إلهام البهوي - الزجل المغربي: شعرٌ عاميٌّ بنَفَسٍ فصيح

في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات الثقافية وتتشابك فيه الهويات، يظلّ الزجل المغربي شامخًا كفنٍّ شعريٍّ شعبيٍّ أصيل، يُعبّر عن نبض الناس، ويُجسّد وجدانهم، ويُخلّد ذاكرتهم الجماعية بلغةٍ قريبةٍ من القلب، وإن كانت بعيدة عن قواعد النحو والصرف الفصيحة.
الزجل: من الأندلس إلى المغرب
يُجمع الباحثون على أن الزجل نشأ في الأندلس، وكان محمد بن قزمان(توفي سنة 555 هـ) من أبرز روّاده، إذ أرسى دعائمه الأولى، وحرّره من الطابع الغنائي البسيط إلى قالب شعريٍّ متكامل. ومن الأندلس، عبر الزجل البحر إلى المغرب، حيث وجد تربة خصبة، فازدهر وتفرّع، وتحوّل إلى مدرسة قائمة بذاتها، لها أعلامها وأساليبها وموضوعاتها.
الزجل ليس نثرًا… بل شعرٌ له بحور وأوزان
من يظنّ أن الزجل مجرّد كلام دارج موزون، فقد ظلم هذا الفن، وجهل جوهره. فالزجل، وإن كُتب بالعامية، فهو شعرٌ موزونٌ مقفّى ، له بحورٌ وأوزانٌ نغمية ، تُضاهي بحور الشعر الفصيح، بل وتُكملها.
وقد صنّف الباحثون الزجل ضمن الروافد الأربعة عشر للشعر المعرب، منها سبعة ملحقة بالشعر الفصيح، وسبعة خارجة عنه، ومن هذه الأخيرة ينبثق الزجل، الذي يتفرّع بدوره إلى:
- الرباعي: أربعة أشطر.
- الخامسي: خمسة أشطر.
- الأعرج: ما بين الرباعي والخماسي.
- المسبّع (النعماني): سبعة أشطر، ويُعدّ من أشهر الأشكال في الزجل المغربي.
الدارجة ليست لهجة… بل لسانٌ شعريّ
كثيرًا ما يُساء فهم الزجل بسبب الخلط بين الدارجة و"اللهجة". فالدارجة المغربية ليست لهجةً مبتورة، بل هي لسانٌ حيّ، متجذّر في العربية الفصحى، ومطعّم بالأمازيغية، والحسانية، والأندلسية، وغيرها من روافد الهوية المغربية. والزجال الحقيقي هو من يُتقن هذا اللسان، ويُحسن تطويعه شعريًا، دون أن يفقده نكهته الشعبية أو عمقه الثقافي.
الزجل المغربي: مرآة المجتمع وصوت الناس
الزجل ليس ترفًا لغويًا، بل هو فنّ مقاومةٍ بالكلمة ، و أداة نقدٍ اجتماعيٍّ راقٍ. فهو يُعبّر عن الغربة داخل الوطن، عن الظلم، عن الحب، عن الحنين، عن الهوية، عن الدين، عن السياسة… بلغةٍ يفهمها الجميع، ويشعر بها الجميع.
وقد برز في المغرب شعراء كبار حملوا مشعل الزجل، أمثال: أحمد لمسيح، عبد الله الودان، وغيرهم، ممن جعلوا من الزجل منبرًا للوعي، وسلاحًا ناعمًا في وجه القبح والفساد.
الزجل اليوم… كتابة بوعي ومسؤولية
وإذا كان الزجل في بداياته يُكتب بعفوية وجدانية، فإنه اليوم يشهد تحوّلًا نوعيًا لافتًا. فقد أصبح الزجال المعاصر يكتب بوعي فكريٍّ عميق ، مستندًا إلى مرجعية ثقافية ومعرفية ، تُغني النص وتمنحه أبعادًا جديدة.
لم يعد الزجل مجرد تعبير عن لحظة شعورية، بل أصبح موقفًا فكريًا ، و رؤيةً نقدية ، و صياغةً فنيةً واعية ، تُخاطب العقل كما تُلامس القلب.
الشاعر يُولد شاعرًا… والزجل يُصقل بالمعاناة
الزجل ليس حكرًا على أحد، لكنه ليس متاحًا للجميع. فـ"الشاعر يُولد شاعرًا"، كما يُقال، لكنّ الزجل يحتاج إلى دفقة شعورية صادقة، وذوقٍ لغويٍّ رفيع، واحتكاكٍ يوميٍّ بالناس. هو فنّ من الناس وإليهم، لا يُكتب في الأبراج العاجية، بل يُولد في الأسواق، والمقاهي، والحارات، والقلوب.
فلنُكرّم هذا الفن، ولنحفظه من التمييع، ولنعترف به كجزءٍ من تراثنا الشعريّ، لا يقلّ شأنًا عن المعلقات، ولا عن دواوين الفصحى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى