طارق حنفي - ما هي الأمانة حقًّا؟!

(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)

-----------
خواطر
-----------


الله - عز وجل - أوجد المخلوقات من العدم، وجعل لكل ذات منها طبعها الغالب عليها، والذي تُشتق منه في الجماد خصائصه، وفي الحيوان غرائزه وشهواته، ويزيد عليهما في الإنسان الصفات..
فلكل مخلوق جوهره الخاص به، المنبع الذي يصب الطباع على ذاته، الحسن والخير منها، والسيئ والرذيل..
وجعل لكل ذات وسيلتها الخاصة التي تعقل بها وتختار، ثم عرض عليهم أن يحملوا الأمانة، لكنهم جميعًا رفضوا حملها، إلا الإنسان، وافق على حملها، ظالمًا لنفسه؛ لاستعجاله قبولها، جاهلًا بعدم دوام ذلك الثبات الذي شعر به لحظة قبوله إياها؛ فهو من طبعه الهوى.

ولكن ما هي الأمانة حقًّا؟!

قالوا في تفسير الآية الكريمة:
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: إن الله عرض طاعته وفرائضه على السموات والأرض والجبال،
على أنها إن أحسنت أثيبت وجوزيت، وإن ضيعت عوقبت، فأبت حملها شفقة منها أن لا تقوم بالواجب عليها، وحملها آدم (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا) لنفسه، (جَهُولًا) بالذي فيه الحظ له..
وقالوا: الأمانة هي العقل..
وقالوا: هي النفخة الإلهية..
وقالوا: الأمانة هي حرية الاختيار..
وقالوا: هي الاستخلاف في الأرض.

والشيخ الشعراوي - رحمه الله - يقول:
الحق - سبحانه - يقول: عرضت الأمانة على كل خلقي، ومنه الإنسان والحيوان والجماد والنبات لأرى من منهم سيقبل تحملها ومن سيرفض..
إذا: معنى العرض أن هناك من سيقبل، وهناك من سيرفض..
ومن الخطأ أن نقول: إن الأرض والسماء والجبال... إلخ، مُسيرة مقهورة، بل يجب أن نُعدِّل العبارة فنقول هي
مقهورة باختيارها لأن الله حين عرض عليهن الأمانة أبين أن يحملنها وأشفقن منها، واختارت ألا تكون مختارة.

والله أعلم نقول:
بالتأمل في الأجناس غير المكلفة، نجد أن الحيوانات على سبيل المثال لا تخجل من سيئ طبعها وصفاتها؛ فهي لا تدرك من الأساس أنها سيئة..
ولا تسعى إلى التغيير أو اكتساب صفات جديدة، فهي تحيا داخل حدود ذاتها تتحكم فيها طباعها، ولا ترى خارج هذه الحدود.

وبالنظر إلى السماء والأرض والجماد، نجد أن كل منهم يقوم
بعمله المكلف به حسب خصائصه الظاهرة الطاغية عليه..
وظيفته ودوره مستمد مما يملكه من تلك الخصائص
التي خلقها الله فيه، لا تتغير هيئتها ولا شكلها وطبعها إلا بأمر الله، وإن طالت مدة الثبات..
تحيا مجبورة بداخلها، لها طريقة عبادتها وتسبيحها
الخاص بها، تشعر بالأمن والسلام والسعادة وهي تطيع
ربها.

"هم جميعًا اختاروا أن يكونوا مستسلمين ومنسجمين
مع طباعهم، آثروا السلامة، اختاروا أن يكونوا مسخرين، مقهورون لأمر الله."

وبهذا المعنى، أرى أن الأمانة: هي السماح من الله لذات ما أن
تغير من طباعها، والذي استلزم بالضرورة أن يكون لها عقل تتدبر به، وحرية اختيار، وقدرة على التغيير بحسب الاختيار، وأن يكون هناك من الله منهج يخبرها
الصواب من الخطأ، ويطلعها على كيفية عبادته..
هي: محاولة التحكم في الطبع بغرض إصلاح الذات عن طريق إصلاح الظاهر والباطن من الصفات..
وهي: التخلي عن سيئ الصفات واكتساب المزيد من
الخيرات في محاولة للارتقاء والسمو وتخطي حدود الذات؛ للوصول إلى سلامة وتمام القلب الذي يعبر عن الوصول إلى كمال هذه الذات المخلوقة..
ولا يتم هذا كله إلا بالتفكير والتدبر واختيار عبادة وتوحيد ذي الجلال..

"هي رحلة ارتقاء للوصول إلى أن يختار الإنسان
الله -سبحانه وتعالى- إلهًا، ويطيعه ولا يختار هواه أو شيطانه."

والأمانة بهذا المعنى لهي مجازفة بالخروج من حدود
الذات إلى عالم أوسع وأشمل، حيث ترى باقي الأنفس
وتعلم السيئ والخير من الصفات، فتختار السمو على نفسها وإصلاح السيئ من صفاتها، واكتساب ما ينقصها، لتصل إلى السلامة والأمان والصلاح والكمال، ويكون أول ما يحارب الإنسان في نفسه ظلمه وجهله (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا).

وكمال الذات لا يتم إلا بمعرفة الله خالقها، واختيار طاعته وعبادته والوصول لمحبته، فتصير محاولة الصلاح والتغيير ابتغاء وجه الله ونيل رضاه؛ لترجع إلى خالقها تامة سليمة راقية كاملة قدر المستطاع، فيتلقاها خالقها ويسبغ عليها نعم أخرى، لتكون مستعدة لأن تتلقى درجات أعلى من الجود الإلهي، فهو سبحانه الجواد الكريم الذي لا يتوقف عطاؤه وجوده حتى بعد دخول الإنسان الجنة.

وصل اللهم وسلم وبارك على الذات المحمدية التي أكرمها الباري بكمال الأنوار والصفات، وجعلها لنا نورًا ودليلًا يرشدنا إلى طريق التغيير، بطاعة وعبادة الله، ومجاهدة
الأنفس والأهواء.

طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى