يا أمة الإسراء والمعراج… القدس تناديكم

يا أمة الإسراء والمعراج… القدس تناديكم

المحامي علي أبو حبلة

تحلّ ذكرى الإسراء والمعراج هذا العام والقدس ما تزال أسيرةً لجملة من السياسات الاستيطانية والتهويدية التي تستهدف طمس هويتها الدينية والتاريخية، وتقويض حضورها العربي والإسلامي والمسيحي. فالحدث الديني الذي ربط بين المسجد الحرام في مكة والمسجد الأقصى في القدس لم يكن مجرد معجزة في الوجدان الإسلامي، بل توكيدًا رمزيًا على مركزية القدس في العقيدة، وعلى وحدة أرض الرسالات السماوية.

غير أنّ الواقع السياسي يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ فبينما تكرّس القدس في الدين والتاريخ والجغرافيا، تنحسر في الأجندات الرسمية والشعبية العربية والإسلامية، وتُترك فريسة لمشروع استعماري استيطاني ما زال يتمدّد منذ احتلال عام 1967.

التهويد وتغيير ملامح المدينة

منذ ذلك التاريخ اعتمدت حكومات الاحتلال المتعاقبة سياسات تهدف إلى إعادة هندسة القدس ديمغرافيًا وجغرافيًا وقانونيًا. شملت هذه السياسات توسيع المستوطنات، واستهداف الأحياء الفلسطينية بقرارات الهدم بحجة “البناء دون ترخيص”، وسحب الهويات، ومنع النشاط السياسي والمدني، فضلًا عن الحفريات المتصلة في محيط المسجد الأقصى وتحت أساساته، وفرض وقائع عمرانية جديدة تهدف إلى تكريس مقولة "القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل".

وقد تصاعدت هذه السياسات في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية ذات الاتجاه الفاشي والمتطرّف، التي يقودها وزراء يتبنون علنًا مشروع “تفريغ القدس” من سكانها الفلسطينيين، وتغيير تركيبتها لصالح الكتلة الاستيطانية.

الإجماع الدولي… وواقع الاحتلال

على الرغم من الانحيازات السياسية في النظام الدولي، فإنّ المكانة القانونية للقدس الشرقية حُسمت وفق القانون الدولي على أنها أرض محتلة، وأن جميع الإجراءات الإسرائيلية عليها باطلة. وقد ثبت ذلك في عشرات القرارات، أبرزها:

قرار مجلس الأمن رقم 242 (1967) الذي أكد عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة.

قرار مجلس الأمن رقم 252 (1968) الذي اعتبر جميع الإجراءات الإسرائيلية في القدس باطلة.

قرار مجلس الأمن رقم 478 (1980) الذي رفض “قانون القدس” الإسرائيلي واعتبره باطلًا ودعا الدول إلى عدم نقل سفاراتها إليها.

الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (2004) بشأن الجدار العازل الذي أكد الوضع القانوني للقدس كأرض محتلة.

قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتواترة التي كرّست الموقف ذاته ورفضت أي تغيير في الوضع القانوني للمدينة.

هذه القرارات، رغم أهميتها القانونية والسياسية، بقيت دون آليات تنفيذية فاعلة، ما جعل الاحتلال يتمادى في فرض وقائع ميدانية تهدف إلى تقويض إمكانية الحل السياسي مستقبلًا.

البعد الإسلامي والمسيحي… ونداء الوعي

في ذكرى الإسراء والمعراج، تستعيد الأمة القدس باعتبارها مدينة الأنبياء ومركزًا لرسالات السماء. وفيها يتجاور المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة، في صورة تعكس التاريخ الحقيقي للمدينة وما تمثله من وحدة حضارية وإنسانية.

لكنّ القدس اليوم تقف وحيدة أمام محاولات محو هويتها المتعددة، وتشويه تاريخها، وتهميش سكانها، فيما يبقى الغياب العربي والإسلامي عن معركة القدس هو الوجع الأشد حضورًا. فالأمة التي تهفو قلوبها إلى القدس لم تلامس أقدامها ساحات الأقصى منذ عقود، والاحتلال يواصل سياسة التطهير العرقي والتهويد المكاني والزماني.

معركة الوعي قبل معركة السياسة

إنّ القدس ليست قضية سياسية عابرة، بل قضية وعي وذاكرة وانتماء. وما لم يحضر اسم القدس في الإعلام والمناهج والتعليم والثقافة والفن ومؤسسات المجتمع المدني، فسيكون الاحتلال قد حقق نصف انتصاره عبر تغييبها من الوعي قبل تغييبها من الجغرافيا.

فالذاكرة أكثر رسوخًا من الخرائط حين تخذلها السياسة.

خاتمة

تستدعي القدس من العرب والمسلمين اليوم موقفًا يتجاوز الموسمية والشعارية إلى العمل المنظم والمستدام، وبناء خطاب قانوني وسياسي وثقافي يضع القدس في موقعها الطبيعي. فالأجيال لن تغفر، والتاريخ لن يرحم من ترك القدس وحيدة في مواجهة الطوفان الصهيوني بينما لا تزال قرارات الشرعية الدولية، رغم هشاشتها، تمنح الأمة سلاحًا قانونيًا وأخلاقيًا لا ينبغي التفريط به.

القدس تناديكم… نداء تاريخ وذاكرة وروح.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى