د. أحمد الشيمي - ملء الفجوات في مجموعة "مرفت يس" القصصية... "دموع الألوفيرا"

مرفت يس كاتبة قصة قصيرة مصرية شابة، صدر لها مجموعتان قصصيتان وهذه هي الثالثة بالإضافة إلى ثلاثة كتب من تحريرها: روائع القصة القصيرة، والأستاذ من جديد، وآفاق جديدة للقصة العربية. عند قراءة قصص مجموعتها القصصية الجديدة بعنوان "دموع الألوفيرا" أستطيع أن أثبت عدة انطباعات خرجت بها. الانطباع الأول أن الكاتبة لديها موهبة الوصف بلغة سلسلة ناعمة مريحة لا تقلد فيها أحدًا من الكتاب الكثيرين الذين قرأت لهم وتأثرت بهم مثل نجيب محفوظ أو جمال الغيطاني أو إدوارد الخراط أو سيد الوكيل. وثانيًا أنها تريد أن تشق لنفسها طريقًا تُعرف به ويُعرف بها في مجال القصة القصيرة من حيث البنية الفنية ووصف الشخصيات. وثالثًا أنها – فيما أكاد أجزم – تريد أن تشارك القارئ معها في كتابة القصة وبنائها ورسم شخصياتها. معنى ذلك أنها تريد أن تكون متفردة من ناحية اللغة وهذا ما تحقق بالفعل، وأن تكون متفردة من حيث البنية الهيكلية للقصة وهذا ما تحقق في هذه المجموعة، فكل قصة في هذه المجموعة لها بنيتها الخاصة بها والذي يتلاءم مع موضوعها، وكلها قصص قصيرة جدًا، وبعض القصص من نوع القصة الومضة، وهي قصص شديدة التكثيف ترقى في بعض الأحيان إلى مستوى القصائد الشعرية. وقد جاءت مشاركة القارئ التي تبنتها مرفت يس في مجموعتها القصصية واضحة في كل قصة من القصص الست عشرة مما يجعل القارئ الناقد يستدعي مباشرة نظرية وولفجانج أيزر في ملىء الفجوات التي ضمنها في كتاب "فعل القراءة: نظرية في الاستجابة الجمالية" (مطبعة جامعة جونز هوبكنز 1980). بل إن قصص مرفت أمثلة حية على القصة التفاعلية التي يستطيع القارئ أن يستكملها أو يضع نهاياتها، أو يبدؤها من البداية ويصل بها إلى النهاية التي يريد، فهذه الكاتبة تقدم قصصها لا بوصفها قصصًا مكتملة في ذاتها، وإنما بوصفها مناسبات يبني عليها القارئ أو يبني عليها القراء قصصهم ورواياتهم التي تناسب أمزجتهم.



في هذه القصص تُعَوِّل مرفت يس على القارئ في تفاعله مع النص، فقد تركت الكثير من الفراغات والفجوات في نصوصها والتي على القارئ استكمالها من أجل الوصول إلى الصورة الجمالية المثلى التي يتوخاها الكاتب لنصه. ومن هنا تصبح استجابة القارئ لهذه النصوص التي أبدعتها الكاتبة فرصة للوصول بتلقيه إلى تحقيق المتعة الجمالية التي يتغياها هذا القارئ خصوصًا وأن هذه النصوص تتحقق فيها الشروط التي تسمح بإنتاج المعنى وتعين على التفاعل مع القارئ. فقصص المجموعة كلها بدون استثناء دعوة لقراءة تواصلية منتجة تتم بالتعاون مع القارئ من خلال التلاحم الجاد معه.

تبدأ القصة الأولى والتي بعنوان "الألوفيرا"، بتمهيد يقول: "حينما تنبت زهرة، تبدأ تتفتح أوراقها رويدًا رويدًا لتكتمل في شكلها الأبهى والأحلى، وتنتهي الدورة بسقوط تلك الوريقات مرة أخرى، بداية من أول ورقة استقبلت الحياة بوجه مشرق". وهذا التمهيد يلخص القصة التي تليها والقصص الأخرى في هذه المجموعة. فكل قصة من قصص المجموعة فيها زهرة (شخصية) تنبت على يد الكاتبة وتبدأ تتفتح أوراقها شيئًا فشيئًا وبعد أن تكتمل تبدأ في السقوط. وهنا نضع أيدينا على فلسفة الكاتبة وما ترمي إليه من خلال هذه القصص، فيمكن القول إنها تريد أن تضع أمامنا مشهد الحياة العبثي: "تُخلق الزهرة وتكبر إلى أن تصل إلى الكمال ثم يبدأ السقوط"؛ وهذا معناه أن النجاة من الفناء مستحيل، وأن الحياة مثل الزهرة أو الوردة تزدهر وما تلبث أن تضمحل ثم تموت. هذا هو المعنى العام الذي ترمي إليه قصص المجموعة. ثم تأتي المعاني التفصيلية في كل قصة من القصص. في المشهد الثاني من القصة بعنوان "ورقة في المنتصف" نجد الراوية لها أخت كبرى تقف أمام قطعة من مرآة وقعت من دولاب الأم ألصقتها بقطعة من الدقيق على الحائط، كانت ترتدي فستانًا قصيرًا، ضيقًا من ناحية الصدر، والوسط ملفوف حوله حزام رفيع. من بعد الوسط ينسدل الثوب على شكل ثنيات واسعة، تنتهي عند الركبة تاركًا لسيقانها البيضاء البضة مساحة أكثر من التحرر، تضع في أذنيها قرطًا كحبة حمص". ثم تمضي الراوية بعد ذلك بعدة أسطر: "تمسك بيدي، ننزل درجات سلم بنته مع أمي من الطوب اللبن، وتحرصان كل عام قبل بداية الشتاء على تغطيته بعجينة من الطين وقش القمح"، ثم تمضي الراوية فنعرف منها أن الفتاة لها أخ تحرص الأم على ألا يستقيظ! ثم تنقل الراوية المشهد بالأخت وهي في مبنى شركة مصر للتأمين ... يستقبلها شاب – يشبه في هيئته ساعي الشركة الذي أشاهده في الأفلام، تلك التي يعرضها تليفزيون الجيران". ماذا نفهم حتى الآن؟ نفهم أن الفتاة أخت الراوية موظفة في شركة مصر للتأمين، وأنها على قد حالهم من ناحية مستوى المعيشة بدليل أن بيتهم ليس فيه تليفزيون، وأن لها أخ عاطل عن العمل، وأن السلم مبني من الطوب اللبن. وبعد أن تعود الفتاة من المنزل نجدها جمالها ينطفئ لأنها تتعامل مع هذا الأخ العاطل الذي لا نعرف ظروفه، كل ما نعرفه أنه يشدها من ذيل الحصان الذي كانت تتألق به منذ ساعات ثم يلقي ببعض الملابس في وجهها لكي تغسلها!!

ثم تنتقل بنا الراوية فجأة إلى مشهد آخر مختلف؛ مشهد أختها وقد أصبحت ربة بيت، تزوجت وأنجبت في قرية من القرى في منتصف التسعينيات، "ترص أرغفة العجين في لوح خشبي طويل وتتركه في الشمس، أجلس قبالتها وبجانبي طفلان أحدهما ينبش في الأرض والثانية رضيعة تنام على مرتبة صغيرة في حوش البيت بجانب الفرن الذي ترص فيه أرغفة العيش الشمسي". وفي الانتقال قبل الأخير نجد نفس الأخت ترقد على سرير في مستشفى، وطبيب يضع في أيدي ابنها تقريرًا بسوء الحالة، ويطلب لها الدعوات بعد أن نخر السرطان عظامها. ثم تنتقل بنا الراوية إلى القبر الذي احتوى الأخت، وتختتم القصة بجملة خاطبت بها الراوية أختها: "أومأت برأسي، فاحضر لي الحارس نبتة الألوفيرا زرعتها بجانبك ورحلت".


IMG-20260121-WA0001.jpg


نحن أمام قصة من أربع مشاهد ولكنها مشاهد لم تكتمل، وعلى القارئ أن يملأها بما تطرحه المشاهد من أسئلة! فالفتاة وأسرتها يسكنون مدينة من المدن، وأخت الراوية تعمل موظفة في شركة مصر للتأمين .. لماذا تصحب الراوية أختها إلى مقر عملها؟ إنها أختها الصغرى ولا تريد أن تتركها مع الأخ وحدهما! أين الأم؟ هل ماتت؟ ولماذا تزوجت الفتاة من رجل ريفي وعاشت في القرية ولم تتزوج من موظف مثلها يعيش في المدينة؟ إن الراوية لم تصف لنا مواصفات أختها الجسدية، أهي جميلة إلى حد الفتنة؟ أم أنها متواضعة الجمال فكان نصيبها هذا الفلاح الريفي الذي تعيش معه في القرية تخبز وتطبخ وترص أرغفة العجين في لوح خشبي طويل وتتركه في الشمس بعد أن تركت وظيفتها؟ كيف أصابها المرض اللعين؟ ما هي بوادره وكيف عاشت به كامنًا في جسدها حتى اكتُشِف؟ كم يوم أو شهر احتُجزت في المستشقى أو في معهد الأورام؟ ومن زارها؟ وكيف استقبلت المرض، أبنفس راضية أم بشيء من السخط واليأس؟ إن القصة تطرح أسئلة كثيرة من هذا النوع، ولكن الأخطر من هذه الأسئلة هي الأسئلة الوجودية التي تطرحها القصة والتي تحولها من قصة قصيرة موجزة إلى قصيدة شعرية محملة بالدلالات التي لا تنتهي والتي تتردد في ذهن القارئ إلى فترة طويلة: أسئلة ربما متكررة ولكن الكاتبة تبعثها من جديد جديدة طازجة: أهكذا يكون مصير الإنسان الضعيف؟ الجمال والأمل في أن تكافئ الحياة المخلصين فيها بشيء من الكرامة المنشودة. ولماذا تسير حياة الفقراء في الأغلب في خط مستقيم بينما تفاجئ الدنيا الأغنياء بانتقالات مدهشة من القمم إلى الذرى؟ وقد وُفقت الكاتبة في اختيار العنوان حين سمت قصتها "الألوفيرا" وهو عنوان المجموعة كلها وذلك من التوفيق أيضًا. فالألوفيرا نوع من الصبّار أصله من جنوب أفريقيا والجزيرة العربية أي تنمو في المناخ الجاف، إشارة أخرى خفية على الحياة الجافة التي عاشتها شخصيات هذه القصة وكل قصص المجموعة.

وفي القصة الثانية التي تسميها "روبوت" تروي عن فتاة يبدو أنها في بداية الزواج لديها بنت في المدرسة. نراها تستيقظ ثم نراها في المطبخ تعد كوب القهوة لنفسها، ثم تستيقظ ابنتها فتعود إلى المطبخ من جديد لتعد الطعام لابنتها، ثم تعود مرة ثالثة لتعد طعامًا لشخص آخر لا نعرف من هو، الأغلب أنه زوجها، وبعد أن تفرغ من ذلك تخرج هي وابنتها وتغلق باب الشقة خلفهما!! ثم ننتقل إلى مشهد آخر يبدو أنه يجري ليلاً حيث "تثني مرتبة السرير القطنية وترفع الألواح الخشبية تركنها بجانب الحائط مفترشة الأرض تفتح كراتينها .. تتشمم الروائح النافذة منها، كل كتاب يملك رائحة خاصة به، الكتب القديمة ذات الأوراق الصفراء، تحمل عبقًا كذلك الذي نتشممه على جدران الأبنية التاريخية، القصص والروايات لها أيضًا رائحة بما تحمل في داخلها من ورود مجففة حرصت على شرائها بنفسها منذ أيام الجامعة، كلما مشت في طريق تشتري وردة تخفيها في طيات كتاب. تتشبع رئتيها بعطر الكتب، تمسك بقلمها المخبأ بعناية داخل مقلمة قطنية صنعتها من قصاصات فساتين ملونة لم تعد ترتديها، تترك لخيالها العنان، تكتب عن فتيات حسناوات يرتدين زي أميرات يرقصن، عن قبلات ممنوحة، أحضان ابتسامات، ضحكات، فراشات ملونة، وزهور .. صوت المنبه يعلن انتهاءً، تغلق دفترها، تعيد الألواح لأماكنها، تعدل السرير، تذهب مسرعة إلى المطبخ".

نقرأ هذه المشاهد المتسارعة لفتاة زوجة وأم – دعونا نخمن لأن الراوية لا تفصح كثيرًا – لابنة واحدة. لقد أستيقظت، أعدت قهوتها الصباحية، أعدت طعامًا لابنتها، أعدت طعامًا آخر لزوجها على ما يبدو، خرجت هي وابنتها، عادت، في الليل راحت تراجع ذكرياتها مع الكتب التي وضعتها تحت السرير !! هذه هي القصة وليس ملخصها. من الزوج؟ ما عمله؟ ماذا تعمل الراوية؟ البنت في أي مدرسة؟ لماذا تكتب عن فتيات حسناوات يرتدين زي الأميرات؟ لماذا تكتب عن قبلات وأحضان وابتسامات وضحكات وفراشات ملونة؟ ماذا حدث لها منذ كانت طالبة في الجامعة إلى اللحظة التي تكتب فيها؟ هل أصبحت القبلات والأحضان والابتسامات والضحكات والفراشات الملونة في ذمة التاريخ؟ وهل حدثت أصلاً أم أنها ضرب من الأحلام التي تداعب الخيال؟ كيف كانت حياتها التي اختزلت الآن في المسافة بين السرير والمطبخ تروح وتجيء فيها مثل الروبوت؟ تلك أسئلة على القارئ أن يجيب عليها لكي يُكمل المشاهد الناقصة، ويملأ الفراغات المتروكة، ويردم الفجوات الفاغرة إلى ما لا نهاية. وهي أسئلة كما قلنا عادية تداعب فضول القارئ المدقق، ولكن هناك أسئلة وجودية أيضًا تطرحها القصة كما طرحت القصة الأولى أسئلة وجودية. فما أقسى أن تُختزل حياة الإنسان بين العمل والمطبخ والسرير. ولكن أين الزوج؟ لِم لم تسمه بالاسم؟ لقد طلب طعامًا وأكل على ما يبدو، ولكن ما وظيفته، لِمَ لم ينطق ببنت شفة؟ وهل تقصد الكاتبة تقليص دوره كما قلصت دور الزوج في القصة الأولى؟ ألا يجعلنا ذلك نقول إن قصص المجموعة تريد أن تبرز معاناة المرأة في وجه الرجل؟ لنمض في قراءة القصة الثالثة ونرى.

القصة الثالثة بعنوان "خص على النيل" تضم أربعة مشاهد: المشهد الأول أم تعبر النيل وتجلس إلى الجهة الأخرى تتناول قطعة خبز ويعطيها عم أيوب صاحب "الغرزة" كوبًا من الشاي المغلي يعده في خصه للوافدين من الجهة الأخرى لزيارة أو دفن موتاهم". المشهد الثاني يتبع المشهد الأول حيث المرة الأولى التي شاهدها فيها كانت هنا في نفس المكان الذي قيل أن ابنتها جرفها النيل منه وهي تلهو وتلعب برفقة خالتها الصغيرة يوم شم النسيم". المشهد الثالث أيوب يراقب مشهد الفتاة ترتجف، وهي تشير إلى المكان .. في المشهد الرابع: "وبعد أن فشلت كل محاولات الغواصين وفاعلي الخير للبحث عن جثة الفتاة – بصحبة أمها وهي تنادي عليها – استسلم الأب والأخوة للأمر الواقع وخصوصًا بعد أن هدأت الأمور وبدأوا ينشغلون بقصة أخرى، وانتهت رحلة البحث، ولكنها ظلت مع كل شروق تأتي وتجلس في نفس المكان، مستظلة بشجرة جانب الخص؛ تتحدث إليها، ومع غروب الشمس تعود لبيتها". هذه المشاهد الأربعة تكون القصة، ولكنها تطرح أسئلة كثيرة أكثر من طرحها لإجابات، والمشهد الأخير بالذات لن تراه إلا عند كبار كتاب القصة العالميين أمثال نجيب محفوظ وإيفو أندريتش وكافكا. إنه مشهد الأم المرعب التي "ظلت مع كل شروق تأتي وتجلس في نفس المكان، مستظلة بشجرة جانب الخص؛ تتحدث إليها، ومع غروب الشمس تعود لبيتها". هذا المشهد يستحق أن يكون مصاحبًا لصورة الأم وهي تجلس بجانب الخص وتتحدث إلى ابنتها الغريقة حتى شروق الشمس". فالكاتبة "مرفت يس" تستعين بالتصوير بالكلمات، وتحتاج إلى رسام محترف حتى يكتمل العمل الفني؛ فقصص هذه المجموعة فن يستمد شرعيته من الشعر والتصوير والرسم. والمشاهد المختصرة أكثر إيحاءً ودلالة من المشاهد المسهبة التي تشيع في أعمال كتاب القصة القصيرة في القرن العشرين. مشهد الأم المكلومة مشهد دال وعالمي، ولكن أين الأب؟ لم تذكره الراوية إلا في جملة واحدة "استسلم الأب"، هذا الأب المستسلم هل يشير إلى تهميش دور الرجل في القصص وإعلاء دور المرأة؟ هو سؤال وجودي تطرحه القصص الثلاث حتى الآن.

في القصة الرابعة بعنوان "حينما يأتي الموعد" نجد الحاج بطران على وشك الموت راقدًا في مستشفى سوف يخضع لعملية جراحية في الغد ويخبره الطبيب بالممنوعات ومنها التدخين قبل إجراء العملية، ولكنه لا ينصاع ويتسلل من حجرته ليلاً ليدخن سيجارة، "تتشكل صورة من تموجات دخان سيجارته، تتشابك فيها وجوه كثيرة، تنمحي جميعها لتظل تلك الفتاة واقفة بمواجهته، تتضح ملامحها أكثر فأكثر، عيناها عسليتان محملتان بغضب شديد، وشفتاها ترتجفان، وشعرها مشعث. أصابته نظرتها بقشعريرة أحس بها من قبل مرارًا. فشل في تذكر أين شاهد هذا الوجه الذي يبدو مألوفًا له فتهتف: نسيتني؟! انتابته رجفة شديدة، صدى ذلك الصوت أرقه لسنوات في منامه، صراخها وهي تستنجد به فيما هو يتجاهل ذلك الصراخ. شقيقها يجرها على الأرض من أمام ناظريه، كان واقفًا منتصب القامة بطوله الفارع، فوق تلة مرتفعة، تستغيث بها بعدما كمم الأخ فمها، ظلت تحملق فيه إلى أن وقعت صخرة كبيرة على رأسها، أسلمت الروح وسبح جسدها في النيل."

وتمضي الراوية تحكي قصة الفتاة البريئة المراهقة التي اغتصبها الحاج بطران وشهد الواقعة أخوها الذي أسرع بتوثيق اللحظة بالموبايل، ثم قتل أخته وبعدها راح يبتز البطران بالصور الذي اضطره إلى أن يوقع على عقد تنازل عن بيت كبير في الزمام الشرقي!! وتنتهي القصة بـ "قطرات دم صغيرة عالقة بعباءته بعناية في عمود بجانب الباب ظلت تتدفق كلما أغلق عينيه فتتحول إلى بحر من الدماء يغرق فيه إلى ما لا نهاية، يستيقظ مفزوعًا، فشل المنجمون في تفسير منامه أو ربما ادعوا الفشل، يسهر الليالي الطوال، يخشى النوم، فيغلبه النعاس ليغرق مرارًا في بحر الدماء... ما زالت واقفة في مواجهته .. انطفأت شعلة الغضب في عينيها .. استراحت خصلات شعرها بجانب وجهها، تنهدت بعمق وابتسمت وهي تشير إليه بيديها، زادت رجفة جسده، يحاول الرجوع، يضيق النفق خلفه أكثر فأكثر، أشارت إليه ليكمل السير في اتجاهها وهي تردد: لا مجال للعودة، كله بأوان يا كبير".

تبدو القصة عادية، شخصياتها قليلة: فتاة وأخوها ومغتصبها وطبيب والأمكنة النيل وضفافه ومياهه ومستشفى يُعالج فيه الحاج بطران المفتري الذي اغتصب الفتاة في شبابه ورأى المشهد أخوها الذي كان رابط الجأش حتى وثق حادثة الاغتصاب بالموبايل، ثم يقتل الأخت بدم بارد، ثم يبدأ في ابتزاز المغتصب ويظفر منه على ما يريد. ولكن شبح الفتاة المغدورة لا يبرح ذاكرة الحاج بطران، والجريمة لا تفارق خياله، مشهد أشبه بالجريمة التي ارتكبها القائد ماكبث في الرواية الشهيرة، وراح بعد ذلك يُعذّب بطيف القتيل إلى أن قضى نحبه. ظننت أن الرجل يلعب الدور الرئيسي هذه المرة في القصة الرابعة، ولكن الفتاة المقتولة هي البطلة، فهي التي أغرت المغتصب وهي التي جعلت أخاها يصور بالموبايل، وهي سبب كل الأحداث التي جرت في القصة. وأما الأسئلة التي تطرحها الراوية وتنشد إجابات عنها فهي: ما هذا الأخ الذي يفكر في التصوير بالموبايل قبل أن يدافع عن أخته؟ وكيف صبر على ذلك؟ وما هذا القلب الحجري الذي جعله يصبر ليواجه القاتل بجريمته ويبتزه ويحصل منه على بيت كبير في الزمام الشرقي؟ هل كان ذلك هو الثمن الذي يريده من المغتصب؟ وهل كان المغتصب صاحب ضمير أكثر من الأخ حين راح طيف الفتاة يلاحقه في اليقظة والمنام إلى أن حان أجله؟ هل أحبها؟ كلها أسئلة يستطيع القارئ أن يجيب عليها ويعيد كتابة القصة من جديد.

وفي القصة السابعة بعنوان "سائق الخط الثالث" تحكي قصة سيدة في الأربعينيات من عمرها متعبة تريد من سائق "السرفيس" أن يتركها نائمة وسوف تدفع له أجرة المشاوير كلها! يتركها تنام ولكنه "لمح دموع تترقرق على خديها من عينيها المغمضتين، في قرارة نفسه تمنى أن يدخل إلى حلمها لعله يستطيع مسح تلك الدموع، أسند رأسه إلى كرسيه واستسلم للنوم. استيقظ على أصوات تتساءل: موقف يا اسطى؟ التفت إلى مرآته .. كانت وريقة الخمسين تملأ ناظريه فيما ابتلعها الظلام". نحن هنا أمام قصة أخرى تركت كل شيء للقارئ ليتساءل: من هذه السيدة الأربعينية؟ ولماذا غادرت منزلها لتنام في "السيرفيس"؟ ألها زوج؟ كل ما أفصحت عنه القصة أنها تعيش مع أمها التي توبخها دائمًا، ولكن الأم رحلت، ولكن متى رحلت؟ إنها شخصية نسائية هائمة على وجهها لا تعرف لها طريقًا تسير فيه، تتلقفها الطرقات والأزقة دون وجهة معلومة! أهي ترمز إلى حال فتيات كثيرات أم ترمز إلى مصرنا الحبيبة التي تتلمس طريقها وسط ظلمة حالكة؟ هذه السيدة تنزل من "السيرفيس" بعد أنا نامت أكثر من ساعتين ثم تغادره وتختفي في الظلام، ولكنها تظل تتخبط في الشوارع والحواري والأزقة التي يصنعها القارئ في ذهنه، ولعلها تلازمه لفترة طويلة إلى أن يجد لها مأوى في خياله، ورجل تسكن إليه، أو مصير كذلك المصير الذي يُبتلى به أبطال المآسي. يستطيع القارئ أن يعيد كتابة القصة بعون من النص الآني.

أما قصة "مفارق" فتحكي قصة فتاة ليست على قدر كبير من الجمال، تزوجت من رجل عادي لم يكن يحبها، أرادت أن تصنع من زواجها شيئًا ولكنها أخفقت لأنها زوجها كان متطلعًا إلى تغيير حياته، وعندما لاحت له فرصة التغيير تزوج من أجنبية قابلها ربما في فندق أو شركة أو أي مكان المهم أنهما تزوجا، ومن ثم طلق زوجته المصرية السمراء وغادر. إنها قصة عادية تحدث باستمرار، بالأخص في البلاد السياحية مثل الأقصر وأسوان والقاهرة والإسكندرية وشرم الشيخ والغردقة. وكالعادة تترك لنا الكاتبة عددًا كبيرًا من الأسئلة تريدنا أن نجيب عليها لنصل إلى ما نحتاج إليه من معلومات لكي نشبع فضولنا. من هذا الزوج المتمرد؟ ولماذا تزوج هذه السمراء وهو لا يحبها؟ ولماذا تزوجته هي بدون تلك العاطفة التي تربط بين الاثنين إلى الأبد؟ وماذا حدث بعد أن لحق الزوج بزوجته الأجنبية؟ هل عاشا سعيدين أم أن الحياة لا تقف عند نقطة واحدة؟ لا ننسى أنها قصة من أيامنا هذه، قصتنا مع وسائل التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية التي قلبت حياتنا رأسًا على عقب. ولا ننسى أنها قصة التهافت على الثقافة الغربية التي نراها أعلى شأنًا مما أشعرنا بالنقص والتدني تجاه حضارتهم الباذخة. ومن الأسئلة الفلسفية التي تطرحها القصة: موقفنا من حضارتنا ما هو؟ هل هذه السمراء المنبوذة ترمز إلى مصر، في حين ترمز الغريبة إلى البلاد الغريبة التي ننجذب إليها ونترك وطننا إلى الأبد؟ ما الذي يجعلنا نرتمي في أحضان الغريب ونوصد الباب في وجه أنفسنا إلى أن نعود من هناك منتهكي القوى؟

ومن القصص الست عشرة نجد بعضها لا يسير على نفس المستوى من التكثيف والتركيز، فنحن نمر على قصص مثل "وسادة" و "خروج" و"فقدان متكرر" و"ذاكرة مثقوبة" مرور الكرام، دون أن تثير فينا أسئلة وجودية أو فنية كالتي أثارتها القصص التي قبلها. ولكن الكاتبة تفجؤنا بعد ذلك بقصة بعنوان: "أصابع منحوتة" وهي من القصص القصيرة جدًا، أو القصة الومضة، حيث لا تستغرق سوى صفحة ونصف أو صفحتين. فقصة "أصابع منحوتة" التي تحكي قصة الفتاة الصغيرة التي تحب شابًا من قريتها وكان ينحت اسمه على الأشجار والجدران ناسبًا نفسه إليها: "على زينب"، ولكن واضح أن أمرهما قد افتُضح، فقضى شيخ القبيلة على أسرة الفتاة كلها بالنفي خارج القرية، وتمر السنون وتعود الفتاة إلى القرية لتجد عليًا وقد نالت منه السنون، كهلاً يتكئ على عصاه. وهنا تُطرح الأسئلة وتظهر الفراغات وتنشأ الفجوات؛ لم قضى على الأسرة بالنفي؟ وهل تزوجت الفتاة؟ وهل تزوج المدعو "علي زينب"؟ وما هي الظروف المصاحبة للنفي؟ هل وافق على ذلك أبناء القرية؟ وفي أية ظروف عادت الفتاة إلى القرية؟ أبعد أن مات شيخ القبيلة؟ ولكن القصة لها فلسفة أخرى مثل سائر قصص مرفت يس، الفلسفة هنا تتركز في الغياب والحضور، فهما مثل الموت والحياة لا حيلة لنا فيهما، والناس تغيب وتحضر حسب الأقدار التي يُبتلون بها، وفي الروايات حكايات كثيرة جدًا عن الغياب والحضور، حكايات لا حصر لها، ومفاجآت مدهشة ضاربة في صلب البنية القصصية، ومصائر عجيبة وغير متوقعة تنتهي بالحضور أو بالغياب، أو الغياب ثم العودة.

وفي قصة "عازف الناي" نلمس هذا التكثيف الشديد؛ فالقصة تتألف من صفحتين، وتحكي قصة الشاب الذي يعزف الناي تحت شجرة الجميز، و"مرت من أمامه حاملة إناء الحليب الذي تذهب به كل صباح كل يوم لماكينة الفرز، حيث تفصل القشدة عن اللبن، وبعد عودتها تخضه داخل قربة مصنوعة من جلد الماعز، لتحصل على الزبد البلدي، تشكله بيديها قصعًا مستديرة، تبدو كأثداء بنت لم تمسسها يد.." ولكنها "شعرت برجفة شديدة تيبست على إثرها قدماها، ألقت نظرة خاطفة إلى الوراء فرأته، وأحست بعينيه ترسل سهامًا تخترق كل تفاصيل جسدها. مضت في طريقها، لكنها لم تتمكن أبدًا من السيطرة على مشاعرها، عندما أحست بردفيها يتراقصان على نغمات الناي، تباطأت خطواتها مع أنينه الذي أنّ معه جسدها، وحرك العزف شجونه، طالما نظرت إليه على أنه دمية لا روح فيها، مليئة بالثقوب كعود قصب نخره السوس". مشهد مرسوم بمفردات أهمها "الناي" و"شجرة الجميز" و"شاب يعزف على الناي" و"فتاة تحمل إناء الحليب" و"الردفين المتراقصين" و"نغمات الناي". ونفهم من القصة أن الشاب والفتاة يعيشان في قرية واحدة، ولقي منها تجاهلاً، ولكن ما الذي أيقظ مشاعرها؟ أهو الناي؟ عرفت من عزفه على الناي أنه ليس هذه "الدمية التي لا روح فيها، المليئة بالثقوب كعود قصب نخره السوس"، وإنما عرفت أنه كائن حي يحس ويشعر، ولما تسلل إليها هذا الإحساس اضطرب مشاعرها، وانقلبت حياتها رأسها على عقب، خصوصًا وأن الإحساس لم يتسلل إليها عبر اللغة، وإنما عبر الألحان.

قصة "امرأة وحيدة" تروي حكاية فنجان القهوة الذي أحضرته سيدة "من أحد الباعة أثناء تسوقها"، والقصة تُروى على لسان الفجنان نفسه، يحكي معاناته مع الوحدة، ثم مع رفقة هذه السيدة التي ظل في صحبتها أثناء الشباب حتى اكتهلت ثم مرضت ورحلت وعاد الفنجان إلى سابق سيرته الأولى معروضًا للبيع مع سلع قديمة هذه المرة، يتذكر حياته الماضية معها، ويحن إلى ملمس شفتيها. إنها قصة على لسان جماد، ولكنها تطرح الكثير من الأسئلة: أين الزوج؟ وما الذي جعل هذه السيدة تعيش وحيدة مع فنجانها الذي يعينها على شرب القهوة في الصباح والمساء يشعر بها دون أن تشعر به؟ إنها قصة محيرة مثل سائر قصص مرفت يس في هذه المجموعة. من النادر جدًا أن نجد قصة في الأدب العربي والأجنبي تستنطق الجماد، والجماد مفعم بالحياة وإن لم يتكلم؛ وهو مخزن الذكريات، وملاذ التاريخ الآمن.

والحق أن قصص مرفت يس في هذه المجموعة تضعها بيسر مع كتاب القصة القصيرة المرموقين، وتنبئ بشكل أكيد عن موهبة سوف تثمر الكثير من المفاجآت في المستقبل القريب، وليس التكثيف الذي تتميز به هذه القصص دليلاً على قصر نفس أو عجز عن السرد المفصل، وإنما الأمر على النقيض من ذلك؛ فهذه القصص فيها أهم خصائص الشعر وهو التركيز والتكثيف، وقد لا نبالغ إذا قرأنا قصص هذه المجموعة بوصفها قصائد شعر، لأن الشعر في أهم تعريفاته معناه طرح الأسئلة التي لا تنتهي، وهو ما نجده في هذه القصص، أيضًا القصص مثل القصائد نريد أن نقرأها أكثر من مرة، ولا نمل من قراءتها؛ لأنها مثل الشعر لا تقوم على الرواية فحسب، وإنما تقوم على التشكيل الجمالي أيضًا: جمال اللغة وجمال الأسلوب وجمال الصورة الخيالية الطازجة. بعض القصص كما قلنا فيها مشاهد نجد لها مثيلاً في الروايات العالمية مثل التي نجدها في الحرافيش لنجيب محفوظ أو في "جسر على نهر درينا" لإيفو أندرتش، وربما وجدنا مثله في الطوق والأسورة للعظيم يحي الطاهر عبد الله.

نخلص من ذلك كله إلى أن مرفت يس كاتبة قصصية لديها إمكانيات كبيرة، ويمكن أن في المستقبل القريب أن تخرج علينا بمجموعات قصصية تصبح إضافة مهمة لصرح القصة القصيرة المصرية والعربية لو أنها تسلحت بالصبر والمثابرة. ونخلص أيضًا إلى أن الكاتبة تميل إلى أن تشرك القارئ معها في كل ما تكتب؛ فتترك له فراغات كثيرة يتفاعل معها ويكملها، والقصص مفتوحة على القارئ العليم بنفس درجة انفتاحها على القارئ المتوسط. فقصص مرفت يس نماذج مثالية لاستجابة القارئ ومشاركته في استكمال القصة أو إعادة بنائها وصياغتها على ضوء النص الأصلي، أو حتى إبداع نصه الموازي على ضوء نص الكاتبة الذي يصبح في هذه الحالة مجرد اقتراح. الملاحظ الثالثة التي تظهر واضحة عند قراءة هذه القصص أن القصص تتميز بالتكثيف الشعري، وكل قصة منها بمثابة القصيدة التي تنفتح على تأويلات وقراءت حسب عدد القراء، وحسب السياقات الزمنية والقرائية أيضًا. وهي مثل الشعر في لغتها وصورها البلاغية رغم بساطتها وغياب التعقيد في حبكتها وبنائها.



المراجع

  • جسر على نهر درينا ترجمة سامي الدروبي، المركز الثقافي العربي، 2009.
  • فعل القراءة (مطبعة جامعة جونز هوبكنز 1980).
  • تشريح الرواية، مارجوري بولتون، روتلدج 1975.
  • دموع الألوفيرا ، دار ميتابوك للطباعة والنشر، 2023.

د/ أحمد الشيمي
أستاذ الأدب الإنجليزي



IMG-20260121-WA0001.jpg IMG-20260121-WA0001.jpg IMG-20260121-WA0000(1).jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى