تتضمن هذه المجموعة القصصية ثمانية عشر قصة قصيرة، وحملت عنوان "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة"، هاجسها الأساسي عماده إبراز هشاشة الإنسان في مواجهة القهر والصدمة، والفقد، وانكسار المعنى. وعلى الرغم من تنوع حبكاتها وشخصياتها وبيئاتها، تتقاطع القصص في عمقها حول سؤال كبير: ماذا يحدث للذات حين يسحب منها الأمان؟
واللافت أن المجموعة لا تشتغل على المأساة بوصفها حدثا خارجيا فقط، بل بوصفها تجربة داخلية تفتك بالوعي والذاكرة والهوية؛ فالخطر الحقيقي ليس في الموت، ولا في العنف، ولا في الخذلان، بل في ما تخلفه هذه القوى داخل النفس من تشقق، وهلاوس، وتماه بين الواقع والخيال.
كما يمكن اعتبار "فقدان البوصلة النفسية والوجودية" العمود الفقري للمجموعة، التي تتوزع قصصها بين ثيمات الهروب إلى الخيال والاختباء النفسي، مثل قصص "ما خلف الباب"، و"بوصلة في مهب الريح"، و"حين ضاق البيت علي"، و"اللوح محفوظ"، وبين فقدان الهوية، والاغتراب من الذات، مثل "هذا لست أنا"، و"الطفل الذي"، و"حين قررت أن أتعايش معها"، و"بعوض بلا طنين"، بينما يستولي الخوف والاضطهاد الأسري أو الاجتماعي في قصص، مثل "واقترب الفرج"، و"مجرى ولا ماء"، و"فجأة انقطع التيار"، وتوجد قصص أخرى تدور في فلك الصدمة النفسية من التجارب القصوى، مثل "عينان خابيتان"، و"سيف ديموقليس"، و"رسوم عاطفية".
المجموعة ترصد -أيضا- كيف يتحول القهر الخارجي إلى خراب داخلي، وكيف يصنع الجنون من رحم العنف، والخذلان، والإقصاء.
وأستطيع القول إن القاص علي بنساعود جعل من القصة القصيرة مساحة اعتراف جماعي بمعاناة الإنسان المعاصر وأوجاعه.
لقد كان صادقا في التعبير عن ذلك، وهو ما يليق بأدب يعاين الانسان في مناطق انكساره القصوى.
أما القارئ فلا شك أنه سيمضي محملا بأسئلة أكثر من الأجوبة.
لقد ضمّن الكاتب مجموعته القصصية، نصوصا تتوفر على مقومات سردية قصصية مختلفة تقطع مع النمط التقليدي، وتعتمد على تقنيات مثل: الراوي غير الموثوق به، وتيار الوعي، والخاتمة المفتوحة أو الملتبسة، واللغة السردية المكثفة، الفصيحة، والميسرة.
وتتضح حنكة الكاتب، أيضا، في ما تميز به من قدرة على جذب اهتمام القارئ، وجعله يتصور الأحداث وكأنه يعيشها.
لا ريب أنه مُطَّلع على مميزات القصة القصيرة الحديثة وملتزم بمبادئها الأساسية، وبما تتميز به من وحدة أثر واضحة، وتركيز محكم على لحظة محورية، ومهارة في استخدام التكثيف والإيحاء، والوصول إلى نهاية فاعلة
تحمل معنى إنسانيا عميقا، مع ما يتطلبه ذلك من رسم حي للشخصيات، وانسجام بين الشكل والمضمون، وحضور قوي للمناخ النفسي والبيئي.
يقول المؤلف "إنريكي أندرسون إمبرت متحدثا عن فن القصة القصيرة وعن قوة تأثيرها :
"إنها تشتعل في لحظة وتخبو، لكن رمادها يظل ساخنا في الذاكرة".
ختاما، لا يسعني إلا أن أتوجه بخالص الشكر وفائق التقدير إلى الاديب المبدع الأستاذ علي بنساعود، مُثَمنا جهوده المخلصة، ومتمنيا له دوام التوفيق على درب النجاح والتميز.
الهادي نصيره
_تونس_
2025/12/09
واللافت أن المجموعة لا تشتغل على المأساة بوصفها حدثا خارجيا فقط، بل بوصفها تجربة داخلية تفتك بالوعي والذاكرة والهوية؛ فالخطر الحقيقي ليس في الموت، ولا في العنف، ولا في الخذلان، بل في ما تخلفه هذه القوى داخل النفس من تشقق، وهلاوس، وتماه بين الواقع والخيال.
كما يمكن اعتبار "فقدان البوصلة النفسية والوجودية" العمود الفقري للمجموعة، التي تتوزع قصصها بين ثيمات الهروب إلى الخيال والاختباء النفسي، مثل قصص "ما خلف الباب"، و"بوصلة في مهب الريح"، و"حين ضاق البيت علي"، و"اللوح محفوظ"، وبين فقدان الهوية، والاغتراب من الذات، مثل "هذا لست أنا"، و"الطفل الذي"، و"حين قررت أن أتعايش معها"، و"بعوض بلا طنين"، بينما يستولي الخوف والاضطهاد الأسري أو الاجتماعي في قصص، مثل "واقترب الفرج"، و"مجرى ولا ماء"، و"فجأة انقطع التيار"، وتوجد قصص أخرى تدور في فلك الصدمة النفسية من التجارب القصوى، مثل "عينان خابيتان"، و"سيف ديموقليس"، و"رسوم عاطفية".
المجموعة ترصد -أيضا- كيف يتحول القهر الخارجي إلى خراب داخلي، وكيف يصنع الجنون من رحم العنف، والخذلان، والإقصاء.
وأستطيع القول إن القاص علي بنساعود جعل من القصة القصيرة مساحة اعتراف جماعي بمعاناة الإنسان المعاصر وأوجاعه.
لقد كان صادقا في التعبير عن ذلك، وهو ما يليق بأدب يعاين الانسان في مناطق انكساره القصوى.
أما القارئ فلا شك أنه سيمضي محملا بأسئلة أكثر من الأجوبة.
لقد ضمّن الكاتب مجموعته القصصية، نصوصا تتوفر على مقومات سردية قصصية مختلفة تقطع مع النمط التقليدي، وتعتمد على تقنيات مثل: الراوي غير الموثوق به، وتيار الوعي، والخاتمة المفتوحة أو الملتبسة، واللغة السردية المكثفة، الفصيحة، والميسرة.
وتتضح حنكة الكاتب، أيضا، في ما تميز به من قدرة على جذب اهتمام القارئ، وجعله يتصور الأحداث وكأنه يعيشها.
لا ريب أنه مُطَّلع على مميزات القصة القصيرة الحديثة وملتزم بمبادئها الأساسية، وبما تتميز به من وحدة أثر واضحة، وتركيز محكم على لحظة محورية، ومهارة في استخدام التكثيف والإيحاء، والوصول إلى نهاية فاعلة
تحمل معنى إنسانيا عميقا، مع ما يتطلبه ذلك من رسم حي للشخصيات، وانسجام بين الشكل والمضمون، وحضور قوي للمناخ النفسي والبيئي.
يقول المؤلف "إنريكي أندرسون إمبرت متحدثا عن فن القصة القصيرة وعن قوة تأثيرها :
"إنها تشتعل في لحظة وتخبو، لكن رمادها يظل ساخنا في الذاكرة".
ختاما، لا يسعني إلا أن أتوجه بخالص الشكر وفائق التقدير إلى الاديب المبدع الأستاذ علي بنساعود، مُثَمنا جهوده المخلصة، ومتمنيا له دوام التوفيق على درب النجاح والتميز.
الهادي نصيره
_تونس_
2025/12/09