من تاريخ حركة اليسار اليمني الدكتور عبد الرؤوف عبدالرحمن فدائي مقاتل وسياسي عنيد

في نهاية القرن التاسع عشر نزح عبده حميد الجعفري من المرتفعات الجبلية في قرية القُرِّنَه إلى وادي دعان بالقرب من الأرض المنبسطة في الأعبوس السفلى، وسكن قرية الفقهاء (نَعْمَان)
وكان أقرب إلى الرعيّة، وساعدته أسرة الفقيه الحاج فضل سعيد على الإستقرار في المكان الجديد، فالحاج فضل متزوج من زَهْر عثمان حميد وتوثقت صلة القرابة بينهما وكانت دعان البيئة الملائمة للعيش.
وتزوج عبده حميد من "كاتِبَة" والتي يعود اصلها إلى اسرة محمد الفقيه، وهم من أوائل الأسر التي سكنت قرية نعمان وتوطدت علاقته بالاهل وتوثقت الصلات.
واشتغل عبده حميد بالزراعة، في أرض أجداده وهم من توسعوا في امتلاك الأرض إلى دعان، و استطاع شراء المزيد بمساعدة ولديه عبدالرحمن وعبدالجبار.
لقد بدأ عبدالرحمن عبده حميد العمل في دكة ميناء عدن، وأصبح مقدما، اي مشرف على العمال، الذين يقومون بأعمال الشحن والتفريغ للسفن الإنجليزية.
وسرعان ما اتخذ عبدالجبار نهج مستقل؛ سافر ليعمل في مدينة عدن، والتحق بالاسطول الفرنسي مغتربا في البحر، وكان يعود الى القرية لقضاء اجازته، وقام بإصلاح وترميم دار الاسرة "دار عقبة نعمان" واستمر يسكنه مع أفراد أسرته.
أما عبدالرحمن عبده حميد، فقد اختار النُجِيّد، المكان المرتفع جنوب دار النجد، وأقام صرح البناء الشامخ المستقل والمطل على جبل ووادي الافلحي وعلى أودية الدِمْنَة والمَشَاوِّز وسيل العشة ووادي دعان.
وانتقل عبدالرؤوف ليسكن الدار الجديد مع أسرته، وكان يحظى برعاية خاصة من والدته "نعمة عبدالغني"، فهو الذكر الوحيد بين 4 أخوات؛ والتحق بكتاتيب القرية "معلامة الحاج فضل"، وامتلك صداقات واسعة استغلها في التعرف على الأرياف الجبلية،
كان صديق ذكي وجذاب وشجاع يكسر حدة الخلافات والمشاجرات التي تنشأ بين شباب القرى بالإقدام والإجهاز لضرب رئيس العصابة، الذي يراه مخالف ومخطئ، وكان لا يخاف أن يلتحم في عراكٍ يواجه العديد من اقرانه في شجارٍ مفتوح.
عبدالرؤوف من مواليد 1945، سافر عدن وعمره بين عشر إلى اثنى عشر عاما؛ انتقل يدرس في المدارس الاهلية، فهو لا يمتلك مخلِقة عدن، وترك الدراسة ليشتغل في أعمال النجارة والإنشاءات، شأنه شأن الشباب القادم من أرياف جنوب وشمال اليمن.
كان البناء قد بدأ يزدهر في مدينة عدن، فانخرط يعمل مرة أخرى في مشروع مباني المعلا، ثم ترك النجارة مرة أخرى وعاد يستكمل دراسته.
كانت عدن الخمسينات والستينات من القرن الماضي، البلد الحر تحت رعاية تاج الملكة؛ حرية نشر المطبوعات، وتكوين الاحزاب والنقابات. انخرط عبدالرؤوف في العمل النقابي في وقت مبكر، وعرف طريق الحريات من خلال المشاركة في الانشطة العمالية، واستوعب خصوصية الوطن الواقع تحت الاحتلال البريطاني..
وعاش عبدالرؤوف عبدالرحمن في الوسط العمالي، وبدأ فكره الوطني يتبلور. وكان الناشط العمالي والثائر الوطني "عبده علي عبدالكريم"، الذي كان يعمل حينذاك نجارا في عدن وقبيل التحاقه بالحرس الجمهوري بعد قيام ثورة 26 سبتمبر1962، قد وهب نفسه لرعاية جيل الشباب من ابناء الأرياف؛ وكان يوجههم إلى العمل الثوري والانخراط في العمل النقابي والانضمام إلى صفوف العمل الوطني.
كان عبدالرؤوف شديد الارتباط بالقرية وعاد ذات مرة خلال أيام العيد وتزوج وعاش بهجة العرس وبهجة العيد ثم غادر القرية إلى عدن والتحق بثورة 14 اكتوبر بصفوف الثوار فدائي في جبال ردفان وظل ينتقل بين ردفان وعدن.
وفي النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، وقع والده في إحدى حوادث العمل واقعده المرض وتوفى. ورغم ذلك إستمر عبدالرؤوف عبدالرحمن ثابتا في معارك الكفاح المسلح ونذر حياته للوطن وعانت اسرته في الشمال وتولت "نعمة عبدالغني" كفالة الطفل صلاح ولده الوحيد من ثمرة زواجه في القرية
واستمر العمل الفدائي ضد الاحتلال البريطاني في الأرياف، وقررت الجبهة القومية تنفيذ العمليات داخل مدينة عدن لإرباك القوات البريطانية وبَعْث رسالة إلى الرأي العام العالمي بعدالة القضية اليمنية.
واستمرت الجبهة القومية كاحدى أقوى حركات التحرر ضد الاستعمار بل وصارت الثانية في الوطن العربي، بعد الثورة الجزائرية، وكسبت الجبهة القومية ولاء النقابات العمالية الست وسيطرت عليها،
وشعر قادة "حزب الشعب الاشتراكي" أن البساط قد يسحب من تحت اقدامهم في عملية تحرير الوطن، وسعوا في عام 1965 الى تأسيس جبهة التحرير بإيعاز ودعم من القيادة المصرية.
وكانت الثورة التي انطلقت من جبال ردفان تجربة ادهشت العالم، وورد في تجربة الكفاح المسلح أن أحد مقاتلي الجبهة القومية تم اختياره ليمنع تقدم حملة من افراد الجيش البريطاني بين الجبال.
واستبسل في موقعه يقاوم تقدم الجنود وكانت رصاصته لا تخطأ الهدف، وعندما تمت محاصرة الجندي ذلك المقاتل العنيد اقتحموا موقعه بعد أن قُتِل وفارق الحياة ووجدوا بجانبه غذاءه طعامه الذي جعله يصمد لمدة ثلاثة أيام وكانت عبارة عن حبوب الدخن المبلولة بالماء، وصعق القائد الانجلزي وكتبت الصحف البريطانية عن بسالة المقاتل اليمني وعن الاساليب القتالية في حرب العصابات التي ادهشت الثوار حول العالم.
وتشرب عبدالرؤوف عبدالرحمن روح ثورة 14 اكتوبر، التي انطلقت من جبال ردفان، عايش عن قرب تلك التجربة والمصاعب الهائلة والتعرض للموت في كل لحظة وتحت وقع الإثارة والشجاعة والروح الشبابية، شارك من موقعه في جبهة عدن في انجاح الزحف عبر الدروب الطويلة نحو مدينة عدن بعد ان قررت الجبهة القومية تكتيكا جديدا في مرحلة متقدمة من الصراع.
اجتاز المقاتلون الأرياف الجبلية وكانوا يشتبكون في معارك عديدة مع قوات الجيش البريطاني الذي استحدث المطارات العسكرية واقام المعسكرات في ابين وغيرها من أرياف شبوة ولحج ولم يستطع الجيش البريطاني كسر الزحف الأحمر والذي بات يهدد القاعدة العسكرية البريطانية في عدن وهي الاقوى في الشرق الاوسط وشرق افريقيا.
اصيب الفدائي عبدالرؤوف عبدالرحمن في رجله أثناء معارك التحرير وتلقى العلاج اللازم وعاد إلى أرض المعركة التي فتحتها الجبهة القومية داخل مدينة عدن، حيث امتلكت قاعدة واسعة من المؤيدين والانصار
وشارك عبدالرؤوف في تنفيذ بعض العمليات وكان يجيد التنكر والانتقال السريع إلى مخابئ الفدائيين.
بعد الاستقلال في عام 1967 ارتبط عبدالرؤوف عبدالرحمن روحيا بردفان واهلها وصدر القرار بتعيينه المسؤول الأول للتنظيم السياسي الجبهة القومية وسكرتير المأمور في ردفان وقام باعداد كوادر حزبية اقتحمت الحياة السياسية مثل سيف صائل، وعلي منصر محمد، محمود عبيد ومحمد غالب أحمد.
وفي عام 1968 حدث الانشقاق داخل صفوف الجبهة القومية، رفض قحطان الشعبي النهج الإشتراكي وبدأ تصفية القوى اليسارية ولجأ الرفاق إلى الأرياف ينظمون صفوفهم ويفاوضون دولة قحطان الشعبي
وغادر عبدالرؤوف عدن ونزح معه كثيرون إلى الشمال وكان وضع الوطنيين في الشمال لايختلف فقد كثفت السلطات الامنية المطاردات والاعتقالات وظلت تلاحقهم وتستخدم اجهزتها القمعية البشعة لتصفيتهم.
وكانت حركة اليسار في الشمال في حالة مواجهة مع نظام 5 نوفمبر، ووسط ذلك الحراك الثوري نبغ عبدالرؤوف عبدالرحمن ينظم الصفوف وينتقل إلى مرحلة أخرى من النضال
وأمام الزعيم الوطني سلطان احمد عمر وقف يتحدث ويبلور برنامج لجان الاصلاح وهي عبارة عن انتفاضات شعبية مناهضة لحكم المشائخ ووكلاء الشريعة في المحاكم،
أن يكون من مهام اللجان؛ حل الخلافات والمنازعات بين الرعية والتي عادة ما تأخذ سنوات في دهاليز المحاكم، وكانت الفكرة اقرب إلى قلوب الناس والذين بدأوا يتقاضون أمام اللجان التي تشكلت في العديد من مناطق الأعبوس بلواء تعز وفي لواء إب.
كان مقر لجنة الاصلاح في مدرسة التحرير مشاوز أعبوس، والتي توسعت في النشاطات الفكرية والثقافية والسياسية. وكانت الحفلات الغنائية والمسرحية تجذب حضور السكان،
وأعد عبدالرؤوف عبدالرحمن برنامجا واسعا لإلقاء الندوات الثقافية وكان اسلوبه في الحديث سلس وممتع حول قضايا الحياة والثورة على الطغاة.
وذاع صيت عبدالرؤوف عبدالرحمن في حل الخلافات والنزاعات وسحب البساط من تحت اقدام ادارة السلطات المحلية.
وأعد مسيرة كبرى نحو المفاليس وذلك ليلتقي الأعبوس برجال الاثاور لتدارس أمر الحدود والاختلاف الذي طال سنوات طويلة بين العزلتين، وجرى التفاوض وتقريب وجهات النظر بين جميع الاطراف.
وفي مرحلة أخرى كان لابد من وصول أهل الاثاور في موكب مماثل إلى بلاد الأعبوس لتدارس الاوضاع وفرض الحل والصلح
ولا زالتُ أتذكر ذلك اليوم التاريخي ومسيرة رجال الاثاور تقترب من مدرسة التحرير، وصوت قرع الطبول والمرافع ضجيجٌ يملأ الوادي، مختلطا بأصوات رصاص البنادق ودوي المفرقعات والاسلحة الرشاسة
واتجه موكب الأعبوس يتقدمهم عبد الرؤوف يستقبلون رجال الاثاور، فالتحم الموكبان وتوجهوا جميعا إلى ساحة المدرسة، وصوت وديع أحمد فضل لا يتوقف يُذّكِر الناس بضرورة أن يتوحدوا. ومن خلال المكرفون قال: لا وقت للخلافات الجانبية.
ثم ذكر عدد من الاسماء للتوجه إلى رئاسة لجنة الاصلاح للتشاور ومناقشة مسودة الاتفاق من قبل ممثلي طرفي النزاع الاثاور والاعبوس، وبعد جدل مستفيض تم التوقيع على الاتفاق.
ومن خلال الاذاعة الداخلية، قرأ وديع أحمد فضل بيان الإتفاق الذي يرسم تفاصيل الحدود الجبلية في ثغر الجبل بين الخزجة ونجد العذير، معالم واضحة ترسمها طريق المفاليس المُصلى.
ثم وقف الأمين العام للجنة الإصلاح المناضل عبدالرؤوف عبدالرحمن أمام الحضور، يلقي حديث الندوة. كان الرجل أنيق الملبس متوسط الطول ترك خصال شعر رأسه الأملس الجميل تتدلى وتغطي جزءً من ملامح وجهه الوسيم، بدأ يتحدث وهو يبتسم وتشعر أنه يوجه الحديث اليك ويعانق أرواح من يتحدث اليهم.
باشر حديثه قائلا عندما تظهر حقول النفط في الحدود بين الاثاور والاعبوس سوف نعيد ترسيم الحدود وانفجر الحضور بالضحك، ثم انطلق يشرح حول تكوين التعاونيات الزراعية بين الأفراد وطرق عملها وكيف تحمي الفلاح من الكوارث، كان خياله واسعا ليتحدث في كل موضوع يتطرق إليه.
قدم دعوة في نهاية الندوة لرجال الاثاور للتوجه إلى الغداء وضيافة أهل الأعبوس إلى دار النجيد، وهو مقر سكن عبدالرؤوف عبدالرحمن، كان "داغم عبدالوارث" قد أعد وليمة من لحوم الضأن والاغنام وتقدم الموكب ضاربي المرافع والطبول وحامل الطاسة، وتحول الموكب إلى فرح وانتعش عبدالرؤوف توردت وجنتيه يضحك ويختلط بأهل الاثاور الذين كانوا يبادلونه الحديث والابتسامات.
وأمام دار الضيافة توسعت حلبة الشرح والرقص تعبيرا عن الفرح بنجاح لجنة الاصلاح في حل نزاع تاريخي بين الاثاور والاعبوس في صنع حدود مفتعلة لتوسيع الاملاك لبعض المصالح الانانية.
لقد نجحت فكرة لجان الاصلاح وهي اللجان الفلاحية الثورية والتي كانت النواة للعمل واستقطاب أعضاء جدد لأحزاب اليسار والحزب الديمقراطي الثوري اليمني الذي ولد من خضم تلك معاناة الحركة الوطنية التي وقفت ضد الفاسدين.
والجدير ذكره أن عبدالرؤوف عبدالرحمن وقف حائرا امام خلاف أسرى تخلى عن زوجته الأولى، أم صلاح، بالرغم من رفض نعمة عبدالغني والدته ومعارضة أخواته.
وتزوج للمرة الثانية بأم ميثاق ووضاح، وشهدت قرية دعان مهرجان الولائم وكانت حفلة العرس وقتا لاستراحة المقاتل العنيد.. رقص أهل القرى حتى الثمالة وكانت هناك فرقتين من الاخدام يتناوبون على دق الطبول والدفوف والغناء، واتذكر كيف كنا نذهب إلى دار النجيد في ليالي السمر والافراح بصحبة مرشد أحمد قائد.
وحان وقت العودة إلى مدينة #عدن، فقد عجز نظام قحطان الشعبي في إلغاء دور حركة اليسار في ثورة اكتوبر، واعاد الرفاق تصحيح مسار النهج الإشتراكي، فكانت حركة 22 يونيو 1969 بقيادة الرئيس سالم ربيع علي في ترسيخ دعائم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
استقر المناضل عبدالرؤوف عبدالرحمن في مناصب مختلفة في التنظيم والدولة الجديدة، وغاب عنا نحن من كنا نسكن الشمال. فقد أغلقت المنافذ والحدود بين الشمال والجنوب وبدأت مرحلة من الصراعات والحروب بين الشطرين، وستفحلت الخلافات الايدلوجية داخل حزب الرفاق، فكان النزوح والهروب من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال.
وعاشت البلاد نوعا من الاضطرالات السياسة، صراع على سلطة الحكم وتغير شكل النظام في الشمال وأطلق الجنوب دعما للجبهة الوطنية وتنفيذ العمليات العسكرية في عمق الاراضي الشمالية وبدأت مسلسل إغتيال الرؤساء وزادت حدة الخلافات وتعمقت
في نهاية العام 1985 وبداية العام 1986 عاد عبدالرؤوف عبدالرحمن يفتش عن أهله في الشمال وذهب إلى #الحديدة وتعز وصنعاء والى قريته دعان لقد كان يودع الجميع وكان يقرأ المستقبل ولعله تنبأ بأحداث ,13 يناير عام 1986
وذات ليلةٍ وصل الى حي "شعوب" بصنعاء ودق باب منزلنا، لم نتعرف عليه في البداية ولكنه سرعان ما اندمج وهو يصيح: "مش معقول أنت آسيا حسن بنت ثبات عبدالرحمن"، اخته، وانتقل يطوف مدن صنعاء، الحديدة وتعز، ولسان حاله يقول: أنا اودعكم جميعا.
لقد زار الجميع، ليجيء نبأ إستشهاده غير المتوقع في أحداث 13 يناير 1986 كالصاعقة على الرؤوس، فسالت دموعنا حزناً على غيابه وهو في أوج عطائه الفكري والسياسي.
لقد كانت احداث يناير 86 الدموية، الكارثة التي هزت كيان المجتمع اليمني، ولازالت فصولا كارثية أخرى تعيد نفسها بأشكال مختلفة في الوطن اليمني؛ تراجيديا متواصلة للحزن والألم.....
Taher Abdulhak
--------------------------------
--------------------------------
من إرشيف الراحل طاهر عبدالحق
السلام والسكينة لروحه
#اليمن #جمهورية_االيمن_الديمقراطية_الشعبية
#اليسار_اليمني #الاشتراكية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى