أحمد عبدالله إسماعيل - الهارب...

من وراء زجاج شرفتها في الطابق الثالث، وقفت سارة تراقب العالم كما لو أنه فيلمٌ بلا صوت، بطله المطر. غير أن المشهد في الأسفل خلخل منطق الأشياء: شابٌّ في عمر الحلم، ممدّدٌ وسط الشارع، غارقٌ في بركةٍ من ماءٍ وطين، كأن القاع الذي هرب منه طويلاً قرّر أخيرًا أن يحتضنه.

لم يكن يرتجف.
وذلك وحده كان كافيًا ليبعث الرعب.

سلبته العقاقير إحساسه بالعالم، فلم يعد يشعر بلسعة البرد ولا بثقل الإهانة. راحت سارة تحدّق فيه، وتساءلت بصمتٍ جارح: أيُّ هروبٍ هذا الذي ينتهي بالإنسان مستلقيًا في الوحل؟ وأيُّ يدٍ تلك التي تقوده مبتسمةً حتى يفقد ملامحه؟

في تلك البركة، رأت مرآةً سوداء؛ لا تعكس جسده وحده، بل تكشف وجوهًا غابت عنه، ورفاقًا زيّنوا له الطريق حتى أوصلوه إلى هذا السكون المذلّ.

خلفها، جلس يوسف، شقيقها الصغير، على فراشه يلمّ حقيبته المدرسية بعنايةٍ طفولية. خطواته الأولى نحو عالمٍ لا يرحم. عندها انهارت سارة. احتضنته بقوةٍ مرتجفة، كأنها تحاول أن تزرع جسدها درعًا حوله.

اقتربت من أذنه، وهمست، لا كخِطابٍ، بل كمن يسلّم سرًّا للحياة:

«انظر… ولا تنسَ. بعض الطرق تبدأ بابتسامة، وتنتهي هنا. الصاحب هو اليد التي تمسك بك؛ إمّا ترفعك نحو الضوء، أو تتركك في الطين».

وفيما كانت تحاول التقاط أنفاسها، اندفعت سيارة مسرعة، فتناثر ماء البركة على وجه الشاب الغائب. لم يرمش. لم يتحرّك. في اللحظة ذاتها، انطفأ عمود الإنارة الوحيد في الشارع، فابتلع الظلّ جسده بالكامل، كأن الأرض استعجلت موته قبل أوانه.

لم يبقَ سوى صوت المطر، رتيبًا، بلا اكتراث…
وسوى يوسف، ينظر إلى كفّه الصغير طويلًا، متسائلًا أيّ يدٍ سيمسك بها غدًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى