أحمد عبدالله إسماعيل - ملامح باهتة...

بين أروقة الذاكرة المنهكة، وفي عتمة صالون لم تزرْه الشمس إلا قليلاً، جلس "يحيى" يرقبُ عقارب الساعة وهي تلتهم ما تبقى من هدوء المساء. لم يكن ينتظر زوجته "سارة" ليتناول معها العشاء، بل كان ينتظر "بقايا إنسانة" يلفظها مبنى الزجاج والرخام في وسط المدينة كل ليلة.
يتذكر يحيى تلك الليلة التي ارتجف فيها هاتفها عند الحادية عشرة مساءً. غرقت "سارة" في إعياءٍ شديد، لكن رنة "البريد الإلكتروني" فعلت بها ما لم يفعله وجوده بجانبها لسنوات. انتفضت بظهرٍ مستقيم، وتلاشت بحّة التعب من صوتها وهي ترد على اتصال مديرها، حاملة نبرة من "الخشوع الإداري" ما لم يلمسه يحيى في أشد لحظات قربهما. رآها ترتجف أمام رسالة نصية، وتتجاهل وجوده تماماً وكأنه ظلٌ في الغرفة. في تلك اللحظة، تساءل يحيى بمرارة:
"هل يملك مديرها مستقبلها؛ ولذا فله الطاعة المطلقة، وله بريق العينين، وله الانتباه الذي لا تشوبه شائبة؟ أما أنا، فلي الوقت المستقطع ما بين النوم والاستيقاظ؟!"
لم تكن حياتهما ثنائية قط، بل "شركة مساهمة" يسكنها شبح الوظيفة. حملت سارة معها مكتبها إلى غرفة النوم؛ لا بالأوراق فحسب، بل بالذهن الشارد. تخرج في الصباح بكامل أناقتها، متعطرة بـ "طموح" لا يراه هو، تمنح ابتسامتها الأجمل لزملائها، وتدخر ليحيى وجهًا أرهقه التفكير في منافسة الزملاء و"التقارير السنوية". تعود في المساء جثة هامدة، تفرغ فيه أزمات العمل كأنه سلة مهملات للمشاعر الفائضة.
في ليلة ذكرى زواجهما العاشرة، تزينت الطاولة واحترقت الشموع بهدوء، لكن سارة راحت تحدق في شاشتها تتابع "مشروعًا طارئاً". لم تعد ترى في بيتها مملكة، بل مجرد "فندق" للراحة قبل جولة الصراع القادمة. همس يحيى لنفسه:
"لقد تزوجتُ امرأةً يسكن قلبها في تفاصيل الشركة، وعقلها في أدراج المكتب، وما يتبقى لي ليس سوى جسدٍ يطلب النوم."
تجاوزت الساعة العاشرة ليلاً حين دلفَت "سارة" من الباب. لم تخلع حذاءها بعد، ظلت ممسكة بهاتفها تدون ملاحظة صوتية بنبرة تفيض بالتهذيب: "تمامًا يا فندم، سأقوم بتعديل العرض التقديمي الآن.. تحت أمرك".
التفتت لتجد يحيى جالسًا في الظلام، يراقبها بصمت مخيف.
- يحيى! لماذا تجلس كالأشباح؟ أفزعتني! لا وقت لديّ لسماع كلمات اللوم أو النقاشات التافهة.
بهدوء بارد سألها:
- النظرة التي كانت في عينيكِ وأنتِ تتحدثين إليه الآن.. متى كانت آخر مرة منحتِني إياها؟
تنهدت سارة وتوسلت إليه ألا يبدأ "أسطوانة الغيرة"، فمستقبلها بيد هذا المدير. قام يحيى ببطء:
- الأمر ليس غيرة، بل ولاء. أنتِ تمنحينه الاحترام الذي تظنينه استحقاقاً لكرسيه، وتعطيني أنا الفضلات.. فضلات الأعصاب والمشاعر. أنتِ ترين فيه القوامة الحقيقية لأنه يملك العلاوة والقرار، أما أنا، فمجرد شريك في غرفة فندق.
نهض واقترب من الباب:
- لقد أدركتُ متأخرًا أنني تزوجتُ امرأةً قلبها معلّق بـ 'بصمة الحضور والانصراف'. أنتِ لا ترين فيّ الأمان، بل ترينه في تقارير الأداء.
توقف عند عتبة الغرفة، ونظر إليها نظرة أخيرة قبل أن يتركها في صمت البيت الموحش.
بقيت سارة وحدها. سقط الهاتف من يدها على السجادة. جلست على الأرض بملابس عملها الأنيقة التي بدت كطوق ضيق يشل حركتها. وضعت رأسها بين ركبتيها وأصدرت نحيبًا مكتومًا. كانت تريد أن تركض خلفه، أن تخبره أنها "تخاف" من ذلك الصوت الذي يتحكم في مزاجها، وأنها تهرب للعمل لأنها لم تعد تعرف كيف تكون "سارة القديمة"؛ الفنانة التي تفتقد أحب اللحظات لقلبها: الإمساك بالفرشاة ورسم الغروب والشروق.. اللوحة التي ضاعت ملامحها تحت بريق شاشات الحاسوب.
رنّ الهاتف مرة أخرى. لمعت الشاشة في الظلام. اهتز جسدها برعشة سيطرت على كيانها. مدت يدها بآلية مرعبة، مسحت دموعها بكم قميصها الغالي، وابتلعت غصتها. وبصوتٍ يحاول استجماع شتات امرأة انكسرت من الداخل، همست للمسجل:
- حاضر يا فندم.. جاري التنفيذ خلال اليوم.

قصة جديدة
يناير ٢٠٢٦
معرض القاهرة الدولي للكتاب يجمعنا
#أحمدعبدالله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى