أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٩ أيلول من كل عام

١
اليهودي الطيب والفلسطيني الشرير :

في الثالثة فجرا أصحو بعد نوم عميق . أصغي إلى أخبار الجزيرة . حرب في الشام . ثم ..ثم معاناة أهل غزة على المعابر . ما شأن اليهود بهذا حتى نحشرهم بكل شيء ؟ اليهودي الطيب نائم لأنه طيب والفلسطيني الشرير شرير يعاني لأنه شرير بالولادة .
ما شاء الله !ما شاء الله!
أتذكر قصة القاصة سميرة عزام " عام آخر "
الأم في لبنان والبنت في الناصرة واللقاء سيجري في بوابة مندلباوم في القدس .
تأتي الأم من بيروت والبنت لا تأتي من الناصرة ، فقد جاءها المخاض ولا تلتقي الأم وابنتها .
ستأتي الأم في العام القادم .
المرأة الغزاوية لم تزر غزة منذ17 عاما . تقف على معبر رفح وتعاني . وستقسم المرأة أنها لن تعود إلى غزة ثانية .
ما شأن اليهودي الطيب بهذا ؟
كأننا منذ 60 عاما لا رحنا ولا جئنا .
صباح الخير
ارفع رأسك فأنت فلسطيني .
حنظلة
٢٠١٣

٢
صباح مبكر :

كيف لك أن تستمتع بصباح خريفي مبكر وأنت تصغي إلى نشرات الأخبار وفيها ما فيها عن الشام والعراق وفلسطين ومصر و..و.. .
قبل سنوات كانت المستوطنة أول ما أتصبح به ثم بنى الجيران ، فهل ارتحت من رؤيتها .
نشرة الأخبار تريني المستوطنات في فلسطين كلها . منعنا من زيارة حيفا ويافا والقدس ولم نمنع من رؤية المستوطنات كلها.
هل نتذكر آمل دنقل وقصيدته .
"ارفع رأسك ، فأنت فلسطيني "
حنظلة
٢٠١٣

٣
كان هذا وأما الآن فقد كبرت الصلعة والصلعة تؤثر على الوظيفة ولهذا ينتهي عملي الرسمي في الجامعة عصر يوم الاثنين ويبقى البقايا - أعني التسريح بإحسان والتسريح لإحسان .
٢٠١٩

٤
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
ما بين دجاجة الحسيني وخزان كنفاني وخازوق حبيبي ؟

في الحرب تذكرت غير مرة رواية إسحق الحسيني " مذكرات دجاجة " ( ١٩٤٣ ) ، وتذكرت أكثر مواقف النقاد المتعددة والمتناقضة منها ، فمنهم - مثل عميد الأدب العربي طه حسين - من رأى فيها " دجاجة عاقلة جد عاقلة ... دجاجة شاعرة تجد ألم الحب ولذته وعواطفه المختلفة ... دجاجة رحيمة تعطف على الضعفاء والبائسين وترق للمحرومين وتؤثرهم على نفسها وإن كان بها خصاصة ؛ وهي على هذا كله بليغة فصيحة تفكر فتحسن التفكير وتؤدي فتجيد الأداء ... تجد من حب الخير وبغض الشر ... ما يجده كل عربي من أهل فلسطين بل من أهل الشرق العربي كله " ( المقدمة ١٩٤٣ ) ، ومنهم - مثل الناقد الفلسطيني فاروق وادي - من رأى فيها دجاجة خلقها مؤلفها من موقع ايديولوجي طبقي ليسبغ عليها حكمته " ، لكنه ، بوعي أو دون وعي ، خلق دجاجة فلسطينية تخون فلسطين وقضيتها " ( ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ١٩٨٥ ) ، وهناك - مثل عبد الحميد ياسين - من لم تعجبه مذكراتها فعارضها ب " مذكرات ديك " ، لأن سلوكها وفلسفتها لا تجدي في عالم يخضع للقوة شعاره " إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب " .
في الحرب تذكرت من الرواية صفحاتها الأخيرة التي أتى المؤلف فيها على موقف الزعيم من دجاج غريب طاريء أراد المأوى له وطرد أصحابه منه . قرر الزعيم اللجوء إلى القوة للحفاظ على المأوى وطرد الدجاج الغريب الطاريء ، وهذا ما لم توافقه الدجاجة صاحبة المذكرات عليه ، فقد رأت أن القوة لا تحل خلافا ولا تلتئم مع المثل العليا التي تمسكت بها طوال حياتها ، وطلبت من الزعيم وأنصاره أن لا يلتجئوا إليها ، وأن ينتشروا ، بدلا من استخدامها ، في الأرض ويبشروا الخلق بالخضوع للحق وحده ويقنعوا الباغي بأن بغيه يرديه " وعندئذ تحلون قضية عامة إنما قضيتكم جزء منها " وتطلب منهم أن يسيحوا في الأرض ويتوزعوا بين الخلق وينشروا بينهم المثل العليا والمباديء السامية " وتنتهي الرواية بموافقتهم على اقتراحها ، ويوافق الزعيم على ذلك ، فتشعر بالرضى .
في حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ تذكرت الرواية غير مرة وشغلتني عدة أشهر ، كما شغلتني أيضا روايات غسان كنفاني " رجال في الشمس " و " عائد إلى حيفا " و " أم سعد " ، بل وبعض قصصه القصيرة مثل قصة " العروس " ، ذلك أن طروحاته فيها تتناقض كليا مع طرح الدجاجة ، فهو على لسان شخصية أبو الخيزران أثار السؤال :
- " لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ "
وعلى لسان سعيد . س أورد عبارة :
- " تستطيعان البقاء مؤقتا في بيتنا ، فذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب ! "
وعلى لسان أم سعد ذكر عبارتها :
- " خيمة عن خيمة بتفرق " - أي الفرق بين خيمة المقاتل وخيمة اللاجيء .
هل شغلتني أيضا مقولة إميل حبيبي " باق في حيفا " والرسالة ما قبل الأخيرة من رواية " المتشائل " وهي " الجلوس على الخازوق " .
مرة في أثناء المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة كتبت أن نصوص الأدب الفلسطيني تتصارع في رأسي ، وكان سبب الكتابة متابعتي الحثيثة لموقف الكتاب والنشطاء الفيسبوكيين من أحداث ٧ أكتوبر ، فقد تعددت وتباينت وهذا أمر طبيعي ، ولكن ما لم أره طبيعيا هو أن أدباء عديدين لم يوافقوا ، من قبل ، الحسيني في طرح دجاجته ووقفوا إلى جانب كنفاني فيما تبناه ، في رواياته الثلاثة وفي قصصه القصيرة ، ومجدوا شعار أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها ، اختلف موقفهم من أحداث ٧ أكتوبر وكتبوا ضدها ، بل ومالوا إلى اقتراح الدجاجة ، فغادروا قطاع غزة ، دافعين الآلاف من الدولارات ، علما بأنهم لاموا آباءهم حين خرجوا في العام ١٩٤٨ ، أو أنهم تشبثوا بالخازوق ، كما تشبث به حبيبي من قبل ، مرددين " باق في غزة " ، كما ردد " باق في حيفا " ، ويستطيع المرء أن يذكر أسماء من غادر ومن بقي ومن نزح ومن ارتقى ، أو على الأقل أستطيع أنا شخصيا أن أفعل ذلك ، لمتابعتي الحثيثة لأخبار الكتاب وكتاباتهم ، وقد أشرت إلى هذا في يوميات الحرب التي أكتبها منذ السابع من أكتوبر يوميا ، ولا يعدم المرء قراءة طروحات مثل " القضية عامة والحل فردي " ، وهذا مغاير كليا للفكرة التي توصل إليها النقاد بعد قراءتهم " رجال في الشمس " لكنفاني ؛ الفكرة التي استنجت من موت الرجال الثلاثة في الخزان ومقصد الروائي من قتلهم .
ما تجدر كتابته هو أن تأويل النقاد لمغزى عبارة كنفاني " لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ " ومقصده من وراء قتل شخوص الرواية بدأ يتراجع لدى فئات من الفلسطينيين ، فنطقوا بعبارة مختلفة وردت في روايات لاحقة على لسان فلسطينيين من العائدين كما في رواية زكريا محمد " عصا الراعي " ( ٢٠٠٣ / مقالي في الأيام ٢٠ / ٨ / ٢٠٢٣ ) وفلسطينيي لبنان بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت في ١٩٨٢ ، وهذا نقرؤه في رواية سامية عيسى " خلسة في كوبنهاجن " ( ٢٠١٣ ) . " المشكلة جماعية ، لكن الحل لازم يكون فردي ." ، وما تجدر كتابته أيضا أن عبارة شبيهة تكررت في كتابات بعض كتاب غزة منذ ٧ أكتوبر ، والكتابة تطول .
هل يئسنا لأن نكبة ١٩٤٨ بعد ٧٦ عاما ما زالت مستمرة أم ؟
منا من يأخذ بما رأته دجاجة الحسيني ، ومنا من يواصل دق جدران الخزان ، ومنا من هو راض بخازوقه يتشبث به ، وأبو يائير لا يريدنا هنا .
الأربعاء والخميس والجمعة ٢٥ و ٢٦ و ٢٨ / ٩ / ٢٠٢٤
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ٢٩ / ٩ / ٢٠٢٤ )

٥
حسام شاهين " زغرودة الفنجان "

من نماذج النقد الأدبي الفيسبوكي:
وقد أنجزت كتابات كثيرة كتبتها على الفيسبوك وجمعتها معا لتشكل ظاهرة لافتة في النقد الأدبي العربي زمن التكنولوجيا:

حسام زهدي شاهين:زغرودة الفنجان (رواية سجين) 1-6

(1)
جراة في الموضوع :

: أثارت، رواية "زغرودة الفنجان"للاسير حسام شاهين ،ابن القدس، لدي سؤالا مهما:هل كتب روائيونا رواية أتوا فيها بهذا القدر من الجرأة في موضوع العملاء ودور الشاباك في تدمير النسيج الاجتماعي والعائلي للمجتمع الفلسطيني؟

ربما كتب روائيو المنفى ،مثل سامية عيسى في روايتيها " حليب التين" و "فسحة في كوبنهاجن" عن تدمير النسيج الاجتماعي الفلسطيني في المنفى، بسبب الحرب اﻷهلية في لبنان وحرب 1982 وما نجم عنهما من اتساع رقعة المنفى.
ما كتبه حسام لا أذكر أنني قرأت ما يشبهه في رواية اﻷرض المحتلة ،على الرغم من أن المرء كان يصغي إلى حكايات تشبه ما يقرأ ،ولكن ما كان يستمع إليه لم يكتب ولا يدري المرء اﻷسباب ولا أدري لم لم نكلف أنفسنا مساءلة عدم كتابته؟
هل كان القراء سيقولون في اﻷمر مبالغة وأن هذا لا يمكن أن يحدث؟
هناك قصص لمناضلين تخلوا عن زوجاتهم ﻷنهم ،كما قيل،عرفوا أنهن مرتبطات بالموساد.أحيانا كانت القصص لا تصدق أو لم يكن كثيرون يقفون أمامها.
في الرواية قصص ربما لا تصدق .ربما.هناك اختراق للمجتمع وهناك ساقطون يقررون التوبة فيبوحون ويعترفون ويقولون أشياء مذهلة.هكذا يعترف مازن للمناضل عمر ويروي قصة تعامله مع اﻷسرائيليين.لم يكتف بالسقوط بل أخذ يسقط غيره :المال والجنس والحاجة إلى تصريح ورويدا رويدا يتساقط آخرون ممن يحتاجون إلى المال يساعد على هذا بنية اجتماعية هشة .
الرواية التي تلامس موضوعا مهما وخطيرا لها قيمة اجتماعية كبيرة ،وقد لا تكون قيمتها الفنية بالمقدار نفسه، ويدرك حسام هذا ،وهو يقر بأنه ليس روائيا محترفا ولكنه رضخ لطلب أصدقاء فكتب ما ينبغي أن يكتبه ،وقد لا يكون غيره قادرا على كتابة ما كتب.إنها تجربته الغنية والمثيرة هو الذي ما زال يقبع في سجون الاحتلال منذ 12 عاما.
وأعتقد أن روايته التي لم تخل من خلل في الإخراج يجب أن تعمم وان توزع وتناقش على مدى واسع ،ففيها من التنوير والتبصير بأساليب المخابرات الإسرائيلية الكثير والمهم أيضا.
الرواية لو التفت إلى إخراجها لكانت أفضل للقراءة.أعني لو فصل بين كلام الساردين بإشارات.وهي عموما رواية مهمة لمن يهتم بمرايا الفلسطيني واليهودي وتصور كل طرف لنفسه وللآخر ويجدر أن تدرس في أقسام علم الاجتماع بل وعلم النفس في جامعاتنا.
إنها رواية جريئة في معالجة موضوع حساس لو التفتنا إليه وناقشناه لكنا أنقذنا كثيرين ممن وقعوا في التعامل مع العدو بسبب الجهل.
غالبا ما كنت أقول:لو عرض علي ضابط مخابرات صورا لي حقيقية أو مدبلجة لابتزازي لقلت له :و ما له .اعرضها وانشرها كما تريد.ولكن هل كانت سميرة ستجرؤ على فعل هذا؟لو كان مجتمعنا يغفر خطايا، أو لو كان يتفهم أمرا مثل هذا، لربما ما وقعت فيم وقعت فيه.
كنت أحيانا أصغي إلى قصة أحد رفاق الجبهة الشعبية وما جرى معه وكنت أتساءل:أصحيح ما يروى؟حسام شاهين يجرؤ ويروي قصصا تكاد تكون خيالية.إنها رواية مهمة لموضوعها.
(2)
طرد شعب وتدمير نسيجه الاجتماعي:

ما قامت به الصهيونية لم يقتصر على اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين،فعدا هذا ،وفوقه طرد شعب كامل من ارضه ليتشرد ويقيم في الشتات،دمرت اسرائيل بنية المجتمع الفلسطيني وخربت النسيج الاجتماعي له،وجعلت من بعض ابنائه لصوصا وفاسدين اخلاقيا ودمرت اسرا باكملها وحرمت شبابه من العيش بحرية وكرامة.
الرواية الفلسطينية ترصد هذا،وانا اقرا "زغرودة الفنجان"الاحظ هذا بامتياز.هذه رواية مهمة لدارس الادب دراسة اجتماعية.مهمة لاقسام علم الاجتماع واقسام علم النفس ،ومثلها روايتا سامية عيسى "حليب التين" و" خلسة في كوبنهاجن"
(3)
صورة المخيم:

تبدو صورة المخيم سوداء.هناك الفقر والتخلف والعملاء والفساد اﻷخلاقي ،وهذه كلها تقود إلى التعامل مع المخابرات الإسرائيلية ومن ثم إلى تصفية المقاومين.بنية اجتماعية هشة يخاف أفراد المجتمع من الفضيحة اﻷخلاقية فيقعون في شرك المخابرات.أبناء المخيم قسم منهم :فقراء وضعفاء أمام المرأة الجميلة والمال، وأحيانا يبدون سذجا أو بلا تجربة .يوقعهم رجال المخابرات ويسقط هؤلاء بعض أبناء المخيم ممن تساقطوا.يغرر بهم/ن وسرعان ما يقدمون خدمات كبيرة لرجال المخابرات:الصور والشهوة و دبلجة الصور وسرعان ما ينهارون.
من مازن أول الساقطين من أجل تصريح عمل وحفنة شواكل حتى سمير ونادر وسميرة ورحاب ومروان و..
سيصحو ضمير مازن الذي يكلف بمراقبة صديقه القديم عمر، وسيخبر مازن عمر بهذا ،في لحظة صحوة ضمير ،بعد موت الضمير، وإسقاط شباب وشابات ،لبيئتهم الاجتماعية الهشة ،وسيتحول هذا الساقط ليغدو عميلا مزدوجا .وكما تريد المخابرات الإسرائيلية منه أن يتابع زميله القديم يطلب منه صديقه أن يتابع( مودي) الذي جنده.وسيبريء العميل نفسه وسيقدم على قتل (مودي )وسيغدو مازن شهيدا وبطلا.
يعرف المجتمع الفلسطيني نماذج حقيقية مثل مازن الشخصية الروائية.وربما ذكر أسماء منها فكم من عميل قتل من جنده؟
الرواية كما ذكرت تبرز صورة سلبية ﻷبناء المخيم .
هل هذه هي الصورة الوحيدة لهم ؟
المال والجنس والضعف البشري كل هذه تقود إلى السقوط.
أين هذه الصورة من الصورة التي برزت ﻷبناء المخيم في رواية غريب عسقلاني "الطوق"1980 حيث المقاومة الصلبة.
كل شيء يتغير.
في 70 و80 ق20 كتب محمد علي طه قصصا عن الفلسطيني في مناطق 1948 .كانت الصورة إيجابية.في العقد اﻷول من ق 20 عاد وكتب عن البيئة نفسها والمجتمع نفسه وبدت الصورة أيضا مختلفة.
هل ضجرنا من المقاومة ؟هل تعبنا ؟هل غدا كل شيء عبثا في عبث؟ انظروا فيما آل إليه مناضلون كثر وقارنوا.
لماذا لا يجرؤ الشاب أو الشابة على السخرية ممن دبلج لهم صورا أو ممن التقط لهم صورا؟
مرة وقع في المصيدة شاب من نابلس.حدث معه ما حدث مع الشخصيات الروائية.تساقط خوفا من التشهير بصوره كما قال من على شاشة التلفاز وتعامل مع المخابرات وزودها بمعلومات أدت إلى اغتيال قادة مهمين في الانتفاضة، وكان أن أعدم الشاب النابلسي.
لماذا لم يواجه رجال المخابرات ساخرا :و ما له :.أنا رجل وهي ابنتكم.اعرضوا الصور وأعطوني نسخة منها أيضا.؟

(4)
التعالي على العرب واحتقارهم

يبرز حسام صورة لنظرة اليهود ﻷنفسهم وللعرب.
حتى الفلسطيني المتعاون الذي يقدم للمخابرات معلومات جمة مفيدة يبقى عربيا.إنه مهم بقدر ما يقدم معلومات، ومقابل هذه المعلومات يأخذ أجرة، وإذا أخفق قليلا يشتم ويعود عربيا قذرا، لا فائدة منه، ولا يساوي شيئا،بل إنه زبالة ،مجرد زبالة.يغدو كائنا عبئا على الاسرائيليين.
هكذا يتعامل (مودي) مع مازن.إن قتل يهودي وأخفق مازن في إحضار المعلومة يشتمه (مودي)ويتعالى عليه ،وإذا أمده بالمعلومات أمده بالمال.
المال المال المال .هذا هو الإغراء ولا يساوي العربي إلا بضع مئات من الشواكل والدولة غنية وتدفع ،وحياة اليهودي غالية وأما العربي فرخيص رخيص، ولا يهتم رجل المخابرات به.رجل المخابرات يهمه عمله والدم اليهودي وإسقاط الشباب من أجل إنقاذ اليهود.والعربي الذي يقدم المعلومات يأخذ المقابل:تصريح العمل وفرصة العمل ومزيد من الإغراءات .
هذا ما تعززه "زغرودة الفنجان".وهذه الصورة لا تختلف كثيرا عنها في اﻷدبيات الصهيونية التي كتب عنها غسان كنفاني في كتابه :في اﻷدب الصهيوني.
(5)
الصورة المظلمة للفلسطيني :

هل تعد هذه الرواية نموذجا لﻷدب المظلم في اﻷدب الفلسطيني،مثل روايتي سامية عيسى ،ومن قبل مثل نصي" ليل الضفة الطويل "و "روايتي الوطن عندما يخون"؟.
يخرج المرء وهو يقرأ الرواية بانطباع سلبي جدا عن المجتمع الفلسطيني.هناك مقاومون ولكن الحضور الطاغي هو للعملاء الساقطين ،وتحديدا من أبناء المخيمات ؛ذكورا وإناثا.ولا يصحو ضمير مازن إلا حين يتعرض أهل بيته، كرأفت،للسقوط ،أو التهديد بإسقاط زوجته وبناته.
كل الذين أسقطهم مازن لم يكترث لهم ،ولكنه حين يهدد بأن النار ستحرق بيته يثور ويصحو ضميره ويقرر الانتقام والتحول والتفكير بقتل( مودي) -ايهود قدري-رجل الشاباك المسؤول عنه الذي أسقطه.
حين يشاهد مازن أخاه رأفت في بيت رحاب التي أسقطها مازن ،وحين يشاهد فيلما ﻷخيه وزوجته بأوضاع مشينة، يتعاطيان المخدرات، يهدد رحاب التي أسقطها هو وتبدأ هي بإسقاط كثيرين وكثيرات.
عالم من السقوط رغم وجود مقاومين ومقاومة وأفلام الجنس التي صور فيها اﻷفراد لا ترحم وتجعلهم يتساقطون بسرعة.والمجتمع لا يرحم ويهرب هؤلاء من الخطأ إلى الخيانة.أما كان يمكن استيعاب اﻷخطاء.؟هكذا يكون المجتمع أيضا وراء مزيد من السقوط ودفع كثيرين إليه.
هذا مجتمع هش ضعيف وهذا مجتمع يقتل أبناءه أيضا ،وكما أن من مارس الخطيئة يرتعب من صوره عاريا، فإنه يرتعب من المجتمع أكثر ويغرق في الوحل أكثر وأكثر.
الرواية مظلمة وصورة الفلسطينيين فيها أيضا مظلمة ،على الرغم من وجود المقاومة.
كم نسبة الكتابة عن السقوط وحفلات الجنس والجواسيس، قياسا للكتابة عن المقاومة ؟
وكم نسبة الكتابة عن النماذج الآيجابية قياسا للكتابة عن النماذج السلبية؟
أسئلة تخطر على البال والمرء يقرأ الرواية.
أين صورة المرأة الفلسطينية منها في رواية كنفاني أم سعد؟لكننا في زمنين مختلفين ومكانين مختلفين.

(6)
الساقط /البطل او العميل حين يصحو ضميره ،فيغدو بطلا

الشخصية المحورية هي مازن.غدا هذا عميلا للشاباك وقدم له معلومات جمة وأسس شبكة مخبرين ومخبرات بعد أن أسقطهم في مستنقع الرذيلة وأوقعهم في عالم الشاباك وكلهم كانوا ،في باديء اﻷمر ،ضحايا ثم غدوا كلابا ضالة تضلل الآخرين وتسقطهم وتتلذذ بإسقاطهم ورحاب غدت سادية بامتياز.امرأة متزوجة لا تنجب أسقطها مازن الذي أسقط سميرا ونادرا وسميرة أخت سمير وأرادت رحاب أن تحمي رأسها فأخذت توقع الكثيرين والكثيرات في شباك الشاباك، يدفعها أحيانا حقد طبقي وهو ما دفعها لتسقط ليلى المرأة المتزوجة التي انتحرت خوفا من الفضيحة.
مازن الذي ألمت به صحوة ضمير بعد أن شاهد أخاه رأفت مع (مودي) ضابط المخابرات وبعد أن رأى صور أخيه وزوجة أخيه ،مازن يبدأ يبوح بقصته للفدائي عمر ويغدو عميلا مزدوجا ﻷنه يريد قتل (مودي) الذي أوصله والآخرين إلى هذا المستنقع من السقوط الفاضح والمذل والمهين.

يتفق مازن مع عمر على التخلص مع مودي.هل سيغدو مازن بطلا بعد كل ما ارتكب؟وهل رأس( مودي) رجل الشاباك يعادل كل هذا الخراب والسقوط والتدمير شبه الكلي لعائلات بأكملها؟

سيقدم مازن على قتل (مودي) ولسوف يقتل مازن.ولسوف ترفع صور مازن على أنه بطل.أنا شخصيا أتساءل إن كان حقا بعد كل هذا السقوط والإسقاط يعد بطلا.ربمافي اﻷمر وجهات نظر.ربما.

هل علينا أن نغرق في الرذيلة والعمالة ثم نصحو؟إنها ثقافة مجتمعنا الذي يرتكب فيه كثر
الموبقات ثم يصحون ويحجون في آخر أيامهم ويتقربون من الله بعد خراب البصرة.
دمر صدام حسين العراق ثم بدأ يقرأ القرآن.ربما ذكره هنا يبدو غير عادل ولكن هذا ما يحدث غالبا.والله يحب التوابين.

إن اﻷمر ليستحق الجدل.
وعموما فان رواية حسام شاهين"زغرودة الفنجان"على ما فيها من هنات فنية رواية مهمة جدا،وهي رواية تربوية تستحق ان تقرا وان تناقش،فما زال الاحتلال قائما وما زالت المقاومة قائمة،وما زال الاسرائيليون يعملون على تجنيد فلسطينيين لخدمة المشروع الصهيوني.
٢٩ / ٩ / ٢٠١٥ .

٦
ما الذي يجري في نابلس ؟

في الحافلة سأل راكب آخر عن القتيل ، واحتار المسؤول .
هل هناك قتيل ثان؟
أمس صحونا على خبر العثور على سيارة فيها ثلاثة مصابين ألحقوا برابع .
هناك إطلاق نار مع قوات اﻷمن الوطني .
شئنا أم أبينا ستمارس السلطة ، ما دامت سلطة جاءت باتفاقات أوسلو ، ما وقعت عليه ، وسيظل هناك من الفلسطينيين من يقاوم الاحتلال ، هذا إذا كان المصابون مقاومين حقا ؟
هناك أسئلة كثيرة واجتهادات كثيرة .
أين الصواب ؟
أين الخطأ ؟
ما هو دور حماس ؟
وما هو دور محمد دحلان ؟
وما هو دور الاحتلال ؟
قلنا ﻷبناء فتح في 1993 :
- بدري على إلقاء أغصان الزيتون على دوريات الاحتلال ، فسخزوا مني .
أحد اليساريين القدامى أنهى عمله في المؤسسة وهاجر إلى دولة أجنبية حصل على جنسيتها خوفا من سيطرة حماس .أخذ مدخراته وسافر بحثا عن هدوء ، وأنا منذ 1996 ما عدت أفكر بالزواج ومعارفي ما زالوا يأملون بأن أتزوج .
هل جنيت على أحد.يقول محمود درويش في قصيدة
" أنا يوسف يا أبي"
وأما المعري فقال :
هذا جناه أبي علي / وما جنيت على أحد .
وبلفور وبريطانيا جنوا على الشعب الفلسطيني ، والجميلة تفتح الباب على مصراعيه :
- تعال و ...
وأنا ما زلت أفكر في رفع قضية على البنك .
ماذا جرى في نابلس؟
هل كان عبد الوهاب سيغني" كل ده كان ليه " أم "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين وين "
الله المستعان به .
29/9/2016

٧
ازدواجية الوظيفة :

منع السيد رئيس الوزراء ازدواجية الوظيفة ، فحرم حملة الماجستير من تدريس مادة إضافية في الجامعة .
هل وظفت الجامعة بعض حملة الماجستير لتساعد في تقليل نسبة البطالة ؟
الذين حلوا محل حملة الماجستير في تدريس المساقات هم حملة الدكتوراه المعينون في الجامعة ، وهكذا ازداد الأثرياء ثراء وازداد الفقراء فقرا ، على غرار " من معه يعطى ويزاد ومن ليس معه يؤخذ منه " ورحم الله جبران خليل جبران .
هناك حملة دكتوراه في أقسام بعض الجامعات يدرسون 10 ساعات معتمدة إضافية .
متى يطور هؤلاء أنفسهم ؟
متى يقرؤون ؟
متى يكتبون أبحاثا ؟
الحق كل الحق على عادل الأسطة لأنه استقال من منصب رئيس قسم اللغة العربية فقد رفض أن يعطي العميد مادة إضافية ، التزاما بالقانون .
29/ 9 /2017

٨
سهيل كيوان "بلد المنحوس "
"أهل المدن وثورة 1936"

وأنا أقرأ الرواية لاحظت اهتمام أهل عكا بالفن اهتماما لافتا. هذه التفاتة جيدة فيها رد على الفكر الصهيوني في تصوره للفلسطينيين
ولاحظت وصفا لحياة اليهود في بولندا في وارسو قبل هجرتهم إلى فلسطين .
ما لم ألاحظه هو عدم الكتابة عن ثورة 1936 علما بأن الرواية تقارب تلك الفترة. هناك كتابة عن اغتيال أنور الشقيري، حيث اغتاله ريفي واختفى في متجر تاجر عكي. أكثر من هذا لم ألاحظ، وفي التغريبة الفلسطينية لوليد سيف تركيز على دور الريفيين، ومن قبل وليد سيف غسان كنفاني.
في التغريبة الفلسطينية تكون مشاركة أهل المدن كاريكاتورية مثيرة للأسى.
حقا أين مشاركة أهل عكا في المقاومة؟
زمان كنت أمزح مع أبي حين كان يحدثني عن علاقاته بفتيات يهوديات وأقول له:وهكذا ضاعت فلسطين. (أوردت مزاحي معه في رواية "الوطن عندما يخون ").
29 ايلول 2018

٩
موت السفاح :

مات ( شدمي ) سفاح كفر قاسم في العام 1956.
أعطى الأوامر بإطلاق النار على العزل وهم عائدون من حقولهم إلى بيوتهم .
كانت عقوبته أن يدفع قرشا واحدا غرامة . 49 مواطنا مقابل قرش . يا لعار الدولة التي قبضت المليارات من ألمانيا . لماذا كلفت خاطرها ودفعت ضابطها قرشا ؟ ألم يكن الأجدر لها أن تبني بقرشه مصنعا ؟
مات شدمي عن 96 عاما .
لا ندري إن كان ترك لنا مذكرات يطلب من الفلسطينيين فيها الغفران .
ستؤول الدول كلها إلى موات وخراب ، فكلنا على رأي المتزاهد الشاعر العباسي " أبو العتاهية " ، كلنا إلى يباب .
29 ايلول 2018

١٠
ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي
مليحة عاشقاها السل والجرب .
عبدالله البردوني

١١
محمود درويش " قصائد عن حب قديم " :

كيف قرأ النقاد العرب ، قبل صدور كتاب امتياز دياب "ميلاد الكلمات "قصيدة " قصائد عن حب قديم " من ديوان محمود درويش "عاشق من فلسطين "١٩٦٦ ، وما هي القراءة التي يقدمها الناقد حين يقرؤها في ضوء ما ورد فيها في كتاب "ميلاد الكلمات " .
المتابعة تستحق والنقد الأكاديمي الجامعي الذي يتسم بالإحاطة ليس نقدا رديئا دائما .
كيف نقرأ القصيدة في ضوء مقولات نظرية التلقي الألمانية؟
٢٩أيلول ٢٠١٩

١٢
منذ العام ١٩٩١ وأنا مهدد بالفصل من عملي . غدا هو آخر يوم عمل رسمي لي في الجامعة حيث ينتهي عقد العمل .
ليس لي إلا أن أكرر :
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا
أبشر بطول سلامة يا مربع .
جامعة النجاح الوطنية وداعا.
٢٩ أيلول ٢٠١٩

١٣
الست كورونا : إغلاق المدارس ( 89 )

أرقام الإصابات والوفيات بالكورونا في دولة " إسرائيل " بازدياد ، والحريديم يتجاهلونها غير مكترثين لها والمستشفيات تكتظ بالمصابين .
في الضفة الغربية لم يكد طلاب المدارس يذهبون إليها حتى بدأت سياسة الإغلاق ، ففي بيت لحم تم إغلاق ثلاثة مدارس بسبب الإصابات .
عندنا مثل يقول :
" - شو صار لك في القصر ؟
- قال له : امبيرح العصر " .
يعني ما إن افتتحت المدارس وذهب الطلاب إليها حتى بدأت تغلق أبوابها .
المثل السابق يذكر بمثل شبيه :
" اجت الحزينة تفرح ما لقيت لها مطرح " وهكذا لم تكتمل فرحة الأمهات بذهاب الأبناء إلى المدارس .
هل يقتصر الأمر على دولة " إسرائيل " ومناطق السلطة الفلسطينية ؟
في الأردن لم يختلف الأمر ، فالإصابات بدأت تكثر ، وزعماء أوروبا على وشك التوقيع على إعادة سياسة الإغلاق ، والجمهور الرياضي لن يشاهد المباريات وجاهيا وفرحته التي عادت في مباراة ( بايرن ميونيخ ) و ( إشبيلية ) لن تكتمل .
الأوضاع في نابلس شبه عادية والموظفون والتجار ينتظرون أيضا صرف الرواتب ولو نصفها . كان يفترض أن تصرف اليوم ولكن ...
خبر الصباح من إذاعة " أجيال " قال إن صرفها سيؤجل إلى الغد .
هل سيكرر الموظفون والتجار المثل :
" اجت الحزينة تفرح ما لقيت لها مطرح " ، وأما البنوك فلن تخصم القروض . هكذا سمعت !!
وسائل التواصل الاجتماعي انشغلت أمس بإحياء الذكرى الخمسين لرحيل الرئيس المصري جمال عبد الناصر ، وكان الخلاف حول شخصه قائما أيضا .
" للحقيقة وجهان ، والثلج أسود فوق عالمنا " مع الاعتذار لمحمود درويش الذي قال:
" للحقيقة وجهان ، والثلج أسود فوق مدينتنا " .
٢٩ أيلول ٢٠٢٠

١٤
ترويض النسر ... ترويض " النمور في اليوم العاشر " وترويض المواطن العربي :

فكرة الترويض في الأدب العربي فكرة قديمة ، فالقبائل العربية كانت تروض أفرادها حين يخرجون عنها ، ولم يختلف الأمر لاحقا كثيرا .
محبو القصة القصيرة وقراء زكريا تامر يتذكرون قصته " النمور في اليوم العاشر " ، فالنمر الذي لا يأكل إلا اللحوم ، لأنه نمر ، يروضه النظام العربي ، فيرضخ في اليوم العاشر ويأكل العشب .
في رواية رشاد أبو شاور يروض النسر رمز الشموخ ، فمن تظن نفسك أيها المعارض صاحب المبدأ ؟
يسجن حمزة لمقالات كتبها ويموت في السجن لأنه رفض الترويض ، ويلاحق أخوه المهندس منصور لأنه يرفض الرضوخ لرأس المال فلا يغير مسار الشارع إلى مسار آخر يخدم الطبقات المستغلة ويصر على خدمة القرى الفقيرة ، فيرمى إليه بنسر مريض عاجز عن الطيران لا يقوى على تحصيل قوته ، لولا اعتناء منصور به وإطعامه . انتبه يا منصور فقد يكون مآلك مآل النسر إن لم تنفذ لنا مطالبنا . كما لو أن هذا هو القصد من حضور النسر في الرواية . صار معادلا فنيا لكل من يعارض . صار مثل نمر زكريا تامر ، وإن واصلت يا منصور عنادك فقد لا تجد ما تأكله وتصبح عاجزا عالة على غيرك .
في رواية " شرق المتوسط " نحن أمام نماذج مختلفة اختلافا ثانويا . هناك من صمد وقتله النظام وهناك من ضعف ووافق على شروط السجان وصار متعاونا ، ولكن شموخه وأنفته تعيدانه إلى الصمود ثانية فيكون مصيره الموت . هل تذكرون هادي ورجب ؟ الأول مثل حمزة والثاني قريب منه منصور ، علما بأن الأخير لم يضعف وقد نجح في مقاومة الإغراءات . طبعا علينا ألا ننسى أن منصور لم يسجن ولم يعذب ولم يلاحق هو شخصيا من النظام لآراء سياسية ، وكل ما تعرض له هو تهديد رجل المخابرات له لأمر شخصي لا سياسي .
عالم المعارض السياسي وقتله وملاحقته بعد فشل ترويضه فكرة تكاد تتشابه في الروايتين . ولكن هناك ثمة اختلاف يتمثل في استغلال جهاز المخابرات المرأة لتخدمه . تغتصب ثم توظف لخدمة الجهاز وتظل تغتصب . هل كتب الروائيون العرب عن هذه الفكرة من قبل ؟
كل من قرأ رواية نجيب محفوظ " الكرنك " أو شاهدها فيلما يتذكر ذلك ، وربما عاد قاريء روايات نجيب محفوظ إلى روايته " القاهرة الجديدة " أو الفيلم المأخوذ عنها " القاهرة ٣٠ " فالوزير يقيم علاقة مع الفتاة ولأنه متزوج من امرأة ثانية فإنه يظل على علاقته بالفتاة بعد أن يزوجها لمحجوب عبد الدايم صاحب فلسفة " طظ / طز " .
حقا ماذا كان سيلم برشاد أبو شاور لو أفصح عن اسم البلد الذي تجري فيه أحداث الرواية ؟
٢٩ أيلول ٢٠٢٠

١٥
أدب البادية الفلسطيني :

هل هناك أدب بادية فلسطيني ؟
شكلت الصحراء حضورا لافتا في روايتي غسان كنفاني " رجال في الشمس " ١٩٦٣ و " ما تبقى لكم " ١٩٦٦ . في الأولى أتى على ذكر صحراء الكويت وفي الثانية أتى على صحراء النقب ، ولكننا في الروايتين لم نقرأ عن بيئة الصحراء وعن أبنائها ولم نقرأ روحها ولغتها ولهجتها . أدب البادية العربية يقرأ في روايات الكاتب الليبي ابراهيم الكوني وفي رواية عبد الرحمن منيف " النهايات " وفي قسم من أعمال عبد السلام العجيلي ولدى كتاب عرب آخرين .
هل نقرأ أدب صحراء في الأدب الفلسطيني ؟
وأنا في ألمانيا أصغيت إلى قاص فلسطيني يكتب أدب بادية . إنه سليمان الفنشي وأظن أنني ذكرته في خربشاتي .
في " سيدات العتمة " لشيخة حليوي تقرأ عن عالم الصحراء وعن البدو وعاداتهم وتقاليدهم وتقرأ لهجتهم التي يتكلمون بها . وأعتقد أن هذا الجانب هو من جوانب عديدة تمتاز بها مجموعة شيخة Sheikha H Hlewa .
القصة الأولى مثلا " حيفا اغتالت جديلتي " تأتي على عالمي المدينة / حيفا والبادية واختلاف العادات والتقاليد بينهما . ومثلها قصة " الأفعى " .
تهدي شيخة مجموعتها القصصية
" إلى الطفلة المشاكسة
التي خلفتها ورائي تحت شجرة البلوط في قرية " ذيل العرج "
ماتت القرية وماتت الشجرة وبقيت هي تنتظر الضوء تحت أجنحة " سيدات العتمة " " .
وتبدو شيخة في قصتها الأولى تقص قصتها هي ، قصة البدوية التي تركت البادية لتقيم في حيفا
" وحدهما اسمي وجديلتي كانا يفضحان ما أخفي ! لم أفلح في إقناعهم بأنني من سلالة ملوك الصحراء ، وأنني حظيت دون غيري بشرف حمل هذا الاسم . القهقهات المكبوتة كانت تجلد روحي " شيخة ... هههههه ؟ شو يعني ختيارة " .
٢٩ أيلول ٢٠٢٠

١٦
أبو جاسم وأمنيات مظفر النواب :

أبو جاسم صديق عراقي عرفته في نابلس في المنتدى التنويري حين كنت ألقي محاضراتي قبل تشريف الست كورونا .
تزوج " أبو جاسم " ، حين كان في صفوف الثورة الفلسطينية في المنفى ، من فلسطينية ، وعاد مع عودة الفلسطينيين إثر اتفاقية أوسلو .
كلما التقينا معا تبادلنا التحية ولكن صداقتنا لم تتوطد ، ربما لعملي أستاذا في الجامعة .
أول أمس توفي أبو جاسم في نابلس بعيدا عن ثرى العراق . وأمس تساءلت :
- لماذا لم أخض مع " أبو جاسم " حديثا عن مشاعره في فلسطين ؛ مشاعره من الإقامة في فلسطين ومشاعره من العراق والعودة إليه ؟
في أثناء إقامته في الكويت كتب بدر شاكر السياب قصيدته الشهيرة " غريب على الخليج " وعبر فيها عن غربته وحنينه إلى العراق وخوفه من أن يموت بعيدا عن ثرى وطنه .
الشاعر مظفر النواب عاش في المنافي خمسة عقود وأكثر وخلالها كتب قصيدته الشهيرة " ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة " وكانت أمنياته :
- أن يسقط القمع بدار القلب
- أن يعود المنفيون ويعود هو بعد عودتهم
- أن تغفر له أمه بعده عنها وعن العراق .
وزار مظفر بغداد ، لكنه افتقد فيها كل الذين كان يحن إليهم ، ولهذا لم يستقر فيها وظل يكتب عن الغربة وبغداد والكتابة تطول .
أين سيدفن أبو جاسم ؟
وأنا أتحدث مع صديقي " أبو زيد " عن موت " أبو جاسم " كان ذهني ينصرف إلى مقابر شهداء الجيش العراقي في معارك فلسطين في العام ١٩٤٨ . هل فكرت عائلة " أبو جاسم " في أن يدفن إلى جانب شهداء الجيش العراقي في المقابر الخاصة بهم في نابلس وقرب جنين ؟
أبو جاسم وداعا !!
٢٩ أيلول ٢٠٢١

١٧
حسب المادة 6 من قانون مجلس التعليم العالي للعام ٢٠١٨ ، حين كان الدكتور رامي الحمدلله رئيسا للوزراء ، فإن الاحتجاج على عدم إدراج جامعة النجاح الوطنية ضمن قائمة التشكيل الحالي لا مبرر له إلا من باب " مش رمانة ، قلوب وحمانة " ومن باب " الجكر " ، وللأسف فإن جامعة النجاح عوملت وعوقبت بما كانت إدارتها ، في زمن الدكتور رامي وخلفه ، تعامل به من لم ترض عنهم وتعاقبهم .
شغل جكر وعقلية بائسة ليس أكثر .

١٨
" سوداد : هاوية الغزالة " : روح المؤلف ونصه

" سوداد : هاوية الغزالة " هو عنوان الرواية الأخيرة لفاروق وادي الذي فارقنا في ٢٠ أيلول ٢٠٢٢ ، ويمكن عدها أجمل ما كتب من روايات ، وعندما تنتهي من قراءتها تكرر مقولة أصحاب المنهج الوضعي في النقد " إن أعمال بلزاك تعكس روحه " ؛ ولا يفصل هذا المنهج الكاتب عن نتاجه بخلاف المناهج النصية مثل التأثرية والبنيوية وبعض الأسلوبيات ، فهذه حين تدرس عملا أدبيا تعزله عن حياة صاحبه .
لا يعني ما سبق أن كل ما كتبه الروائي صادر عنه شخصيا ولا يعني أنه جميع شخصياته ، وإلا لكان متناقضا في ذاته أشد التناقض مصابا بحالة شيزوفرينية قاسية ومعقدة .
وأنا أقرأ الرواية وجدتني أقرأ فاروق وادي الذي قرأت قسما من أعماله الأولى " طريق إلى البحر " و "رائحة الصيف " و" منازل القلب " و" عصفور الشمس " ، وحين فرغت من قراءة الصفحات الأخيرة قالت لي كلماته ما توصلت إليه ، فهو لم يترك القاريء يستنتج ما سبق ، إذ أحاله إلى رواياته السابقة وصلة بعض شخصيات روايته الجديدة بشخصيات كتب عنها في رواياته السابقة :
" بعض الشخصيات التي جاءت في الرواية ، كان قد ورد ذكرها بشكل مختزل في رواية الكاتب التي نشرت بعنوان رائحة الصيف " (١٩٩٣ )... " أما شخصية مصطفى التي مرت في الرواية هنا ، فقد سبق وأن وردت في رواية ' سرير المشتاق " ٢٠١٩ ... "( ص ٣٠٢) .
هكذا أسلم الكاتب مفتاحا من مفاتيح روايته لمن يبحث عن التناص الذاتي فيها وروح الكاتب في نصه ووحدة أعماله وذاته . وليست هذه هي المرة الأولى التي يسلمنا فيها فاروق مفاتيح قراءة أعماله وحضوره فيها واستلهام تجربته الشخصية وإسقاطها على شخصياته ، ففي كتابه " منازل القلب " ( ص ٦٠ - ٦٩) ، وفي مقاله " أرني لسانك لأرى قلبك " ( الأيام ١٩ / ٧ / ٢٠١٣ ) كتبه ليكون شهادة شخصية حول علاقة المثقف الشخصية بالدين يضيء لنا روايته " رائحة الصيف " (١٩٩٣) :
" لم أتردد بعد صدور الرواية من الاعتراف بأن طفلا فلسطينيا هو أنا كان قد أدخل إلى المستشفى ذات يوم في منتصف الخمسينيات ، وأجريت له عملية جراحية تحت اسم طفل آخر .. كان اسمه " يونس " ....إنني شيء من يونس الفادي وشيء من ريان الطويل الذي يصنع الصليب من الحجر وينقش أجمل ثلثي.. " ويونس وريان هما شخصيتان من شخصيات " رائحة الصيف " ، وفي مقال أسبق عنوانه " اعتذار متأخر لسادن البرقوق " نشره عن المؤرخ الفلسطيني عارف العارف ( الأيام ٨ / ٨ / ٢٠٠٨ ) كتب أن حارة الفردوس في " رائحة الصيف " ( ١٩٩٣ ) هو اسم أطلقه على رأس الطاحونة الحارة التي كانا يسكنان فيها " تعبيرا عن حجم الحنين الكامن إلى الزمان والمكان " - وكان أتى على الموضوع نفسه أيضا في " منازل القلب " - الحنين الذي يلازم ياسين في " سوداد : هاوية الغزالة " ، بل ويلازم فاروق وادي نفسه كما يبرز في المقال المشار إليه وفي كتابه " منازل القلب : كتاب رام الله " الذي صدره ببيت المتنبي :
" لك يا منازل في القلوب منازل

أقفرت أنت وهن منك أواهل "
وبقول ابن عربي :
" كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه " .
ما سبق يقودنا إلى الكتابة عن صلة " سوداد " برواياته السابقة وإلى تماثل ما نعرفه عنه فيها مع ما نعرفه عن فاروق نفسه .
ولكن قبل ذلك يجدر الالتفات إلى ما كتبه عن جبرا في كتابه " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية " ( ١٩٨١ ) نقلا عن جبرا نفسه :
" أود أن أشير إلى نقطة واحدة ، وهي أن من يدرسني يجب أن يدرس تياراتي كلها معا ، ويدرسها متواكبة زمنيا . حينئذ سيقترب من منهجي ، أما أن يأخذ ناحية واحدة من تفكيري فإنه سيكتشف فيما بعد أن إهماله النواحي الأخرى قد تركت فجوة في دراسته " .
ومع أن فاروق يرى رأي جبرا لكنه اقتصر على دراسة عالمه الروائي " هذه الدراسة تظل أضيق من ذلك في طموحها المحدد.. " ، وقد ذهب بعض دارسي جبرا إلى أنه أيضا كان يوزع شخصيته على شخصيات روايته - أعني هنا أن في كل شخصية من شخصيات جبرا شيئا منه ، ولأركز : شيئا منه لا الأشياء كلها ، وما قيل عن جبرا قاله فاروق عن نفسه " إنني شيء من يونس الفادي وشيء من ريان الطويل " ، فهل في ياسين في " سوداد " وفي أخيه الأصغر شيء من فاروق أيضا ؟
لننظر إلى عودة ياسين وعلاقته برام الله وفي أخيه الأصغر وما تمتاز شخصيته به ونرى .
يشعر فاروق حين يزور رام الله بعد أوسلو بأنه رجع للمكان " فلا يرجع إليه المكان ، فيبحث عما ضاع منه ، وكل ما كان ، فتى ، ما زال هو العاشق.. وما زال المشتاق ! " ، وأما ياسين الذي ترك المنفى ميمما شطر الوطن ، فقد فعل ذلك " مستجيبا للنداء الملح الذي يأتيه بصوت يسكنه ..... تعال .. تعال فثمة حب هناك.. ثمة وطن مفتوحة آفاقه لكل من يمتلك الخيال..خيالا خصبا مبدعا وخلاقا." و " كان الماضي يهجم عليه بكل صوره وروائحه وحميميته وبكل جيشان العواطف التي ترافقه..سوداد يعتريه للحظات مسروقة أمام فندق قصر الحمراء." .
وكما كان لفاروق إخوة في الكويت طلب منه أبوه بعد أن قرر تسفيره إلى الأردن بعد حزيران ١٩٦٧ أن يطمئنهم في الكويت عن العائلة في رام الله " ( منازل القلب ، ١٣٢ ) يسافر ياسين إلى الكويت ليلتحق بأخيه الأكبر علاء ليشق له طريقا في الدنيا .
وأما وجه الشبه بين فاروق وإحدى شخصيات سوداد فهو يتحقق في شخصية الأخ الأصغر لياسين ، ومن صفات الأخ الأصغر الذي يقيم في الأردن أنه - كما يقول ياسين البراغماتي الانتهازي لأخيه - يؤلف الكتب الجادة التي تستنزف ذهنه وأعصابه وتفكيره ويضطرب عقله في تأليفها ، وهي كتابات رومانسية محلقة في الفضاء ونزعاته في كتابتها إنسانية تدمر كاتبها وتجعله في غاية السذاجة .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
٢٩ أيلول - ٦ تشرين الأول ٢٠٢٢
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية بتاريخ ٩ تشرين الثاني من ٢٠٢٢ )

١٩
فاروق وادي وغسان كنفاني :

كتب فاروق وادي عن روايات غسان كنفاني في كتابه النقدي " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ؛ غسان كنفاني واميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا "( ١٩٨١ ط أولى /١٩٨٥ ط ثانية مصورة ) ، كتب عنه كتابة دارس ، ومن المؤكد أن قراءات المرء تترك ، بوعي أو دون وعي ، أثرا في نتاجاته ، فهل حضرت روح غسان في أعمال فاروق ؟
في روايته الأخيرة يأتي فاروق على الفلسطينيين في الكويت في ٦٠ القرن ٢٠ إلى فترة متأخرة تتجاوز فترة اجتياح الجيش العراقي لها . هنا تتقاطع الرواية مع رواية غسان " رجال في الشمس " . لا تتطابق ولا تتماثل كليا ولكنها تتقاطع . هل يعد هذا ضربا من التناص ؟
ربما وجب أن ننظر إلى العنوان الفرعي الذي اختاره فاروق لأحد كتب روايته " كتاب الشمس " وهو الكتاب الخامس الذي يشغل الصفحات ١٠٩ إلى ١٥٤ ، والعنوان الفرعي الأول من مقاطعه الثلاثة عنوانه " في عين الشمس " . في هذا المقطع تقرأ عن قسوة الحياة في الكويت وقد أتى عليها غسان في روايته .
" رجال في الشمس " عنوان رواية غسان و " كتاب الشمس " هو عنوان الكتاب الخامس من رواية فاروق وعنوان القسم الأول منه هو " في عين الشمس " . وهذا ما يعده نقاد العتبات " المناص " .
٢٩ أيلول ٢٠٢٢ .

٢٠
محمود درويش عن فقر أسرته :

" كن سيدي لتحبني امي .. وينسى إخوتي موز الهلال " .
اليوم وأنا أقرأ سطرين من أشعار محمود درويش اقتبسهما Jabra Hannuneh وتساءل إن كانا حقا شعرا ، وجدتني أصغي إلى مقاطع بصوت الشاعر من قصيدته " رب الأيائل " التي قالها في رثاء أبيه ، وهي من عيون شعر درويش .
ما لفت انتباهي هو قوله " وينسى إخوتي موز الهلال " .
إنها الصورة الشعرية التي يلخصها مثلنا " الفقير بشوف القمر رغيف " وهنا " الفقير يرى الهلال موزا " .
شو رأيك يا زياد خداش بما يقوله جبرا حنونة . الطريف أن الصديق جميل السلحوت أعجب بمنشور جبرا .
أنا عقبت :
يجب أن ينظر إلى السطرين في ضوء القصيدة كلها ، فاقتباس السطرين مثل اقتباس " لا تقربوا الصلاة " من الآية .
لا بد من قراءة السطرين في ضوء ما قبلهما وما بعدهما .
والطريف أنني اكتشفت اليوم جماليات السطرين أكثر . شكرا للصديق جبرا حنونة الذي أعادني إلى ديوان الشاعر مجددا .
٢٩ / ٩ / ٢٠٢٣

٢١
يوميات غزة ولبنان ( ٣٥٩ ) :
رشاد ابوشاور يودعنا

في اليوم الثامن والخمسين بعد الثلاثمائة من موقعة ٧ أكتوبر ، وفي اليوم الذي أعلن فيه خبر ارتقاء الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ، وفي الذكرى الرابعة والخمسين لرحيل الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي أحبه رشاد ابوشاور وظل وفيا لنهجه( ٢٨ / ٩ / ١٩٧٠ ) ، فلم ينقلب عليه ولم يكن ممن وصفهم الشاعر العراقي مظفر النواب "
ولكنهم ألقوا القبض ميتا عليه
فعري من كفن غزلته قرى مصر من دمعتيها
إذن سقط الآن عن بعض من دفنوه الطلاء "
في ٢٨ / ٩ / ٢٠٢٤ رحل القاص والروائي وكاتب المقالة السياسية الواضح في مواقفه رشاد أبو شاور ؛ رحل بعد معاناته في أثناء الحرب من المرض .
كان رشاد ، منذ بدايات حياته ، واحدا من الأصوات التي وقفت إلى جانب شعبه الفلسطيني ، ولم يختلف موقفه في العام الأخير ؛ عام المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة ، فقد واصل الكتابة ، بخلاف كثيرين ممن لجأوا إلى الصمت .
في اليوم ال ٣٥٩ ما زالت المقتلة متواصلة . الهدم والتدمير والنزوح والاغتيالات والوحش توحش كما لم يكن ذات يوم كذلك . لقد أعلنها منذ أكتوبر ٢٠٢٣ ، منذ بداية الحرب ، أعلنها حرب وجود .
ثمة خرائط جديدة لشرقنا الأوسط . هل ثمة ما يبقى على حاله ؟
اسألوا المتوكل طه نزال صاحب ديوان " الرمح يبقى على حاله " علما بأنه مسلم مؤمن يردد " لا يبقى على حاله إلا الحي القيوم " .
٢٩ / ٩ / ٢٠٢٤

٢٢
أحمد رفيق عوض :" دابة الأرض " . الفلسطينيون والميراث 3

أول رواية فلسطينية صدرت في العام ١٩٢٠ كانت لخليل بيدس وعنوانها " الوارث " ، وفي العام ١٩٩٧ أصدرت سحر خليفة رواية عنوانها " الميراث " ، وليس لدي إحصائية تبين عدد الروايات التي أتى فيها أصحابها على هذا الموضوع الشائك ، وهو موضوع يخص الأفراد كما يخص الدول ، فمن تركة " الرجل المريض " واقتسامها - الدولة العثمانية ، إلى فلسطين التاريخية واقتسام أرضها ، إلى أموال الأحزاب الشيوعية التي انحلت وقيل في أموالها ما قيل ، فأموال بعض الفصائل ، إلى إرث العائلة الذي يفسد العلاقة بين الإخوة والأخوات فيظهر أوسخ ما فيهم وأحقره ، ليصبحوا إخوة أعداء لا يراعون في أنفسهم إلا ولا ذمة ، والأخير هو الشائع في مجتمعنا الفلسطيني .
في " دابة الأرض " يشغل هذا الموضوع حيزا لا بأس به من صفحات الرواية ، وهو ، فيما أرى ، يجمع بين نوعي الميراث ؛ ميراث أموال الثوري التي تعود للثورة وميراث أمواله الخاصة التي كسبها هو من ظاهرة الفساد في الثورة واستغلال منصبه فيها . والأموال الأخيرة يكون للدولة رأي فيها ليكون لها نصيب منها ، والأطرف أن للمستوطنين نصيبا منها ، فإذا كانت أرضا تصادر وتغدو لهم .
أبو الناجي الذي يقضي أيامه الأخيرة على سرير المشفى يعيش على الأجهزة يغدو موضع نزاع بين أبنائه وبناته . ما هي تركته ؟ وماذا سيكون نصيب كل ابن وابنة منها ؟
يريد أبناؤه أن يرثوه قبل أن يموت ، وبعض ما هو مسجل باسمه من أموال يخص تنظيمه / الثورة .
أطرف ما في الرواية هو ما فعلته يافا ابنته . ذهبت إليه وهو فاقد الوعي و " بصمته " على أوراق جهزتها مسبقا ، لتضمن نصيبها من أموال أبيها بين إخوتها وأخواتها الذين أنجبتهم بطون أمهات عديدات ؛ فلسطينية لاجئة ورومانية ولبنانية وأردنية وفلسطينية نابلسية .
" وقالت وهي تبكي إنها لم تكن تتوقع أن تقوم أختها بأخذ بصمة والدها الذي يرقد بين الحياة والموت بدون احترام ولا تقدير ولا وفاء .. " .
وإن بحثت في الرواية عن شكل العلاقات الاجتماعية بين شخصياتها تعود بك الذاكرة إلى روايتين سابقتين للكاتب هما " قدرون " ١٩٩٦ و " مقامات العشاق والتجار " ١٩٩٧ .
هل الروايات الثلاث نتاج مبنى ذهني واحد يرى مجتمعنا بائسا أم أن مجتمعنا هو كذلك وأن الكاتب أظهره روائيا .؟
علينا أن ننظر إلى صورة مجتمعنا في روايات روائيين آخرين ، وهنا أذكر على سبيل المثال رواية محمود شقير " منزل الذكريات " وروايات سحر خليفة أكثرها . إنك فيها تقرأ عن مجتمع يزداد سوءا مع التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
إن صورة الابنة يافا التي أخذت بصمات أبيها وهو فاقد الوعي لا تختلف عن جميحان في رواية محمود شقير المشار إليها . ولا أظن أن موضوع الميراث غاب عن روايات الكاتب جميل السلحوت الذي يعد أبرز روائي فلسطيني عالج موضوعات اجتماعية متعددة متنوعة ( رواية " اليتيمة " و " الخاصرة الرخوة " ) .
اللهم نجنا !
٢٩ / ٩ / ٢٠٢٥

٢٣
غزة 724 :
بمختصر العبارة

ففي ليل كهذا تكثر الضوضاء والجمل
وما نظروا هذا الحضيض ، وتلكم الحيل
قضيتنا ، وإن عجنوا وإن صعدوا وإن نزلوا
لها شرح بسيط واحد حق لم الهبل؟
لماذا ألف تنظير ويكثر حولها الجدل
قضيتنا لنا وطن ، كما للناس في أوطانهم نزل
وأحباب وأنهار وجيران
وكنا فيه أطفالا وفتيانا وبعضا صار يكتهل
وهذا ، كل هذا ، الآن مغتصب ومحتل ومعتقل
قضيتنا سنرجع أو ... .

مظفر النواب ، المسلخ الدولي
٢٩ / ٩ / ٢٠٢٥

٢٤
هوامش من وحي ما يجري في غزة :
جدل أدبي في ظل المقتلة



في ٢٣ / ٩ / ٢٠٢٥ نشر الشاعر عبد الناصر صالح القصيدة الآتية التي عنوانها " قدمان " :
" قدمان محاربتان ..
الأرض سواد وشظايا ودم فوار
وحطام بيوت
وصواريخ من الجو
قدمان مشققتان
مطهرتان بلون أماني العمر
كأن الدنيا خرجت من لونهما للتو ..
قال المهزومون بدون حروب :
- ماذا لو فوضنا القاتل
واعتذر المقتول عن القتل
وطلب العفو ؟
ماذا يحدث لو قمنا ..
ماذا يحدث لو رحنا
لو جئنا..
ماذا لو .. .
يخرج أبناء الشمس من الأنفاق
ينتشرون
فيندلع الماء وتخضر الأوراق
لا غفلة في صيدهم الوافر
أو سهو ..
لا خطبة في مؤتمر القمة تغتال النحو
قدمان يطالان المجد بفخر وسمو ..
وكلاب الليل على أطرافك غزة
تنبح خوفا
عو
عو
عو
عو "
وعبد الناصر من طولكرم ، والقصيدة تقول ما تقول وقد أثارت تعليقات كثيرة بلغ عددها حتى يوم الاثنين ٢٩ / ٩ / ٢٠٢٥ مائة وواحدا وعشرين تعليقا قسم منها " تعليقات مجاملة " وقسم منها أثار جدلا ،؛بخاصة بعد أن علقت :
" شعر مقاومة يكتب خارج قطاع غزة . في غزة الشعر شعر بكاء ورثاء وندب وألم " ،
وسألت مجموعة من شعراء غزة إن كانوا يكتبون شعرا مثل هذا ؟!
وبلغ عدد الردود على السؤال أربعة وثلاثين ردا ، عدا إبداء آخرين رأيهم ، دون أن يكون ما كتبوه إجابة على السؤال .
وأنا أتابع ما يكتبه أدباء غزة لم أقرأ قصائد تمجد المقاوم بأسلوب واضح مباشر أو غير مباشر ، فأكثر ما قرأته شكل لدي انطباعا أن الشعراء كتبوا في رثاء الأهل والأحباب والبيوت ووصفوا معاناتهم وحياتهم اليومية . لقد أشرت إلى أسماء قليلة مدحت المقاوم أو كتبت فيه مثل ياسمين العابد ، ومرة ذهبت إلى أن هذا اللون من الكتابة تفتقده كتابات أبناء قطاع غزة فكتبت عن " نص غزة الغائب " ،
ولما كنت أتابع شعر بعض الشعراء الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي العالم العربي لاحظت أنهم هم من يتغنون بالمقاوم ، من المتوكل طه إلى عبد الناصر صالح إلى صلاح أبو لاوي إلى عبدالله أبو شميس فتميم البرغوثي وغيرهم .
لم يرق رأيي للكاتبة عبلة جابر ، فكتبت :
" والله يا دكتور عادل أنا أختلف معك اختلافا كاملا بحكم اطلاعي على كتابات أهل غزة والداخل والخارج والضفة ، وقد رصدت أن شاعرات غزة تحديدا ، رغم الألم والقهر والحزن ، إلا أنهن يظهرن أنساق صمود ونجاة ومقاومة ناعمة وإدانة للعالم ، وعلى النقيض النصوص خارج غزة تشي بالخوف والقلق والانكسار والخذلان " .
ولم تكتف عبلة بالكتابة ، فقد أرسلت إلي نماذج شعرية للشاعرة
آلاء القطراوي وسمية وادي وسمية أبو عيطة ، والأخيرة غادرت القطاع إلى تركيا . ومن ضمن القصائد القصيدة الآتية لسمية وادي :
" كنا نريدك للنهاية
بطلا على كتفيك
تكتمل الحكاية ..
كنا نريدك
أن تظل
تقول ما لم نستطع تفسيره ،
تمشي كأي فتى يحب
يغار ، يغضب
يشتهي نكتا ،
يعود لبيته متأخرا
ويضل معناه النبيل
كنا نريدك لا تموت
كأن موتك
من بنات المستحيل
كنا نريدك
كالبلاد
تمص من دمنا
وتكبر ..
مثل عنقاء الرماد
كنا نريدك
أن تعود
وتحرس المعنى الوحيد
كنا نريدك
يا شهيدا
قبل لحظتك الأخيرة
كنا نريدك يا حبيبي
يا بقايانا
@ويا كل الذخيرة !! " .
ومن قصائدها من ديوانها الأخير " غواية في حضرة الموت " ومطلعها :
" الناي في خديك أطول سنبلة /
واللوز في عينيك أعنف قنبلة /
العابرون على خطاك مراحل /
وخطاك تعبرهم وتنهي المرحلة /
لا شأيء يعطي السنديان جماله /
إلا التفاتك نحوه لتجمله /
ورد من الأشواك ، صرخة هاديء /
وبقلبك اجتمع التصبر والوله /
قدماك أشرعة ، يداك منارة /
شفتاك أجوبة ، وصمتك أسئلة"
وتنهيها بقولها :
"لا عيب فيك سوى اكتمالك في فم /
الزمن المعفر بالحكاية المهملة /
فاصعد وحيدا نحو غيم عذابنا /
لتحرر المطر البعيد وتنزله /
ما أجمل الرجل الذي اختتمت به /
بلدي الفصول جراحها ، ما أجمله !"
وواضح في الأبيات الأخيرة تأثرها بمحمود درويش في " مديح الظل العالي " ، ومما قرأته من أشعارها لاحظت هذا التأثر .
وأما آلاء القطراوي فقد أصدرت ديوان " فراشتي التي لا تموت " الذي لم تنشره على صفحاتها ، وفيه قصائد تمجيد للمقاوم كما أخبرتني عبلة جابر .
مرة تساءلت :
- ماذا كان محمود درويش سيكتب لو كان يقيم في غزة ؟
واسترجعت قصائده بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ و إبان الحرب الأهلية في لبنان ثم في حرب العام ١٩٨٢ ، بل وفي الانتفاضة الأولى . وأبرزها " أحمد الزعتر " و " مديح الظل العالي " و " عابرون في كلام عابر " . هل سيكتب قصائد على غرارها أم سيرثي المفقودين والبيوت و ... ؟
وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك فاستحضرت قصائد إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وعبد الكريم الكرمي . " هو بالباب واقف "و " سأحمل روحي على راحتي " و " أنشر على لهب القصيد " . وخمنت أنهم ، في هذه الظروف وأمام هذا التوحش الإسرائيلي ، سيقفون إلى جانب شعبهم وسيكتبون قصائد تشبه قصائدهم السابقة ، وقد أكون مخطئا ! قد !
كان إميل حبيبي يكرر العبارة الآتية :
" لا تلوموا الضحية " .
( الاثنين ٢٩ / ٩ والجمعة ٣ / ١٠ / ٢٠٢٥ . مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية في ٥ / ١٠ / ٢٠٢٥ )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى