يحيى العزيز
منذ أن بدأت قراءة مقالاتي بعدسة المخرج، أضفيت عليها حيوية لم يألفها مجال الاقتصاد والسياسة الخشن، الذي شكّل عالمي في الكتابة على امتداد نصف قرن.
كانت الثقافة والأدب والسينما بالنسبة لي الساحة التي أهرب إليها، لتضفي بعض الدفء على اختصاصي المهني شديد القسوة والبرودة.
إلى أن جاءت حرب الإبادة في غزة لتسقط الجدر الفاصلة بين الثقافة والفن والسياسة والاقتصاد، فأضافت قراءتك لمقالاتي بعدا أثراها، وبدأت رفقة امتدت منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أدخلت كل منا عالم الآخر.
وتحولت القراءات إلى شراكة وساحة اشتباك فكري وسّعت دائرة الرؤية بتعدد زوايا النظر إلى السياسة والاقتصاد والأدب والسينما. ووجدتني في حوار ممتد يشارك فيه ويثريه كتاب آخرون، وانضم إليه مؤخرا المخرج مصطفى النبيه.
وقد حفزتني متابعة مقالاتك الثرية حول السينما ودورها إلى الاشتباك أحيانا مع ما تكتب حولها، وهي مساحة لم أتجرأ على الخوض فيها من قبل، لاقتصار صلتي بها على التذوق، وافتقاري إلى المعرفة المهنية الضرورية.
وتكثّف هذا الحوار منذ فيلم «نازا»، وصولا إلى مقالك الأخير «الصورة التي تصل… والصورة التي تبقى».
وعندما قرأته، شعرت أن الحوار بيننا لم يعد يحتاج إلى العودة إلى الأسئلة التي بدأ منها. لم تعد المسألة أين بدأت الصورة، ولا إلى أين ذهبت، ولا حتى ما الذي يبقى منها بعد أن يغيب أصحابها.
لقد أخذت السؤال الذي وضعته أمامك في نهاية ردي، ومشيت به خطوة أخرى.
حين كتبتَ أن الصورة تحتاج إلى «بيت»، لم أقرأ الكلمة بوصفها استعارة للأرشيف وحده. بدا لي أنك تتحدث عن شيء أوسع: عن البيئة التي تستطيع الصورة أن تعيش فيها قبل أن تصل، وبعد أن تصل، وبعد أن يغيب الذين صنعوها.
مدرسة للسينما، وتدريب، وإنتاج، وتوزيع، ومهرجان، ونقد، وسينماتيك، وأرشيف؛ أي شبكة كاملة لا تمنح الفيلم طريقا إلى الشاشة فقط، وإنما تمنحه إمكانية أن يظل حيّا بعدها.
وهنا أظن أنك نقلت الحوار إلى سؤال جديد: ما الذي نريده من هذا البيت؟ وما الذي نريد من السينما الفلسطينية أن تفعله حين نمنحها مكانا تستطيع أن تعيش فيه؟
أقول ذلك لأنني توقفت طويلا عند خاتمة مقالك، عند ذلك الطفل الذي تخيلته بعد خمسين عاما، يشاهد أفلامنا، يعرف أسماء أصحابها وسياقاتها، ثم ينهض ويقول: «والآن دعوني أصنع فيلمي أنا».
ربما هذه الجملة هي التي فتحت عندي بابا جديدا في الحوار. فالطفل الذي تخيلته لا يحتاج فقط إلى أن يجد أفلامنا محفوظة، بل إلى أن يجد أمامه إمكانية أن يصنع شيئا لم نصنعه نحن، وأن يرى في السينما ما لم نستطع أن نراه، وأن يستخدم الكاميرا لا لكي يكرر ذاكرتنا، بل لكي يبدأ من حيث انتهينا ويذهب إلى مكان آخر.
ومن هنا أجدني أعود إلى السينما الفلسطينية نفسها. ماذا يعني أن نحمي السينما؟ هل نحميها لأنها تحفظ ما حدث؟ أم لأنها تمنحنا طريقة أخرى لرؤية ما حدث؟ وهل التوثيق هو بداية السينما، أم إحدى إمكاناتها فقط؟ وهل يمكن أن يكون الفيلم وثيقة للزمن الذي صنعه، وفي الوقت نفسه خيالا لزمن لم يأتِ بعد؟
وربما هنا تحديدا يصبح الفصل بين التوثيق والخيال أقل وضوحا مما يبدو. فحتى حين نصور ما حدث، نحن لا ننقل الواقع كما هو. نختار ما يدخل الإطار وما يبقى خارجه، من نتبعه، ومتى نقطع، وما الذي نتركه للصمت، وما الذي نضعه في مواجهة صورة أخرى. نحن لا نحفظ العالم فقط؛ نحن نقترح طريقة للنظر إليه.
ولهذا بدأت أفكر في عبارتك: «التوثيق للماضي. والأرشيف للذاكرة. والخيال للمستقبل».
إنها ثلاثية تبدو للوهلة الأولى وكأنها تقسم الزمن إلى ثلاث وظائف، لكن الحدود بينها أكثر التباسا. فالخيال موجود داخل التوثيق نفسه، لأن اختيار ما نصوره فعل خيال، والأرشيف لا يحفظ الماضي فقط، بل يفتح له إمكانية أن يدخل في حوار مع مستقبل لم يكن موجودا عندما صُورت تلك الأفلام.
وهنا يصبح السؤال ليس فقط: أين ستعيش الصورة الفلسطينية؟ بل: أي نوع من السينما نريد أن نترك إمكانية أن يعيش؟
ولهذا لا يكفي أن نحفظ الفيلم. فالأرشيف لا يحفظ مادته فقط، بل ينبغي أن يحفظ أيضا حق الأجيال القادمة في أن تراه بطريقة مختلفة، وأن تعيد قراءة ذاكرتنا من موقع لم يكن متاحا لنا نحن. فحماية الذاكرة لا تعني تثبيت معناها، بل إبقاءها قابلة لأن تُفتح من جديد.
وهنا أعود إلى «البيت». فإذا كان البيت هو البيئة التي تستطيع الصورة أن تعيش فيها، فإن السؤال يصبح: ما الذي يجعله بيتا للسينما، لا مؤسسة لإنتاج نوع معين منها؟ وهذا يعني أن «بيت الصورة» لا ينبغي أن يكون مكانا يحفظ الفيلم من الزمن، بل مكانا يسمح للفيلم بأن يدخل الزمن.
ومن هنا أعود إلى غزة، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة. إذا كان تدريب المخرجين الشباب مهماً لأنه يمنحهم أدوات صناعة الفيلم، فإن الأهم ربما هو أن يمنحهم الحق في أن يسألوا: ماذا أريد أنا أن أرى؟ وليس فقط: ماذا يريد الآخرون أن يروا مني؟
فالمشكلة لا تكون فقط عندما يُطلب من الفلسطيني أن يصور مأساته. قد تكون المشكلة الأعمق عندما يتعلم، مع الوقت، أن قيمة الصورة التي يصنعها ترتفع كلما اقتربت من الصورة التي ينتظرها العالم عنه.
عندها يصبح الخيال نفسه مساحة من مساحات الحرية؛ ليس لأن كل فيلم يجب أن يكون مقاومة، بل لأن حرية أن تصنع فيلما لا يحتاج إلى تبرير وجودك هي جزء من الحرية التي نتحدث عنها.
أن يصنع الفلسطيني فيلما عن الحرب، نعم. وأن يصنع فيلما لا تظهر فيه الحرب إطلاقا، نعم أيضا. أن يصور الذاكرة، وأن يهرب منها قليلا، وأن يعود إليها، وأن يسخر منها أحيانا، وأن يحلم بشيء لم يحدث، وأن يخطئ في تخيله، وأن يغير رأيه.
ربما هذه هي اللحظة التي تتحول فيها السينما من أداة لحفظ الهوية إلى مساحة لاختبارها. فالهوية التي لا تستطيع أن تتخيل نفسها خارج صورها السابقة قد تتحول، من حيث لا تريد، إلى أرشيف مغلق.
أما السينما، في أفضل احتمالاتها، فهي عكس ذلك تماما: إنها تجعل ما نظنه مكتملا قابلا لأن يبدأ من جديد.
لكن هنا بالضبط أظن أن علينا أن نتوقف عند كلمة «المؤسسة» التي ظهرت في نهاية مقالك ونسأل: ما الذي يجعل المؤسسة بيتا للسينما فعلا؟
لأن المؤسسة لا تحمي السينما فقط من الضياع؛ يمكنها، إذا لم تنتبه إلى حدود دورها، أن تحميها من نفسها أيضا. تستطيع أن توفر التمويل والتدريب والإنتاج والتوزيع والأرشفة، لكنها تستطيع في الوقت نفسه أن تحدد، من حيث لا تقصد، ما الذي يستحق أن يُصنع، وما الذي يستحق أن يصل، وما الذي ينبغي أن يسمى «سينما فلسطينية».
لهذا لا أظن أن وظيفة المؤسسة هي أن تعرف مسبقا أي سينما تريد. وظيفتها الأصعب هي أن تخلق الشروط التي تسمح لسينما لم تكن تعرفها أن تظهر.
وهذا يغيّر معنى التمويل نفسه. فحين تمنح المؤسسة المال لفيلم، لا ينبغي أن يكون المال مقابلا لحقها في تحديد النتيجة، بل وسيلة لمنح السينمائي الوقت والحرية والموارد لكي يكتشف شيئا لا يعرفه بعد.
فإذا كانت المؤسسة تريد أن تكون بيتا للسينما، فعليها أن تقبل بأن الفيلم قد يربكها، وأن السينمائي قد يختلف معها، وأن العمل الذي تدعمه قد يذهب في اتجاه لم يكن في حساباتها: أن تموّل من دون أن تملي، وأن تحمي من دون أن تحاصر، وأن تحفظ من دون أن تحتكر.
وهذا ينطبق قبل كل شيء على فكرة «السينما الفلسطينية» نفسها. فالهوية لا ينبغي أن تتحول إلى شرط إنتاج. ليس مطلوبا من السينمائي أن يثبت في كل فيلم أن ما يصنعه «فلسطيني بما يكفي». فقد يكون الفيلم فلسطينيا لأنه يتحدث عن فلسطين، أو لأن صاحبه ينظر إلى العالم من موقع فلسطيني، أو لأنه يرفض أصلا أن يجعل فلسطين موضوعه المباشر.
وربما تكون إحدى علامات المؤسسة الناضجة أن تقبل بفيلم لا تعرف تماما أين تضعه داخل تصنيفاتها، وأن تترك للزمن والمشاهد والسينمائيين أنفسهم مهمة اكتشاف مكانه.
وهنا يتجاوز التحدي مجرد حماية الفيلم إلى حماية حق الفنان في ملكية عمله وسيادته على مادته، بعيدا عن وصاية السوق أو المؤسسة. فالمؤسسة الناضجة ليست مالكا بديلا، بل وسيطا يحمي استقلال الفنان وحقه في عمله.
والاختبار الحقيقي لـ«بيت السينما» ليس في عدد المهرجانات والأرشيفات التي يبنيها، بل في قدرته على استقبال ذلك الطفل حين ينهض بعد خمسين عاما ويقول: «دعوني أصنع فيلمي أنا».
أن تفتح المؤسسة الباب لما لا تتوقعه، بدلا من أن تغلقه باسم الهوية؛ وأن تحفظ الماضي من دون أن تحوله إلى قيد على المستقبل
عندها تكون قد فعلت شيئا أصعب من حفظ الصورة:
أن تترك المستقبل مفتوحا.
منذ أن بدأت قراءة مقالاتي بعدسة المخرج، أضفيت عليها حيوية لم يألفها مجال الاقتصاد والسياسة الخشن، الذي شكّل عالمي في الكتابة على امتداد نصف قرن.
كانت الثقافة والأدب والسينما بالنسبة لي الساحة التي أهرب إليها، لتضفي بعض الدفء على اختصاصي المهني شديد القسوة والبرودة.
إلى أن جاءت حرب الإبادة في غزة لتسقط الجدر الفاصلة بين الثقافة والفن والسياسة والاقتصاد، فأضافت قراءتك لمقالاتي بعدا أثراها، وبدأت رفقة امتدت منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أدخلت كل منا عالم الآخر.
وتحولت القراءات إلى شراكة وساحة اشتباك فكري وسّعت دائرة الرؤية بتعدد زوايا النظر إلى السياسة والاقتصاد والأدب والسينما. ووجدتني في حوار ممتد يشارك فيه ويثريه كتاب آخرون، وانضم إليه مؤخرا المخرج مصطفى النبيه.
وقد حفزتني متابعة مقالاتك الثرية حول السينما ودورها إلى الاشتباك أحيانا مع ما تكتب حولها، وهي مساحة لم أتجرأ على الخوض فيها من قبل، لاقتصار صلتي بها على التذوق، وافتقاري إلى المعرفة المهنية الضرورية.
وتكثّف هذا الحوار منذ فيلم «نازا»، وصولا إلى مقالك الأخير «الصورة التي تصل… والصورة التي تبقى».
وعندما قرأته، شعرت أن الحوار بيننا لم يعد يحتاج إلى العودة إلى الأسئلة التي بدأ منها. لم تعد المسألة أين بدأت الصورة، ولا إلى أين ذهبت، ولا حتى ما الذي يبقى منها بعد أن يغيب أصحابها.
لقد أخذت السؤال الذي وضعته أمامك في نهاية ردي، ومشيت به خطوة أخرى.
حين كتبتَ أن الصورة تحتاج إلى «بيت»، لم أقرأ الكلمة بوصفها استعارة للأرشيف وحده. بدا لي أنك تتحدث عن شيء أوسع: عن البيئة التي تستطيع الصورة أن تعيش فيها قبل أن تصل، وبعد أن تصل، وبعد أن يغيب الذين صنعوها.
مدرسة للسينما، وتدريب، وإنتاج، وتوزيع، ومهرجان، ونقد، وسينماتيك، وأرشيف؛ أي شبكة كاملة لا تمنح الفيلم طريقا إلى الشاشة فقط، وإنما تمنحه إمكانية أن يظل حيّا بعدها.
وهنا أظن أنك نقلت الحوار إلى سؤال جديد: ما الذي نريده من هذا البيت؟ وما الذي نريد من السينما الفلسطينية أن تفعله حين نمنحها مكانا تستطيع أن تعيش فيه؟
أقول ذلك لأنني توقفت طويلا عند خاتمة مقالك، عند ذلك الطفل الذي تخيلته بعد خمسين عاما، يشاهد أفلامنا، يعرف أسماء أصحابها وسياقاتها، ثم ينهض ويقول: «والآن دعوني أصنع فيلمي أنا».
ربما هذه الجملة هي التي فتحت عندي بابا جديدا في الحوار. فالطفل الذي تخيلته لا يحتاج فقط إلى أن يجد أفلامنا محفوظة، بل إلى أن يجد أمامه إمكانية أن يصنع شيئا لم نصنعه نحن، وأن يرى في السينما ما لم نستطع أن نراه، وأن يستخدم الكاميرا لا لكي يكرر ذاكرتنا، بل لكي يبدأ من حيث انتهينا ويذهب إلى مكان آخر.
ومن هنا أجدني أعود إلى السينما الفلسطينية نفسها. ماذا يعني أن نحمي السينما؟ هل نحميها لأنها تحفظ ما حدث؟ أم لأنها تمنحنا طريقة أخرى لرؤية ما حدث؟ وهل التوثيق هو بداية السينما، أم إحدى إمكاناتها فقط؟ وهل يمكن أن يكون الفيلم وثيقة للزمن الذي صنعه، وفي الوقت نفسه خيالا لزمن لم يأتِ بعد؟
وربما هنا تحديدا يصبح الفصل بين التوثيق والخيال أقل وضوحا مما يبدو. فحتى حين نصور ما حدث، نحن لا ننقل الواقع كما هو. نختار ما يدخل الإطار وما يبقى خارجه، من نتبعه، ومتى نقطع، وما الذي نتركه للصمت، وما الذي نضعه في مواجهة صورة أخرى. نحن لا نحفظ العالم فقط؛ نحن نقترح طريقة للنظر إليه.
ولهذا بدأت أفكر في عبارتك: «التوثيق للماضي. والأرشيف للذاكرة. والخيال للمستقبل».
إنها ثلاثية تبدو للوهلة الأولى وكأنها تقسم الزمن إلى ثلاث وظائف، لكن الحدود بينها أكثر التباسا. فالخيال موجود داخل التوثيق نفسه، لأن اختيار ما نصوره فعل خيال، والأرشيف لا يحفظ الماضي فقط، بل يفتح له إمكانية أن يدخل في حوار مع مستقبل لم يكن موجودا عندما صُورت تلك الأفلام.
وهنا يصبح السؤال ليس فقط: أين ستعيش الصورة الفلسطينية؟ بل: أي نوع من السينما نريد أن نترك إمكانية أن يعيش؟
ولهذا لا يكفي أن نحفظ الفيلم. فالأرشيف لا يحفظ مادته فقط، بل ينبغي أن يحفظ أيضا حق الأجيال القادمة في أن تراه بطريقة مختلفة، وأن تعيد قراءة ذاكرتنا من موقع لم يكن متاحا لنا نحن. فحماية الذاكرة لا تعني تثبيت معناها، بل إبقاءها قابلة لأن تُفتح من جديد.
وهنا أعود إلى «البيت». فإذا كان البيت هو البيئة التي تستطيع الصورة أن تعيش فيها، فإن السؤال يصبح: ما الذي يجعله بيتا للسينما، لا مؤسسة لإنتاج نوع معين منها؟ وهذا يعني أن «بيت الصورة» لا ينبغي أن يكون مكانا يحفظ الفيلم من الزمن، بل مكانا يسمح للفيلم بأن يدخل الزمن.
ومن هنا أعود إلى غزة، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة. إذا كان تدريب المخرجين الشباب مهماً لأنه يمنحهم أدوات صناعة الفيلم، فإن الأهم ربما هو أن يمنحهم الحق في أن يسألوا: ماذا أريد أنا أن أرى؟ وليس فقط: ماذا يريد الآخرون أن يروا مني؟
فالمشكلة لا تكون فقط عندما يُطلب من الفلسطيني أن يصور مأساته. قد تكون المشكلة الأعمق عندما يتعلم، مع الوقت، أن قيمة الصورة التي يصنعها ترتفع كلما اقتربت من الصورة التي ينتظرها العالم عنه.
عندها يصبح الخيال نفسه مساحة من مساحات الحرية؛ ليس لأن كل فيلم يجب أن يكون مقاومة، بل لأن حرية أن تصنع فيلما لا يحتاج إلى تبرير وجودك هي جزء من الحرية التي نتحدث عنها.
أن يصنع الفلسطيني فيلما عن الحرب، نعم. وأن يصنع فيلما لا تظهر فيه الحرب إطلاقا، نعم أيضا. أن يصور الذاكرة، وأن يهرب منها قليلا، وأن يعود إليها، وأن يسخر منها أحيانا، وأن يحلم بشيء لم يحدث، وأن يخطئ في تخيله، وأن يغير رأيه.
ربما هذه هي اللحظة التي تتحول فيها السينما من أداة لحفظ الهوية إلى مساحة لاختبارها. فالهوية التي لا تستطيع أن تتخيل نفسها خارج صورها السابقة قد تتحول، من حيث لا تريد، إلى أرشيف مغلق.
أما السينما، في أفضل احتمالاتها، فهي عكس ذلك تماما: إنها تجعل ما نظنه مكتملا قابلا لأن يبدأ من جديد.
لكن هنا بالضبط أظن أن علينا أن نتوقف عند كلمة «المؤسسة» التي ظهرت في نهاية مقالك ونسأل: ما الذي يجعل المؤسسة بيتا للسينما فعلا؟
لأن المؤسسة لا تحمي السينما فقط من الضياع؛ يمكنها، إذا لم تنتبه إلى حدود دورها، أن تحميها من نفسها أيضا. تستطيع أن توفر التمويل والتدريب والإنتاج والتوزيع والأرشفة، لكنها تستطيع في الوقت نفسه أن تحدد، من حيث لا تقصد، ما الذي يستحق أن يُصنع، وما الذي يستحق أن يصل، وما الذي ينبغي أن يسمى «سينما فلسطينية».
لهذا لا أظن أن وظيفة المؤسسة هي أن تعرف مسبقا أي سينما تريد. وظيفتها الأصعب هي أن تخلق الشروط التي تسمح لسينما لم تكن تعرفها أن تظهر.
وهذا يغيّر معنى التمويل نفسه. فحين تمنح المؤسسة المال لفيلم، لا ينبغي أن يكون المال مقابلا لحقها في تحديد النتيجة، بل وسيلة لمنح السينمائي الوقت والحرية والموارد لكي يكتشف شيئا لا يعرفه بعد.
فإذا كانت المؤسسة تريد أن تكون بيتا للسينما، فعليها أن تقبل بأن الفيلم قد يربكها، وأن السينمائي قد يختلف معها، وأن العمل الذي تدعمه قد يذهب في اتجاه لم يكن في حساباتها: أن تموّل من دون أن تملي، وأن تحمي من دون أن تحاصر، وأن تحفظ من دون أن تحتكر.
وهذا ينطبق قبل كل شيء على فكرة «السينما الفلسطينية» نفسها. فالهوية لا ينبغي أن تتحول إلى شرط إنتاج. ليس مطلوبا من السينمائي أن يثبت في كل فيلم أن ما يصنعه «فلسطيني بما يكفي». فقد يكون الفيلم فلسطينيا لأنه يتحدث عن فلسطين، أو لأن صاحبه ينظر إلى العالم من موقع فلسطيني، أو لأنه يرفض أصلا أن يجعل فلسطين موضوعه المباشر.
وربما تكون إحدى علامات المؤسسة الناضجة أن تقبل بفيلم لا تعرف تماما أين تضعه داخل تصنيفاتها، وأن تترك للزمن والمشاهد والسينمائيين أنفسهم مهمة اكتشاف مكانه.
وهنا يتجاوز التحدي مجرد حماية الفيلم إلى حماية حق الفنان في ملكية عمله وسيادته على مادته، بعيدا عن وصاية السوق أو المؤسسة. فالمؤسسة الناضجة ليست مالكا بديلا، بل وسيطا يحمي استقلال الفنان وحقه في عمله.
والاختبار الحقيقي لـ«بيت السينما» ليس في عدد المهرجانات والأرشيفات التي يبنيها، بل في قدرته على استقبال ذلك الطفل حين ينهض بعد خمسين عاما ويقول: «دعوني أصنع فيلمي أنا».
أن تفتح المؤسسة الباب لما لا تتوقعه، بدلا من أن تغلقه باسم الهوية؛ وأن تحفظ الماضي من دون أن تحوله إلى قيد على المستقبل
عندها تكون قد فعلت شيئا أصعب من حفظ الصورة:
أن تترك المستقبل مفتوحا.