لا يبدأ العبور السياسي من سؤال السلطة، ولا من شكل التمثيل، ولا من إعادة ترتيب المواقع داخل نظام مأزوم. يبدأ من النقطة التي توقفت فيها الحياة عن أن تكون حياة، ومن السؤال الذي لا يجد له مكانًا في الخطاب السياسي السائد: كيف يعيش الناس اليوم؟ ومن يتركهم وحدهم؟ ولماذا؟
في غزة، لا يُطرح سؤال السياسة لأن الزمن نفسه مُصادَر. الجوع لا ينتظر برنامجًا، والنازح لا يملك ترف النقاش، والأم التي فقدت أبناءها لا يعنيها تعريف الدولة ولا شكل النظام. هنا، لا تُختبر السياسة ببلاغتها، بل بقدرتها على مرافقة الألم وتنظيم الحد الأدنى من البقاء. وحين تعجز عن ذلك، لا تصبح متأخرة فقط، بل تتحول إلى عبء إضافي على من يعيشون في قلب الكارثة.
وهنا تتكشف الكارثة السياسية الكبرى: حين تُستبعد الحياة اليومية من السياسة، وتُحصر السياسة في إدارة ذاتها، تتحول من أداة تحرر إلى آلية ضبط للألم. يُدار الجوع بدل منعه، ويُدار الخراب بدل كسره، ويُطلب من الناس أن يصمدوا بينما تُدار المعركة في مكان آخر، بلغة أخرى، وبأولويات لا تشبههم.
العبور العملي يبدأ من الاعتراف بهذه الحقيقة القاسية: لا سياسة ممكنة فوق الأنقاض إن لم تُعاد صياغتها من داخلها. فالصمود، كما يُستدعى اليوم، لم يعد مفهومًا تحرريًا بقدر ما أصبح مطالبة أخلاقية للضحايا بأن يتحملوا ما لا يُحتمل. يُطلب من الناس الصبر، بينما تُفصل السياسة عن شروط البقاء نفسها. وهنا يصبح كسر هذا الابتزاز الرمزي ضرورة سياسية، لا موقفًا لغويًا.
السياسة الأولى اليوم هي حماية شروط البقاء: الغذاء بوصفه حقًا سياسيًا لا مساعدة، والماء والكهرباء بوصفهما معركة سيادة لا ملف إغاثة، والصحة والتعليم بوصفهما خطوط دفاع عن المجتمع لا خدمات مؤجلة. كل بنية تُعيد تنظيم الخبز والدواء والمأوى خارج منطق السوق والتمويل المشروط هي فعل سياسي كامل، وكل من يصرّ على اختزال هذه القضايا في بعدها “الإنساني فقط” يشارك، بوعي أو بدونه، في نزع السياسة عن الحياة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن فصل غزة لم يعد جغرافيًا فقط، بل صار فصلًا زمنيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا. ما دام القطاع يُترك ليواجه الإبادة وحده، فإن أي حديث عن سياسة وطنية يبقى ناقصًا ومضللًا. العبور لا يعني توحيد الخطابات، بل كسر أنماط الفصل عمليًا: ربط ما يجري في جنين بما يجري في خان يونس، وفهم أن الاستيطان في القدس هو الوجه الآخر لتجويع غزة، وأن إدارة كل ساحة كملف مستقل ليست حيادًا، بل شكل من أشكال المشاركة في إعادة إنتاج العجز.
وفي قلب هذا الانسداد، تعود فتح إلى الواجهة لا بوصفها موضوعًا تنظيميًا، بل بوصفها سؤالًا سياسيًا ثقيلًا. ففتح، بحكم تاريخها ومكانتها، ليست فصيلًا كغيره، بل مرآة لأزمة النظام السياسي الفلسطيني كله. وما يدور اليوم قبل مؤتمرها ليس تفصيلًا داخليًا، بل اختبار حقيقي: هل ما زالت الحركة قادرة على أن تكون حاملًا لمعنى تحرري، أم أنها، مثل غيرها من البنى، استقرت في موقع إدارة الواقع وتفسيره بدل الاشتباك معه؟
الخطر هنا لا يكمن في عقد مؤتمر أو تأجيله، ولا في الأشخاص أو التوازنات، بل في أن يتحول المؤتمر إلى طقس تنظيمـي آخر يُعيد إنتاج اللغة ذاتها، ويجنّب الحركة شجاعة السؤال في لحظة لا تحتمل التأجيل. فالحركة التي لا تراجع ذاتها في لحظة إبادة، ولا تعيد وصل سياستها بحياة الناس، لا تسقط دفعة واحدة، بل تتحول تدريجيًا من فاعل إلى شاهد، ومن حامل لمعنى إلى إدارة للاسم.
هذا ليس حكمًا، بل تحذيرًا تاريخيًا. لأن أي حركة تحرر لا تختبر نفسها بميزان الكلفة التي هي مستعدة لتحملها، وبمدى اقترابها من الناس لا من النظام، تتحول – دون أن تشعر – إلى جزء من منظومة إدارة الأزمة، حتى وهي ترفع شعارات التحرر.
وفي هذا كله، لا يمكن اختزال الأزمة في الانقسام بوصفه خلافًا سياسيًا. الانقسام بات نمط حكم: إدارة للعجز، توزيع للمسؤوليات، وتأجيل دائم للاستحقاقات. تجاوزه لا يكون ببيانات المصالحة، بل بسحب وظيفته السياسية: كل فعل يخدم الناس مباشرة خارج الاصطفافات يُضعفه، وكل إعادة للمجتمع إلى مركز السياسة تُحرجه، وكل صمت بحجة “الظرف” يعيد إنتاجه.
الاستعمار، في النهاية، لا يعمل بالسلاح فقط، بل بتنظيم الفقر. لذلك، لا يمكن لأي عبور حقيقي أن يتجاهل الاقتصاد اليومي: تقليل الارتهان حيثما أمكن، إعادة الاعتبار للإنتاج المحلي والزراعة، مساءلة السياسات الضريبية التي تُحمّل الفقراء كلفة البقاء، وتحويل التكافل من رد فعل طارئ إلى بنية مستمرة. هذه ليست حلولًا نهائية، لكنها مساحات مقاومة زمنية تحمي المجتمع من التحلل الكامل.
أما التمثيل، فمشكلته اليوم ليست غيابه، بل فراغه من التفويض. والعبور لا يكون بالبحث السريع عن ممثل جديد، بل بخلق شروط التفويض نفسها. حين تلامس السياسة حياة الناس، سيطالبون بالتمثيل. وحين تبقى لغة منفصلة، سيبقى التمثيل شكليًا مهما تغيّرت الوجوه.
العبور الذي نتحدث عنه ليس وعدًا، ولا خلاصًا، ولا طريقًا مرسومًا سلفًا. هو تحمّل مسؤولية السياسة من داخل الخراب، لا من فوقه. بعد الإبادة، لا يكفي أن نعرف أن النموذج انتهى. السؤال الحقيقي هو: هل نملك الجرأة على البدء من حيث يتألم الناس، لا من حيث ترتاح اللغة؟
إذا لم تُستعاد السياسة بهذه الطريقة، فستُعاد إنتاجها ضد المجتمع، لا باسمه. وحينها، لن يكون السؤال لماذا فشلنا، بل لماذا تركنا السياسة تُدار دوننا مرة أخرى.
في غزة، لا يُطرح سؤال السياسة لأن الزمن نفسه مُصادَر. الجوع لا ينتظر برنامجًا، والنازح لا يملك ترف النقاش، والأم التي فقدت أبناءها لا يعنيها تعريف الدولة ولا شكل النظام. هنا، لا تُختبر السياسة ببلاغتها، بل بقدرتها على مرافقة الألم وتنظيم الحد الأدنى من البقاء. وحين تعجز عن ذلك، لا تصبح متأخرة فقط، بل تتحول إلى عبء إضافي على من يعيشون في قلب الكارثة.
وهنا تتكشف الكارثة السياسية الكبرى: حين تُستبعد الحياة اليومية من السياسة، وتُحصر السياسة في إدارة ذاتها، تتحول من أداة تحرر إلى آلية ضبط للألم. يُدار الجوع بدل منعه، ويُدار الخراب بدل كسره، ويُطلب من الناس أن يصمدوا بينما تُدار المعركة في مكان آخر، بلغة أخرى، وبأولويات لا تشبههم.
العبور العملي يبدأ من الاعتراف بهذه الحقيقة القاسية: لا سياسة ممكنة فوق الأنقاض إن لم تُعاد صياغتها من داخلها. فالصمود، كما يُستدعى اليوم، لم يعد مفهومًا تحرريًا بقدر ما أصبح مطالبة أخلاقية للضحايا بأن يتحملوا ما لا يُحتمل. يُطلب من الناس الصبر، بينما تُفصل السياسة عن شروط البقاء نفسها. وهنا يصبح كسر هذا الابتزاز الرمزي ضرورة سياسية، لا موقفًا لغويًا.
السياسة الأولى اليوم هي حماية شروط البقاء: الغذاء بوصفه حقًا سياسيًا لا مساعدة، والماء والكهرباء بوصفهما معركة سيادة لا ملف إغاثة، والصحة والتعليم بوصفهما خطوط دفاع عن المجتمع لا خدمات مؤجلة. كل بنية تُعيد تنظيم الخبز والدواء والمأوى خارج منطق السوق والتمويل المشروط هي فعل سياسي كامل، وكل من يصرّ على اختزال هذه القضايا في بعدها “الإنساني فقط” يشارك، بوعي أو بدونه، في نزع السياسة عن الحياة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن فصل غزة لم يعد جغرافيًا فقط، بل صار فصلًا زمنيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا. ما دام القطاع يُترك ليواجه الإبادة وحده، فإن أي حديث عن سياسة وطنية يبقى ناقصًا ومضللًا. العبور لا يعني توحيد الخطابات، بل كسر أنماط الفصل عمليًا: ربط ما يجري في جنين بما يجري في خان يونس، وفهم أن الاستيطان في القدس هو الوجه الآخر لتجويع غزة، وأن إدارة كل ساحة كملف مستقل ليست حيادًا، بل شكل من أشكال المشاركة في إعادة إنتاج العجز.
وفي قلب هذا الانسداد، تعود فتح إلى الواجهة لا بوصفها موضوعًا تنظيميًا، بل بوصفها سؤالًا سياسيًا ثقيلًا. ففتح، بحكم تاريخها ومكانتها، ليست فصيلًا كغيره، بل مرآة لأزمة النظام السياسي الفلسطيني كله. وما يدور اليوم قبل مؤتمرها ليس تفصيلًا داخليًا، بل اختبار حقيقي: هل ما زالت الحركة قادرة على أن تكون حاملًا لمعنى تحرري، أم أنها، مثل غيرها من البنى، استقرت في موقع إدارة الواقع وتفسيره بدل الاشتباك معه؟
الخطر هنا لا يكمن في عقد مؤتمر أو تأجيله، ولا في الأشخاص أو التوازنات، بل في أن يتحول المؤتمر إلى طقس تنظيمـي آخر يُعيد إنتاج اللغة ذاتها، ويجنّب الحركة شجاعة السؤال في لحظة لا تحتمل التأجيل. فالحركة التي لا تراجع ذاتها في لحظة إبادة، ولا تعيد وصل سياستها بحياة الناس، لا تسقط دفعة واحدة، بل تتحول تدريجيًا من فاعل إلى شاهد، ومن حامل لمعنى إلى إدارة للاسم.
هذا ليس حكمًا، بل تحذيرًا تاريخيًا. لأن أي حركة تحرر لا تختبر نفسها بميزان الكلفة التي هي مستعدة لتحملها، وبمدى اقترابها من الناس لا من النظام، تتحول – دون أن تشعر – إلى جزء من منظومة إدارة الأزمة، حتى وهي ترفع شعارات التحرر.
وفي هذا كله، لا يمكن اختزال الأزمة في الانقسام بوصفه خلافًا سياسيًا. الانقسام بات نمط حكم: إدارة للعجز، توزيع للمسؤوليات، وتأجيل دائم للاستحقاقات. تجاوزه لا يكون ببيانات المصالحة، بل بسحب وظيفته السياسية: كل فعل يخدم الناس مباشرة خارج الاصطفافات يُضعفه، وكل إعادة للمجتمع إلى مركز السياسة تُحرجه، وكل صمت بحجة “الظرف” يعيد إنتاجه.
الاستعمار، في النهاية، لا يعمل بالسلاح فقط، بل بتنظيم الفقر. لذلك، لا يمكن لأي عبور حقيقي أن يتجاهل الاقتصاد اليومي: تقليل الارتهان حيثما أمكن، إعادة الاعتبار للإنتاج المحلي والزراعة، مساءلة السياسات الضريبية التي تُحمّل الفقراء كلفة البقاء، وتحويل التكافل من رد فعل طارئ إلى بنية مستمرة. هذه ليست حلولًا نهائية، لكنها مساحات مقاومة زمنية تحمي المجتمع من التحلل الكامل.
أما التمثيل، فمشكلته اليوم ليست غيابه، بل فراغه من التفويض. والعبور لا يكون بالبحث السريع عن ممثل جديد، بل بخلق شروط التفويض نفسها. حين تلامس السياسة حياة الناس، سيطالبون بالتمثيل. وحين تبقى لغة منفصلة، سيبقى التمثيل شكليًا مهما تغيّرت الوجوه.
العبور الذي نتحدث عنه ليس وعدًا، ولا خلاصًا، ولا طريقًا مرسومًا سلفًا. هو تحمّل مسؤولية السياسة من داخل الخراب، لا من فوقه. بعد الإبادة، لا يكفي أن نعرف أن النموذج انتهى. السؤال الحقيقي هو: هل نملك الجرأة على البدء من حيث يتألم الناس، لا من حيث ترتاح اللغة؟
إذا لم تُستعاد السياسة بهذه الطريقة، فستُعاد إنتاجها ضد المجتمع، لا باسمه. وحينها، لن يكون السؤال لماذا فشلنا، بل لماذا تركنا السياسة تُدار دوننا مرة أخرى.