سمير اليوسف - دروس قصيرة في نيتشه [5] أصل النفاق والخداع الذاتي .

استخدم نيتشه المطرقة وسيلة للفلسفة أولاً. ولكنه سرعان ما اكتشف بأنها بطيئة في تحقيق الغاية المرجوة فعمد إلى استخدام الديناميت. وبالديناميت نسف أركان الثقافة الغربية.
أحد الأركان التي استهدفها بقسوة بالغة هي الأخلاق السائدة خاصة تلك الإدانة التلقائية لبعض المشاعر الإنسانية الطبيعية، شأن الغضب والكراهية والحقد والحسد والغيرة والضغينة.. إلخ. فمن منطلق حكمٍ أخلاقي، ديني وعلماني على السواء، تُعتبر هذه المشاعر مرذولة ليس فقط بفعل عواقبها العمليّة المتوَقّعة وإنما أيضاً لأنها تعبّر عن الجانب الشرير والمظلم للنفس الإنسانية.
نسف نيتشه هذا الحكم الأخلاقي بالديناميت. اعتبر الفيلسوف الإلماني أن هذه المشاعر "المرذولة" أخلاقياً هي مشاعر طبيعية ولا تختلف طبيعيةّ عن مشاعر الحب والعطف والسعادة والإحسان .. إلخ. بل ومضى أبعد من ذلك واعتبر مشاعر مثل الغضب والكراهية والحقد أصدق من مشاعر الحب والعطف والإحسان .. وعلى الأرجح أعمق وأرسخ منها. نيتشه، وبإقرار من فرويد نفسه، هو رائد عفوي من روّاد التحليل النفسي خاصة في ما يتعلق بالإشارة الى المشاعر والرغبات المكبوتة في اللاوعي.
شأن ما هو طبيعي، فإن مشاعر الغضب والحقد والكراهية والحسد وسواها من مشاعر، هي تعبير عن حاجة طبيعية. هناك أوقات يكون الغضب وحده، أو الكراهية وحدها، ما يمكن أن يجعل حياتك أفضل، أو حتى ما يضمن نجاتك أصلاً.
ولكن هذا لا يعني بأن نيتشه أراد أن يُشجّع الناس على الإحساس بالغضب والكراهية والحسد والغيرة. بل ولا حتى أن يُبرر، تبريراً أخلاقياً، هذه المشاعر. وإنما كان هدفه أن يكشف عمق النفاق الذي ينطوي عليه الموقف الأخلاقي الذي يُدين إدانة مبدئية، صارمة ونهائية لهذه المشاعر. ذلك أن الغرض الكامن أسفل هذه الإدانة الأخلاقية للمشاعر المرذولة يستحق إدانة أبلغ وبالمقياس الأخلاقي نفسه.
يعلم المُدينون للمشاعر المذكورة أن الإدانة الأخلاقية لا تمنع ظهورها ودوامها. وإنما تؤدي الى إخفائها والإستعاضة عنها بالتظاهر بمشاعر مختلفة. أن تتظاهر بأنك تحبّ من تكره أو تتعاطف مع من تحتقر أو تسعد لمن يساروك الحسد حيال ما ينجز ويمتلك. الإدانة الأخلاقية تؤدي الى ولادة وشيوع النفاق بل والخداع الذاتي أيضاً.
الأبعد، والأخطر، من ذلك. أن من يدين مشاعر الغضب والكراهية والحقد والغيرة، من موقع سلطة أخلاقية، دينية أو علمانية، لا يدين حضورها عند الجميع بلا استثناء. لا! فهو يُدينها عند العامة من الناس فحسب. وهو يفعل ذلك من منطلق الرغبة في احتكار حق توظيفها واستخدامها من قبل أصحاب السلطة على مختلف أشكالها وتمثلاتها.
فخلف سياسات السيطرة بكافة أشكالها، خلف ملاحقة المعارضين والمتمردين والإجهاز عليهم، خلف سياسات الحروب والعنف عامة، تقف مشاعر غضب وكراهية وحقد وحسد وغيرة. بيد أنها ليست مشاعر بالمعنى الشخصي المباشر والشائع. إنها المشاعر وقد صير إلى تجريدها من طبيعتها وبراءتها الشخصيّة ومن ثم عقلنتها بإعتبارها تعبير عن موقف عقلاني أخلاقي.
نعم! مشاعر الغضب والكراهية والحقد والحسد والجشع يُعاد إنتاجها بإعتبارها مواقف "موضوعية" "علميّة" "عقلانية" .. وطبعاً "أخلاقية"!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى