يأتي مقال مروان طوباسي حول ما يُسوَّق بوصفه “إدارة محلية لغزة” في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها محاولات فرض وصاية جديدة على القطاع مع خطاب ناعم يُخفي جوهر المسألة خلف عناوين التكنوقراط والإعمار والاستقرار. أهمية النص لا تكمن فقط في موقفه الرافض لهذه الصيغة، بل في الطريقة التي يضع بها هذا الطرح داخل سياقه السياسي الأوسع، بوصفه جزءًا من مسار متكامل يهدف إلى تفريغ التحرر الفلسطيني من مضمونه، لا مجرد حل إداري طارئ.
ما يلفت في مقاربة طوباسي أنه لا يتوقف عند نقد الأداة أو التسمية، بل يتجه مباشرة إلى تفكيك المنطق الذي يقف خلفها: منطق الانتقال من سؤال التحرر والسيادة إلى سؤال الإدارة والضبط، ومن الفلسطيني بوصفه صاحب قرار سياسي إلى “جماعة سكانية” تُدار شؤونها تحت إشراف خارجي، وبلا تفويض وطني جامع. هذا التفكيك يضع “اللجنة” أو “المجلس” أو أي مسمى آخر في موقعه الحقيقي: كحلقة ضمن هندسة سياسية أوسع، لا كاستجابة إنسانية أو مهنية بريئة.
النص ينجح في تسمية ما يُراد تطبيعه بهدوء: إعادة إنتاج نموذج “السلطة بلا سيادة”، لكن بصيغة أشد خطورة، لأنها تأتي بعد إبادة جماعية، وتُقدَّم بوصفها ضرورة إنقاذية لا تحتمل النقاش. هنا يُسجَّل للمقال أنه يرفض الفصل المصطنع بين الإغاثة والسياسة، وبين الإعمار والقرار الوطني، ويعيد التأكيد على أن تحويل الإعمار إلى أداة مشروطة، وربطه بإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني، ليس خروجًا من الأزمة بل إدارة لها بما يخدم استقرار الاحتلال لا تفكيكه.
كما يلتقط طوباسي بدقة خطورة تغييب المرجعية الوطنية الجامعة، لا بوصفه خللًا إجرائيًا، بل بوصفه شرطًا بنيويًا لتمرير مشاريع الوصاية. فإدارة محلية بلا سيادة، وبلا برنامج سياسي تحرري، وبلا ارتباط عضوي بوحدة الأرض والشعب، لا تعني أن “غزة يحكمها أهلها”، بل تعني – في جوهرها – إعفاء الاحتلال من كلفة الإدارة المباشرة، مع احتفاظه الكامل بالتحكم في الحدود والموارد والقرار. تغيير المسميات هنا لا يغيّر الوظيفة، وتعريب الصيغ المفروضة لا يمنحها شرعية وطنية.
الأهمية الأعمق للنص أنه يربط بين ما يُطرح لغزة اليوم وبين مسار ما بعد أوسلو، لا بوصفه لحظة تاريخية منتهية، بل كبنية ما زالت تُنتج أدواتها بأشكال جديدة. فالصمت الرسمي، وغياب موقف واضح من الأطر القيادية، لا يُقرأ كحياد، بل كفراغ سياسي يُستثمر لتمرير وقائع جديدة، تُكرّس الفصل بين غزة والضفة، وتُعيد تعريف القضية بوصفها ملف إدارة أزمات لا مشروع تحرر.
من هذه الزاوية، لا يبدو المقال ردًا على خطة بعينها، بل مساهمة في معركة أوسع: معركة منع تطبيع الوصاية بوصفها “واقعية”، ومنع تحويل ما بعد الإبادة إلى لحظة إعادة هندسة للوعي والتمثيل تحت ضغط الحاجة الإنسانية. وهو بذلك يتقاطع بوضوح مع النقاش الأعمق الدائر اليوم حول استعادة السياسة، لا بوصفها خطابًا، بل بوصفها فعلًا تحرريًا مرتبطًا بالسيادة والتمثيل والمساءلة.
ما يفتحه هذا النص، ويستحق البناء عليه، هو إعادة طرح السؤال الذي يُراد تجاوزه دائمًا باسم الاستعجال والضرورة:
من يملك حق إدارة غزة؟ وعلى أي أساس؟ وتحت أي مرجعية وطنية؟
من دون هذا السؤال، تتحول كل الصيغ – مهما بدت مهنية أو محلية – إلى أدوات إدارة للانقسام، لا مداخل للخروج منه.
بهذا المعنى، يقدّم مقال مروان طوباسي قراءة تتقدّم خطوة مهمة في تفكيك منطق “الإدارة” بوصفه بديلاً عن التحرر، ويضع النقاش في مكانه الصحيح: ليس بين إدارة سيئة وأخرى أفضل، بل بين مشروع تحرري يُعيد للفلسطيني موقعه كفاعل سياسي، ومشروع وصاية يُعيد إنتاجه كموضوع ضبط، مهما حسنت لغته وتلطّفت أدواته.
بقلم: خالد صالح عطية
١٨-٠١-٢٠٢٦
ما يلفت في مقاربة طوباسي أنه لا يتوقف عند نقد الأداة أو التسمية، بل يتجه مباشرة إلى تفكيك المنطق الذي يقف خلفها: منطق الانتقال من سؤال التحرر والسيادة إلى سؤال الإدارة والضبط، ومن الفلسطيني بوصفه صاحب قرار سياسي إلى “جماعة سكانية” تُدار شؤونها تحت إشراف خارجي، وبلا تفويض وطني جامع. هذا التفكيك يضع “اللجنة” أو “المجلس” أو أي مسمى آخر في موقعه الحقيقي: كحلقة ضمن هندسة سياسية أوسع، لا كاستجابة إنسانية أو مهنية بريئة.
النص ينجح في تسمية ما يُراد تطبيعه بهدوء: إعادة إنتاج نموذج “السلطة بلا سيادة”، لكن بصيغة أشد خطورة، لأنها تأتي بعد إبادة جماعية، وتُقدَّم بوصفها ضرورة إنقاذية لا تحتمل النقاش. هنا يُسجَّل للمقال أنه يرفض الفصل المصطنع بين الإغاثة والسياسة، وبين الإعمار والقرار الوطني، ويعيد التأكيد على أن تحويل الإعمار إلى أداة مشروطة، وربطه بإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني، ليس خروجًا من الأزمة بل إدارة لها بما يخدم استقرار الاحتلال لا تفكيكه.
كما يلتقط طوباسي بدقة خطورة تغييب المرجعية الوطنية الجامعة، لا بوصفه خللًا إجرائيًا، بل بوصفه شرطًا بنيويًا لتمرير مشاريع الوصاية. فإدارة محلية بلا سيادة، وبلا برنامج سياسي تحرري، وبلا ارتباط عضوي بوحدة الأرض والشعب، لا تعني أن “غزة يحكمها أهلها”، بل تعني – في جوهرها – إعفاء الاحتلال من كلفة الإدارة المباشرة، مع احتفاظه الكامل بالتحكم في الحدود والموارد والقرار. تغيير المسميات هنا لا يغيّر الوظيفة، وتعريب الصيغ المفروضة لا يمنحها شرعية وطنية.
الأهمية الأعمق للنص أنه يربط بين ما يُطرح لغزة اليوم وبين مسار ما بعد أوسلو، لا بوصفه لحظة تاريخية منتهية، بل كبنية ما زالت تُنتج أدواتها بأشكال جديدة. فالصمت الرسمي، وغياب موقف واضح من الأطر القيادية، لا يُقرأ كحياد، بل كفراغ سياسي يُستثمر لتمرير وقائع جديدة، تُكرّس الفصل بين غزة والضفة، وتُعيد تعريف القضية بوصفها ملف إدارة أزمات لا مشروع تحرر.
من هذه الزاوية، لا يبدو المقال ردًا على خطة بعينها، بل مساهمة في معركة أوسع: معركة منع تطبيع الوصاية بوصفها “واقعية”، ومنع تحويل ما بعد الإبادة إلى لحظة إعادة هندسة للوعي والتمثيل تحت ضغط الحاجة الإنسانية. وهو بذلك يتقاطع بوضوح مع النقاش الأعمق الدائر اليوم حول استعادة السياسة، لا بوصفها خطابًا، بل بوصفها فعلًا تحرريًا مرتبطًا بالسيادة والتمثيل والمساءلة.
ما يفتحه هذا النص، ويستحق البناء عليه، هو إعادة طرح السؤال الذي يُراد تجاوزه دائمًا باسم الاستعجال والضرورة:
من يملك حق إدارة غزة؟ وعلى أي أساس؟ وتحت أي مرجعية وطنية؟
من دون هذا السؤال، تتحول كل الصيغ – مهما بدت مهنية أو محلية – إلى أدوات إدارة للانقسام، لا مداخل للخروج منه.
بهذا المعنى، يقدّم مقال مروان طوباسي قراءة تتقدّم خطوة مهمة في تفكيك منطق “الإدارة” بوصفه بديلاً عن التحرر، ويضع النقاش في مكانه الصحيح: ليس بين إدارة سيئة وأخرى أفضل، بل بين مشروع تحرري يُعيد للفلسطيني موقعه كفاعل سياسي، ومشروع وصاية يُعيد إنتاجه كموضوع ضبط، مهما حسنت لغته وتلطّفت أدواته.
بقلم: خالد صالح عطية
١٨-٠١-٢٠٢٦