يشكّل ما كتبته الدكتورة غانية ملحيس حول إعادة تعريف السياسة الفلسطينية بعد الإبادة، ثم أطروحتها الأحدث عن استنفاد النموذج السياسي الفلسطيني برمته، لحظة فكرية لا يمكن المرور عليها مرورًا عابرًا. ليست هذه النصوص مجرد نقد للأداء أو مراجعة خطابية، بل هي محاولة لخلخلة الأساس الذي قامت عليه السياسة الفلسطينية منذ انطلاقة حركة فتح، ومحاولة لطرح السؤال الذي جرى تجنبه طويلًا: هل ما نعيشه اليوم أزمة سلطات وقيادات وأشخاص، أم أننا نقف أمام استنفاد تاريخي لنموذج سياسي بكامله، لم يعد قادرًا لا على تفسير الواقع ولا على تغييره، بل أصبح جزءًا من إدارة الواقع الاستعماري نفسه؟
المدخل الذي تفتحه ملحيس يقوم على أن الإبادة لم تكن حدثًا مضافًا إلى التاريخ الفلسطيني، بل كانت لحظة كشف جذري أسقطت أوهامًا تراكبت تدريجيًا: وهم الحسم السريع، وهم الشرعية الدولية، وهم القدرة على إدارة الخسارة بوصفها سياسة، ووهم اعتبار السلطة مركز السياسة لا أحد أدواتها. لم تعد السياسة قادرة على الاستمرار بمعناها القديم: إدارة تفاوضية، تحسين شروط البقاء، انتظار انفراج دولي، أو التعويل على نظام عربي رسمي متآكل. في زمن الانكشاف الطويل، لا يعود السؤال كيف نُنهي الحرب، ولا كيف ننتصر بسرعة، بل كيف نعيش سياسيًا دون أن نتحلل أو ننطفئ داخل زمن لا يعد بنهاية قريبة.
غير أن إعادة تعريف السياسة بوصفها إنتاجًا للمعنى ومقاومة لمحو الذات لا تكفي إذا بقيت مجرد إعادة صياغة لغوية. فجوهر الأزمة لا يكمن في الخطاب وحده، بل في البنية التي تمنع قيام السياسة أصلًا، حتى لو تغيّرت اللغة. ما انكشف في زمن الإبادة ليس عجز الشعارات بل عجز الحوامل التي تحملها: سلطة وُلدت بوظيفة إدارية – أمنية، انقسام تحوّل من حادث إلى بنية استقرار سلبي، تمثيل مغلق يقوم على الاحتكار لا التفويض، واقتصاد سياسي للسلطة يربط البقاء السياسي بالبقاء الوظيفي داخل منظومة الاحتلال. هنا يصبح السؤال ليس فقط ما السياسة، بل من يملك الحق في ممارستها، ومن يحتكرها، ومن يُقصى عنها، ومن يُختزل دوره إلى “موضوع إدارة”.
في هذا الإطار تذهب ملحيس خطوة أبعد حين تعلن أن الاستنفاد لا يطال الأشخاص والقيادات وحدهم، بل النموذج السياسي نفسه الذي نشأ مع فتح وتطوّر داخل منظمة التحرير وبلغ ذروته السلطوية مع أوسلو. فالمسألة لم تعد إصلاح فتح أو ترميم المنظمة أو عقد مؤتمر جديد يعيد توزيع المقاعد داخل البنية نفسها. الزمن الجديد لا ينتظر إعادة تدوير البنية القديمة. السؤال الأخطر يصبح: هل النموذج ذاته — بنمط تمثيله، وطريقة إنتاج نخبته، وعلاقته بالسلطة، وتعريفه للشرعية، وحدود تخيّله للصراع — ما يزال صالحًا لقيادة مشروع تحرري في مواجهة استعمار استيطاني إحلالي مفتوح زمنًا ووظيفة؟
في هذا المفصل تحديدًا يلتقي هذا النص مع أطروحات ملحيس من حيث الجوهر، وإن تباينت المقاربات في إيقاع العبور وآلياته . فالاستنفاد الذي تصفه يبدو واقعيًا إلى حد بعيد: نموذج سياسي تحوّل تدريجيًا إلى إدارة واقع لا تغييره، وفقد قدرته على تمثيل الشتات، وابتعد عن المخيمات، واندمج في النظام العربي الرسمي، ثم تماهى وظيفيًا مع سلطة حكم ذاتي مقيدة صُمّمت لإدارة الاحتلال. ومع ذلك، تطرح هذه القراءة، دون مصادرة على النتائج، إمكانية اختبار قدرة بعض عناصر هذا التاريخ على إعادة التأسيس من الداخل قبل إعلان القطيعة النهائية معه. لا لأن الماضي ملزم أو مقدّس، بل لأن القطيعة مع تاريخ كامل دفعة واحدة قد تفتح فراغًا تمثيليًا لا يقل خطرًا عن استمرار النموذج المستنفد. هكذا يصبح الاختلاف — إن وُجد — ليس في الهدف النهائي، بل في طريقة العبور إلى ما بعده.
لكن أي عبور من نموذج إلى آخر لا يتم بقرار أخلاقي ولا بإعلان خطابي. الانتقال نفسه ساحة صراع. فالحامل السياسي الجديد الذي تتحدث عنه ملحيس — المركب، الشبكي، غير الهرمي، غير المحتكر للتمثيل — لا يولد بوصف نظري جاهز. يولد عبر مواجهة مع قوى احتكار السياسة: مع سلطة ربطت تمثيلها ببقائها الوظيفي، مع تنظيمات ترى نفسها مالكة للشرعية التاريخية، مع نظام دولي لا يعترف إلا بما يدخل في معاييره، ومع اقتصاد سياسي محليّ يربط لقمة العيش بفلسفة الطاعة. لذلك لا يقتصر السؤال على كيف يبدو الحامل الجديد، بل يتعداه إلى كيف ينتزع شرعيته ومن يمنحه الاعتراف ومن يحميه من إعادة الاختطاف باسم الواقعية أو المقاومة.
أما فكرة الصبر التي أعادت ملحيس تعريفها من فضيلة أخلاقية إلى بنية سياسية زمنية فهي تمسّ لبّ التجربة الفلسطينية. الصبر هو ما عطّل وهم الحسم الصهيوني، لكنه يتحول إلى استنزاف حين يُلقى على كتف مدينة أو قطاع أو جيل واحد. الصبر لا يصبح سياسة إلا إذا جرى توزيعه عادلًا، وتحويله إلى طاقة منظمة لا عبءً أخلاقيًا يُطلب ممن يدفع الكلفة ذاتهم المرة تلو الأخرى. غير أن تحويل الصبر إلى سياسة يحتاج إلى حامل سياسي لا إلى خطاب أخلاقي، وإلى تمثيل حقيقي لا إلى وصاية. وهنا يعود السؤال إلى نقطة البداية: من يملك السياسة؟ ومن يحوّل الألم إلى فعل سياسي لا إلى معاناة مؤرشفة؟
الخطر الأكبر في هذا الزمن ليس الهزيمة العسكرية وحدها، بل تحوّل “عدم الهزيمة” إلى مشروع نهائي. حين يصبح البقاء بحد ذاته غاية السياسة، يتراجع أفق التحرر إلى الخلف، وتتحول الإدارة إلى بديل عن المشروع الوطني، ويتحول الصمود إلى حالة انتظار مفتوحة بلا أفق. السياسة المطلوبة هي تلك التي تحمي المعنى من المحو، وتمنع تفكك “نحن” الفلسطينية، لكنها في الوقت نفسه تفتح الأفق التحرري وتمنع تثبيت الواقع بوصفه قدرًا.
بهذا كله، تبدو مقالات الدكتورة غانية ملحيس جزءًا من مخاض فكري فلسطيني أوسع، لا يكتفي بالنقد الأخلاقي ولا يرضى بالترميم الجزئي. هي تدفع باتجاه مساءلة النموذج ذاته، بينما تحاول هذه القراءة أن توازن بين ضرورة مساءلة النموذج وبين خطر القطيعة الفجائية غير المحسوبة. غير أن ما يجمع هذه المقاربات أوسع بكثير مما يفصل بينها: اليقين بأن زمن ما قبل الإبادة قد انتهى سياسيًا وأخلاقيًا، وأن السياسة الفلسطينية لا يمكن أن تعود إلى معناها القديم، وأن الحامل السياسي الجديد لن يولد من رحم البنية ذاتها التي وصلت إلى استنفادها، وأن إعادة تعريف السياسة بات شرط بقاء لا خيارًا فكريًا.
بهذا المعنى لا ينتهي هذا النص إلى حكم جاهز، بل إلى سؤال مفتوح: كيف يمكن للفلسطينيين أن يعيدوا تعريف السياسة ذاتها، لا شعاراتها، في زمن الانكشاف الطويل وبنية الانسداد واستنفاد النموذج؟ وكيف يمكن لعبورٍ تاريخي أن يحدث دون فراغ ودون إعادة إنتاج للاحتكار؟ لقد أصبحت السياسة نفسها موضوع الصراع، لا مجرد وسيلته، وأصبح النقاش الفكري جزءًا من معركة المعنى. ما يحدث اليوم هو محاولة لاستعادة القدرة على الفعل داخل زمن بلا نهاية قريبة، حتى لا يتحول الفلسطيني إلى مجرد ناجٍ، وحتى يبقى التحرر أفقًا تاريخيًا مفتوحًا لا شعارًا معلقًا على حافة الذاكرة .
لسنا في لحظة يقين ولا أمام أجوبة مكتملة. نحن في قلب زمن مفتوح على احتمالات قاسية، لكن ما نملكه هو هذا الحوار نفسه: الحوار الذي لا يهرب من سؤال القطيعة ولا يتورط في تدمير البيت الوطني.
ثمة توافق آخذ بالتبلور بين المتحاورين على أن موضع القطيعة ليس منظمة التحرير الفلسطينية كإطار وطني جامع، بل الصيغة السياسية العاجزة التي جرى تفريغها عبرها من مضمونها التحرري. فالمسألة ليست في الحفاظ الشكلي على الإطار، ولا في القفز خارجه، بل في استعادته بوصفه حاملًا سياسيًا فعليًا، وهو ما لا يتحقق دون قطيعة واضحة مع منطق السلطوية والاحتكار الذي حوّله إلى بنية مغلقة .
وفي هذا المفترق تحديدًا تصبح مسؤولية الكلمة والفكر جزءًا من المعركة. إنّ ما يتشكل اليوم ليس برنامجًا انتخابيًا ولا بيانًا سياسيًا عابرًا، بل وعيًا جماعيًا جديدًا، لن يولد إلا إذا انخرط فيه الجميع: المثقفون، الكُتّاب، الباحثون، الفاعلون الاجتماعيون، طلاب الجامعات، وأصحاب الرأي في الداخل والشتات. لسنا على متن سفن متعددة؛ نحن في سفينة واحدة، وإذا غرقت غرقنا جميعًا ولن ينجو أحد بمفرده. لذلك فإن الصمت لم يعد خيارًا، وتأجيل المشاركة لم يعد مبررًا، والهروب إلى الهامش لم يعد ممكنًا.
إن الحوار الجمعي المفتوح الذي بدأ يتسع في الآونة الأخيرة ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا وطنيًا للبقاء وإعادة التأسيس. كل صوت يُضاف إليه يوسّع أفق الإمكان، وكل غياب يضيّق هذا الأفق. إننا ندعو كل من يرى نفسه طرفًا في هذا المصير المشترك إلى المشاركة، لا بوصفه ناقدًا من الخارج، بل شريكًا في صياغة الإجابة على سؤال: أي بيت وطني نريد؟ وأي سياسة تستحق شعبًا يدفع هذا الثمن كله؟
ربما يكون أول ملامح الحامل السياسي الجديد هو قدرتنا على خوض هذا النقاش بوضوح وهدوء ومسؤولية تاريخية، ونحن نعرف أن السياسة بعد الإبادة لا يمكن أن تكون هي السياسة التي سبقتها، وأن الوطن لا يُبنى بالحنين وحده ولا بالإنكار، بل بإعادة تأسيس الإطار الذي يجمعنا جميعًا، على قاعدة تعددية حقيقية وشرعية شعبية لا تُمنح من فوق بل تُنتزع من المجتمع.
بقلم : خالد صالح عطية
08-01-2026
المدخل الذي تفتحه ملحيس يقوم على أن الإبادة لم تكن حدثًا مضافًا إلى التاريخ الفلسطيني، بل كانت لحظة كشف جذري أسقطت أوهامًا تراكبت تدريجيًا: وهم الحسم السريع، وهم الشرعية الدولية، وهم القدرة على إدارة الخسارة بوصفها سياسة، ووهم اعتبار السلطة مركز السياسة لا أحد أدواتها. لم تعد السياسة قادرة على الاستمرار بمعناها القديم: إدارة تفاوضية، تحسين شروط البقاء، انتظار انفراج دولي، أو التعويل على نظام عربي رسمي متآكل. في زمن الانكشاف الطويل، لا يعود السؤال كيف نُنهي الحرب، ولا كيف ننتصر بسرعة، بل كيف نعيش سياسيًا دون أن نتحلل أو ننطفئ داخل زمن لا يعد بنهاية قريبة.
غير أن إعادة تعريف السياسة بوصفها إنتاجًا للمعنى ومقاومة لمحو الذات لا تكفي إذا بقيت مجرد إعادة صياغة لغوية. فجوهر الأزمة لا يكمن في الخطاب وحده، بل في البنية التي تمنع قيام السياسة أصلًا، حتى لو تغيّرت اللغة. ما انكشف في زمن الإبادة ليس عجز الشعارات بل عجز الحوامل التي تحملها: سلطة وُلدت بوظيفة إدارية – أمنية، انقسام تحوّل من حادث إلى بنية استقرار سلبي، تمثيل مغلق يقوم على الاحتكار لا التفويض، واقتصاد سياسي للسلطة يربط البقاء السياسي بالبقاء الوظيفي داخل منظومة الاحتلال. هنا يصبح السؤال ليس فقط ما السياسة، بل من يملك الحق في ممارستها، ومن يحتكرها، ومن يُقصى عنها، ومن يُختزل دوره إلى “موضوع إدارة”.
في هذا الإطار تذهب ملحيس خطوة أبعد حين تعلن أن الاستنفاد لا يطال الأشخاص والقيادات وحدهم، بل النموذج السياسي نفسه الذي نشأ مع فتح وتطوّر داخل منظمة التحرير وبلغ ذروته السلطوية مع أوسلو. فالمسألة لم تعد إصلاح فتح أو ترميم المنظمة أو عقد مؤتمر جديد يعيد توزيع المقاعد داخل البنية نفسها. الزمن الجديد لا ينتظر إعادة تدوير البنية القديمة. السؤال الأخطر يصبح: هل النموذج ذاته — بنمط تمثيله، وطريقة إنتاج نخبته، وعلاقته بالسلطة، وتعريفه للشرعية، وحدود تخيّله للصراع — ما يزال صالحًا لقيادة مشروع تحرري في مواجهة استعمار استيطاني إحلالي مفتوح زمنًا ووظيفة؟
في هذا المفصل تحديدًا يلتقي هذا النص مع أطروحات ملحيس من حيث الجوهر، وإن تباينت المقاربات في إيقاع العبور وآلياته . فالاستنفاد الذي تصفه يبدو واقعيًا إلى حد بعيد: نموذج سياسي تحوّل تدريجيًا إلى إدارة واقع لا تغييره، وفقد قدرته على تمثيل الشتات، وابتعد عن المخيمات، واندمج في النظام العربي الرسمي، ثم تماهى وظيفيًا مع سلطة حكم ذاتي مقيدة صُمّمت لإدارة الاحتلال. ومع ذلك، تطرح هذه القراءة، دون مصادرة على النتائج، إمكانية اختبار قدرة بعض عناصر هذا التاريخ على إعادة التأسيس من الداخل قبل إعلان القطيعة النهائية معه. لا لأن الماضي ملزم أو مقدّس، بل لأن القطيعة مع تاريخ كامل دفعة واحدة قد تفتح فراغًا تمثيليًا لا يقل خطرًا عن استمرار النموذج المستنفد. هكذا يصبح الاختلاف — إن وُجد — ليس في الهدف النهائي، بل في طريقة العبور إلى ما بعده.
لكن أي عبور من نموذج إلى آخر لا يتم بقرار أخلاقي ولا بإعلان خطابي. الانتقال نفسه ساحة صراع. فالحامل السياسي الجديد الذي تتحدث عنه ملحيس — المركب، الشبكي، غير الهرمي، غير المحتكر للتمثيل — لا يولد بوصف نظري جاهز. يولد عبر مواجهة مع قوى احتكار السياسة: مع سلطة ربطت تمثيلها ببقائها الوظيفي، مع تنظيمات ترى نفسها مالكة للشرعية التاريخية، مع نظام دولي لا يعترف إلا بما يدخل في معاييره، ومع اقتصاد سياسي محليّ يربط لقمة العيش بفلسفة الطاعة. لذلك لا يقتصر السؤال على كيف يبدو الحامل الجديد، بل يتعداه إلى كيف ينتزع شرعيته ومن يمنحه الاعتراف ومن يحميه من إعادة الاختطاف باسم الواقعية أو المقاومة.
أما فكرة الصبر التي أعادت ملحيس تعريفها من فضيلة أخلاقية إلى بنية سياسية زمنية فهي تمسّ لبّ التجربة الفلسطينية. الصبر هو ما عطّل وهم الحسم الصهيوني، لكنه يتحول إلى استنزاف حين يُلقى على كتف مدينة أو قطاع أو جيل واحد. الصبر لا يصبح سياسة إلا إذا جرى توزيعه عادلًا، وتحويله إلى طاقة منظمة لا عبءً أخلاقيًا يُطلب ممن يدفع الكلفة ذاتهم المرة تلو الأخرى. غير أن تحويل الصبر إلى سياسة يحتاج إلى حامل سياسي لا إلى خطاب أخلاقي، وإلى تمثيل حقيقي لا إلى وصاية. وهنا يعود السؤال إلى نقطة البداية: من يملك السياسة؟ ومن يحوّل الألم إلى فعل سياسي لا إلى معاناة مؤرشفة؟
الخطر الأكبر في هذا الزمن ليس الهزيمة العسكرية وحدها، بل تحوّل “عدم الهزيمة” إلى مشروع نهائي. حين يصبح البقاء بحد ذاته غاية السياسة، يتراجع أفق التحرر إلى الخلف، وتتحول الإدارة إلى بديل عن المشروع الوطني، ويتحول الصمود إلى حالة انتظار مفتوحة بلا أفق. السياسة المطلوبة هي تلك التي تحمي المعنى من المحو، وتمنع تفكك “نحن” الفلسطينية، لكنها في الوقت نفسه تفتح الأفق التحرري وتمنع تثبيت الواقع بوصفه قدرًا.
بهذا كله، تبدو مقالات الدكتورة غانية ملحيس جزءًا من مخاض فكري فلسطيني أوسع، لا يكتفي بالنقد الأخلاقي ولا يرضى بالترميم الجزئي. هي تدفع باتجاه مساءلة النموذج ذاته، بينما تحاول هذه القراءة أن توازن بين ضرورة مساءلة النموذج وبين خطر القطيعة الفجائية غير المحسوبة. غير أن ما يجمع هذه المقاربات أوسع بكثير مما يفصل بينها: اليقين بأن زمن ما قبل الإبادة قد انتهى سياسيًا وأخلاقيًا، وأن السياسة الفلسطينية لا يمكن أن تعود إلى معناها القديم، وأن الحامل السياسي الجديد لن يولد من رحم البنية ذاتها التي وصلت إلى استنفادها، وأن إعادة تعريف السياسة بات شرط بقاء لا خيارًا فكريًا.
بهذا المعنى لا ينتهي هذا النص إلى حكم جاهز، بل إلى سؤال مفتوح: كيف يمكن للفلسطينيين أن يعيدوا تعريف السياسة ذاتها، لا شعاراتها، في زمن الانكشاف الطويل وبنية الانسداد واستنفاد النموذج؟ وكيف يمكن لعبورٍ تاريخي أن يحدث دون فراغ ودون إعادة إنتاج للاحتكار؟ لقد أصبحت السياسة نفسها موضوع الصراع، لا مجرد وسيلته، وأصبح النقاش الفكري جزءًا من معركة المعنى. ما يحدث اليوم هو محاولة لاستعادة القدرة على الفعل داخل زمن بلا نهاية قريبة، حتى لا يتحول الفلسطيني إلى مجرد ناجٍ، وحتى يبقى التحرر أفقًا تاريخيًا مفتوحًا لا شعارًا معلقًا على حافة الذاكرة .
لسنا في لحظة يقين ولا أمام أجوبة مكتملة. نحن في قلب زمن مفتوح على احتمالات قاسية، لكن ما نملكه هو هذا الحوار نفسه: الحوار الذي لا يهرب من سؤال القطيعة ولا يتورط في تدمير البيت الوطني.
ثمة توافق آخذ بالتبلور بين المتحاورين على أن موضع القطيعة ليس منظمة التحرير الفلسطينية كإطار وطني جامع، بل الصيغة السياسية العاجزة التي جرى تفريغها عبرها من مضمونها التحرري. فالمسألة ليست في الحفاظ الشكلي على الإطار، ولا في القفز خارجه، بل في استعادته بوصفه حاملًا سياسيًا فعليًا، وهو ما لا يتحقق دون قطيعة واضحة مع منطق السلطوية والاحتكار الذي حوّله إلى بنية مغلقة .
وفي هذا المفترق تحديدًا تصبح مسؤولية الكلمة والفكر جزءًا من المعركة. إنّ ما يتشكل اليوم ليس برنامجًا انتخابيًا ولا بيانًا سياسيًا عابرًا، بل وعيًا جماعيًا جديدًا، لن يولد إلا إذا انخرط فيه الجميع: المثقفون، الكُتّاب، الباحثون، الفاعلون الاجتماعيون، طلاب الجامعات، وأصحاب الرأي في الداخل والشتات. لسنا على متن سفن متعددة؛ نحن في سفينة واحدة، وإذا غرقت غرقنا جميعًا ولن ينجو أحد بمفرده. لذلك فإن الصمت لم يعد خيارًا، وتأجيل المشاركة لم يعد مبررًا، والهروب إلى الهامش لم يعد ممكنًا.
إن الحوار الجمعي المفتوح الذي بدأ يتسع في الآونة الأخيرة ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا وطنيًا للبقاء وإعادة التأسيس. كل صوت يُضاف إليه يوسّع أفق الإمكان، وكل غياب يضيّق هذا الأفق. إننا ندعو كل من يرى نفسه طرفًا في هذا المصير المشترك إلى المشاركة، لا بوصفه ناقدًا من الخارج، بل شريكًا في صياغة الإجابة على سؤال: أي بيت وطني نريد؟ وأي سياسة تستحق شعبًا يدفع هذا الثمن كله؟
ربما يكون أول ملامح الحامل السياسي الجديد هو قدرتنا على خوض هذا النقاش بوضوح وهدوء ومسؤولية تاريخية، ونحن نعرف أن السياسة بعد الإبادة لا يمكن أن تكون هي السياسة التي سبقتها، وأن الوطن لا يُبنى بالحنين وحده ولا بالإنكار، بل بإعادة تأسيس الإطار الذي يجمعنا جميعًا، على قاعدة تعددية حقيقية وشرعية شعبية لا تُمنح من فوق بل تُنتزع من المجتمع.
بقلم : خالد صالح عطية
08-01-2026