حين تصبح الكلمة سلاحاً للفتنة.. من يحمي الحقيقة من صحافة الخصومات؟

حين تصبح الكلمة سلاحاً للفتنة.. من يحمي الحقيقة من صحافة الخصومات؟

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

ليست كل كلمة تُكتب صحافة، وليس كل ما يُنشر خبراً، وليس كل عنوان صاخب دليلاً على الحقيقة. وعندما تتحول بعض المنصات إلى ساحات لتصفية الحسابات، وتصبح بعض الأقلام أسيرة للخصومات والمواقف المسبقة، فإن الخطر لا يعود محصوراً في خطأ مهني عابر، بل يمتد إلى ضرب الثقة العامة، وتسميم المجال الوطني، وتحويل الإعلام من سلطة رقابة ومساءلة إلى وقود لصراعات داخلية لا تخدم إلا الانقسام.

هنا تحديداً يجب أن نتوقف.

فالصحافة ليست امتداداً للخصومة الشخصية، ولا منصة للانتقام، ولا وسيلة لإدانة الآخرين قبل سماعهم، ولا ساحة لإعادة إنتاج الشائعات تحت غطاء الخبر والتحليل.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإعلام هو أن يفقد الصحفي المسافة الفاصلة بين المعلومة والموقف، وبين النقد والخصومة، وبين التحقيق والتشهير، وبين حق الجمهور في المعرفة والرغبة في التأثير على الجمهور.

فالصحفي الذي يدخل إلى الخبر وفي ذهنه حكم مسبق، ثم يبحث عن المعلومات التي تخدم حكمه، لا يمارس التحقيق بقدر ما يمارس صناعة رواية.

وهنا تبدأ المشكلة.

عندما يصبح العنوان أقوى من الحقيقة

في عصر الإعلام الرقمي، قد يحتاج الخبر إلى دقائق كي ينتشر، بينما تحتاج الحقيقة أحياناً إلى ساعات أو أيام حتى تكتمل.

ومن هنا نشأت أخطر ظواهر الإعلام المعاصر: عنوان مبتور، معلومة بلا سياق، صورة قديمة، تصريح مجتزأ، رواية من طرف واحد، أو اتهام مجهول المصدر؛ ثم تبدأ عملية التدوير والمشاركة والتعليق، حتى تتحول الرواية إلى ما يشبه "الحقيقة" في وعي الجمهور، رغم أنها لم تخضع للتحقق الكافي.

وهذه ليست مسألة تقنية فحسب.

إنها قضية أخلاقية ووطنية وقانونية.

فالصحفي مسؤول عما ينشر، والمؤسسة الإعلامية مسؤولة عن معاييرها المهنية، والجمهور من حقه أن يعرف مصدر المعلومة وسياقها، ومن حق من يرد اسمه في خبر أو اتهام أن يُمنح حق الرد والتوضيح.

الخبر الذي يحتاج إلى التشويه حتى ينجح، ليس خبراً قوياً؛ والحقيقة التي تحتاج إلى فبركة لا تكون حقيقة.

فلسطين ليست ساحة لتصفية الحسابات

في فلسطين، تصبح المسؤولية أكبر وأخطر.

فالشعب الفلسطيني يعيش تحت الاحتلال، ويواجه الاستيطان والتهجير والحصار والعدوان، ويحتاج إلى إعلام يفضح انتهاكات الاحتلال، ويحمي الوعي الوطني، ويراقب أداء المؤسسات، وينقل معاناة الناس، ويفتح المجال للنقد والمساءلة.

لكن عندما يتحول جزء من الخطاب الإعلامي إلى صراع داخلي، يصبح السؤال مشروعاً:

هل نخدم القضية الوطنية عندما نستهلك طاقتنا في تشويه بعضنا بعضاً؟

ليس المطلوب إعلاماً صامتاً، ولا صحافة تابعة، ولا أقلاماً تجامل المسؤولين.

على العكس.

نحن بحاجة إلى صحافة أكثر جرأة، ولكن أيضاً أكثر مهنية.

نحتاج إلى صحفي يسأل المسؤول ويحاسبه، لكنه لا يدين قبل أن يتحقق.

ونحتاج إلى منصة تكشف الخطأ، لكنها لا تصنع رواية من أجل الانتقام.

ونحتاج إلى نقد سياسي صريح، لكنه لا يتحول إلى خطاب كراهية أو تحريض أو تشهير.

فالاختلاف السياسي حق، أما تحويل الاختلاف إلى فتنة فليس مشروعاً وطنياً.

الحرية لا تعني الفوضى

حرية الصحافة حق أساسي، وحمايتها ضرورة لأي مجتمع يريد بناء دولة القانون.

لكن الحرية المهنية لا تعني سقوط المسؤولية.

فالقانون يحمي الحق في التعبير، وفي الوقت نفسه يحمي كرامة الإنسان وسمعته وحقوقه، ويضع ضوابط للمساءلة عندما يتحول النشر إلى اعتداء على حقوق الآخرين.

ومن هنا يجب أن يكون المبدأ واضحاً:

لا حصانة لأحد أمام النقد، ولا حصانة لأحد أيضاً أمام المسؤولية المهنية والقانونية.

المسؤول العام ليس فوق النقد، والصحفي ليس فوق الخطأ، والمؤسسة الإعلامية ليست فوق المساءلة.

والحل ليس في إسكات الصحافة، بل في حماية الصحافة من الانحراف الذي قد يفقدها ثقة الناس.

من يحمي المواطن من التضليل؟

المواطن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج؛ يحتاج إلى الحقيقة.

يحتاج إلى معرفة: من أين جاءت المعلومة؟ ما مصدرها؟ هل هناك وثيقة؟ هل جرى التواصل مع الطرف الآخر؟ هل توجد رواية ثانية؟ هل تم التحقق من الصورة أو التسجيل؟ وهل العنوان يعكس فعلاً مضمون الخبر؟

هذه الأسئلة يجب أن تصبح جزءاً من الثقافة الإعلامية اليومية.

فالصحافة المهنية لا تخاف من التحقق، ولا تخشى التصحيح، ولا تعتبر الاعتذار عن الخطأ هزيمة.

بل إن الاعتراف بالخطأ قد يكون أحياناً دليلاً على قوة المؤسسة الإعلامية لا ضعفها.

نريد إعلاماً وطنياً لا إعلاماً خصومياً

إن فلسطين بحاجة إلى ميثاق إعلامي وطني وأخلاقي جديد، يعزز استقلال الصحافة، ويحمي حق النقد، ويرسخ التحقق من المعلومات، ويمنع استخدام المنصات الإعلامية لتصفية الحسابات الشخصية والسياسية، ويضمن حق الرد والتصحيح، ويواجه خطاب الكراهية والتحريض دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لقمع الرأي.

المطلوب ليس إعلاماً يصفق.

المطلوب إعلام يسأل.

ليس إعلاماً يبرر.

بل إعلام يتحقق.

ليس إعلاماً يبحث عن خصم.

بل إعلام يبحث عن الحقيقة.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية.

فالمعركة ليست بين موقع وموقع، ولا بين صحفي وصحفي، ولا بين تيار وآخر.

المعركة هي بين الحقيقة والفبركة، وبين المهنية والخصومة، وبين إعلام يبني الوعي وإعلام يستثمر في الانقسام.

وفي هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا، لا يجوز أن تصبح الكلمة الفلسطينية سلاحاً في وجه الفلسطيني.

لقد دفع شعبنا ثمناً باهظاً بسبب الانقسام والتجاذبات والصراعات الداخلية، وليس من الحكمة أن نضيف إلى ذلك انقساماً إعلامياً يحول كل خلاف إلى معركة، وكل اختلاف إلى تخوين، وكل رواية إلى حقيقة مطلقة.

الكلمة مسؤولية، والخبر أمانة، والحرية التزام، والصحافة سلطة أخلاقية قبل أن تكون سلطة تأثير.

وحين يفقد الصحفي استقلاله، تفقد الصحافة معناها.

وحين يفقد الخبر مصداقيته، يفقد المواطن ثقته.

وحين تصبح المنصة الإعلامية وقوداً للفتنة، فإنها لا تضعف خصماً بعينه، بل تضعف المجتمع كله.

لذلك نقولها بوضوح:

فلسطين بحاجة إلى أقلام تختلف دون أن تفتن، وتنتقد دون أن تشهّر، وتكشف دون أن تفبرك، وتعارض دون أن تهدم، وتدافع عن الحقيقة حتى عندما لا تخدم الحقيقة مواقفها المسبقة.

فليكن الإعلام حارساً للحقيقة، لا حارساً للخصومات.

ولتبقَ الكلمة حرة... ولكن لا يجوز أن تكون الكلمة حرة من المسؤولية.

ففي وطن يواجه احتلالاً وانقساماً وتحديات مصيرية، يصبح الدفاع عن صدقية الكلمة جزءاً من الدفاع عن الوطن نفسه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى