية أو تعبيرًا وجدانيا فحسب، بل أصبح مجالًا يُعاد تشكيله داخل فضاء نقدي جديد يستند إلى أدوات تحليل ما بعد النقد. فالمرجعيات التي يستند إليها المحور تكشف عن انتقال نوعي في التفكير النقدي من الانشغال بوصف الظاهرة الزجلية إلى تفكيك بنياتها الدلالية والجمالية والسوسيو–ثقافية، مما جعل النقد يتجاوز دور التتبع والتأريخ نحو مساءلة آليات إنتاج المعنى داخل النص الزجلي ذاته. كما يبرز الجدول أن الجهاز المفاهيمي المُعتمد يتأسس على مفاهيم مركزية مثل التحول النقدي، ودينامية الإبداع، والبنية الثقافية، والقراءة التداولية للنص، وهي مفاهيم تنتمي في جوهرها إلى الحقول البنيوية والسيميائية وما بعد السيميائية، وهو ما يمنح المحور قدرة على إعادة تنظيم العلاقة بين النص الزجلي وفضاء تلقيه
وتكشف مراجعة هذا الجهاز أن المفاهيم الموظفة—مثل «التحول النقدي»، و«دينامية الإبداع»، و«البنية الثقافية»، و«التمثيل الاجتماعي»، و«القراءة التداولية» —تنتمي إلى ما يسميه عبد الفتاح كيليطو «تعدد أنماط القراءة»[ عبد الفتاح كيليطو.الأدب والغرابة. الدار البيضاء: دار توبقال، 1982.ص11-14] ، أي ذلك الانفتاح على مقاربة النص نهائيًا بوصفه شبكة من العلاقات، لا بوصفه كيانًا مكتملًا. ويأتي هذا التنظير منسجمًا مع التوجهات الحديثة التي ترى أن الشعر الشعبي لا يُفهم إلا داخل سياقه الثقافي ووظيفته التعبيرية،.
أما على مستوى الأهداف، فيُبرز الجدول أن المحور لا يرمي إلى تقييم جودة النصوص الزجلية، بل إلى تفكيك علاقاتها بالسياقات الاجتماعية والثقافية والتاريخية. ومن ثمّ، فإن الأهداف تنتمي إلى السيميائيات الثقافية والسيميائيات المعرفية والعصبية بالأساس، لا إلى التحليل البلاغي أو الجمالي وحده. وأبرز هذه الأهداف:
1.فهم التحوّل الذي عرفه موقع الزجل داخل الحقل الثقافي المغربي.
2.تحليل كيفية تفاعل الإبداع الزجلي مع الجمهور ومع المجال الرقمي.
3.إعادة بناء المعنى الجمالي والاجتماعي للزجل عبر مقاربات متعددة (تداولية، سيميائية، سوسيولوجية).
4.تثبيت الزجل كخطاب ثقافي يُسهم في صناعة الوعي الجماعي.
وهذه الأهداف تؤكد أن المحور يشتغل بمنطق نقدي يتجاوز النظرة الأدبية المحضة، ويتجه نحو تفكير معرفي في وظيفة الزجل داخل المجتمع.
أما النتائج التي يستخرجها الجدول فهي منسجمة بدورها مع الجهاز المفاهيمي والأهداف، وتكشف أن الاشتغال بالنقد المعاصر للزجل يقوم على:
إعادة إنتاج الهوية الثقافية والجمالية للمجتمع المغربي عبر النصوص الزجلية.
بناء وعي فردي وجماعي جديد لدى الزجال ولدى الجمهور.
تفعيل العلامة الشعرية بوصفها كيانًا دلاليًا متحركًا (وليس بنية ثابتة).
إبراز التجربة النسائية في الزجل وإعادة ترتيب موقعها داخل الحقل الثقافي.
هذه النتائج تؤكد أن الزجل لم يعد –في التصور النقدي الجديد– مجرد فن شفوي، بل أصبح وعاءً للمعنى الثقافي والاجتماعي، وتعبيرًا عن حساسية جمالية جديدة تفرض مراجعة الحدود التقليدية بين الأدب الشعبي والأدب المكتوب.
أمّا المراجع التي تظهر في الجدول فهي تُثبّت الطابع العلمي للمحور، لأنها:
تربط التحليل النظري بمصادر تاريخية (محمد الفاسي،عباس الجراري، محمد راشق)،
وتستند إلى مراجع حداثية وما بعدها وسيميائية
وتستفيد من مساهمات نقدية جديدة في الزجل المغربي (القادري، بوستة، الراشق، بندحمان).
وهذا التنوع المرجعي يعكس غنى المجال البحثي الذي يشتغل عليه المحور، كما يؤكد أنّ دراسة الزجل اليوم تتطلب تقاطعًا منهجيًا لا يكتفي بمقاربة واحدة.
وإنّ تحليل المعطيات التي يكشف عنها الجدول السابق لا يقف عند حدود الوظيفة التنظيمية، بل يفصح عن أفقٍ إبستمولوجي جديد يمكن وصفه بـ«الزجلية» باعتبارها مفهومًا موازياً لمفاهيم تأسيسية في تاريخ النظرية الأدبية؛ إذ يشبه هذا المسعى ما قام به الشكلانيون الروس حين سعوا إلى تحديد «خاصّيّة الأدبية» أو ما يجعل النص أدبًا وفق تصور شلوفسكي[ Shklovsky, Viktor. “Art as Technique.” In Russian Formalist Criticism: Four Essays, translated by Lee T. Lemon and Marion J. Reis, 3–24. Lincoln: University of Nebraska Press, 1965., والمقال الأصلي تم نشره بلغته الأصلية1917 وفي ذات السياق تمت ترجمة نصوص الشكلانيين الروس إلى العربية من قبل إبراهيم الخطيب بعنوان نظرية المنهج الشكلي، الطبعة الأولى سنة 1982 مؤسسة الأبحاث العربية بيروت لبنان ص 122 وما بعدها مقال لتسوفلسكي
] وياكوبسن[ Jakobson, Roman. “Closing Statement: Linguistics and Poetics.” In Style in Language, edited by Thomas A. Sebeok, 350–377. Cambridge: MIT Press, 1960.p350
] ، وكذا ما دأب عليه التقليد الأرسطي في بناء «الشعرية» باعتبارها تقنية لصنع الخطاب الشعري وتنظيم مكوّناته.[ Aristotle. Poetics. Translated by Malcolm Heath. London: Penguin Classics, 1995.p23
] وعلى هذا الأساس، فإن «الزجلية» لا تأتي بوصفها مجرد استعارة منهجية، بل كجهد نقدي يروم الكشف عن العناصر التي تجعل النص الزجلي ينتج معنى خاصًا به، معنى لا يتأسس فقط على طبيعته الشعبية أو الشفوية، بل على كثافته الإيقاعية وقدرته على بناء تمثيلات ثقافية واجتماعية تمنحه شرعية معرفية موازية لما حازتْه النصوص الشعرية المكتوبة في التراث العربي والغربي على حدّ سواء.
وتبيّن القراءة المتأنية لمكوّنات الجدول أن المحور الثالث لا يعالج قصيدة الزجل باعتبارها موضوعًا تحليليًا معزولًا، بل يعالج التحوّل النقدي الذي أفرز معرفة جديدة بالزجل داخل العلوم الإنسانية، وهي معرفة تتجاوز حدود المقاربة الانطباعية التقليدية التي حكمت النظر إلى الشعر الشعبي، لتدخل في نطاق ما يسميه تودوروف «التأسيس النظري للموضوع الأدبي».[ Todorov, Tzvetan. Theories of the Symbol. Translated by Catherine Porter. Cornell University Press, 1982.p5
] وبذلك تنتقل دراسة الزجل من مستوى التلقي التتبعي إلى مستوى البناء النظري الذي يسعى إلى فهم اشتغاله بوصفه نسقًا لغويًا–ثقافيًا تنتج داخله العلامة الشعبية دلالات متحوّلة تتفاعل مع البنية الاجتماعية والتاريخية.
إن العلاقة التي يرسمها الجدول بين الجهاز المفاهيمي والأهداف والنتائج تكشف أن بناء «الزجلية» لا ينطلق من تعريفات جاهزة، بل من سيرورة معرفية معقّدة يتم فيها تفسير التحوّل النقدي نفسه، وكيف أصبح الزجل موضوعًا معرفيًا قادرًا على إنتاج أسئلة جديدة حول الشعرية والهوية والخيال الشعبي. وتبيّن هذه السيرورة أن الانتقال من الأدبية إلى الزجلية ليس نقلة شكلية، بل إعادة موضعة للزجل داخل الحقل الثقافي المغربي، على نحو يستجيب لما يسميه بورديو «تحوّل موقع الحقل»[ Bourdieu, Pierre. The Rules of Art: Genesis and Structure of the Literary Field. Stanford: Stanford University Press, 1996.p97
] ومن ثمّ، فإن «الزجلية» المقترحة هنا تتأسس بوصفها نظرية نقدية تُعيد النظر في أدوات الدرس الأدبي، من خلال مساءلة العلاقة بين النص الشفهي وأشكال المعنى، وموقع العامية الإبداعية، وطبيعة العلاقة بين الأداء والجمهور، وكيفية انتقال الزجل من الشفوي إلى المكتوب.
وبهذا المعنى، يغدو الجدول جزءًا من المعمار النظري للمحور، لأنه لا يقدّم فقط خريطة مفهومية دقيقة، بل يوضح ترابط البنية النقدية التي تجعل من الزجل نصًا قابلاً لأن يُقرأ داخل أفق معرفي جديد، أفق يُشبه ما صنعه الشكلانيون في بداية القرن العشرين حين فصلوا بين النص ومرجعياته، وما قدّمه النقد البنيوي في إعادة الاعتبار لآليات الاشتغال الداخلي للنص. وهكذا تتحوّل دراسة الزجل في هذا البحث من وصفٍ لنصوصٍ شعبية إلى فعل نظري يطمح إلى تأسيس «الزجلية» باعتبارها نظرية نقدية متكاملة، قادرة على إعادة ترتيب علاقة النقد بالشفوية، وإعادة تعريف المكان المعرفي للزجل داخل الثقافة المغربية المعاصرة.