ميرفت يس - الطفلة التي خبأتني في عباءتها – عن معنى الاختباء والطفولة المفقودة.. قراءة في رواية الطفلة التي خبأتني في عباءتها لفاطمة التليلي

يمثّل العنوان إحدى أهم العتبات النصية في العمل السردي، إذ ينهض بدور تمهيدي كاشف، يفتح أفق القراءة ويقترح مفاتيح أولية لتأويل المتن. فهو ليس تسمية محايدة، بل علامة دلالية تختزل رؤية النص وتلمّح إلى مساراته النفسية والرمزية.

وفي رواية "الطفلة التي خبأتني في عباءتها" للكاتبة التونسية فاطمة التليلي،- الصادرة عن دار أم الدنيا للطباعة والنشر 2025- ينهض العنوان بهذا الدور بوضوح؛ إذ يعلن منذ اللحظة الأولى عن هوية أنثوية مأزومة، تتقاطع فيها مفردات الطفولة والاختباء والستر. فالطفلة تحيل إلى البراءة والنقاء، بينما توحي العباءة بالأمان والأمومة والاحتماء، ويأتي فعل "خبأتني" ليكشف عن خوف عميق وحاجة ملحّة إلى الاحتماء من قسوة العالم.

بهذا المعنى، لا يقدّم العنوان مدخلًا شكليًا للنص فحسب، بل يختصر بنيته النفسية، ويشير إلى طفولة مفتقدة ما تزال تعيش داخل البطلة، وتسعى إلى الاختباء من جحيم الذاكرة في عباءة تلك البراءة الأولى، بحثًا عن طمأنينة مفقودة وعن قدرة على التسامح مع الذات والعالم.

ويغدو العنوان، على هذا النحو، عتبة رئيسية لفهم الرواية، ومفتاحًا دلاليًا يكشف عن صراع داخلي بين امرأة تحاول النضج، وطفلة ما زالت تطالب بالحماية.

IMG-20260122-WA0003.jpg

سردية الغضب

تتكوّن الرواية من ثمانية فصول؛ ستة فصول مرقّمة، يعقبها فصلان معنْوَنان بـ"ما قبل الأخير" و"الأخير" في بنية سردية تتصاعد فيها نبرة الغضب تدريجيًا. وهو غضب أنثوي موجّه ضد القهر الأسري والهيمنة الذكورية، لا بوصفه انفعالًا هدامًا، بل طاقة مقاومة تجد في فعل الكتابة أداة للنجاة.

فالكتابة هنا ليست تسجيلًا للذاكرة فحسب، بل محاولة للتحرر من ثقل الألم، وتفريغ للغضب المكبوت، بما يذكّر بما تطرحه (أودري لورد) من أن الغضب ليس خطرًا في ذاته، بل طاقة خلاقة حين يتحول إلى وعي.

تتّسم لغة السرد بجمل قصيرة مكثفة، وإيقاع دائري يعيد البطلة مرارًا إلى جراح الطفولة، وكأن الزمن لا يسير إلى الأمام بقدر ما يلتف حول الندبة الأولى. غير أن هذا الغضب لا يكون حاضرًا منذ البداية؛ ففي الفصلين الأولين تبدو اللغة أكثر شاعرية وهدوءًا، إذ ينشغل السرد بقصة الحب التي تجمع البطلة بحبيبها الفرنسي التونسي، قبل أن تنفتح الذاكرة على ماضيها القاسي.

ابتداءً من الفصل الثالث، يعتمد السرد تقنية الاسترجاع (الفلاش باك)، لتعود البطلة إلى قريتها وطفولتها المشوهة، حيث تتكاثف الذكريات الأليمة وتتحول إلى ما يشبه كوابيس يقظة تطاردها. ومع هذا التحول الزمني، تتصاعد شحنة الغضب في اللغة، وتغدو أكثر حدة ووضوحًا، مبررة في أغلبها بما لحق البطلة من عنف وقهر، وإن بدت أحيانًا فائضة عن الحاجة السردية.

"الآن وأنا في الحافلة نحو ذلك المكان الذي غادرته غير آسفة، والذي لم أعد إليه غير مرتين: مرة لدفن والدي ومرة لزيارته… حزينة جدًا وأنا أستقل الحافلة نحو طفولتي المشوهة" (صــــ 39)

ويتجلّى هذا الغضب أيضًا في الحقول الدلالية التي تتكرر داخل السرد، من قبيل: الصراخ، الضرب، الخضوع، الحصار، التنكيل، الاغتصاب، الدماء، الخوف، وهي مفردات تشكّل معًا معجمًا للقهر، يعكس حجم العنف الرمزي والمادي الذي وُسِمَت به ذاكرة البطلة.

IMG-20260122-WA0002.jpg

شخصيات الرواية

تتقدّم شخصية الأم في الرواية بوصفها المحور الأشد تعقيدًا وإيلامًا؛ فهي امرأة مسحوقة، فاقدة للقدرة على المقاومة، تعيش داخل علاقة عنيفة لا تملك منها سوى الاستسلام. لا يقدّمها السرد كضحية فحسب، بل ككائن مأزوم، يحمل داخله كراهية خفية لذاته ولأنوثته، ويواصل التعلّق بجلاده الزوج العنيف، رغم ما يوقعه بها وبأبنائها من أذى جسدي ونفسي.

" كنت أظن أمي جاءت من أجلنا إلى قبر أبي ، لكنني اكتشفت أنها أتت من أجلها هي " ( صــ 48)

وتكشف هذه الشخصية عن إحدى أكثر مفارقات الرواية قسوة؛ إذ تفضّل الأم استمرار القهر المألوف على مواجهة فراغ الوحدة، فيتحول الخوف من الفقد إلى مبرّر غير معلن لتحمّل العنف، في صورة تكرّس نمطًا اجتماعيًا راسخًا لا يبرّره السرد بقدر ما يكتفي بعرضه.

أما شخصية الأب، فتأتي باعتبارها مصدر العنف الأول في بنية الرواية، غير أن السرد يقدّم قسوته بوصفها معطى ثابتًا، دون محاولة حقيقية لتفكيك دوافعها النفسية أو الاجتماعية. فيغدو الأب نموذجًا للعنف المجاني، الذي يُمارَس نكاية في الزوجة ويُسقَط على الأبناء، دون سياق مفسِّر أو خلفية تضيء هذا السلوك.

" وأراه يدلق العشاء الساخن فوق رأسها، لم يتوقف أبي عن الضرب والسب والشتم ....." ( صـــــ45 )

ويشارك الابن الأكبر في ترسيخ هذا العنف، متحوّلًا إلى جلاد ثانٍ أو "سجّان" – بحسب تعبير البطلة – يمارس سلطته على الأم وإخوته، سعيًا إلى نيل امتيازات من الأب. والمفارقة أن هذا الابن، الذي حرم أخته من التعليم وأسهم في مأساتها، يحظى بندب الأم وبكائها بعد موته، في مقابل جفافها العاطفي تجاه الابنة المغتصبة المتوفاة، مايفضح عمق اختلال منظومة القيم داخل الأسرة.

" عدت إلى الغرفة أهرب من نفسي إلى نفسي " صـــــ 45

ويحضر الجد كشخصية هامشية ذات طابع حنون، غير أن طيبته تبدو عاجزة عن إحداث أثر فعلي في مسار العنف الأسري، مما يفتح تساؤلًا ضمنيًا حول دوره الغائب، وما إذا كان صمته أو حياده قد شكّلا أحد العوامل الخفية لاستمرار القهر داخل العائلة.

بهذا التشكيل، لا تقدّم الرواية شخصياتها بوصفها كيانات فردية معزولة، بل نماذج داخل بنية اجتماعية مغلقة، يتوارث فيها العنف، ويتحوّل الصمت إلى شريك غير معلن في إعادة إنتاجه.

في "الطفلة التي خبأتني في عباءتها" لا تكون الكتابة مجرّد وسيلة للحكي، بل فعل مقاومة هادئ، ومحاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقّى من الذات. فالطفلة المختبئة في عباءة البطلة ليست ذكرى عابرة، بل جوهر التجربة كلها؛ تلك البراءة المجروحة التي تواصل العيش داخل الجسد، وتطلب الاعتراف والحماية.

تكتب البطلة لا لتستعيد الماضي، بل لتضعه في مواجهة نفسها، ولتمنح الجرح صوتًا بعدما طال صمته. وهكذا تتحوّل الكتابة إلى مساحة آمنة، تختبئ فيها الذات من قسوة العالم، دون أن تنكر ألمه، وتعيد تشكيله بوصفه وعيًا لا مجرد معاناة.

وبين غضب مكبوت وحنين موجع، تنجح الرواية في مساءلة العنف الأسري لا كحكاية فردية، بل كنسق اجتماعي يعيد إنتاج نفسه بالصمت والخضوع، ويجعل الطفولة المكسورة قدر يتناسل عبر الأجيال.

في النهاية، لا تخرج البطلة من عباءة الطفلة تمامًا، ولا تتخلّى عنها؛ بل تتصالح معها، كأن النجاة الممكنة ليست في النسيان، بل في الاعتراف: الاعتراف بالطفلة، وبالخوف، وبالكتابة بوصفها الشكل الوحيد المتاح للحياة بعد الجرح.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى