يعجبني الإهداء؛ حيث أهدى الكاتب روايته إلى المخيمات المكشوفة؛ لأن أول ما يتبادر إلى الذهن عند مطالعة الإهداء هو الصراع العربي الإسرائيلي وملاحم المقاومة في الأراضي العربية المحتلة وما حدث في دير البلح وخان يونس بمجرد قراءة "المخيمات المكشوفة". وبالتالي فقد نجح الراوي بصورة لافتة أن يبرق ويومض بإشارة واضحة عن طبيعة الصراع المقبل الذي يتناوله في روايته.
يتناول العمل موضوع المثاقفة الحضارية ، العلاقة بين الشرق والغرب، بين العربي وغير العربي، المسلم وغير المسلم، لكنه هنا يجفف الصراع ممثلا في الصراع العربي الإسرائيلي.
الرياضة باعتبارها مساحة الحراك للقوة الناعمة
وفي الحقيقة أنه اختار ناديا لا يعرفه المصريون وهو نادي مكابي تل أبيب، وهو أقدم نادي في إسرائيل وقد تأسس هذا النادي عام ١٩٠٦ من أيام الحكم العثماني. لماذا اختار أحمد عبد الله اسماعيل هذه المرة الرياضة؟! في كل مرة كان يختار الثقافة أو الإعلام أو يختار الكتاب أو يختار الميديا لكنه هذه المرة اختار الرياضة بصفتها قوة ناعمة. إن أهمية محمد صلاح في أوروبا لا تنحصر في كونه لاعباً مميزاً أو أحرز أهدافا حاسمة لا تنسى، لا؛ لأن هذا اللاعب كسر جزءًا من الحواجز النفسية؛ فالجمهور الإنجليزي لم يكن ليقبل قبل عشرين عاما أن يسجد إنسان على طريقة المسلمين في قلب إستاد الآنفيلد. لا بد أن ننظر إلى هذا الحدث من زاوية القوة الناعمة: كيف استطاع محمد صلاح أن يؤقلم الجمهور الإنجليزي على السجود وفق الطريقة العربية والإسلامية؟! وأتذكر أن مجلة مهمة تصدر في طهران اسمها "عصر إيران" وضعت تحقيقًا صحفيًا عن محمد صلاح بعنوان "من إسلام داعش إلى إسلام محمد صلاح"!
فالرياضة جزء من القوة الناعمة صاحبة التأثير الإيجابي الهائل؛ لهذا فإن التجاذب الذي يحدث لشلومو ولأبيه قبل أن يصاب بالسرطان ويرحل عن المشهد الروائي، فالأديب أحمد عبدالله إسماعيل لا يتناول هذه النقاط بصفتها رِهانات رياضية، لكنها مطروحة هنا باعتبارها جزءًا من حِراك القوة الناعمة.
واختار شخصا موزع الولاءات بين انتماء متصهين وانتماء عربي ، سمير وشلومو. وأرى أن شلومو هو مركز الدائرة في هذا النص على الرغم من أنه قد يبدو من الوهلة الأولى أن سمير الأب؛ فلو أراد الراوي أن أن يكون سمير هو البطل لاستمر معنا سمير حتى النهاية، لكنه تخلص من سمير عند خاصرة الرواية، والذي أكمل معنا هو ابنه شلومو. كان مطلوبًا أن يتذكر شلومو مشاربه العربية وأنه جرت محاولات لتجريد هذا الفتى العربي من مشاربه العربية والإسلامية ، وأدرك في النهاية شلومو أنه سليمان، وبالتالي تخلص الراوي من الأشخاص واحدًا تلو الآخر، واستبقى في النهاية سليمان مع المفكرة. رحل الوالد وترك مفكرته وذكرياته ووصاياه.
الفكرة جديدة وجريئة وأرى أنها امتداد لفكرة المثاقفة الحضارية والعلاقة بين الشرق والغرب والعلاقة مع الآخر بوجه عام؛ لأن هذا العمل يتناول مساحات التماس والاختلاف بين الثقافة المصرية والعربية وبين أوروبا والعالم.
وسع أحمد عبدالله إسماعيل الدائرة في هذه الرواية، وبدأ ينظر إلى التغلغل الإسرائيلي في الداخل الأوروبي والنسيج العالمي وهذه مسألة مهمة جدا.
نقطة نقدية لبنية النص الروائي
يقع النص بين مائة وثلاثة وخمسين صفحة وينتظم بين دفتي الكتاب في عشرين فصلًا. وأبدأ في المشاكسة النقدية برفض الإيغال في التقسيم؛ لأنني ضد هذا التقسيم، فقد استغرقت بعض الفصول صفحتين أو ثلاثة صفحات. تقسيم النص إلى فصول مقبول تماما، ومن الطبيعي جدا أن تقسم الفصول لكن كان من الممكن أن تقع في خمسة عشر فصلا بدلا من عشرين. والميزة في تقسيم فصول هذه الرواية أنه يسمح لك بالتقاط الأنفاس عند القراءة، وليس من الصواب أن يكون النص كله دفقة واحدة.
اللغة
العمل مليء بالجمل المفتاحية المشعة :
ينصح سمير ابنه بقوله : ابحث عن أهلك ولا تقطع حبال المودة.
أعجبتني لغة الكاتب هنا للغاية؛ لأنه يقول للقارئ: إن كنت لا تعلم بقائمة الأهداف المعلنة للموجة الاستعمارية الجديدة، وأهمها تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، وأن نتحول إلى إمارات على الطريقة الأندلسية بتقسيم الدولة الواحدة إلى دويلات صغيرة. فقد أدرجت مؤسسة راند وغيرها تقيسمات للدول العربية بأن تصل إلى إثنين وخمسين دولة بدلا من اثنين وعشرين؛ لهذا يوصي الكاتب على لسان البطل بأنه إذا لم يبق من العروبة إلا الانتساب إليها، فعليك أن تبحث عن هذا العرق العربي والإسلامي الذي يصلك بإخوتك وأشقائك.
هذه النصيحة من سمير لابنه شلومو الذي سيصبح في نهاية النص الروائي سليمان بعد أن يسترد عباءته العربية ويستعيد عقاله وشاله الفلسطيني؛ فقد ورد ذكر الشال الفلسطيني صراحة، وهذه الكوفية الفلسطينية تعبر عن رمزية مهمة للغاية؛ لأنها دخلت في خوارزميات الحظر والمنع و"البلوك" الذي يفرضه علينا كل المسئولين عن إدارة العالم الافتراضي؛ لأن الشال الفلسطيني جزء من رمزية وحراك القوة الناعمة. الصراع بيننا وبينهم صراع تاريخي بالضرورة.
قارن الكاتب في هذه الرواية بين القدس وجيروزاليم وقارن في بعض المقاطع بين شلومو وسليمان. وهذا يعني أن المعركة في أساسها معركة تاريخ. فالمصري يسميها الضفة وغزة والإسرائيلي يسميها يهودا والسامرة. المعركة بين تأكيد كل طرف على ما يراه حقا مطلقا فأحمد عبدالله إسماعيل يرى أن المسجد الأقصى حق مطلق بينما يرى الجانب الاسرائيلي أن الهيكل السليماني حق مطلق، وأجمل ما في هذه الرواية أنها وضعتنا في بؤرة هذا السجال التاريخيّ والفكري.
هتف شلومو بعدما تحول إلى سليمان وقال: أهلي غزة.
استخدم الأديب آلية التعبير التكراري عندما كرر كلام أبيه، وهذه هي الجملة الثانية التي تجعلني أحيي الكاتب على شجاعته عندما صدح بها؛ لأنه هناك محاولة الآن لمحو غزة من الوجود بذكر مشروعات أمريكية لتحويلها إلى ريڤييرا الشرق أو ريڤييرا العرب؛ فهذا لا يعنى سوى المحو والطمس للمدن الفلسطينية، وهنا لم يلجأ الكاتب إلى المواربة ولا إلى الشكل الكنائي أو الرمزي.
"رفضت العيش في بيت اغتصبه نيتانياهو"
استخدم الكاتب أسلوب بلاغة التورية، أن يكون للكلمة معنيان معنى قريب لا يُراد ومعنى بعيد مقصود، لأن اسم نيتانياهو هنا في النص مقصود به أحد أبطال العمل الروائي وهذا ما لا يريده الكاتب، ويقصد به في الحقيقة مؤامرة نيتانياهو الليكودية، وفي هذه الجملة ينتقض شلومو ويتمرد ويتذكر أصله المصري العربي المسلم أنه سليمان. يخلع عنه عباءته ويسترد مشربه العربي ويختتم النص بهذه العبارة.
سعيد للغاية بختام الكاتب النص الروائي بهذه الجملة لأنها من الجمل المهمة للغاية في هذه الرواية؛ لأن أحد الأبطال هنا سُمي نيتانياهو وهو الذي يقود حركة اللجان الإلكترونية في إشارة إلى حرب لجان الإنترنت والحسابات الملفقة في مقابل حسابات عربية تنتصف لسمير وقضيته وأحقيته في نسب ولده إليه، لأن الأمر رُفع إلى القضاء والذي حكم بنسب الولد إليه بعد فحوصات الحمض النووي الوراثي. أرى أن هذا الرباط العائلي الأسري السلالي يحمل نبرة رمزية؛ بمعنى أن صوت الابن لا يجب أن ينفصل عن صوت الأب، لا بد ألا تنفصم عرى الابن عن أصل الآباء والأجداد.
هذا التعبير ينفتح على التأويلات ويستحضر من الذاكرة صورًا ذهنية، فقراءة هذه الجملة تستحضر القضية الفلسطينية وأفعال نيتانياهو واللجان الإلكترونية التي يديرها، وهنا نفرق بين اللجان الإلكترونية والرأي العام؛ فاللجان الإلكترونية تشكيلات عصابية مدفوعة الأجر تنطلق في حملات تدار من حسابات وهمية وملفقة لتغيير الولاءات والتشهير بالرموز الوطنية، وإسرائيل تقن هذه اللعبة جيدًا.
هنا نيتانياهو وهو يدير الحملة الإلكترونية للدفاع عن الأصل والنسب اليهودي لشلومو تناظره الحملات الإلكترونية العربية الصادقة في الدفاع عن الأصل والنسب الصحيح لسليمان. وهكذا، نجد أن الصراع هنا صراع تاريخ، وتنجح الرواية في فضح حقيقة وهي أن الفضاء الأزرق الافتراضي أصبح ساحة للمعركة. بينما تخسر إسرائيل كل يوم في حريها غير العادلة على مستوى الرأي العام العالمي، تتحسن صورة العربي والمسلم في كل ساحات الصحافة الأمريكية الآن في انحياز واضح لعدالة القضية العربية. هل صمتت إسرائيل؟! بالطبع لا؛ فقد أطلقت مشروع إستر لتمويل الحسابات ومنصات التواصل الاجتماعي وتم فتح قنوات اتصالات مباشرة مع المسئولين عن هذه المواقع. وهذا ما يفسر الحرب في هذه الرواية كحرب ساحتها منصات مواقع التواصل الاجتماعي في اختفاء متعمد ومحمود للراوي الذي لم يذكر على الإطلاق أي وسيلة عسكرية: لم نجد بارجة، ولا فرقاطة ولا سلاح ولا طائرات شبح ولا أدنى إشارة إلى زخات رصاص حي أو تمنطق بحزام ناسف؛ لأنه جعل مدار الصراع الفضاء الرقمي على مواقع التواصل الاجتماعي وهذا منطق صحيح للغاية ومناسب لحداثة الحروب وهذا ميدان المعركة الأهم في شكل القوة الناعمة!
وضع سمير منشورًا على مواقع التواصل الإجتماعي وأثبت أحقيته في ولده وانهالت التعليقات على منشوره وهذا معناه أنه كسب معركة مهمة للغاية على الأرض، وهي معركة الحق الأدبي والمعنوي. ولعل ما صرح به الرئيس الأمريكي قبل شهرين بأنه يبذل جهودا كبيرة لإقناع الدول بمساعدة إسرائيل بعدما كانوا يوافقون دون نقاش، يثبت أننا أمام عالم متغير. من الذي صنع هذا التغيير ؟! بكل تأكيد ما تسبّب في هذا التغيير في المواقف اقتناع الدول والشعوب بعدالة النضال الفلسطيني والدماء التي أريقت من السابع من أكتوبر ولمدة عامين.
لهذا، أنا سعيد للغاية أن خيوط وخطوط هذه الرواية تتمحور حول فكرة القوة الناعمة، وأنها تثبت نقطة مهمة للغاية وهي أن الصراع بيننا وبينهم مركزه ومداره التاريخ ومسرحه مواقع التواصل الاجتماعي والفضاء الأزرق بكل تطبيقاته.
الإشارة إلى الشال الفلسطيني وإلى فريق أهلي غزة والبدء بأن سميرًا بدأ محترفا في إيطاليا ونحن كعرب لنا حضور ومساهمة في الداخل الإيطالي وبالمناسبة فإن إيطاليا من الدول التي لديها تاريخ طويل من المواقف المشرفة بالنسبة للقضايا العربية.
يعجبني الأداء اللغوي للكاتب؛ حيث يتسم هذا الأداء بالفحولة والعصرية؛ فلا يوجد أي تقعر في هذا النص الروائي، ولن يجد القارئ سطرا واحدًا يجعله في حاجة إلى المعجم، ولا يوجد في النص ابتذال اللغة التقريرية، فهذا النص الروائي يقف في منطقة الأعراف بين فحولة المفردة العربية وبين السلاسة التي يتم التعامل بها مع متلقٍ عصري، ويبرز هذا خصوصا في مناطق الذروة في النص الروائي؛ فهو مثلاً يقول:
* لكن وعودها لم تكن سوى سترة رقيقة على أصوات الماضي التي لاحقته كهارب تطارده دورية الشرطة.
وفي بعض المواضع ينزل بمستوى الأداء اللغوي فنجد النص محملا بالروح الشعبية وتحس بأن من يتحدث شخصا من أولاد البلد، فنجده يقول:
* تذكر كيف علمته أن الحياة تشبه البطيخة، حلوة من بعيد، لكنك إن فتحتها، قد تجدها بلا طعم.
وهكذا، لم يحرم الكاتب الأداء اللغوي المجازي من الرحيق الشعبي عندما يستخدم الأسلوب السائد عند المصريين وهم يشبهون الحياة بالبطيخة.
الشخصيات
يأخذ قابيل سمتًا رمزيا؛ فقد كان حقودًا للغاية على سمير ولا يريد له النجاح ويذكرنا استدعاء اسم قابيل بتناص قرآني مع قصة قابيل مع شقيقه هابيل.
يبرع الكاتب هنا في هذه الرواية كما لم يبرع من قبل؛ فمثلا نجده يقول:
* "انتبه قابيل إلى الدعاء المتصاعد من حناجرهم، كأنه سحابة حنظل مرّة تغطي المكان بطعم اليأس. عجز عن مجاراتهم؛ حتى كلمة «آمين» تحجرت في حلقه كبلورة ملعونة".
بعد قراءة هذه الرواية يمكنني القول أن التوصيف الأسلوبي سيفتح عيونًا على مساحات تميز مهمة في هذا النص الروائي.
الإشارة إلى هناء، العشق القديم، وإيفا.
نجد أن إيفا تمثل الحمولة الأوروبية في مقابل هناء التي تمثل الحمولة العربية. وأصر سمير أن تكون ابنته اسمها فاطمة وهو الاسم الذي يذكر الجميع بالأصل العربي. وقد نجد أن اسم فاطمة استخدم في الأدب العربي كثيرًا في الغزل كما قال امرؤ القيس:
أفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ…
وفي الأدب العالمي نتذكر الخيميائي للأديب باولو كويلو حيث كانت محبوبة سانتياجو العربية تدعى فاطمة.
ويستخدم الكاتب الحمولة القرآنية حتى في توظيفها لغويا؛ فمثلا نجده يقول على لسان قابيل:
* "كيف يتفوّق عليّ دائمًا؟ كيف يحصد كل هذا المجد بينما أنا خير منه؟"
فبمجرد رؤية القارئ لهذا التعبير القرآني "أنا خير منه" سيتذكر هذا الإشعاع والإيحاء والأداء القرآني وهي ظاهرة ملموسة وملحوظة عند الكاتب أحمد عبدالله إسماعيل من بداياته وحتى الآن؛ فهو يستثمر ويوظف حمولة الجملة القرآنية والأداء اللغوي القرآني.
عندما يقول شلومو، الابن الذي تغذى على الكراهية:
* الحرب ليست عدوتي. عدوي الوحيد هو كل الإرهابيين العرب.
هذا يعني أن شلومو تلقن منذ نعومة أظفاره أن كل العرب إرهابيون. ما هو شعار قناة فوكس التي تنحاز في تغطيتها الإخبارية لإسرائيل في المطلق، وتعادي القضية الفلسطينية والعرب والمسلمين بل وشوهت صورة العرب والمسلمين في أوروبا والعالم بشكل علني؟
تضع قناة فوكس شعارها "ليس كل المسلمين إرهابيين لكن كل الارهابيين مسلمون!" ولهذا فإن الأوروبي إن استخدم العنف يقولون إنها جريمة أما العربي والمسلم إن فعل نفس الشيء فإنهم يقولون إنها أعمال إرهابية لأنهم يقصرون تصنيف الإرهاب على العرب والمسلمين .
ولهذا يمكنني القول إن الأسماء في هذه الرواية تحمل شبكة من الصراعات الرمزية داخل النص. أشارت الرواية إلى برنامج مترو الصحافة الإسرائيلي؛ لذلك نجد أن كل طرف يظهر في وسيلة إعلامية لعرض وجهة نظره وهذا ما يؤكد على نقطة مهمة جدًا: رواية تتحدث عن الصراع العربي الإسرائيلي لا يُذكر فيها أي أسلحة ولا طائرات مسيرة ولا حتى رصاصة واحدة؛ لأن الكاتب يرى أن الحرب الأهم هي الحرب الإعلامية، فمدار النسيج الروائي هنا على هذه الحرب الإعلامية.
هناك نقطة مهمة جدًا أشار إليها النص الروائي، ومنها المواقف التي تغيرت بدفاع الناشط الحقوقي الأمريكي ديفيد ويليام عن القضية العربية؛ حيث أنه بدأ يتعاطف مع القضية العربية والإسلامية ومع موقف سمير ويدافع عن حق سمير في ابنه ونسبه إليه؛ فعملية استفاقة الضمائر تحدث الآن تباعًا: كل بضعة أيام تجد ممثلا أو فنانا أو إعلاميا شهير أو رئيس تحرير منصة أو رئيس تحرير فضائية كبيرة للتأكيد على عملية استفاقة الضمائر والإقرار بالحقوق العربية والإسلامية وخصوصًا في الأجيال الجديدة.
نصائح سمير مهمة للغاية، وقد لجأ الراوي إلى حيلة ذكية؛ لأن سمير استمر، رغم رحيله بعد إصابته بسرطان الدم، من خلال مفكرته، كما أن الراوي قام باستدعائه باستخدام تقنيات متنوعة من الحلم إلى ظهور الشبح والأهم هو استخدام تقنية المفكرة. فالحكمة باقية بين دفتي المفكرة وقد ظهرت في رسائله التي تركها لولده: *الحجارة لا تنسى من يسرقها.
هذه الإشارة إلى قضية الأرض المغتصبة ذكية جدا، وقد أظهر الكاتب براعة أدبية حين صاغ في تكثيف شديد منشورًا عن قضية نسب ولده والذي يشير في الخلفية المباطنة إلى القضية الفلسطينية الممتدة لعقود في ثلاثة أسطر، فجاء المنشور الذي حصل به على تعاطف الجميع معه في قضية نسب ولده شلومو:
* كتب سمير على صفحته الشخصية:
"حين تتبنى المنابر العالمية وجهة نظر أحادية عند تناول قضية مثل قضيتنا، ويقابلها في الإعلام العربي صمتٌ مطبق أو همسات خافتة، يصبح صوت الحق نداءً ضائعًا في صحراء من الظلم، فتغدو العدالة سرابًا لا يروي ظمأ المتعطشين لها".
هذا المنشور هو لب العمل الروائي، وتدور أحداثها حوله. وقد دافع سمير عن حقه في ولده حتى وفاته، وحتى بعد وفاته بقيت مفكرة سمير في يد شلومو فتلقى من خلالها مزيدا من نصح أبيه، وهذه المفكرة هي التي جعلت ضمير شلومو يستفيق ويعود إلى أصله العربي المسلم.
* شعر سمير في تلك اللحظة أنّه لم يعد مجرّد لاعب، بل صار ميدانًا لمعركة تتجاوز حدود إدراكه.
توضح هذه الجملة حقيقة كبرى تقضي بأن كرة القدم لم تعد تنحصر في منافسات ملاعب ، ولا محترف عربي في أوروبا بل أصبحت صراعا ومساجلة فكرية أو مثاقفة بين حضارتين وفكرتين تناوئ إحداهما الأخرى.
* نظر سمير إلى الحشد، ورأى في أعينهم صخرة سيزيف التي يدحرجونها كل يوم: كراهية لا تعرف الكلل. أجاب بنبرة مثقلة بإرث من الألم:
هم لا يخافون مني، بل من العدل الذي تمثله كرة القدم. إنها تذكرهم أن الهزيمة قد تكون مصيرًا محتومًا، حتى لمن يملك القوة.
تعتبر هذه الفقرة إحدى الومضات المشعة في النص لأنها توضح الأساس الذي استند إليه الكاتب في صياغة هذا النص الروائي.
لا تبحث عن وطن وهمي؛ فقلب كل عربي هو وطنك الحقيقي.
* بدأ خيط سري يربطه بأبيه يتجسد. تساءل في ذهول:
"هل كانت حياتي الماضية مجرد مجموعة من الأكاذيب؟ أيهما أنا؟ يهودي أم مسلم؟ إفريقي أم أوروبي؟ شلومو أم سليمان؟!"
هذا المونولوج نشعر معه أن شلومو قد تبدل إلى شخص آخر، واستعاد هويته بنفسه عن اقتناع. والسؤال عن الهوية العربية أمر في منتهى الأهمية؛ فعندما كتب طه حسين "مستقبل الثقافة في مصر" تناول موضوع الهوية المصرية وتصنيفها إلى عدة هويات: هوية عربية أو إسلامية أو مسيحية أو أورومتوسطية أو هوية إنسانية. لكن شلومو استعاد هويته فتغير حاله إلى سليمان وهو عربي ولا رجوع عن هذه الهوية.
لم أعد ذلك الولد الضائع بين الشرق والغرب. ها أنا ذا قد صرت شجرةً كاملة … لأنني رفضت العيش في بيت اغتصبه نيتانياهو.
من الممكن أن تذهب مخيلة القارئ إلى شخص محدد يحمل هذا الاسم وقد تبقى مع البطل الروائي؛ فقد سمحت بلاغة التورية أن تتذبذب الدلالة بين هنا وهناك.
البنية الروائية
لهذا النص بنية روائية تتواشج معها بنية اليوميات؛ فقد كتب أحمد عبدالله إسماعيل هذا النص على طريقة اليوميات بإبراز الشهر والسنة في رأس الفصل الجديد، وعندما يصدر الكاتب التاريخ المنضبط فإن النص الروائي يصنف في الأجناس الأدبية على أنه أدب اليوميات. وقد ضمن له هذا أن يعطي الرواية سمكا وحسا تاريخيا واضحا.
شخصية ماكسويل
لم تبرح ظاهرة العنصرية الوجدان الأوروبي ولا الأمريكي؛ فتجد العنصرية في ملاعب كرة القدم ، والاقتصاد والثقافة والسياسة. فكلمة عربي في المخيلة الأوروبية طوال عشرين عاما مضت تعني متمنطق بالحزام الناسف، مزواج، لا يقبل بالرأي الآخر. هذه هي الصورة الذهنية التي حاولوا لسنوات رسمها للمواطن العربي بصورة عنصرية، وهذا المدرب، ماكسويل، يمثل شريحة من هذا النمط العنصري.
في الختام ، هذه رواية جيدة جدا ومحكمة وتتماشى مع الخط الذي تبناه منذ أول عمل روائي وهو يتناول فكرة الصدام بين الشرق والغرب لكنه كثف الرؤية هنا على الصراع العربي الإسرائيلي ليظهر عملية الاستلاب والطمس والمحو التي تصر عليها إسرائيل المعبأة بتفسيرات توراتية تلمودية تحمل تفسيرات خاصة لمعركة هرمجدون.
أحيي الروائي على روايته البديعة وعلى شجاعته وجسارته في طرح رؤيته والشكر موصول للناشر الذي قبل أن يتحمل المخاطرة ولا أتصور أن أي مثقف لا يكون جريئا في تناول موضوعات تمس المجتمعات وتطرح قضايا تشغل الرأي العام في بلده والعالم .
الأستاذ الدكتور حسام عقل أستاذ البلاغة والنقد الأدبي بجامعة عين شمس
يتناول العمل موضوع المثاقفة الحضارية ، العلاقة بين الشرق والغرب، بين العربي وغير العربي، المسلم وغير المسلم، لكنه هنا يجفف الصراع ممثلا في الصراع العربي الإسرائيلي.
الرياضة باعتبارها مساحة الحراك للقوة الناعمة
وفي الحقيقة أنه اختار ناديا لا يعرفه المصريون وهو نادي مكابي تل أبيب، وهو أقدم نادي في إسرائيل وقد تأسس هذا النادي عام ١٩٠٦ من أيام الحكم العثماني. لماذا اختار أحمد عبد الله اسماعيل هذه المرة الرياضة؟! في كل مرة كان يختار الثقافة أو الإعلام أو يختار الكتاب أو يختار الميديا لكنه هذه المرة اختار الرياضة بصفتها قوة ناعمة. إن أهمية محمد صلاح في أوروبا لا تنحصر في كونه لاعباً مميزاً أو أحرز أهدافا حاسمة لا تنسى، لا؛ لأن هذا اللاعب كسر جزءًا من الحواجز النفسية؛ فالجمهور الإنجليزي لم يكن ليقبل قبل عشرين عاما أن يسجد إنسان على طريقة المسلمين في قلب إستاد الآنفيلد. لا بد أن ننظر إلى هذا الحدث من زاوية القوة الناعمة: كيف استطاع محمد صلاح أن يؤقلم الجمهور الإنجليزي على السجود وفق الطريقة العربية والإسلامية؟! وأتذكر أن مجلة مهمة تصدر في طهران اسمها "عصر إيران" وضعت تحقيقًا صحفيًا عن محمد صلاح بعنوان "من إسلام داعش إلى إسلام محمد صلاح"!
فالرياضة جزء من القوة الناعمة صاحبة التأثير الإيجابي الهائل؛ لهذا فإن التجاذب الذي يحدث لشلومو ولأبيه قبل أن يصاب بالسرطان ويرحل عن المشهد الروائي، فالأديب أحمد عبدالله إسماعيل لا يتناول هذه النقاط بصفتها رِهانات رياضية، لكنها مطروحة هنا باعتبارها جزءًا من حِراك القوة الناعمة.
واختار شخصا موزع الولاءات بين انتماء متصهين وانتماء عربي ، سمير وشلومو. وأرى أن شلومو هو مركز الدائرة في هذا النص على الرغم من أنه قد يبدو من الوهلة الأولى أن سمير الأب؛ فلو أراد الراوي أن أن يكون سمير هو البطل لاستمر معنا سمير حتى النهاية، لكنه تخلص من سمير عند خاصرة الرواية، والذي أكمل معنا هو ابنه شلومو. كان مطلوبًا أن يتذكر شلومو مشاربه العربية وأنه جرت محاولات لتجريد هذا الفتى العربي من مشاربه العربية والإسلامية ، وأدرك في النهاية شلومو أنه سليمان، وبالتالي تخلص الراوي من الأشخاص واحدًا تلو الآخر، واستبقى في النهاية سليمان مع المفكرة. رحل الوالد وترك مفكرته وذكرياته ووصاياه.
الفكرة جديدة وجريئة وأرى أنها امتداد لفكرة المثاقفة الحضارية والعلاقة بين الشرق والغرب والعلاقة مع الآخر بوجه عام؛ لأن هذا العمل يتناول مساحات التماس والاختلاف بين الثقافة المصرية والعربية وبين أوروبا والعالم.
وسع أحمد عبدالله إسماعيل الدائرة في هذه الرواية، وبدأ ينظر إلى التغلغل الإسرائيلي في الداخل الأوروبي والنسيج العالمي وهذه مسألة مهمة جدا.
نقطة نقدية لبنية النص الروائي
يقع النص بين مائة وثلاثة وخمسين صفحة وينتظم بين دفتي الكتاب في عشرين فصلًا. وأبدأ في المشاكسة النقدية برفض الإيغال في التقسيم؛ لأنني ضد هذا التقسيم، فقد استغرقت بعض الفصول صفحتين أو ثلاثة صفحات. تقسيم النص إلى فصول مقبول تماما، ومن الطبيعي جدا أن تقسم الفصول لكن كان من الممكن أن تقع في خمسة عشر فصلا بدلا من عشرين. والميزة في تقسيم فصول هذه الرواية أنه يسمح لك بالتقاط الأنفاس عند القراءة، وليس من الصواب أن يكون النص كله دفقة واحدة.
اللغة
العمل مليء بالجمل المفتاحية المشعة :
ينصح سمير ابنه بقوله : ابحث عن أهلك ولا تقطع حبال المودة.
أعجبتني لغة الكاتب هنا للغاية؛ لأنه يقول للقارئ: إن كنت لا تعلم بقائمة الأهداف المعلنة للموجة الاستعمارية الجديدة، وأهمها تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، وأن نتحول إلى إمارات على الطريقة الأندلسية بتقسيم الدولة الواحدة إلى دويلات صغيرة. فقد أدرجت مؤسسة راند وغيرها تقيسمات للدول العربية بأن تصل إلى إثنين وخمسين دولة بدلا من اثنين وعشرين؛ لهذا يوصي الكاتب على لسان البطل بأنه إذا لم يبق من العروبة إلا الانتساب إليها، فعليك أن تبحث عن هذا العرق العربي والإسلامي الذي يصلك بإخوتك وأشقائك.
هذه النصيحة من سمير لابنه شلومو الذي سيصبح في نهاية النص الروائي سليمان بعد أن يسترد عباءته العربية ويستعيد عقاله وشاله الفلسطيني؛ فقد ورد ذكر الشال الفلسطيني صراحة، وهذه الكوفية الفلسطينية تعبر عن رمزية مهمة للغاية؛ لأنها دخلت في خوارزميات الحظر والمنع و"البلوك" الذي يفرضه علينا كل المسئولين عن إدارة العالم الافتراضي؛ لأن الشال الفلسطيني جزء من رمزية وحراك القوة الناعمة. الصراع بيننا وبينهم صراع تاريخي بالضرورة.
قارن الكاتب في هذه الرواية بين القدس وجيروزاليم وقارن في بعض المقاطع بين شلومو وسليمان. وهذا يعني أن المعركة في أساسها معركة تاريخ. فالمصري يسميها الضفة وغزة والإسرائيلي يسميها يهودا والسامرة. المعركة بين تأكيد كل طرف على ما يراه حقا مطلقا فأحمد عبدالله إسماعيل يرى أن المسجد الأقصى حق مطلق بينما يرى الجانب الاسرائيلي أن الهيكل السليماني حق مطلق، وأجمل ما في هذه الرواية أنها وضعتنا في بؤرة هذا السجال التاريخيّ والفكري.
هتف شلومو بعدما تحول إلى سليمان وقال: أهلي غزة.
استخدم الأديب آلية التعبير التكراري عندما كرر كلام أبيه، وهذه هي الجملة الثانية التي تجعلني أحيي الكاتب على شجاعته عندما صدح بها؛ لأنه هناك محاولة الآن لمحو غزة من الوجود بذكر مشروعات أمريكية لتحويلها إلى ريڤييرا الشرق أو ريڤييرا العرب؛ فهذا لا يعنى سوى المحو والطمس للمدن الفلسطينية، وهنا لم يلجأ الكاتب إلى المواربة ولا إلى الشكل الكنائي أو الرمزي.
"رفضت العيش في بيت اغتصبه نيتانياهو"
استخدم الكاتب أسلوب بلاغة التورية، أن يكون للكلمة معنيان معنى قريب لا يُراد ومعنى بعيد مقصود، لأن اسم نيتانياهو هنا في النص مقصود به أحد أبطال العمل الروائي وهذا ما لا يريده الكاتب، ويقصد به في الحقيقة مؤامرة نيتانياهو الليكودية، وفي هذه الجملة ينتقض شلومو ويتمرد ويتذكر أصله المصري العربي المسلم أنه سليمان. يخلع عنه عباءته ويسترد مشربه العربي ويختتم النص بهذه العبارة.
سعيد للغاية بختام الكاتب النص الروائي بهذه الجملة لأنها من الجمل المهمة للغاية في هذه الرواية؛ لأن أحد الأبطال هنا سُمي نيتانياهو وهو الذي يقود حركة اللجان الإلكترونية في إشارة إلى حرب لجان الإنترنت والحسابات الملفقة في مقابل حسابات عربية تنتصف لسمير وقضيته وأحقيته في نسب ولده إليه، لأن الأمر رُفع إلى القضاء والذي حكم بنسب الولد إليه بعد فحوصات الحمض النووي الوراثي. أرى أن هذا الرباط العائلي الأسري السلالي يحمل نبرة رمزية؛ بمعنى أن صوت الابن لا يجب أن ينفصل عن صوت الأب، لا بد ألا تنفصم عرى الابن عن أصل الآباء والأجداد.
هذا التعبير ينفتح على التأويلات ويستحضر من الذاكرة صورًا ذهنية، فقراءة هذه الجملة تستحضر القضية الفلسطينية وأفعال نيتانياهو واللجان الإلكترونية التي يديرها، وهنا نفرق بين اللجان الإلكترونية والرأي العام؛ فاللجان الإلكترونية تشكيلات عصابية مدفوعة الأجر تنطلق في حملات تدار من حسابات وهمية وملفقة لتغيير الولاءات والتشهير بالرموز الوطنية، وإسرائيل تقن هذه اللعبة جيدًا.
هنا نيتانياهو وهو يدير الحملة الإلكترونية للدفاع عن الأصل والنسب اليهودي لشلومو تناظره الحملات الإلكترونية العربية الصادقة في الدفاع عن الأصل والنسب الصحيح لسليمان. وهكذا، نجد أن الصراع هنا صراع تاريخ، وتنجح الرواية في فضح حقيقة وهي أن الفضاء الأزرق الافتراضي أصبح ساحة للمعركة. بينما تخسر إسرائيل كل يوم في حريها غير العادلة على مستوى الرأي العام العالمي، تتحسن صورة العربي والمسلم في كل ساحات الصحافة الأمريكية الآن في انحياز واضح لعدالة القضية العربية. هل صمتت إسرائيل؟! بالطبع لا؛ فقد أطلقت مشروع إستر لتمويل الحسابات ومنصات التواصل الاجتماعي وتم فتح قنوات اتصالات مباشرة مع المسئولين عن هذه المواقع. وهذا ما يفسر الحرب في هذه الرواية كحرب ساحتها منصات مواقع التواصل الاجتماعي في اختفاء متعمد ومحمود للراوي الذي لم يذكر على الإطلاق أي وسيلة عسكرية: لم نجد بارجة، ولا فرقاطة ولا سلاح ولا طائرات شبح ولا أدنى إشارة إلى زخات رصاص حي أو تمنطق بحزام ناسف؛ لأنه جعل مدار الصراع الفضاء الرقمي على مواقع التواصل الاجتماعي وهذا منطق صحيح للغاية ومناسب لحداثة الحروب وهذا ميدان المعركة الأهم في شكل القوة الناعمة!
وضع سمير منشورًا على مواقع التواصل الإجتماعي وأثبت أحقيته في ولده وانهالت التعليقات على منشوره وهذا معناه أنه كسب معركة مهمة للغاية على الأرض، وهي معركة الحق الأدبي والمعنوي. ولعل ما صرح به الرئيس الأمريكي قبل شهرين بأنه يبذل جهودا كبيرة لإقناع الدول بمساعدة إسرائيل بعدما كانوا يوافقون دون نقاش، يثبت أننا أمام عالم متغير. من الذي صنع هذا التغيير ؟! بكل تأكيد ما تسبّب في هذا التغيير في المواقف اقتناع الدول والشعوب بعدالة النضال الفلسطيني والدماء التي أريقت من السابع من أكتوبر ولمدة عامين.
لهذا، أنا سعيد للغاية أن خيوط وخطوط هذه الرواية تتمحور حول فكرة القوة الناعمة، وأنها تثبت نقطة مهمة للغاية وهي أن الصراع بيننا وبينهم مركزه ومداره التاريخ ومسرحه مواقع التواصل الاجتماعي والفضاء الأزرق بكل تطبيقاته.
الإشارة إلى الشال الفلسطيني وإلى فريق أهلي غزة والبدء بأن سميرًا بدأ محترفا في إيطاليا ونحن كعرب لنا حضور ومساهمة في الداخل الإيطالي وبالمناسبة فإن إيطاليا من الدول التي لديها تاريخ طويل من المواقف المشرفة بالنسبة للقضايا العربية.
يعجبني الأداء اللغوي للكاتب؛ حيث يتسم هذا الأداء بالفحولة والعصرية؛ فلا يوجد أي تقعر في هذا النص الروائي، ولن يجد القارئ سطرا واحدًا يجعله في حاجة إلى المعجم، ولا يوجد في النص ابتذال اللغة التقريرية، فهذا النص الروائي يقف في منطقة الأعراف بين فحولة المفردة العربية وبين السلاسة التي يتم التعامل بها مع متلقٍ عصري، ويبرز هذا خصوصا في مناطق الذروة في النص الروائي؛ فهو مثلاً يقول:
* لكن وعودها لم تكن سوى سترة رقيقة على أصوات الماضي التي لاحقته كهارب تطارده دورية الشرطة.
وفي بعض المواضع ينزل بمستوى الأداء اللغوي فنجد النص محملا بالروح الشعبية وتحس بأن من يتحدث شخصا من أولاد البلد، فنجده يقول:
* تذكر كيف علمته أن الحياة تشبه البطيخة، حلوة من بعيد، لكنك إن فتحتها، قد تجدها بلا طعم.
وهكذا، لم يحرم الكاتب الأداء اللغوي المجازي من الرحيق الشعبي عندما يستخدم الأسلوب السائد عند المصريين وهم يشبهون الحياة بالبطيخة.
الشخصيات
يأخذ قابيل سمتًا رمزيا؛ فقد كان حقودًا للغاية على سمير ولا يريد له النجاح ويذكرنا استدعاء اسم قابيل بتناص قرآني مع قصة قابيل مع شقيقه هابيل.
يبرع الكاتب هنا في هذه الرواية كما لم يبرع من قبل؛ فمثلا نجده يقول:
* "انتبه قابيل إلى الدعاء المتصاعد من حناجرهم، كأنه سحابة حنظل مرّة تغطي المكان بطعم اليأس. عجز عن مجاراتهم؛ حتى كلمة «آمين» تحجرت في حلقه كبلورة ملعونة".
بعد قراءة هذه الرواية يمكنني القول أن التوصيف الأسلوبي سيفتح عيونًا على مساحات تميز مهمة في هذا النص الروائي.
الإشارة إلى هناء، العشق القديم، وإيفا.
نجد أن إيفا تمثل الحمولة الأوروبية في مقابل هناء التي تمثل الحمولة العربية. وأصر سمير أن تكون ابنته اسمها فاطمة وهو الاسم الذي يذكر الجميع بالأصل العربي. وقد نجد أن اسم فاطمة استخدم في الأدب العربي كثيرًا في الغزل كما قال امرؤ القيس:
أفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ…
وفي الأدب العالمي نتذكر الخيميائي للأديب باولو كويلو حيث كانت محبوبة سانتياجو العربية تدعى فاطمة.
ويستخدم الكاتب الحمولة القرآنية حتى في توظيفها لغويا؛ فمثلا نجده يقول على لسان قابيل:
* "كيف يتفوّق عليّ دائمًا؟ كيف يحصد كل هذا المجد بينما أنا خير منه؟"
فبمجرد رؤية القارئ لهذا التعبير القرآني "أنا خير منه" سيتذكر هذا الإشعاع والإيحاء والأداء القرآني وهي ظاهرة ملموسة وملحوظة عند الكاتب أحمد عبدالله إسماعيل من بداياته وحتى الآن؛ فهو يستثمر ويوظف حمولة الجملة القرآنية والأداء اللغوي القرآني.
عندما يقول شلومو، الابن الذي تغذى على الكراهية:
* الحرب ليست عدوتي. عدوي الوحيد هو كل الإرهابيين العرب.
هذا يعني أن شلومو تلقن منذ نعومة أظفاره أن كل العرب إرهابيون. ما هو شعار قناة فوكس التي تنحاز في تغطيتها الإخبارية لإسرائيل في المطلق، وتعادي القضية الفلسطينية والعرب والمسلمين بل وشوهت صورة العرب والمسلمين في أوروبا والعالم بشكل علني؟
تضع قناة فوكس شعارها "ليس كل المسلمين إرهابيين لكن كل الارهابيين مسلمون!" ولهذا فإن الأوروبي إن استخدم العنف يقولون إنها جريمة أما العربي والمسلم إن فعل نفس الشيء فإنهم يقولون إنها أعمال إرهابية لأنهم يقصرون تصنيف الإرهاب على العرب والمسلمين .
ولهذا يمكنني القول إن الأسماء في هذه الرواية تحمل شبكة من الصراعات الرمزية داخل النص. أشارت الرواية إلى برنامج مترو الصحافة الإسرائيلي؛ لذلك نجد أن كل طرف يظهر في وسيلة إعلامية لعرض وجهة نظره وهذا ما يؤكد على نقطة مهمة جدًا: رواية تتحدث عن الصراع العربي الإسرائيلي لا يُذكر فيها أي أسلحة ولا طائرات مسيرة ولا حتى رصاصة واحدة؛ لأن الكاتب يرى أن الحرب الأهم هي الحرب الإعلامية، فمدار النسيج الروائي هنا على هذه الحرب الإعلامية.
هناك نقطة مهمة جدًا أشار إليها النص الروائي، ومنها المواقف التي تغيرت بدفاع الناشط الحقوقي الأمريكي ديفيد ويليام عن القضية العربية؛ حيث أنه بدأ يتعاطف مع القضية العربية والإسلامية ومع موقف سمير ويدافع عن حق سمير في ابنه ونسبه إليه؛ فعملية استفاقة الضمائر تحدث الآن تباعًا: كل بضعة أيام تجد ممثلا أو فنانا أو إعلاميا شهير أو رئيس تحرير منصة أو رئيس تحرير فضائية كبيرة للتأكيد على عملية استفاقة الضمائر والإقرار بالحقوق العربية والإسلامية وخصوصًا في الأجيال الجديدة.
نصائح سمير مهمة للغاية، وقد لجأ الراوي إلى حيلة ذكية؛ لأن سمير استمر، رغم رحيله بعد إصابته بسرطان الدم، من خلال مفكرته، كما أن الراوي قام باستدعائه باستخدام تقنيات متنوعة من الحلم إلى ظهور الشبح والأهم هو استخدام تقنية المفكرة. فالحكمة باقية بين دفتي المفكرة وقد ظهرت في رسائله التي تركها لولده: *الحجارة لا تنسى من يسرقها.
هذه الإشارة إلى قضية الأرض المغتصبة ذكية جدا، وقد أظهر الكاتب براعة أدبية حين صاغ في تكثيف شديد منشورًا عن قضية نسب ولده والذي يشير في الخلفية المباطنة إلى القضية الفلسطينية الممتدة لعقود في ثلاثة أسطر، فجاء المنشور الذي حصل به على تعاطف الجميع معه في قضية نسب ولده شلومو:
* كتب سمير على صفحته الشخصية:
"حين تتبنى المنابر العالمية وجهة نظر أحادية عند تناول قضية مثل قضيتنا، ويقابلها في الإعلام العربي صمتٌ مطبق أو همسات خافتة، يصبح صوت الحق نداءً ضائعًا في صحراء من الظلم، فتغدو العدالة سرابًا لا يروي ظمأ المتعطشين لها".
هذا المنشور هو لب العمل الروائي، وتدور أحداثها حوله. وقد دافع سمير عن حقه في ولده حتى وفاته، وحتى بعد وفاته بقيت مفكرة سمير في يد شلومو فتلقى من خلالها مزيدا من نصح أبيه، وهذه المفكرة هي التي جعلت ضمير شلومو يستفيق ويعود إلى أصله العربي المسلم.
* شعر سمير في تلك اللحظة أنّه لم يعد مجرّد لاعب، بل صار ميدانًا لمعركة تتجاوز حدود إدراكه.
توضح هذه الجملة حقيقة كبرى تقضي بأن كرة القدم لم تعد تنحصر في منافسات ملاعب ، ولا محترف عربي في أوروبا بل أصبحت صراعا ومساجلة فكرية أو مثاقفة بين حضارتين وفكرتين تناوئ إحداهما الأخرى.
* نظر سمير إلى الحشد، ورأى في أعينهم صخرة سيزيف التي يدحرجونها كل يوم: كراهية لا تعرف الكلل. أجاب بنبرة مثقلة بإرث من الألم:
هم لا يخافون مني، بل من العدل الذي تمثله كرة القدم. إنها تذكرهم أن الهزيمة قد تكون مصيرًا محتومًا، حتى لمن يملك القوة.
تعتبر هذه الفقرة إحدى الومضات المشعة في النص لأنها توضح الأساس الذي استند إليه الكاتب في صياغة هذا النص الروائي.
لا تبحث عن وطن وهمي؛ فقلب كل عربي هو وطنك الحقيقي.
* بدأ خيط سري يربطه بأبيه يتجسد. تساءل في ذهول:
"هل كانت حياتي الماضية مجرد مجموعة من الأكاذيب؟ أيهما أنا؟ يهودي أم مسلم؟ إفريقي أم أوروبي؟ شلومو أم سليمان؟!"
هذا المونولوج نشعر معه أن شلومو قد تبدل إلى شخص آخر، واستعاد هويته بنفسه عن اقتناع. والسؤال عن الهوية العربية أمر في منتهى الأهمية؛ فعندما كتب طه حسين "مستقبل الثقافة في مصر" تناول موضوع الهوية المصرية وتصنيفها إلى عدة هويات: هوية عربية أو إسلامية أو مسيحية أو أورومتوسطية أو هوية إنسانية. لكن شلومو استعاد هويته فتغير حاله إلى سليمان وهو عربي ولا رجوع عن هذه الهوية.
لم أعد ذلك الولد الضائع بين الشرق والغرب. ها أنا ذا قد صرت شجرةً كاملة … لأنني رفضت العيش في بيت اغتصبه نيتانياهو.
من الممكن أن تذهب مخيلة القارئ إلى شخص محدد يحمل هذا الاسم وقد تبقى مع البطل الروائي؛ فقد سمحت بلاغة التورية أن تتذبذب الدلالة بين هنا وهناك.
البنية الروائية
لهذا النص بنية روائية تتواشج معها بنية اليوميات؛ فقد كتب أحمد عبدالله إسماعيل هذا النص على طريقة اليوميات بإبراز الشهر والسنة في رأس الفصل الجديد، وعندما يصدر الكاتب التاريخ المنضبط فإن النص الروائي يصنف في الأجناس الأدبية على أنه أدب اليوميات. وقد ضمن له هذا أن يعطي الرواية سمكا وحسا تاريخيا واضحا.
شخصية ماكسويل
لم تبرح ظاهرة العنصرية الوجدان الأوروبي ولا الأمريكي؛ فتجد العنصرية في ملاعب كرة القدم ، والاقتصاد والثقافة والسياسة. فكلمة عربي في المخيلة الأوروبية طوال عشرين عاما مضت تعني متمنطق بالحزام الناسف، مزواج، لا يقبل بالرأي الآخر. هذه هي الصورة الذهنية التي حاولوا لسنوات رسمها للمواطن العربي بصورة عنصرية، وهذا المدرب، ماكسويل، يمثل شريحة من هذا النمط العنصري.
في الختام ، هذه رواية جيدة جدا ومحكمة وتتماشى مع الخط الذي تبناه منذ أول عمل روائي وهو يتناول فكرة الصدام بين الشرق والغرب لكنه كثف الرؤية هنا على الصراع العربي الإسرائيلي ليظهر عملية الاستلاب والطمس والمحو التي تصر عليها إسرائيل المعبأة بتفسيرات توراتية تلمودية تحمل تفسيرات خاصة لمعركة هرمجدون.
أحيي الروائي على روايته البديعة وعلى شجاعته وجسارته في طرح رؤيته والشكر موصول للناشر الذي قبل أن يتحمل المخاطرة ولا أتصور أن أي مثقف لا يكون جريئا في تناول موضوعات تمس المجتمعات وتطرح قضايا تشغل الرأي العام في بلده والعالم .
الأستاذ الدكتور حسام عقل أستاذ البلاغة والنقد الأدبي بجامعة عين شمس