رسالتان رسائل بين خالد عطية وغانية ملحيس

25- رسالة خالد عطية الى غانية ملحيس


رسائل متبادلة بين خالد عطية وغانية ملحيس

أودّ أولا أن أشكر الدكتورة غانية ملحيس على قراءتها العميقة والممتدة، وعلى الروح النقدية التي تقارب بها القضايا الكبرى، وعلى الجهد الواضح في تنظيم المعطيات والأرقام وتوسيع النقاش نحو أفق أشمل من المقال الذي كتبته. من الطبيعي – بل من الضروري – أن تتعدد زوايا النظر حين يتعلق الأمر بلحظة تاريخية كبرى كالتي نعيشها، ولهذا أقدّر كثيراً هذا التفاعل الذي يفتح مجالاً للحوار لا للإغلاق.
لقد حاولتُ في مقالي تسليط الضوء على بنية الخطاب لا على نتائج الأحداث بذاتها؛ أي نقد طريقة التفكير التي تؤسّس لما أسميته “لغة الحسم” أكثر من نقد استنتاجات سياسية محددة. ومقالكِ، دكتورة، رغم اختلاف الرؤية في بعض النقاط، عزّز أهمية هذا المسار: فحين تتسع الرؤية ويُعاد الاعتبار للشروط البنيوية، نقترب أكثر من نقد يواجه ثقافة الهزيمة بدلاً من إعادة إنتاجها.
ومع اتفاقي معكِ في جوانب كثيرة—خصوصاً ما يتعلّق بضرورة مقاومة خطاب الإدانة الأخلاقية الذي يُفرغ الصراع من سياقه الاستعماري، وبأن التحولات التي أنتجها السابع من أكتوبر لا يمكن اختزالها بمعايير الربح والخسارة—فإنني أودّ التعقيب على بعض النقاط توضيحاً لا اعتراضاً.
إن ما قدّمتِه من معطيات حول التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي وتداعيات الطوفان على مرتكزات الكيان هي معطيات أقدّرها وأرى أهميتها، لكن هدفي في المقال لم يكن الدخول في تقييم نتائج الطوفان، بقدر ما كان متركّزاً على تفكيك المنهج التحليلي الذي بنى عليه أكرم عطا الله روايته. لذلك جاءت قراءتي في مستوى الخطاب لا في مستوى الوقائع. وتوسيعكِ لهذا الجانب يضيف بُعداً لا يناقض ما أردته، بل يؤكّده.
وفي ما يتعلّق بعلاقة المقاومة بالسلطة، أوافقكِ على أن هذا التوتر ليس حالة طارئة، بل تناقضاً بنيوياً مستمراً. وإشارتي لهذا التناقض كانت لتأكيد أن النقد الداخلي للمقاومة ينبغي أن يكون نقداً بنيوياً، لا سردية لوم تُستدرج بسرعة إلى مربّع أخلاقي خالص. وما أضفتِه في هذا الجانب يضع النقاش في سياق تاريخي واجتماعي أوسع.
أما الحديث عن ثقافة الهزيمة، فهو من أهم النقاط التي أثرتِها. وقد حاولتُ في مقالي نقد البنية الخطابية التي تنتج الهزيمة عبر التبسيط والحسم ونزع السياسة عن الاحتلال. وما كتبتِه حول التحولات في الوعي العالمي والعربي والفلسطيني يثري هذا النقاش ويمنحه عمقه الضروري. لكنني أؤكّد في الوقت ذاته أن مقاومة خطاب الهزيمة لا تعني وقف النقد أو تحويل التجربة إلى يقين مكتمل، بل إبقاء النقد في فضائه المنهجي لا الانفعالي، وهذا ما سعيت إليه في مقالي.
وأقدّر بشدة تأكيدكِ على أن الفكر يجب أن يبقى جزءاً من مشروع التحرر. ومع أنني أرى أن وظيفة الفكر لا تقوم فقط بالاندماج في سردية واحدة، بل في الحفاظ على مسافة نقدية تتيح المراجعة، إلا أنني أجد أن الاختلاف هنا هو اختلاف في طبيعة الأدوار لا اختلاف في الهدف. فالمقاومة تصنع الفعل، والفكر يصوغ الأسئلة، وبدون السؤال تفقد التجارب قدرتها على التطور.
أختتم بالتعبير عن تقديري العميق لكِ، دكتورة غانية ملحيس، وللسعة التحليلية التي قدّمتِها، وللإضافة الثرية التي وسّعت النقاش ودفعت به نحو أفق أعمق. وأرى في هذا التفاعل صورة لما نحتاجه جميعاً: اختلاف بلا قطيعة، نقد بلا تخوين، وحوار لا يتحوّل إلى ساحة لتثبيت مواقف، بل إلى مساحة للفهم المشترك. في النهاية، ما يجمعنا هو الحرص على الوعي الفلسطيني وحمايته من سرديات الإحباط، ومن سرديات التبسيط معاً، والإصرار على إبقاء النقاش مفتوحاً بوصفه جزءاً من معركة الوعي لا خارجها.
مع خالص التقدير والاحترام.
خالد عطية
7/12/2025

//////


26- غانية ملحيس الى خالد عطية


الصديق العزيز خالد عطية
أشكرك جزيل الشكر على هذا الرد العميق، وعلى الروح الحوارية التي يحرص كلانا على إبقائها مفتوحة، وهي روح نحتاجها جميعا في هذه اللحظة التاريخية الثقيلة.
قرأتُ تعقيبك باهتمام بالغ، وأسعدني أن يتحوّل النقاش الذي فتحه مقالك إلى مساحة لإعادة التفكير، لا إلى مسار للتثبيت أو الإغلاق. وهذا بالضبط جوهر ما أؤمن به: أن تعدّد زوايا النظر ليس ترفا فكريا، بل ضرورة منهجية، خاصة حين ندور حول حدث بحجم زلزال 7 تشرين الأول/ أكتوبر وما تلاه من تحوّلات.
أقدّر توضيحك بأن هدفك كان نقد البنية الخطابية أكثر من تقييم نتائج الطوفان. وهذا بالفعل ما جعل مقالك يستحق التوقف، لأن نقد “لغة الحسم” ضروري في مواجهة خطاب يختزل معقّدا تاريخيا واستعماريا في معادلات أخلاقية أو حسابات فورية. ومن هنا جاء توسيعي لدائرة النقاش، لا اعتراضا على توجّهك، بل بناء عليه ومحاولة لرفده بمعطيات إضافية تُظهر كيف تتفاعل البنية الخطابية مع الواقع البنيوي والتحوّلات الجارية على الأرض.
وفي ما يخصّ العلاقة بين المقاومة والسلطة، كان تركيزي على الإضاءة على السياق البنيوي الممتد، بينما ركّزت أنت على ضرورة وضع النقد في موقعه الصحيح كي لا يتحوّل إلى جلد ذات، أو إلى محاولة تعويض سياسية عبر أخلاقيات مُعلّبة. وهذا في جوهره تقاطع وتلاقٍ، لا اختلاف، رغم تفاوت ترتيب الأولويات والطبقات التحليلية.
أما عن ثقافة الهزيمة، فأنا أوافقك تماما على أهمية نقد خطاب التبسيط والحسم الذي ينتج تلك الثقافة، وأضيف أن مواجهة الهزيمة لا تبدأ بتعليق الأسئلة، بل بتحريرها من الانفعال. وفي هذا المعنى يلتقي هدفانا: أن يظل النقد جزءا من مشروع التحرر، لا خارجا عنه ولا بديلا منه.
كما أثمّن كثيرا إشارتك إلى دور الفكر في الحفاظ على مسافة نقدية. فهذه المسافة، في رأيي، ليست انسحابا بل شكلا آخر من أشكال الانخراط، لأن التجارب التي لا تُراجَع تُعاد إنتاج أخطائها بطرق أشد قسوة، وهو ما نلمسه في واقعنا. وما نحاول فعله في هذا النوع من الحوارات هو حماية التجربة من “الجمود داخل لحظتها” ومن الوقوع في أسر سردية واحدة مهما بدت مطمئنة.
أكرر امتناني لك، يا خالد، لقراءتك الثرية وللحوار المثمر الذي يعيد الاعتبار للاختلاف الخلّاق، ويمنح الشراكة الفكرية معناها الحقيقي: تكامل لا تطابق.
وأتمنى أن يظل هذا النقاش مفتوحا، وأن ينخرط فيه آخرون، بما يخدم هدفا واحدا يجمعنا: تحصين الوعي الفلسطيني من ثقافة الهزيمة ومن ثقافة التبسيط معا، وإبقاء الفكر جزءا من الفعل التحرّري لا منفصلا عنه.
محبّتي وتقديري.
غانية ملحيس 7/12/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى