علجية عيش.. مالك بن نبي وهجرة الأدمغة

هكذا يستثمر الغرب في العقول العربية بكل وسائل الإغراء

إن مشروع مالك بن نبي هو بناء إنسان تكون له القابلية للنقد الذاتي و للتغيير الإيجابي، إنسان يترك كل الرّواسب التي تكون مصدرا لكل المُعَوِّقَات التي تقف له حجرة عثرة و لا يمكنه إزاحتها من طريقه، يريد مالك بن نبي من الفرد أو المجتمع أن يكون غير تابع للآخر، بمعنى أن يكون غير مبرمج، مؤمن بذاته واثق من نفسه، واعٍ لواقع أمّته، يسخّر كل جهده في الاتجاه الصحيح ، فلا يكون منبوذا، فعندما يحقق الإنسان ذاته فقد انتصر على "الشرّ"، إن هذا الانتصار هو ناتج كفاح الفرد ضد الجهل و التخلف، إننا في صراع، و هذا الصراع هو صراع فكري قبل أن يتحول إلى حربٍ ، قد تستعمل فيها كل الوسائل القاتلة و المدمّرة، و لذلك فنجاح كل فكرة هي انتصار على الاستعمار الفكري و ما يخطط له الغرب لتشتيت القوى الفاعلة في الميدان.
599819689_839661218699358_8419330030168377941_n.jpg

يحيلنا كتاب مالك بن نبي "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة" إلى قضية خطيرة جدا و هي ظاهرة هجرة الأدمغة ، وهي ظاهرة عجزت الجهات الحكومية عن معالجتها و لعل هذه واحدة من القراءات التي حان الوقت لتدارسها بعقلانية ، بحكم علاقتها بالصراع الفكري الذي شخّصه مالك بن نببي، و هو تشخيص يشبه تشخيص الطبيب للمرض و شرح أعراضه و ما هو علاجه، ليستخرج من تحليله المُعَوِّقَاتْ التي تواجه النهضة و مقوماتها، نقدم هنا عيّنة عن الصراع الفكري في الجزائر وما فعله الاستعمار بجاليتنا المقيمة في الخارج و بخاصة فرنسا؟، فهذه واحدة من القصص التي توثق لهجرة الأدمغة وهي تحكي عن الجزائري ( ج. ر) من مواليد 1960، هو أكبر إخوته عمره الآن 65 سنة غير متزوج، ينحدر من ولاية شرقية .
ec7221f1003e392b0bab22e14a03e77a.jpg


كان هذا الشاب واحدا من الذين يمثلون الإنتلجانسيا في الجزائر يتميز بالفطنة و الذكاء و الحكمة و الفِرَاسة و كان في مسقط رأسه محبوبا لدى الجميع، و كلما يأتي حديث السكان عن عائلته إلا و يذكرون اسمه بخير ، لأنه كان يصلي بهم صلاة الجماعة في مسجد الحي، بحكم أنه من حفظة القرآن و يجيد ترتيله و له صوتُ ربّاني، لكن بعثة علمية أجبرته على ترك البلاد، كانت فرنسا وجهته لمواصلة الدراسة لنيل شهادة دكتوراه في اللغة الفرنسية ، و بعد حصوله على الشهادة استقر (ج) في فرنسا و قرر عدم العودة إلى أرض الوطن ، بعد أن فتح مكتب أعمال، ظل (ج) بعيدا عن أسرته لمدة تتجاوز عشرين سنة ، لا يتفقدهما إلا عن طريق الهاتف، فقد غيرت الغربة حياته، لدرجة أنه لم يحضر زفاف شقيقه (X و y) و لم يحضر حتى تشييع جنازة شقيقته، وقد ساهم في ذلك ظهور الوباء الذي مسّ العالم كله في تعميق البعد عن الأسرة .

بعد طول غياب ، ها هو (ج) يعود إلى عائلته لتشييع جنازة والده، الذي توفي السنة الماضية ، البعض لم يعرفه، لأن رأسه اشتعل شيبا، و أصبح نحيفا أكثر من ذي قبل، كلّ شيء تغيّر فيه ماعدا صوته، الغريب أنه لم تمض أيام بعد وفاة والده ، حتى شدّه الحنين لبلاد الغربة ، عاد (ج) تاركا أمّه طريحة الفراش بعدما أصيبت بمرض خطير، فاقدة الوعي ، تغرق في النوم ليل نهار، هذا ما تصنعه الغربة بالإنسان، ينسى نفسه و أهله و بلده، ويتحول إلى إنسان آخر يتغير فكره و نمط عيشه، فما تزال ظاهرة "هجرة الأدمغة" تطرح تساؤلات لماذا يفضل الجامعيون في الجزائر العيش و العمل خارج وطنهم؟ فالجزائر أفرغت من كوادرها ، لأن الاستعمار كما يقول مالك بن نبي حينما لاحظ قدراتهم و امتيازاتهم في العلوم لم ير من مصلحته أن يتركهم يعودون إلى أوطانهم، فاتخذ الإجراءات الضرورية من أجل إبقائهم و الاستفادة من عقولهم و ذكائهم مستعملا كل وسائل الإغراء، و قد يحدث العكس، فالطاقات العلمية التي أثبتت كفاءتها في بلادها وجدت الأبواب موصدة أمامها، إمّا خوفا منها ، و إمّا لدفعها للهجرة.

وإذا ما كانت لهذا الإطار أو الكادر الغيرة على بلاده و عاد إليها لخدمة أهل بلده فلا يجد مكانه اللائق به، هو ما حدث مع أحد العلماء من الشباب الذي عاد من أمريكا بعد سنوات قضاها في مخبر الفيزياء أراد خدمة بلاده، بعد أن قدم عصارة فكره و عبقريته للغرب، كان ذلك في الاحتفال بيوم العلم 16 أفريل 2000، بعاصمة الشرق قسنطينة، كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد كرّم عالمة سورية مختصة في علم الفلك، في نفس اليوم انتحر هذا العالم من أعلى جسور المدينة بعد أن منحته الإدارة الجزائرية منصب عمل في تشغيل الشباب، ليغادر هذا العالم الذي سيطرعليه قادة الصراع الفكري، كانت هذه عيّنة عن الصراع الفكري في الجزائر و ما خفي أعظم، لأن غياب الوعي الفكري و غياب النقد الذاتي أو رفضه يؤدي إلى الانحراف عن المسار الصحيح للبناء الحضاري، كما أن داء التعصب يؤدي على نفس النتيجة، و في هذا يقدم مالك بن نبي مثالا عندما قال: إذا كان أهل بيزنطة يتجادلون في جنس الملائكة، هناك من يجادل في جنس الاستعمار هل هو ذكر أم أنثى، ما سهل على الاستعمار في فرض هيمنته على الشعوب و استعبادها.

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى