لم يعد السؤال السياسي الفلسطيني يبدأ من الفكرة، ولا من النموذج، ولا حتى من الهزيمة.
يبدأ اليوم من شيء أبسط وأكثر فظاعة: من الماء.
من قرار يومي قاسٍ: من سيشرب أولًا، ومن سينتظر. من سيأكل، ومن سيؤجل الجوع. من يُسعَف، ومن يُترك لأن الإسعاف لم يعد متاحًا للجميع. هنا، في هذا الموضع العاري، تنهار كل اللغة التي اعتادت السياسة أن تحتمي بها. لا “مرحلة انتقالية” تُدار، ولا “ما بعد” يُنتظر، ولا أفق يمكن تأجيله دون أن يُدفن معه بشر حقيقيون.
ما نعيشه اليوم في غزة، وفي الضفة، وفي القدس، ليس أزمة سياسية بالمعنى التقليدي، بل تفكك شروط الحياة نفسها. الإبادة لم تكشف فقط عجز النموذج السياسي، بل كشفت أن السياسة – كما مورست – انفصلت تمامًا عن الزمن الاجتماعي للناس. لم تعد قادرة على مرافقة الألم، ولا على تنظيم البقاء، ولا حتى على تسمية ما يجري دون مواربة. حين تُحاصر مدينة كاملة بالجوع، لا يعود الخطاب السياسي “واقعيًا” أو “متزنًا”، بل يصبح جزءًا من العنف إن لم يشتبك مباشرة مع هذا الجوع.
في غزة، لا تُدار الأزمة، بل يُدار الاستنزاف. الجوع ليس خللًا طارئًا، بل أداة. العطش ليس نتيجة عرضية، بل سياسة. المرض ليس فشلًا صحيًا، بل نتيجة حتمية لانهيار متعمد للبنية التحتية. الأطفال لا يُقتلون فقط بالقصف، بل يُنهكون بالجوع، وبالخوف، وبانقطاع التعليم، وبالتحول المبكر إلى عمال صغار في اقتصاد نجاة قاسٍ. هنا، يصبح الحديث عن “الصمود” إن لم يُربط بتنظيم الحياة نفسها، مطالبة أخلاقية للضحايا بأن يتحملوا ما لا يُحتمل.
وفي الضفة الغربية، يتخذ الخراب شكلًا آخر: تفكيك بطيء ومدروس للمكان. مخيمات تُقتلع، قرى تُحاصر، أراضٍ تُصادر، استيطان يتوسع بلا توقف، وتهجير صامت يُدار يومًا بعد يوم. القدس تُعزل، لا فقط جغرافيًا، بل سياسيًا واجتماعيًا، لتُفرغ من معناها البشري. وفي كل ذلك، تقف السلطة الفلسطينية في موقع الانحناء الكامل: لا تحمي الأرض، ولا تمنع الاستيطان، ولا تملك خطابًا يتجاوز إدارة الأمر الواقع. ليست المشكلة هنا غياب القوة، بل قبول العجز بوصفه وضعًا دائمًا.
أما المقاومة، وبينما تُبقي سؤال الكرامة مفتوحًا في وجه الإبادة، فإن المجتمع يُترك غالبًا وحده أمام النتائج الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للحرب. حين ينفصل الفعل المقاوم عن تنظيم الحياة، يُترك الناس عالقين بين موت بطيء وحياة بلا أفق. هنا لا يكفي أن تكون على حق أخلاقيًا؛ المطلوب أن تكون حاضرًا في تفاصيل العيش.
في هذا الواقع، يتضح أن سؤال السياسة لم يعد: من يمثلنا؟
بل: من ينظم حياتنا؟
من يمنع انهيار المجتمع؟
من يوزع الأعباء بعدل؟
من يحمي الأطفال من السقوط الكامل؟
من يعيد للناس قدرة الحد الأدنى على التخطيط ليوم واحد قادم؟
أي سياسة لا تبدأ من هذه الأسئلة، ليست متأخرة فحسب، بل منفصلة عن الواقع.
حين كتبنا سابقًا عن انكسار الزمن السياسي، كنا نشير إلى لحظة فقدت فيها السياسة قدرتها على تحويل الحاضر إلى مسار. اليوم، نرى النتيجة المادية لهذا الانكسار: حياة بلا أفق، وزمن بلا مستقبل، وسياسة تتحرك خارج التجربة الحية للناس. الاستمرار في الحديث عن “النموذج” دون الاشتباك مع شروط البقاء اليومية، لا يضيف معرفة، بل يوسّع الفجوة بين الوعي والنّاس.
هنا، تتغير وظيفة السياسة جذريًا. لم تعد إدارة تفاوض، ولا تحسين شروط، ولا حتى مقاومة بمعناها الرمزي. السياسة، إن كان لها أن تُستعاد، تُستعاد بوصفها قدرة على تنظيم الحياة داخل الخراب. تنظيم الغذاء، تنظيم الإغاثة، تنظيم التعليم البديل، تنظيم التكافل الاجتماعي، تنظيم الاقتصاد الصغير، وتنظيم توزيع الألم بحيث لا يُلقى كله على الفئات الأضعف. هذه ليست مسائل تقنية، بل جوهر الفعل السياسي في زمن الإبادة.
العبور الذي نتحدث عنه ليس قفزة في المجهول، ولا انتقالًا نظريًا بين نماذج. هو انتقال من سياسة تتحدث عن الناس، إلى سياسة تُبنى معهم. من لغة تصف الصمود، إلى ممارسة تحمي شروطه. من خطاب يطلب الاحتمال، إلى فعل يخفف الكلفة. إعادة التأسيس لا تبدأ ببيان، بل بسؤال بسيط وقاسٍ: كيف نمنع تحويل الإبادة إلى أسلوب حكم دائم؟
السياسة بعد الإبادة لا تُقاس بما تعد به، بل بما تمنع حدوثه: أن يصبح الجوع قدرًا، وأن يتحول البقاء إلى الغاية النهائية، وأن يُختزل الفلسطيني إلى “ناجٍ” بلا أفق تحرري. هنا فقط، يصبح العبور ممكنًا: حين تعود السياسة إلى مكانها الوحيد المتاح الآن – في قلب الألم، لا فوقه.
هذا النص لا يدّعي أنه يقدّم طريقًا مكتملًا، لكنه يرفض أن يبدأ من التجريد. يبدأ من حيث يقف الناس فعلًا. ومن هناك فقط، يمكن أن يولد زمن جديد تستطيع السياسة أن تعمل داخله من جديد، لا بوصفها إدارة للخراب، بل محاولة صادقة لمنع اكتماله.
بقلم : خالد صالح عطية
10-01-2026
يبدأ اليوم من شيء أبسط وأكثر فظاعة: من الماء.
من قرار يومي قاسٍ: من سيشرب أولًا، ومن سينتظر. من سيأكل، ومن سيؤجل الجوع. من يُسعَف، ومن يُترك لأن الإسعاف لم يعد متاحًا للجميع. هنا، في هذا الموضع العاري، تنهار كل اللغة التي اعتادت السياسة أن تحتمي بها. لا “مرحلة انتقالية” تُدار، ولا “ما بعد” يُنتظر، ولا أفق يمكن تأجيله دون أن يُدفن معه بشر حقيقيون.
ما نعيشه اليوم في غزة، وفي الضفة، وفي القدس، ليس أزمة سياسية بالمعنى التقليدي، بل تفكك شروط الحياة نفسها. الإبادة لم تكشف فقط عجز النموذج السياسي، بل كشفت أن السياسة – كما مورست – انفصلت تمامًا عن الزمن الاجتماعي للناس. لم تعد قادرة على مرافقة الألم، ولا على تنظيم البقاء، ولا حتى على تسمية ما يجري دون مواربة. حين تُحاصر مدينة كاملة بالجوع، لا يعود الخطاب السياسي “واقعيًا” أو “متزنًا”، بل يصبح جزءًا من العنف إن لم يشتبك مباشرة مع هذا الجوع.
في غزة، لا تُدار الأزمة، بل يُدار الاستنزاف. الجوع ليس خللًا طارئًا، بل أداة. العطش ليس نتيجة عرضية، بل سياسة. المرض ليس فشلًا صحيًا، بل نتيجة حتمية لانهيار متعمد للبنية التحتية. الأطفال لا يُقتلون فقط بالقصف، بل يُنهكون بالجوع، وبالخوف، وبانقطاع التعليم، وبالتحول المبكر إلى عمال صغار في اقتصاد نجاة قاسٍ. هنا، يصبح الحديث عن “الصمود” إن لم يُربط بتنظيم الحياة نفسها، مطالبة أخلاقية للضحايا بأن يتحملوا ما لا يُحتمل.
وفي الضفة الغربية، يتخذ الخراب شكلًا آخر: تفكيك بطيء ومدروس للمكان. مخيمات تُقتلع، قرى تُحاصر، أراضٍ تُصادر، استيطان يتوسع بلا توقف، وتهجير صامت يُدار يومًا بعد يوم. القدس تُعزل، لا فقط جغرافيًا، بل سياسيًا واجتماعيًا، لتُفرغ من معناها البشري. وفي كل ذلك، تقف السلطة الفلسطينية في موقع الانحناء الكامل: لا تحمي الأرض، ولا تمنع الاستيطان، ولا تملك خطابًا يتجاوز إدارة الأمر الواقع. ليست المشكلة هنا غياب القوة، بل قبول العجز بوصفه وضعًا دائمًا.
أما المقاومة، وبينما تُبقي سؤال الكرامة مفتوحًا في وجه الإبادة، فإن المجتمع يُترك غالبًا وحده أمام النتائج الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للحرب. حين ينفصل الفعل المقاوم عن تنظيم الحياة، يُترك الناس عالقين بين موت بطيء وحياة بلا أفق. هنا لا يكفي أن تكون على حق أخلاقيًا؛ المطلوب أن تكون حاضرًا في تفاصيل العيش.
في هذا الواقع، يتضح أن سؤال السياسة لم يعد: من يمثلنا؟
بل: من ينظم حياتنا؟
من يمنع انهيار المجتمع؟
من يوزع الأعباء بعدل؟
من يحمي الأطفال من السقوط الكامل؟
من يعيد للناس قدرة الحد الأدنى على التخطيط ليوم واحد قادم؟
أي سياسة لا تبدأ من هذه الأسئلة، ليست متأخرة فحسب، بل منفصلة عن الواقع.
حين كتبنا سابقًا عن انكسار الزمن السياسي، كنا نشير إلى لحظة فقدت فيها السياسة قدرتها على تحويل الحاضر إلى مسار. اليوم، نرى النتيجة المادية لهذا الانكسار: حياة بلا أفق، وزمن بلا مستقبل، وسياسة تتحرك خارج التجربة الحية للناس. الاستمرار في الحديث عن “النموذج” دون الاشتباك مع شروط البقاء اليومية، لا يضيف معرفة، بل يوسّع الفجوة بين الوعي والنّاس.
هنا، تتغير وظيفة السياسة جذريًا. لم تعد إدارة تفاوض، ولا تحسين شروط، ولا حتى مقاومة بمعناها الرمزي. السياسة، إن كان لها أن تُستعاد، تُستعاد بوصفها قدرة على تنظيم الحياة داخل الخراب. تنظيم الغذاء، تنظيم الإغاثة، تنظيم التعليم البديل، تنظيم التكافل الاجتماعي، تنظيم الاقتصاد الصغير، وتنظيم توزيع الألم بحيث لا يُلقى كله على الفئات الأضعف. هذه ليست مسائل تقنية، بل جوهر الفعل السياسي في زمن الإبادة.
العبور الذي نتحدث عنه ليس قفزة في المجهول، ولا انتقالًا نظريًا بين نماذج. هو انتقال من سياسة تتحدث عن الناس، إلى سياسة تُبنى معهم. من لغة تصف الصمود، إلى ممارسة تحمي شروطه. من خطاب يطلب الاحتمال، إلى فعل يخفف الكلفة. إعادة التأسيس لا تبدأ ببيان، بل بسؤال بسيط وقاسٍ: كيف نمنع تحويل الإبادة إلى أسلوب حكم دائم؟
السياسة بعد الإبادة لا تُقاس بما تعد به، بل بما تمنع حدوثه: أن يصبح الجوع قدرًا، وأن يتحول البقاء إلى الغاية النهائية، وأن يُختزل الفلسطيني إلى “ناجٍ” بلا أفق تحرري. هنا فقط، يصبح العبور ممكنًا: حين تعود السياسة إلى مكانها الوحيد المتاح الآن – في قلب الألم، لا فوقه.
هذا النص لا يدّعي أنه يقدّم طريقًا مكتملًا، لكنه يرفض أن يبدأ من التجريد. يبدأ من حيث يقف الناس فعلًا. ومن هناك فقط، يمكن أن يولد زمن جديد تستطيع السياسة أن تعمل داخله من جديد، لا بوصفها إدارة للخراب، بل محاولة صادقة لمنع اكتماله.
بقلم : خالد صالح عطية
10-01-2026