اعتمدت قصيدة محمد بنطلحة (أنا آخر الصعاليك) على ثلاث خصائص مركزية:
اولا:
اعتمدت على ضمير الأنا؛ الذي جاء منفصلا لتأكيد الذات المشار إليها تارة والمتخلى عنها تارة أخرى؛ بصفتها الشفرة الخفية التي تحرك كل البناءات بصناعة فنية جد عميقة.
ثانيا:
اعتمدت على النفى؛ ليصبح كل شيء ممكنا في وجود رافض بشكل مطلق.
ثالثا :
الانجلاء والتواجد في الزمن القادم؛. فيصبح المستقبل شاهدا على أفعال منفية في الماضي.
تتداخل الخصائص الثلاث لتكون في كليتها لعبة تداول الجمل بتناقض مختلف؛ تحضرالجمل الاسمية تارة وتختفي تارة أخرى؛ لتؤسس خطاب النفي؛ ببناء حركية دقيقة بهدف إلغاء الانسان وإخراجه من فعل الحقيقة ؛ ومرة اخرى تتشكل الأسطر بتمفصل الجمل الفعلية؛ مرة في الماضي ومرة اخرى في المستقبل؛ فيصبح الزمن محددا لمتاهة حضور الانسان الغائب والمتخلى عنه ؛ بصفته الكائن المتجاوز والمرفوض.
يزيد من قوة الإنزياح التركيب اللغوي الذي شكل دلالة العنوان(أنا آخر الصعاليك)؛ هو تركيب ركز على محددات إجرائية ترميزية جد مكثقة؛ اولا هو عنوان مركب من جملة إسمية؛ مما يعني إيقاف الحركة؛ ومن جهة أخرى اعتمد على ثلاث مكونات متنافرة:أنا دالة على الذات الشاعرة؛ معجم (آخر) يدل على فعل الزمن؛ الصعاليك تحيل على إنسان عاد من جديد بثوب مغاير ومختلف عن ذاك الدي خرج منه؛ باحترام الصيرورة المتقطعة؛ التي تنفي الحاضر وتؤكد شظاياه في زمن قديم عابر وغير عادي؛ مرفق بسمات خاصة اساسها دلالة التمرد والرفض.
هي كلها محددات بنائية تحمل عمقا دلاليا غامضا يستحيل على العنوان تأكيد ما يريد الشاعر الوقوف عنده؛ مما يستدعي الاعتماد على النص ليزيل الغموض ويحدد مكامن اللبس.
بعد الانتقال إلى أول سطر شعري(هكذا أنا) يضعنا الشاعر أمام جملة إشارية مكثفة؛ يحدد بإشارة مبهمة ماهية ذاته التي مازالت لم تظهر بعد؛ مع ذلك يدخل في النص بقوة ليحدد مضمون ذات أشار إليها سابقا بزمن مختوم بدلالة جد واضحة بأنه صعلوك مؤخر يغيب ويظهر كلما شاء وحده ان يكون بدلالات يريدها دالة عن هويته وماهيته الغرببة .
بما أن هذه الذات الحاضرة بوعي تام من طرف الشاعر والغابرة في لاوعي القارئ؛ تنجلي في لعبة الاختفاء والتجلي؛ تتحرك بجملة إسمية اخرى في تركيب استعاري ركز فيه على تشبيه غريب :
كالفونيم...
فهي؛ إذن ذات ترى ماتريد؛ كما ترغب ان تكون حسب الوجود الذي شاءه لها الشاعر في اختياراته المبنية على تمفصلات عدة؛ تبني العالم إنزياحيا بالصور التي تريدها علامات خاصة بها.
لعبة تناوب ضمير الانا بتغيرات مختلفة يغير بناء الدلالات وشكل تمفصلاتها. في المقطع الاول ؛ الذي ابتدأ من أول سطر(هكذا انا)؛ وانتهى عند (لا اللفظ ولا المعنى) تقدم الضمير للتركيز عليه؛ ويصبح هو اساس صياغة ماهية هذه الذات التي وضح شكلها باستعارة صورة دقيقة قزم فيها الذات وحصرها في كونها تشبه الفونيم؛ وهو أصغر صوت لامعنى له ولا دور؛ مهمته الانصهار والتداخل في حروف اخرى لإنجاز المعنى؛ أصبح الشاعر بهذه الصورة المبنية على خاصية التقديم شأنه شأن هذا الحرف؛ اصبحت الذات الشاعرية تنجلي بمحددات كلها رفض وتخلص ونفي؛ أخرجها من الوظيفة الأم فجعل منها مجرد صوت مار وعابر بدون قيمة ولا دور. وظيفةالتقديم مبنية على أساس نفي وعدم الاعتراف بهذه الذات المتخلى عنها.
إذن استحضر عنصر تقديم الضمير لوظيفة دالة يسعى الشاعر من خلالها التخلي والاهمال والتجاوز والخروج من زمن ليلج في زمن آخر ؛ هذا ما جعله في المقطع الموالي يؤخر الذات ويقدم الزمن لوظيفة اخرى سنراها على الشكل التالي.؛يقول بنطلحة:
آخر الصعاليك انا...
هنا أخر الذات وقدم الزمن؛ فيقوم مباشرة بالتخلي عن كل المرفقات التي كانت سابقا تصاحب الشاعر؛ منها الاهل كما تخلى عن الهاتف؛ لم تعد له الرغبة في الساعة الالكترونية؛ وهي كلها محددات زمنية تبين طببعة انتمائه إلى الزمن المعاصر. فبتقديم الزمن وبرفضه يكون التقديم دالا عن موضوع الرفض والخروج من حالة للدخول في حالة أخرى.
فتصبح هذه الذات مجرد صوت عابر في لفظ متشظي وغريب؛ مرة نجدها في مكان فارغ؛ ومرة اخرى يصبح دورها متمما في لفظ ملغوم وتارة اخرى تصبح صوتا غريبا في معنى مغترب؛ فيصبح الاستغناء موضوعا واضحا في كل اختياراته؛ فقط لأنه حالة مهملة لا يعترف بها؛ فيدخلها بقوة في تاريخ جديد ؛ جعل منها مجرد ذات بمحدد واضح وتام :
آخر صعلوك في الزمن الجديد.
سعيد فرحاوي/الصويرة(المغرب).
نص محمد بنطلحة:
. محمد بنطلحة :
أنا آخر الصعاليك
هكذا أنا :
كالفونيم ،
أستغني عن كل شيء .
ولا يستغني عني شيء ،
لا اللفظ ولا المعنى .
آخر الصعاليك أنا .
لا أهل لي .
لا هاتف ذكي .
لا ساعة إلكترونية .
لا سرير جيء به من كبريات أسواق الهند .
لا خمور معفاة من الضرائب .
ولا فناجين من ذهب خالص ،
ومكتوب فوق عروتها :
" هدية من الملك " .
أيها الملك !
أنا وأنت ، منذ آلاف السنين ،
على شفير هاوية .
غير أنك بارع في لعبة الشطرنج ،
إلى أن تموت .
بينما أنا ، لا .
أنا آخر الصعاليك .
أغش في اللعب .
وأهزأ بكل شفير ،
وكل هاوية .
حتى إذا ضاقت بي صدور الإنس والجن ،
ولا سيما العائلة ،
أنزع صورتي من ألبوم العائلة .
أنزعها دون أن أتلعثم ،
أو تنتفخ أوداجي .
أنزل أدراجي .
ثم أصفق من ورائي باب الحديقة .
وأجري
- حافيا تماما -
فوق شفرة حلاقة من النوع الذي يستعمله عادة
الشعراء ،
والفلاسفة .
هل شط المجاز بي ؟
لربما .
ولكن ،
منذ متى والاستعارات كرات ثلج في طريق الملوك والملائكة ؟
وأحجار نفيسة
في طريقي أنا ؟
أنا آخر الصعاليك !
محمد بنطلحة
اولا:
اعتمدت على ضمير الأنا؛ الذي جاء منفصلا لتأكيد الذات المشار إليها تارة والمتخلى عنها تارة أخرى؛ بصفتها الشفرة الخفية التي تحرك كل البناءات بصناعة فنية جد عميقة.
ثانيا:
اعتمدت على النفى؛ ليصبح كل شيء ممكنا في وجود رافض بشكل مطلق.
ثالثا :
الانجلاء والتواجد في الزمن القادم؛. فيصبح المستقبل شاهدا على أفعال منفية في الماضي.
تتداخل الخصائص الثلاث لتكون في كليتها لعبة تداول الجمل بتناقض مختلف؛ تحضرالجمل الاسمية تارة وتختفي تارة أخرى؛ لتؤسس خطاب النفي؛ ببناء حركية دقيقة بهدف إلغاء الانسان وإخراجه من فعل الحقيقة ؛ ومرة اخرى تتشكل الأسطر بتمفصل الجمل الفعلية؛ مرة في الماضي ومرة اخرى في المستقبل؛ فيصبح الزمن محددا لمتاهة حضور الانسان الغائب والمتخلى عنه ؛ بصفته الكائن المتجاوز والمرفوض.
يزيد من قوة الإنزياح التركيب اللغوي الذي شكل دلالة العنوان(أنا آخر الصعاليك)؛ هو تركيب ركز على محددات إجرائية ترميزية جد مكثقة؛ اولا هو عنوان مركب من جملة إسمية؛ مما يعني إيقاف الحركة؛ ومن جهة أخرى اعتمد على ثلاث مكونات متنافرة:أنا دالة على الذات الشاعرة؛ معجم (آخر) يدل على فعل الزمن؛ الصعاليك تحيل على إنسان عاد من جديد بثوب مغاير ومختلف عن ذاك الدي خرج منه؛ باحترام الصيرورة المتقطعة؛ التي تنفي الحاضر وتؤكد شظاياه في زمن قديم عابر وغير عادي؛ مرفق بسمات خاصة اساسها دلالة التمرد والرفض.
هي كلها محددات بنائية تحمل عمقا دلاليا غامضا يستحيل على العنوان تأكيد ما يريد الشاعر الوقوف عنده؛ مما يستدعي الاعتماد على النص ليزيل الغموض ويحدد مكامن اللبس.
بعد الانتقال إلى أول سطر شعري(هكذا أنا) يضعنا الشاعر أمام جملة إشارية مكثفة؛ يحدد بإشارة مبهمة ماهية ذاته التي مازالت لم تظهر بعد؛ مع ذلك يدخل في النص بقوة ليحدد مضمون ذات أشار إليها سابقا بزمن مختوم بدلالة جد واضحة بأنه صعلوك مؤخر يغيب ويظهر كلما شاء وحده ان يكون بدلالات يريدها دالة عن هويته وماهيته الغرببة .
بما أن هذه الذات الحاضرة بوعي تام من طرف الشاعر والغابرة في لاوعي القارئ؛ تنجلي في لعبة الاختفاء والتجلي؛ تتحرك بجملة إسمية اخرى في تركيب استعاري ركز فيه على تشبيه غريب :
كالفونيم...
فهي؛ إذن ذات ترى ماتريد؛ كما ترغب ان تكون حسب الوجود الذي شاءه لها الشاعر في اختياراته المبنية على تمفصلات عدة؛ تبني العالم إنزياحيا بالصور التي تريدها علامات خاصة بها.
لعبة تناوب ضمير الانا بتغيرات مختلفة يغير بناء الدلالات وشكل تمفصلاتها. في المقطع الاول ؛ الذي ابتدأ من أول سطر(هكذا انا)؛ وانتهى عند (لا اللفظ ولا المعنى) تقدم الضمير للتركيز عليه؛ ويصبح هو اساس صياغة ماهية هذه الذات التي وضح شكلها باستعارة صورة دقيقة قزم فيها الذات وحصرها في كونها تشبه الفونيم؛ وهو أصغر صوت لامعنى له ولا دور؛ مهمته الانصهار والتداخل في حروف اخرى لإنجاز المعنى؛ أصبح الشاعر بهذه الصورة المبنية على خاصية التقديم شأنه شأن هذا الحرف؛ اصبحت الذات الشاعرية تنجلي بمحددات كلها رفض وتخلص ونفي؛ أخرجها من الوظيفة الأم فجعل منها مجرد صوت مار وعابر بدون قيمة ولا دور. وظيفةالتقديم مبنية على أساس نفي وعدم الاعتراف بهذه الذات المتخلى عنها.
إذن استحضر عنصر تقديم الضمير لوظيفة دالة يسعى الشاعر من خلالها التخلي والاهمال والتجاوز والخروج من زمن ليلج في زمن آخر ؛ هذا ما جعله في المقطع الموالي يؤخر الذات ويقدم الزمن لوظيفة اخرى سنراها على الشكل التالي.؛يقول بنطلحة:
آخر الصعاليك انا...
هنا أخر الذات وقدم الزمن؛ فيقوم مباشرة بالتخلي عن كل المرفقات التي كانت سابقا تصاحب الشاعر؛ منها الاهل كما تخلى عن الهاتف؛ لم تعد له الرغبة في الساعة الالكترونية؛ وهي كلها محددات زمنية تبين طببعة انتمائه إلى الزمن المعاصر. فبتقديم الزمن وبرفضه يكون التقديم دالا عن موضوع الرفض والخروج من حالة للدخول في حالة أخرى.
فتصبح هذه الذات مجرد صوت عابر في لفظ متشظي وغريب؛ مرة نجدها في مكان فارغ؛ ومرة اخرى يصبح دورها متمما في لفظ ملغوم وتارة اخرى تصبح صوتا غريبا في معنى مغترب؛ فيصبح الاستغناء موضوعا واضحا في كل اختياراته؛ فقط لأنه حالة مهملة لا يعترف بها؛ فيدخلها بقوة في تاريخ جديد ؛ جعل منها مجرد ذات بمحدد واضح وتام :
آخر صعلوك في الزمن الجديد.
سعيد فرحاوي/الصويرة(المغرب).
نص محمد بنطلحة:
. محمد بنطلحة :
أنا آخر الصعاليك
هكذا أنا :
كالفونيم ،
أستغني عن كل شيء .
ولا يستغني عني شيء ،
لا اللفظ ولا المعنى .
آخر الصعاليك أنا .
لا أهل لي .
لا هاتف ذكي .
لا ساعة إلكترونية .
لا سرير جيء به من كبريات أسواق الهند .
لا خمور معفاة من الضرائب .
ولا فناجين من ذهب خالص ،
ومكتوب فوق عروتها :
" هدية من الملك " .
أيها الملك !
أنا وأنت ، منذ آلاف السنين ،
على شفير هاوية .
غير أنك بارع في لعبة الشطرنج ،
إلى أن تموت .
بينما أنا ، لا .
أنا آخر الصعاليك .
أغش في اللعب .
وأهزأ بكل شفير ،
وكل هاوية .
حتى إذا ضاقت بي صدور الإنس والجن ،
ولا سيما العائلة ،
أنزع صورتي من ألبوم العائلة .
أنزعها دون أن أتلعثم ،
أو تنتفخ أوداجي .
أنزل أدراجي .
ثم أصفق من ورائي باب الحديقة .
وأجري
- حافيا تماما -
فوق شفرة حلاقة من النوع الذي يستعمله عادة
الشعراء ،
والفلاسفة .
هل شط المجاز بي ؟
لربما .
ولكن ،
منذ متى والاستعارات كرات ثلج في طريق الملوك والملائكة ؟
وأحجار نفيسة
في طريقي أنا ؟
أنا آخر الصعاليك !
محمد بنطلحة