أحمد عبدالله إسماعيل - كذبة بيضاء...

ظنّت أن الأقدار قد ابتسمت لها أخيرًا، تلك اليتيمة التي بحثت عن "أب" في وجوه الغرباء منذ طفولتها، وقد وجدت أخيرًا ما تبحث عنه حين وقفت على عتبة ذلك البيت الريفي الواسع.

استقبلها صِهرها بذراعين مفتوحتين وضحكة دافئة، قبل جبينها أمام الجميع قائلاً: هذه ابنتي التي لم أنجبها.
في تلك اللحظة، شعرت أن الوحدة الطويلة قد انتهت، وأنها وجدت أخيراً ملاذًا أمينًا، وحضنًا دافئًا.

سافر الرجل للعمل في الخارج لسنوات ثلاث. وحين عاد، كان الاختلاف جليًا في ملامحه التي تشققت بخطوط القسوة، وفي نظراته التي فقدت دفئها القديم. بدأت تلاحظ أن اللمسات العابرة التي ظنتها عفوية أصبحت تتكرر بطريقة غريبة، تدوم أكثر مما يجب.

همست لأختها الصغرى التي لاحظت الأمر: "لا تقلقي، إنه مجرد حنين أب بعد غياب طويل". حاولت إقناع نفسها قبل غيرها أن "دمه لا يمكن أن يتحول إلى ماء".

لكن الصدف تكررت حتى أصبحت مفتعلة أكثر من اللازم: الاحتكاك في الممر الضيق للمطبخ، المسكة الطويلة ليدها ومداعبتها بإبهامه عند السلام، الجلوس المتكرر بجوارها في غياب الآخرين. بدأ قلبها يفقد طمأنينته شيئًا فشيئًا.

ثم انحدر لسانه فجأة من رفعة الأبوة إلى درك الخيانة. همسات "الإعجاب" التي تحولت إلى كلمات "حبٍ مسمومٍ"، وطلباته التي تترفع العفة عن وصفها، أصبحت حصارًا يوميًا تخنقها.

تحول البيت الذي أحبت تنظيفه ورعايته إلى سجن تخشى أروقته. صارت تترقب خلو المكان، تتجنب النزول إذا علمت أنه وحده، وتقفز من مكانها عند أي صوت خلف الأبواب.

بلغ الكابوس ذروته ذات مساء حين حاول كسر حصنها الأخير. دفعته بكل قوتها، وانطلق من حنجرتها صرخة مكتومة زلزلت كيانها لكن الجدران السميكة ابتلعتها. سمعته يهمس بخشية: "اسكتي، الناس تسمع".

شتمته بكلمات ذاقت مرارة الخيانة قبل أن تنطقها. فجأة، تحول الذئب إلى حمل وديع، يطلب السماح ويتوسل؛ خشية "الفضيحة" في قريتهم الصغيرة.

أدركت أنها تقف عند مفترق طرق مصيري. في هاتفها المحمول "تسجيل" صامت يحمل دليل الإدانة، وفي قلبها طفلتان تخشى عليهما من يتم جديد ومن نظرات المجتمع القاسية.

زوجها أحمد، ذلك الرجل الطيب الذي يعود كل مساء منهكًا من عمله في المدينة البعيدة، يظن أنه يقدم لعائلته أفضل ما يمكن، سقفاً آمناً في بيت أهله. كيف تخبره أن الخطر يأتيه من مأمنه؟!

في ليلة هادئة، وقفت أمام مرآة صغيرة في غرفتها المتواضعة. نظرت إلى عينيها المجهدتين، ثم إلى صورة ابنتيها على الدولاب. تذكرت صوت زوجها وهو يقول قبل أيام: "الأهل نعمة؛ هم سندنا في الدنيا".

أصبح الصراع داخلها عنيفًا: أن تكسر الصمت فتهدم البيت الذي جمعها بمن خان الأمانة، أم تظل سجينة صامتة تحت سقف واحد مع جلاّدها؟

وفي صباح اليوم التالي، بينما وقف زوجها يصلي الفجر، جاءتها فجأة. لم تكن خطة مدبرة، بل لحظة وضوح قررت فيها أن تنهي المعاناة بحكمة.

انتظرت حتى خرج أحمد إلى عمله، تعلم أن "الأب" في حجرته. اقتربت من بابه، وطرقته بنقرات هادئة لكن حازمة.

فتح الباب مستغربًا. نظرت في عينيه مباشرة، بصوت هادئ لكنه صلب كالفولاذ:

- منذ عودتك وأنت تخطئ في حقي. لقد احترمت فيك مكانة الأب، لكنك خنت الأمانة.

ارتعشت يده على مقبض الباب. حاول التملص: ماذا تقصدين؟ أنا لا...

أكملت حديثها دون أن تدعه يكمل:
- كل كلمة نطقت بها، كل محاولة اعتداء، موثقة في مكان آمن. اعتذارك لا يعنيني، لكنني أحذرك: أي تجاوز بسيط سأجعله نهاية لكل الأقنعة.

لم تنتظر رده. أدارت ظهرها وهي تشعر أن قلبه يخفق خلفها أسرع من خفقات قلبها.

على مائدة الغداء، أصبح الجو غريبًا. لاحظ أحمد صمت "أبيه" غير المعتاد، وسأله: كل شيء على ما يرام يا أبي؟

نظر الرجل إلى وجهها للحظة، فرأى تحديًا صامتًا في عينيها. أجاب بسرعة: نعم نعم.. مجرد صداع.

منذ ذلك اليوم، تغيرت حركة البيت. هي لم تعد تهرب من الممرات، بل هي تمشي فيها برأس مرفوع. وهو لم يعد يبحث عن الصدف، بل يتجنب حتى النظر المباشر.

لكن الحكاية لم تنتهِ. فذات مساء، وهي تعد العشاء، دخل أحمد إلى المطبخ حاملاً هاتفها الذي سقط من جيبها. على الشاشة، قرأ رسالة لتذكير بنسخ "الملفات المهمة" إلى الحاسوب.

سأل ببراءة:
- ما هذه الملفات المهمة يا حبيبتي؟

تجمدت لثوانٍ شعرت أنها دهور. ثم أدركت أن المواجهة الحقيقية على وشك أن تبدأ... المواجهة التي إما ستكشف كل شيء، وإما تدفن الأسرار إلى الأبد.

نظرت إلى عيني زوجها المليئتين بالثقة والبراءة، ثم إلى الباب الموصد الذي يخفي خلفه رجلاً ينهشه الخوف. أدركت أن معركتها لم تنتصر بعد، لكنها على الأقل لم تعد تخوضها بمفردها.

تسمرّت في مكانها، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها رغم حرارة المطبخ. كان السؤال بسيطاً، لكنه يحمل في طياته صاعقة قد تحول هذا البيت إلى حطام. نظرت إلى زوجها أحمد؛ كانت عيناه تفيضان بتلك الطيبة الساذجة التي جعلتها يوماً تعشق الحياة معه.
ابتلعت ريقها، وأزاحت خصلة شعر متمردة عن وجهها ببطء، محاولةً كسب ثوانٍ معدودة لاستجماع شتات عقلها. في تلك اللحظة، رأت من زاوية عينها "حماها" يقف بعيدًا في الصالة، متصلبًا كتمثال من ملح، تلاحقه أنفاسه المقطوعة وهو يراقب المشهد برعبٍ صامت.
ابتسمت بهدوء لم تكن تعلم أنها تملكه، وقالت بصوت ناعم:
- هذه ملفات صور قديمة لوالدتي الراحلة، يا أحمد.. وصور لبيتنا القديم قبل أن يتهدم. لقد قمت بتحويلها لصيغة رقمية بطلب من أختي، فخفتُ أن تضيع من هاتفي، فهي كل ما تبقى لي من رائحة أهلي.
تنهد أحمد بارتياح، وارتسمت على وجهه ابتسامة حانية وهو يمد يده ليعيد إليها الهاتف:
- حقاً؟ لقد أخفتني، ظننتُ أن هناك أمراً جللاً قد حدث أو أنكِ تخفين عني عطلاً في الهاتف.
أخذت الهاتف من يده، وشعرت بملمسه كأنه قطعة من جمر. لم تكن الكذبة سهلة على لسانها، لكنها رأت في عيني زوجها استقرار بيتها، ورأت في مستقبل ابنتيها سقفًا يحميهما. حدقت في ذلك "الرجل" الواقف في الظلال؛ رأت انكسارًا في عينيه لم تره من قبل، انكسارًا نابعًا من إدراكه أنها الآن هي من تملك زمام حياته، وأن صمتها ليس عفوًا عنه، بل هو فدية لسلامة زوجها.
بينما عاد أحمد لمتابعة حديثه العفوي عن تعبه في العمل، وضعت الهاتف في جيبها بعزم. لقد قررت أن تدفن هذا السر في أعمق نقطة في قلبها، أن تحمله وحدها، لتضمن ألا تنطفئ تلك البراءة في عيني زوجها، وألا تُوصم ابنتيها بذنب لم تقترفاه.
دخلت الغرفة، مسحت التسجيل الأصلي بعد أن تأكدت من وجود نسخة مشفرة في مكان لا تصله إلا الذاكرة، ثم وقفت أمام النافذة تراقب غروب الشمس خلف الحقول. لقد انتهت المعركة بانتصارٍ حزين؛ فاليوم لم تنقذ نفسها فحسب، بل أنقذت عائلة كاملة من السقوط في هاوية الحقيقة المرة.
عاشوا بعد ذلك اليوم في هدوءٍ غريب؛ هدوء يحكمه خوف الرجل وسطوة صمت المرأة، وبينهما رجل طيب يعتقد أن عالمه مثالي، لم يدرك قط أن زوجته اليتيمة هي البطلة الحقيقية التي حمت مملكته بـ "كذبة بيضاء" وبقلبٍ من فولاذ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى