رسائل الأدباء 3 رسائل بين غانية ملحيس ود. بسام سعيد

1- رسالة متبادلة غانية ملحيس الى د. بسام سعيد


الدكتور بسام سعيد
مقالك مؤلم وصادق في التقاط تفاصيل الحياة اليومية في غزة، وفي نقل مستوى من المعاناة يصعب تخيّله لمن هم خارجها.
ما تصفه ليس “عالم التحطيب” بقدر ما هو تفكيك قسري لشروط الحياة الحديثة بفعل الحصار والحرب والإبادة. نحن لا نعيش “عصرا حطبيا” بالمعنى التاريخي، بل نُدفَع قسرا إلى ما قبل العصر، في ارتداد يُفرغ الإنسان من أبسط حقوقه، ويحوّل المعرفة، والبيت، والكتاب، وحتى الشهادة الأكاديمية، إلى وقود.
الأخطر فيما ترويه - حرق الكتب، تكسير الأثاث، إرسال الأطفال للبحث عن الحطب - أنّه لا يكشف الفقر المادي وحده، بل عنفا منظما ضد المعنى ذاته: ضد التعليم، ضد الذاكرة، وضد الاستمرارية الإنسانية. هنا، لا يعود السؤال كيف يتكيّف الناس، بل: من المسؤول عن دفعهم إلى هذا “التكيّف القاتل”؟
ربما نحتاج، إلى جانب توصيف الألم، إلى تسمية سببه بوضوح: فهذا ليس فشلا في إدارة أزمة غاز، ولا سوء تنظيم سوق فحسب، بل نتاج جريمة إبادة وتجويع ونزع إنسانيّة، يرتكبها العقل الأداتي الغربي الصهيوني المهيمن، ويساعده الأهل وذوو القربى تواطؤا وصمتا. ويغدو الشاي المُعدّ على أوراق رسالة دكتوراه رمزا لانهيار منظومة الحداثة كاملة، لا حكاية عابرة من زمن الشدّة.
إنّ صدى صرخة غزة، التي تدوي في عالم يفقد إنسانيته ويُسرع الخطى نحو السقوط، ينبغي أن يُسمَع في العالم المنشغل بتوقيع صفقات الغاز، ولا يرى أنّ تحت الغاز شعلة، إن تُركت بلا مساءلة، فلن تحرق غزة وحدها، بل ستمتدّ إلى الجميع، ما لم يُعاد وصل التفاصيل اليومية بجذورها السياسية والأخلاقية.
غانية ملحيس 19/12/2025

******

2- رسالة من د. بسام سعيد الى غانية ملحيس


د . غانية ملحيس

تعليق وتعقيب طيب ومعبر ، ويزيد المقال قوة ، وهذا هو الحال وربما أسوأ مما وصفت ، عالم ظالم فعلا لايكترث بما تعانى ولايشاركنا الا بمزيد من الوعود ، ولكن السؤال المهم لماذا نلقى كل اللوم على العامل الموضوعى ونغفل مساءلة العامل الذاتى الذى أوصلنا بسوء تقديرة وحساباته الخاطئة إلى ما نحن فيه من معاناه وهوان ، يجب أن نسأل ونتسائل ونحقق حتى نكون موضوعين فهناك عوار كبير لدينا وهذا العوار انتج الخيمة والخيبة للأسف !!
د.بسام سعيد 19/12/2025


*****

3- رسالة من غانية ملحيس الى د. بسام سعيد


دكتور بسام العزيز

لا خلاف على وجود عوارٍ ذاتيّ لدينا، ولا أحد يجادل في ضرورة النقد والمساءلة، لا سيما لتنظيمات المقاومة، وفي مقدمتها حماس، التي ليست فوق النقد، وقد ارتكبت أخطاء جسيمة، أهمها - في تقديري - الوهم بإمكانية الجمع بين حكم ذاتيّ محدود تحت استعمار استيطاني إحلالي عنصري، وبين فعل مقاومة يفترض بطبيعته نفي هذا الاستعمار لا التعايش معه.
هذا هو موضع العوار الحقيقي، وليس فعل المقاومة بحدّ ذاته. فالمقاومة، في مواجهة عدو وجودي يواصل منذ أكثر من قرن مشروع محو الشعب الفلسطيني بالإبادة والتطهير العرقي، ليست خطأ أخلاقيا ولا سياسيا ، بل حقّ وضرورة تاريخية. وهذا المشروع الإبادي لم يبدأ بطوفان الأقصى، بل تجلّى تارة بالإبادة بالجملة - حيث سُجِّلت أكثر من خمس وخمسين جريمة إبادة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، إذا تجاوزنا النكبتين الكبرى عام 1948، والأصغر عام 1967 - وتارة بالإبادة بالمجزّأ، كما في الحصار والحروب المتكررة.
وها نحن اليوم أمام حرب إبادة جماعية متواصلة للعام الثالث على التوالي في قطاع غزة، تترافق مع ما يجري في مخيمات وقرى الضفة الغربية.
الأشد غرابة، بل قسوة، أن يُلام القتيل الغزي - الذي عاش حصارا خانقا وخمس حروب مدمّرة خلال عقد ونصف قبل طوفان الأقصى - على مقاومة قاتله، في حين تُقدَّم “المسالمة” والامتثال في الضفة الغربية كبديل عقلاني. والوقائع تقول إن هذا المسار لم يمنع إبادة الفلسطينيين في مخيمات الضفة، ولم يحمِ طفلا من القتل أو الاعتقال، ولم ينقذ حوّارة من الحرق، ولا مئة ألف شجرة زيتون من الاقتلاع، ولا آلاف البيوت من الهدم، ولا أراضي الفلسطينيين وأموالهم من المصادرة.
النقد الذاتي الفلسطيني مطلوب وملحّ، نعم، لكن ليس لأن المقاومة خطيئة، بل لأن الخطيئة التي لا تُغتفر هي الوهم بإمكانية التعايش بين القاتل والقتيل، وبأن الامتثال يمكن أن يكون بديلا عن التحرر، أو أن إدارة الحياة تحت الإبادة قد تُنقذ المعنى أو الإنسان.
تقديري واحترامي

غانية ملحيس 19/12/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى