شريف محي الدين إبراهيم -جدلية النور والحضور: قراءة في نص «ما لا يعرف الانطفاء» لعزة رشاد

الكاتبة القديرة عزة رشاد تكتب في منطقة إبداعية أتقنتها، وصنعت فيها مساحة خاصة تكاد تنفرد بها في المشهد السردي والثقافي في الثغر. وإذا كانت تجربتها تتماس أحيانًا مع بعض ملامح الكتابة الصوفية، فإنها تعلن في الوقت نفسه خصوصيتها، وتمنح هذا الأفق الروحي صوتًا يخصها وحدها.

ما لا يعرف الانطفاء!

وارتقى بي...
من ثقل النفس
إلى خفة الروح
حيث السكينة والنور
حيث تختفي الحدود
ويسقط البين بين
العاشق والمعشوق
حين يتوارى الزمان
فلا يبقى سوى الحضور

أمضي...
ويحملني نور
لا أعلم من أين أتى!
لكني أعرف أن الطريق إليه
هو المقصود.

(....)
كلمة واحدة
كانت تفتح أبواب النور
لا تُقرأ أو تُكتب
إلا بأبجدية النور
ولا يستشعرها
سوى قلب
أيقظه الحضور.

ما تجلّى لي...
أوسع من أن يحيط به بصر
وأرحب من أن يسعه كتاب
أو يمر بخاطر بشر.

غاب العالم من حولي
وتهادى ضجيج الأشياء
فلم يبق غير...
حقيقة أشرقت
وما عداها تلاشى...
كما يتلاشى السراب
إذا لامس وجه النور.

حتى غدا البوح واقفًا
على باب الصمت
لا يملك إلا الدهشة.
كيف يسمي ما شهده القلب،
وكيف تترجم اللغة ما عانقه
الوجدان؟

هكذا كان فجري...
صمتًا
يمتد...
حتى يلامس الروح،
وحضورًا
يكبر في القلب،
ونورًا أثيريًا
يتوهج في أعماقي
لا يعرف الانطفاء.

(عزة رشاد)

نحن أمام نص هو، في جوهره، رؤية صوفية تعتمد على رحلة داخلية، تنتقل فيها الذات من «ثقل النفس» إلى «خفة الروح»، في مسار من التجلي والحضور. وقد نجحت الكاتبة في بناء مناخ روحي هادئ يعتمد على الإيقاع الداخلي أكثر من اعتماده على الوزن، كما تستثمر تكرار مفردات مثل: النور، الحضور، الصمت، الروح لترسيخ وحدة التجربة وتماسكها.

ولا يقتصر البناء الصوفي في النص على معجمه اللغوي وحده، بل يمتد إلى حركة الرؤية نفسها؛ فالتجربة تبدأ من عالم النفس المثقلة بأعبائها، ثم ترتقي تدريجيًا إلى عالم الكشف، حيث تتلاشى الثنائيات: الزمان والمكان، والعاشق والمعشوق، والقول والصمت، فلا يبقى إلا الحضور. وهذه البنية التصاعدية منحت النص وحدة عضوية واضحة، وجعلت كل مقطع يمهد لما يليه حتى يبلغ ذروة التجلي في خاتمته.

ومن أجمل ما في النص قدرته على تصوير لحظة العجز أمام التجلي، حين تقول: «حتى غدا البوح واقفًا على باب الصمت». إنها صورة موفقة تكشف حدود اللغة أمام اتساع التجربة الوجدانية، وتختزل المفارقة الصوفية التي يصبح فيها الصمت أبلغ من الكلام، ويغدو العجز عن التعبير أحد وجوه المعرفة.

كما يُحسب للكاتبة أنها لم تستسلم للغموض الذي يقع فيه كثير من النصوص ذات النزعة الصوفية، بل حافظت على شفافية العبارة، فجاءت رموزها قابلة للتلقي، وظلت التجربة الروحية قريبة من وجدان القارئ، دون أن تفقد عمقها.

ويقوم النص على هيمنة الصورة الكلية أكثر من اعتماده على الصور الجزئية؛ فـ«النور» ليس مجرد مفردة متكررة، وإنما هو محور دلالي تتولد منه بقية الصور، فيغدو رمزًا للهداية والكشف والامتلاء الروحي، بينما يتحول الصمت إلى ذروة للمعرفة، لا إلى مجرد غياب للكلام.

ويستند النص إلى معجم صوفي مألوف، لكنه يحافظ على صدقه الشعوري وانسياب لغته، بعيدًا عن التكلف أو الزخرفة اللفظية، وهو ما يؤكد عمق موهبة الكاتبة، ويمنح النص أثرًا وجدانيًا واضحًا لدى القارئ.

إن قيمة هذا النص لا تكمن في استدعائه للموروث الصوفي فحسب، وإنما في قدرته على إعادة إنتاجه داخل تجربة إنسانية معاصرة، تحتفظ بجوهرها الروحي وتقدمه بلغة شفافة وإحساس صادق.
إنه نص يراهن على صفاء الروح أكثر مما يراهن على الزخرفة البلاغية، ويترك أثره بما يحمله من تأمل وسكينة، مؤكدًا خصوصية الشاعرة ،وتميزها في هذا الأفق الروحي الذي استطاعت أن تمنحه صوتها الإبداعي الخاص.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى