مقاربة نقدية في رواية ( فيلا القاضي) للكاتب عمرو دنقل بقلم مجدي جعفر

مقاربة نقدية في رواية ( فيلا القاضي ) للكاتب عمرو دنقل
بفلم / مجدي جعفر
........................................................
أربع أصوات ( شخصيات ) تناوبت السرد في هذه الرواية،وهذه الأصوات ( الشخصيات ) هي : سامية المهدي، مديحة الوراق، كريم البيضا، رجب عودة، ولجأ الكاتب إلى أكثر من طريقة فنية في تقديم سرده، فقد مزج طريقة المذكرات واليوميات والبوح مزجا جميلا، ليقدم الحدث ( الحكاية ) في شكل الاعتراف، ليوهم قارئه بأن هذه الأحداث والحكايات قد حدثت بالفعل، واستخدم أسلوب الراوي المتكلم غالبا والغائب نادرا، ومن طرائق السرد أيضا استخدم الوصف ببراعة، وخاصة في وصفه للمنطقة العشوائية وبناية الإيواء التي يعيش فيها كريم البيضا ومديحة الوراق وغيرهما من الفقراء والمهمشين، ووصفه الماتع لفيلا القاضي بحي الزمالك الراقي والتي تعيش فيها سامية المهدي مع زوجها الطبيب المشهور والسياسي سعيد القاضي، ويعيش الكاتب والمفكر المستنير رجب عودة بنفس الحي أيضا، وغير ذلك الكثير من القطع الوصفية البديعة.
وجاءت الرواية في ( 11 ) فصلا، موزعة على أصوات الرواة الأربع كالتالي : ثلاثة فصول لسامية المهدي، وخمسة فصول لمديحة الوراق، وفصل واحد لكريم البيضا، وفصلان لرجب عودة، وأطول الفصول يقع في ( 47 ) صفحة، وأقصرها يقع في صفحة واحدة، ووزعت الفصول على ( 171 ) صفحة، جاء نصيب سامية المهدي ( 46 ) صفحة، ونصيب مديحة الوراق ( 62 ) صفحة، ونصيب كريم البيضا ( 47 ) صفحة، ونصيب رجب عودة ( 9 ) صفحات، إذن نصيب الذين يعيشون في الزمالك ( 61 ) صفحة، ونصيب الذين يعيشون في المنطقة العشوائية ( 110 ) صفحة، لماذا أعطى الكاتب المساحة الأكبر للمهمشين والفقراء الذين يعيشون في العشوائيات؟ وهل لهذه الأرقام دلالتها؟.
ومن خلال العلاقات المتشابكة بين هذه الشخصيات الأربع وغيرها من الشخصيات، قدم لنا الكاتب نصا روائيا قادرا على محاورة الواقع وإثارة الأسئلة.
وإذا كان بعض الكُتّاب يصبون اهتمامهم على الحدث ( الحكاية ) ويرون بأن الحكاية هي العمود الفقري للرواية، فإن البعض الآخر يولون الشخصية اهتماما بالغا، ويرون أن الشخصية هي فن القصة، والحقيقة أن ثمة معادلة، توضح العلاقة بين الشخصية والحدث :
الرواية = الفعل ( الحدث ) + القاعل ( الشخصية )
ومن هذه المعادلة نتبين أهمية الحدث والشخصية معا، فلا وجود للحدث بدون الشخصية، وعلينا قبل أن نقارب شخصيات الرواية، أن نتوقف عند الفضاء المكاني والفضاء الزماني بالرواية.
................................................................
الزمن :
من المهم أن نتعرف في البداية على الزمن الذي وقعت فيه أحداث الرواية،فالقصص الحديثة يحتفي كتابها احتفاء طيبا بالزمان والمكان، فكل قصة ينبغي أن تدور في زمان ومكان يحددهما الكاتب تحديدا تاما، فالقصة تدور طولا في نطاق الزمان وعرضا في نطاق المكان، وسنحاول في عجالة أن نحدد الفترة الزمنية التي وقعت فيها أحداث الرواية، وثمة عتبات أو جمل مفصلية نستطيع أن نستشف منها زمن الفترة التي وقعت فيها أحداث الرواية، وهي عبارة عن أحداث محددة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، من مذكرات أو يوميات أو بوح سامية المهدي :
1 – ( تصادف وجود بعض رجال الحزب الحاكم من الأقاليم لحضور جنازة الفنان محمد عبدالوهاب ) ص 25.
والمعروف أن الفنان محمد عبدالوهاب توفى في يوم 4 مايو عام 1991م.
2 – ( قاد الحديث باتجاه الأنباء الواردة بشأن تفكك محتمل وانهيار الاتحاد السوفيتي بعد أحداث ليتوانيا الأخيرة، ومدى تأثر بلدان مثل العراق وسوريا بما يحدث ) ص 28
والمعروف أن الاتحاد السوفيتي انهار وتفكك رسميا في يوم 26 ديسمبر عام 1991م، وتم الاعلان عن حله نهائيا بعد استقالة الرئيس ميخائيل جورباتشوف، وتم انزال علم الاتحاد السوفيتي ورفع العلم الروسي.
3 – ( حياة أكثر من خمسين مليون مواطن هي الأهم بالنسبة لنا ) ص 28.
وكان عدد سكان مصر قد وصل إلى الخمسين مليون نسمة في العام 1990م.
4 – ( كنت مع وصيفتي في حفل داخل مكتبة عرب المحمدي تحت شعار القراءة للجميع، كان هذا الحفل نواة لمشروع قومي تشرف عليه سيدة مصر الأولى بنفسها ) ص 50.
ومشروع القراءة للجميع بدأ تحديدا عام 1991م.
5 – ( غرقت إحدى عبارات نقل الركاب في البحر الأحمر وعدد الضحايا يُقدر بالمئات ) ص28.
في ديسمبر عام 1991م غرقت العبارة سالم اكسبريس، وغرق المئات.
6 – ( استقبال الفوج الأول لجنودنا العائدين من حرب تحرير الكويت ) ص 37.
تم تحرير الكويت نهائيا في 26 فبراير 1991م.
7 – ( صُمم هذا المبنى بالأساس لإيواء الفارين من جحيم الحرب قبل أكثر من ثلاثين سنة ) ص57.
إشارة إلى هزيمة 1967، وبعد ثلاثين سنة، أي في العام 1997م
8 – ( كان يتحدث عن خلية إرهابية تم القبض عليها مؤخرا، ...، ما أصابني بالفزع بعد ذلك كلامه عن قائمة اغتيالات وُجدت بحوزة الخلية، كان على راسها رجب عودة، مع بعض الشخصيات السياسية في الحزب الحاكم ) ص 26.
وكانت حقبة التسعينات قد شهدت موجة إرهابية عنيفة، ويكفي أن نشير، كيف امتدت يد الغدر إلى كاتبنا الأكبر نجيب محفوظ يوم 14 اكتوبر عام 1994م، وظل يعاني من آثار هذه الطعنة الغادرة إلى أن توفاه الله، وكادت تودي بحياته، وذلك بسبب روايته ( أولاد حارتنا ) وقد أفتى مفتي الجماعة الإسلامية عمر عبدالرحمن بأن محفوظ زنديق وكافر وخارج من الملة، وأحلّ دمه، والشاب الذي طعنه وكان يعمل نجارا، عندما سأله القاضي في المحكمة : هل قرات الرواية، اجاب بالنفي، وقال بأنه استند إلى فتوى شيخه! وهذا يأخذنا إلى مدى تأثير هؤلاء المشايخ على عقول الناس وخاصة البسطاء ومن لم ينل منهم حظا من التعليم.
( لكن ما يزيد الأمر سوءا تعاقب الفتاوي التي تُلمح إلى تكفير الرجل وارتداده، ومن المؤسف أن هذا يزيد من اشتعال الموقف ) ص 27.
وقبل طعن محفوظ بعامين، كان قد أُغتيل الكاتب والمفكر فرج فودة على يد هؤلاء المتطرفين، وبسبب تلك الفتاوى، وأُغتيل في يوم 8 يونيو عام 1992م على يد عناصر الجماعة الإسلامية التي أفتى شيخها بأن فودة زنديق وكافر وخارج من الملة وأحل دمه.
ورجب عودة ليس بالضرورة أن يكون قرج فودة، ولكنه رمز دال على هذه الحقبة ( حقبة التسعينات من القرن الماضي ) – رمز المثقف العضوي الفاعل المستنير.
( هذا الرجل يسير وحده ضد تيار جارف من العمائم وأصحاب اللحي ومن وراءهم جحافل العوام يثقون فيهم ثقة عمياء ) ص 28.
ولعل من خلال هذه الإشارات الزمنية، نكون قد توقفنا على أحوال مصر في حقبة التسعينات من القرن الماضي، وأحوال العرب، وأحوال العالم، فصدام حسين ابتلع الكويت، وتفكك وانهار الاتحاد السوفيتي، وبزغ عصر القطب الواحد، وسادت الرأسمالية المتوحشة.
ولننظر إلى الزمن وكيف استطاع المؤلف أن يربطه بالحدث، فالزمن في هذه الرواية لا يسير في اتجاه واحد، وتتحرك فيه الأحداث في تسلسل وتتابع، ولكن الكاتب كسر سياق هذا الزمن المتتابع والمتسلسل من ماض فحاضر، ولجأ إلى الزمن النفسي، المتقطع، والمستدير، فاهتمامه انصب على محاولة كشف العوالم الداخلية لشخصياته، أكثر من وصف حركاتها الخارجية، فالزمن في هذه الرواية مثل ساعة البندول المتأرجحة، تارة إلى الأمام، وتارة إلى الخلف، مستخدما تقنية الاسترجاع ( الفلاش باك )، ويتداخل الماضي مع الحاضر، بل يمتد أحيانا إلى استشراف المستقبل.
.....................................................................
= وإذا قاربنا المكان، قالكاتب حدد تحديدا واضحا معالم مكانين، الهوة بينهما سحيقة، المكان الأول وهو ( فيلا القاضي ) بحي من الأحياء الراقية بالقاهرة، وهو حي الزمالك، ويعيش فيه صفوة المجتمع، وصاحب هذه الفيلا طبيب مشهور وثري ومن أسرة عريقة وسياسي، ويشغل منصبا كبيرا في الحزب الحاكم وهو الدكتور سعيد القاضي، ومتزوج من سامية المهدي، التي نقلنا من مذكراتها أو اعترافاتها منذ قليل، بعض الجُمل التي رأينا أنها مفصلية أو عتبات، عرفنا من خللها الزمن الذي تدور فيه أحداث الرواية.
= والمكان الآخر:
بناية في منطقة عشوائية، كان قد تم تخصيصها لإيواء الفارين من حرب 5 يونيو 1967م، ولكنها أصبحت ملاذا للهاربين والمطلوبين أمنيا ومحترفي الدعارة بجانب الفقراء، ومن أهم الشخصيات التي تعيش في هذه البناية سيد الوراق، الذي يعمل سائقا للدكتور سعيد القاضي، وابنته مديحة التي ذهبت لتعمل خادمة بفيلا القاضي، ولكن سرعان ما اصطفتها السيدة سامية المهدي لنفسها لتكون لها وصيفة، وأمها مغدورة، وسنية البيضا سيئة السمعة وابنها كريم الذي يُكنى باسم أمه والذي تزوج بمديحة الوراق التي تعيش معه في البناية.
إذن ثمة مقابلة بين مكانين/ طبقتين، طبقة في القمة وطبقة في القاع، وسكت الكاتب تماما عن الطبقة الأهم وهي الطبقة المتوسطة، وصمت الكاتب عن الطبقة المتوسطة أبلغ من أي كلام، لأن هذه الطبقة قد اندثرت بالفعل، فإذا كانت قد تكونت في مصر بعد ثورة 1952م، في ظل نظام اشتراكي، فإنها سرعان ما انهارت، وكان منحنى انهيارها أسرع بكثير من منحنى صعودها بعد 1952م، ومن المؤكد أن القارئ الحصيف سيتوقف كثيرا أمام غياب هذه الطبقة، وسيعود إلى الوراء، وإلى بعض القرارات التي أدت إلى إنهيار هذه الطبقة، وأخطر هذه القرارات قرار الانفتاح الاقتصادي غير المدروس، وقرار الصلح مع العدو، والتحول السريع والمفاجئ مائة وثمانين درجة، من نظام اشتراكي إلى نظام رأسمالي، وعودة الرأسمالية إلى أبشع مما كانت عليه قبل ثورة 1952م، لم يتم التحول بالتدريج، ولا بتهيئة الشعب لهذه التحولات، ومن المؤكد أن القارئ النابه والحصيف، سيعاود البحث في الأسباب التي أدت إلى هذه الأحوال المزرية في حقبة التسعينات من القرن الماضي، فالكاتب كان أمينا ودقيقا في رصد حقبة التسعينات، والتي اتسمت بالإرهاب، وصعود التيار اليميني والديني المتطرف، ويُحسب للكاتب موضوعيا وفنيا، سكوته عن هذه الطبقة، فتقلصت الطبقة المتوسطة وانكمشت، وزادت طبقة الفقراء والمهمشين، قلة فليلة في القمة تملك وتحكم، وأغلبية ساحقة تعيش تحت خط الفقر، وكان الكاتب موفقا عندما أعطى المساحة الأكبر في روايته للطبقة المهمشة.
والمكان هو البيئة التي يعيش فيها الناس، والإنسان كما يقولون ابن بيئته، والبيئة هي التي تعطيه ملامحه الجسدية والنفسية، وهو الذي يحدد أيضا سمات الإنسان، فالإنسان الذي يعيش في بيئة صحراوية يختلف عن الإنسان الذي يعيش في بيئة نهرية ويختلف عن الإنسان الذي يعيش في بيئة ساحلة، قالصحراء تنتج وتقدم الرعاة والبدو، والنهر يقدم لنا الفلاح، والبيئة الساحلية تقدم الصيادين، وفيلا القاضي بالزمالك تقدم لنا الساسة والحكام وصفوة المجتمع، وبناية الإيواء بالمنطقة العشوائية تقدم لنا شخصيات القاع والارهابيين.
= والمكان الثالث : الجبل.
الجبل كما يصوره كريم البيضا :
( الجبل مهيب، قاسية تضاريسه، أكسب أهله طباعا غليظة لاحت على النبرات والوجوه، الصحو المبكر حيلة ملحة لاستغلال النهار بأكمله، في الليل عتمة طاغية لا يقطعها إلا مشاعل الحرّاس ومصابيح الغاز القليلة لدي سيد الجبل والمقربين )
وأهم الشخصيات التي تعيش في الجبل، الريس عبدالكريم والد كريم وهو سيد الجبل، وكريم الذي يُكنى بكريم البيضا، وعساكر أخت سيد الجبل وعمة كريم، وسكان الجبل منهم من فر من السجن، ومنهم من هرب من حبل المشنقة، وآخرون متعلمون انفلبت حياتهم فجأة، ومن هرب من ثأر، والعلاقة بين سيد الجبل وسكان الجبل ( أقوى من صلة الدم والقرابة، هاربون معا ومصيرهم واحد ) ص 140
وعلاقة سكان الجبل بالعالم الخارجي :
( بعد أيام تناوب على الجبل المهنئون بسلامة الوصول، زارنا أناس تبدو عليهم الهيبة والوقار، وبدا لي أنهم من أصحاب السلطة والنفوذ، كما وفد إلينا وفد من عُمد القرى المجاورة، أما أغرب الزائرين فكان رجلا أجنبيا في مثل سن أبي، كنت أنا وسيد الجبل في مقدمة مستقبليه، .. ) ص 146.
والعلاقة بين سكان الجبل والعالم المحيط لم تعد كما كانت في الزمن القديم :
( لم نكن في حاجة للإغارة على القرى المجاورة كما فعل الأقدمون، الخوف وحده تكفل بهذه المهمة على أكمل وجه، عطايا الجيران متوالية تتدفق علينا من غير طلب، أحسنا إليهم كما أحسنوا، وكفيناهم شر عصابات المواشي وقطاع الطرق ) ص 149.
...................................................................
وسنحاول في عجالة أن نقارب شخصيات الرواية، وسنكتفي في هذه المقالة بمقاربة شخصية واحدة، وهي شخصية سامية المهدي.
= سامية المهدي :
فتاة جميلة، عاشت في طفولتها بين أبوين منفصلين، فتشتت وتوزعت بينهما، وفي شبابها عاشت بحرية كان يحسدها أقرانها عليها، وكان جمالها اللافت سببا لتعلق الدكتور سعيد القاضي بها، تخرجت في كلية الزراعة، واشترى لها زوجها درجة الدكتوراه من إحدى دول الكتلة الشرقية، لم تذق طعم السعادة مع زوجها غير عام، فاتجه بكل طاقته للعمل بالسياسة بجانب عمله كطبيب، وبزغ نجمه في عالم السياسة معتمدا على أمواله وبدعم من عائلته العريقة، أسس أكبر مستشفى للنساء والتوليد بالقاهرة، وشارك في عشرات المشاريع التجارية، ولما أحست بالوحدة والفراغ، سعى لها زوجها للعمل في إحدى المؤسسات المهمة، وسرعان ما تولت بفضل زؤجها منصب مرموق، تخطت به كل سبقوها بالعمل في المؤسسة، وكانت تتقاضى راتبا كبيرا دون أن تعمل، بل كانت لا تذهب إلى المؤسسة إلا نادرا، وقد أصابها الملل، فهي بلا عمل تقريبا، فأحست بالملل أكثر فاستقالت.
نصحها صديقها الكاتب والمفكر الكبير رجب عودة، بالقراءة، وبدأت تجد متعتها في القراءة، وأنجبت توأمين، محمد حصل على بكالوريوس الصيدلة وهاجر إلى أمريكا، وليلى حصلت على بكالوريوس الإعلام، وتعيش حياة مستقرة مع زوجها، وتقول عن زوجها سعيد القاضي :
( أهملني تماما إلا من بسط ظل سلطانه علىّ، أخضع أفعالي للقياس وفق معاييره، هذا ملائم، وهذا سيثير غضبه، وآخر سيتغافل عنه، أصبحت قطعة زائدة منه وتلاشيت أنا ) ص14.
وتقول :
( فررت منه إلى المعرفة والاطلاع، وشرعت في الكتابة، ولكنها تمنعت، .. ) ص 16.
ولما كانت وصيفتها مديحة الوراق قارئة جيدة، وحباها الله بموهبة الكتابة، أبرمت معها اتفاقا، تأخذ ما تجود به قريحتها، وتنشره باسمها، مقابل بعض المال، ولاقت كتابات سامية المهدي المزعومة حفاوة طيبة من القراء والنقاد على السواء، وخاصة صديقها المفكر والكاتب الكبير رجب عودة، وكانت مديحة الوراق أكثر سعادة بهذا الاتفاق، لحاجتها الشديدة إلى المال، فابتليت بطفلة مريضة، وبحاجة ملحة إلى جراحة عاجلة، ولن تنال هذه الجراحة في الخارج إلا بنفوذ الدكتور سعيد القاضي، فطالبتها بزيادة انتاجها الأدبي، وبلغت سامية المهدي في تلك الفترة الذروة، وتنهال على مسامعها عبارات الثناء المغلف بالغزل، وما أحوجها إلى هذا الغزل، فتقول :
( كنت في أشد الحاجة إلى هذا الغزل بعد أن نضب النبع الوحيد، وصل سعيد معي إلى رحلة الصمت التام، وتناسى كوني أنثى، حاجتي لهذه الكلمات لا تقل أهمية عن طموحاته السياسية ) ص 17.
وعن سلوكياته المشينة تقول :
( اندفعت من ذاكرتي نزواته النسائية دفعة واحدة، بعد دخوله عالم السياسة ترددت بعض الشائعات عن علاقته بصحفية شابة حديثة التخرج تدعى سوزان جلال، أصبحت بعد ذلك الإعلامية المشهورة سوزان الحلو، .. )
( كنت أخشى فقده بالرغم من إهماله المتعمد، وفي ذلك الوقت ... ربما خشيت فقد مكانة اجتماعية يحسدني عليها كل من يعرفني، يكفي ذكر زوجة سعيد القاضي، لتُفتح كل الأبواب المغلقة، .. )
وتسرد علاقته بأميرة توفيق، والهوانم ذوات الحسب والنسب، والممرضات، وراقصات شارع الهرم، ولكن أميرة توفيق تجاوزت مكانة ( مومس ) عابرة إلى عشيقة دائمة، وصندوق اسود لكل تفاصيله، هل ملت ساميه المهدي نزواته المتكرره وإهماله لها؟
تقول :
( أعيش مع رجل لا يمكن التنبؤ بما ينوي القيام به، لا يبالي بمشاعر من حوله ولا مشاعره هو نفسه، متحجر القلب كثير الصمت، قلما تجده سعيدا أو حزينا، عندما تنظر إليه تقودك ملامحه إلى اللاشيء، يصلح لأن يكون قائدا عسكريا يخوض معاركه بلا اكتراث بمن قُتل، يبحث عن هدفه فقط ولا شيء غيره، خصوصا مع النساء ) ص20.
هذا بعض من معاناة سامية المهدي التي أوردتها في يومياتها و مذكراتها وبوحها واعترافاتها، ولم يقتصر الأمر على الكشف على حياتها الخاصة، ولكن الأمر امتد للكشف عن خبايا الحكم والسياسة في تلك الحقبة ( حقبة التسعينات )، وكنا قد اشرنا إلى المسار السياسي ونحن نقارب الزمان والمكان في الرواية، من خلال بعض الجمل ( العتبات )، وسامية المهدي كانت تسترق السمع إلى الساسة الذين يلتقون أسبوعيا بالدور الأول بفيلا القاضي، وتتلصص عليهم أيضا من موقعها بالدور الثاني بالفيلا، فتختار المكان الذي يسمح لها برؤيتهم ورؤية كل ما يجري، وتتنصت أيضا على كل حواراتهم، ونقلتها في عدة صفحات، كشفت فيها كيف يتم الاتفاق مع الإسلاميين على توزيع الدوائر الانتخابية، والاتفاق مع الشيخ عمر البنا على ذلك، وكيف يتم التخلص من أي عضو حتى لو كان يملك شعبية جارفة، وتصعيد بدلا منه من ليس له أي رصيد شعبي، والحروب الخفية بين السياسيين، وكيف يكيدون لبعضهم، و المال ودوره القذر في السياسة، والسعي لمعرفة نقاط الضعف للسياسي، لتكون وسيلة ضغط، كما حدث للدكتور سعيد القاضي، المعروف بنزواته ومغامراته النسائية، فتم شراء سائقه سيد الوراق، وقواده أحيانا، فصوره بالموبايل وهو يمارس الرذيلة مع سيدة، وردة فعله على ما فعله سائقه، فتم اختطافه وضربه أسفل ظهره ضربات قوية وعنيفة، ليفقد رجولته، ولا يستطيع الجلوس او الوقوف، ظل راقدا يتأوه من الألم، وأجبرته سنيه البيضا على طلاقها، لتأتي بزوج جديد، ويكاد يموت ألما وغيظا وهو يسمع تأوهاتها وهي تتلوى تحت زوج أو عاشق جديد، فسنية البيضا تعشق الرجال، وسرعان ما تستبدل رجلا برجل آخر، إذا ما أحست بأن قدرته الجنسية قد ضعفت، وترصد حالات السياسيين السابقين أو المغضوب عليهم من النظام.
إن المسار السياسي في الرواية كان البطل في نقله هو الحوار، ولعب الحوار دورا فنيا رئيسا، وقد أداره الكاتب بمهارة وبراعة، ويستحق الحوار في هذه الرواية مقاربة مستفلة.
ونعود إلى سامية المهدي، وكيف صورها الكاتب للقراء، فصورها من الخارج تصويرا يليق بشابة جميلة وفاتنة، تعيش في حي راقي، ومتزوجة من طبيب مشهور وسياسي كبير له نفوذ جبار في البلد، هذا التصوير الخارجي المبهر لسامية المهدي، تناقض تماما عندما بدأ في تصويرها من الداخل، فهي إمرأة مأزومة نفسيا، ويمكن أن نرصد الاتي :
1 – انفصال الأب عن الأم منذ طفولتها، وكل منهما تزوج، وحيرتها بينهما.
2 – إهمال زرجها الطبيب والسياسي لها إهمالا تاما، بعد عام واحد فقط من الزواج، وبعد أن أنجبت له توأمين، ولم يقف الأمر عند عدم الاقتراب منها جسديا وحسب، بل يضن عليها بالكلمة، في الوقت الذي لا يكف فيه عن نزواته ومغامراته النسائية.
أنظر كيف كانت تبرر ذهابها إلى المناطق العشوائية :
( كدت أتقيأ من السائل المسكوب، ألقته سيدة مُسنة على وشك الاحتضار، تطل من شرفة صغيرة بالكاد تحملت ثقلها، نظرتُ لها بضجر ولم تبال، اكتفت بابتسامة نصر على الدخيل المتطفل على مملكتهم، اقترب طفل ثان، وتوالى آخرون، نهرهم رجل فانصاعوا له، أفسح لي الطريق مبتسما ونعتني ب " الوابور "، شكرته وأنا أفكر في معنى النعت المُبهم، توالت نظرات الاستغراب من الأجساد المتراصة على جانبي الطريق، بعد لحظات انهالت علىّ كلمات الغزل التي أسعى لاصطيادها دائما، لكن هذه المرة شابها بعض الألفاظ النابية، أظهرت بعض الامتعاض وداخلي يتراقص، كم كانت لذة الاستماع لمثل تلك العبارات من هذه الحشرات قريبة الشبه من الإنسان، عند منتصف الشارع شعرتُ ببعض الخطورة في التمادي، رجعت، تابعتني نفس الأعين وكُرر على مسامعي ما تلذذت به آنفا، دلفتُ إلى السيارة في حالة من النشوة تخطت ما تفعله بي أنفاس الحشيش .. ) ص 51.
وتكرر ذهابها لمثل هذه الأماكن، فتقول :
( ..، كنت أذهب خصيصا لسماع كلمات الغزل القبيح، لو علم سعيد ما يلقي سكان هذه الأماكن على مسامعي لحرقهم أحياء، ولو علم أنني أصبحت أتسول كلمات الغزل كالمراهقين لخجل من نفسه، أقبح ما سمعت كان وصفا إباحيا لمؤخرتي أطلقه احدهم وهو يفرغ مثانته تحت شجرة،رمقته بنظرة تشجيع فتمادى، شعرت بالخطر وأسرعتُ بالعودة إلى السيارة، .. ) ص 52.
والسؤال هنا : ما دلالة هذا السلوك؟ هل السلوك الذي تمارسه سامية المهدي مؤشر على أزمة نفسية، ويحتاج الأمر هنا إلى منهج التحليل النفسي، ليضئ لنا هذه النقطة، أم هي أزمة اجتماعية؟ أم الاثنين معا نفسية واجتماعية؟
أعتقد أنها تبحث عمن يعترف بها كأنثى بعد أن أهملها زوجها لسنوات، والغزل في بيئتها الراقية يكون بالتلميح والإشارة، أما في المناطق العشوائية يكون صريحا ومباشرا، وفجا غالبا، وفيه تأكيد على الرغبة المحمومة في الجسد دون مواراة أو مواربة، وهذا ما يمنحها شعورا قويا بأنها إمرأة مُشتهاة ومرغوبة، إنها تؤثر الذهاب إلى بيئة على النقيض تماما من بيئتها لتتحرر ولو قليلا وتعلن بعض التمرد، وتعوض النقص العاطفي والحسي الذي حرمها منهما زوجها بإهمالها المتعمد، وهي لا تريد أن تتمرد على زوجها، حتى لا تفقد مكانتها الاجتماعية، وخاصة أن تجربة انفصال والديها مازالت مؤلمة بالنسبة لها، واستماعها إلى الكلام الفاحش في المناطق العشوائية يعوض عندها الفراغ العاطفي والحرمان الجنسي التي لا تجده عند زوجها، وهي تعوض كل هذا الحرمان بالتلذذ بالغزل الفاحش والذهاب إلى هذه الأماكن ثم تعود دون خوف من عقاب، إنها الرغبة القوية والمحمومة في الاحساس بالأنوثة.
= موقف آخر أوردته في اعترافاتها، وهو منذ طفولتها تعشق الرقص عارية تماما أمام المرآة، وظل هذا الطقس يلازمها حتى صارت جدة، ولم يضبطها أحد قط وهي في حالة رقص عارية أمام المرآة إلا وصيفتها مديحة الوراق التي شاهدتها صدفة، فما دلالة هذ السلوك؟
هل الرقص العاري هو محاولة للتحرر من القيود؟ وهل هو محاولة للتصالح مع الجسد؟هل هو تمرد على التقاليد الاجتماعية؟
وما رمزية المرآة؟ هل المرآة يمكن أن تعكس الذات والنفس في صورة يمكن مجابهتها، وهل يمكن الوصول إلى الجوانب الخفية في أعماق هذه النفس؟ هل هو صراع داخلي عميق يتعلق بالجسد والأنوثة؟
هذا المشهد يثير العديد من الأسئلة، ويؤكد لنا أننا أمام كاتب لا يقف عند السطح ولا يقنع بالقشور والطلاء عند تقديم شخصياته، ولكنه يبلغ الطوايا والأعماق، ويقدم شخصيات قادرة على البقاء والخلود، مثل شخصية سامية المهدي.
هل شخصية سامية المهدي وحدها الجديرة بالمقاربة أم هناك شخصيات أخرى قادرة على الصمود والبقاء لآماد بعيدة، الشخصيات الأربع التي قدمها الكاتب ستعيش طويلا في الزمن، فهي تملك كل مقومات البقاء، سامية المهدي، مديحة الوراق، كريم البيضا، الدكتور رجب عودة،ولأنه من الصعب مقاربة كل شخصية على حده في هذه العجالة، سنكتفي بالإشارة فقط إلى شخصية الكاتب والمفكر الكبير رجب عودة، رغم أن الكاتب لم يعطه غير فصلين فقط موزعين على ( 9 ) صفحات، ولكنه كان حاضرا على امتداد الرواية كلها، وهو محور الارتكاز لحقبة التسعينات، وهو النموذج الأمثل للمثقف الواعي المستنير لتلك الحقبة، والعالم المتخيل الذي يقدمه لنا الكاتب ليس إلا موازاة رمزية لعالم حقيقي عاشه المصريين في تسعينات القرن الماضي، تلك الحقبة التي اشتد فيها وطأة الإرهاب، وحدث اغتيال الكاتب والمفكر رجب عودة، ولذا اتخذه الكاتب معادل موضوعي لقضية فكرية، أراد أن يوصلها لنا بشكل فني، فلم يكن الارهاب ظاهرة فردية، بل تجذرت جذوره في المجتمع، ورجب عودة لا يملك سوى القلم، والفكر، والرأي، والحجة، ولكن هذه الجماعات لا تريد مثل هذا الرجل، فهو الخطر عليهم، ومن ثم وجب تكفيره، ومن ثم قتله، ومن الذي قتله؟ إنه كريم البيضا زوج مديحة الوراق تلميذته، ومن محبيه ومريديه.
اعترافات كريم البيضا في مذكراته ويومياته، يجب دراستها بشكل مفصل، نشأته في بناية الإيواء، وأمه سنية البيضا الراقصة السابقة، وقصتها مع والده الثري الذي تعلق بها، وإصراره على الزواج منها على غير رغبة العائلة، وأنجابه منها كريم، وتحريضها له على ضرورة حصوله على ميراثه الشرعي، وعراكه مع عمه من أجل حصوله على الميراث، ومقتل عمه، وهروبة وبرفقته أخته عساكر إلى الجبل وأصبح سيد الجبل بلا منافس، عندما استقر به الأمر على الجبل، اختطف ولده كريم الذي صار صبيا من حضن سنيه البيضا العاهرة، وعهد به إلى أخته عساكر لتهيئه لحياة الجبل، وتزيل عنه آثار تربية سنية البيضا له، ووبعد ذلك راح يهيئه ليكون خليفته وسيد الجبل من بعده، وراح يكشف له عن بعض الأسرار.
( طاف بي على بعض المغارات المغلقة بمدخل حديدي، فتحها أمامي ورأيت ما في بطنها : صناديق خشبية امتلأت بمختلف أنواع الأسلحة، بداية من السلاح الأبيض مرورا بالمسدسات الصغيرة ووصولا إلى الأسلحة الآلية المنتشرة مع رجال الجبل، كان ذلك في المغارة الأولى والثانية، ثم كشف لي عن صناديق صغيرة بداخلها أوراق نقدية لم أر مثلها من قبل، قال إنها عملات أجنبية تفوق قيمتها نقودنا المحلية، وفي المغارة الأخيرة رأيت كراتين متماثلة الحجم تحتوي على ألواح بنية اللون،... ) ص134
وأدخله والده الريس عبدالكريم المغارة الأهم، هي الثروة الحقيقية : تماثيل وأوان وبرديات وحُلي تعادل أطنانا من النقود.
عاش كريم البيضا عدة حيوات :
الحياة الأولى طفولته والتي قضاها في حضن سنية البيضا في بناية الإيواء بإحدى المناطق العشوائية.
الحياة الثانية وهي سنوات قليلة عاشها في الجبل، وتعرفه على إبراهيم أبو النجا الذي يكبره بعشر سنوات، والذي قلب حياته رأسا على عقب وغير مجراها مائة وثمانين درجة، فإبراهيم أبو النجا هو الوسيط بين سيد الجبل وجماعته الإرهابية في شراء السلاح، وكان كريم البيضا الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولا يعرف كيف يصلي، في يد إبراهيم أبو النجا مثل قطعة الصلصال، شكله وهيأه تماما ليكون أداة لهم في السيطرة على الجبل، وأن يكون سيد الجبل منهم، وبعد اشتداد الضربة الأمنية لهؤلاء الارهابيين في صعيد مصر، وغير الصعيد أيضا، نجح في اقناع كريم بضرورة إيواء هؤلاء في الجبل، ونجح كريم في إقناع والده بإيواء هؤلاء، ولم يجد من أبيه معارضة تذكر، ولكن المعارضة الحقيقية لإيواء هؤلاء الارهابيين كانت من عمته عساكر، وجاءوا فرادى وجماعات، وأول شيء فعلوه بنوا مسجدا صغيرا، والكاتب يعرض أفكارهم، وكيف يتسللون بنعومة كالأفاعي حتى يتمكنوا، وفي ليل أسود قاتم بهيم داهمتهم قوات الأمن وقتلت من قتلت وأسرت من أسرت، ونجح إبراهيم أبو النجا وكريم البيضا في الهروب عبر مغارة ونفق كان مُعدا سلفا لسيد الجبل للفرار منه عند الخطر، لكن سيد الجبل قُتل وهو يقاوم.
الحياة الثالثة : بعد هروب كريم البيضا، عاد مرة اخرى إلى بناية الإيواء إلى سنية البيضا، وإلى ورشة النجارة التي كان يعمل بها وهو صبي، ولكن ثمة تغيرات كثيرة قد طرات عليه وعلى أفكاره ورؤأه، زوجته أمه من مديحة الوراق، وأنجب منها طفلة تعاني من مرض، ولا علاج له إلا بالسفر إلى دولة أوربية، وكان الأمل معقودا على الدكتور يسري القاضي والتي تعمل زوجته مديحة وصيفة لزوجنه سامية المهدي.
الحياة الرابعة : انتقال كريم البيضا وزوجته إلى بيت على أطراف أراض زراعيه، بيوت جديدة ومسجد جديد، فالجماعة الإرهابية جاءت لتعيش في هذه المنطقة النائية، ولا يعيش في المنطقة سواهم، ولا يقبلون بالغريب بينهم، ومن هذا المسجد ومن هذه المنطقة جاءت الأوامر بضرورة التخلص من الزنديق والكافر رجب عودة.
......................................................................
= القضية الجوهرية التي صورها الكاتب قضية فكرية، والصراع بين رجب عودة رمز الإستنارة وجماعة ظلامية مغلقة، ومسارات الأحداث تتلاقى وتصب في هذه القضية، والشخصيات تتحرك وتدور في فلكها، فسامية المهدي ومديحة الوراق تنحازان إلى رجب عودة، وتخشيان عليه، وتتبنيان رؤاه وأفكاره، ووقفتاا معه بكل قوة، وناصروه مع قلة في مناظرة مع شيخ من قادة هذه الجماعة الظلامية، وكريم البيضا التي استقطبته الجماعة الظلامية يقف ضده ويؤمن بأنه زنديق وكافر ومرتد بناء على فتوى شيخه الذي أحل دمه، وقام بالفعل بهذه المهمة.
= تعمق الكاتب في عرض القضية، وتعدد الأصوات والرواة في هذه الرواية منحها ثراء وجمالا، فتعددت الرؤى، وتم النظر لكل حدث من أربع زوايا على الأقلن من زاوية كل شخصية، وأيضا كان الخفي والمسكوت عنه في اعترافات سامية المهدي، ينكشف في اعترافات مديحة الوراق، واختفى الكاتب تماما، ومنح كامل الحرية لشخصياته في التعبير عما يدور في رأسها من أفكار، وما يصطرع ويشتجر في داخلها.
= جاءت بداية الرواية بداية قوية، ساخنة ومثيرة، وكانت هذه البداية الساخنة والمثيرة وسيلة طيبة لجذب القارئ، ووضعه داخل الأحداث، ووجه الكاتب جُل اهتمامه بالحدث، وتقليبه على شتى الوجوه، والنظر إليه من كل الزوايا، فكل شخصية كانت تنظر إلى الحدث من زاويتها هي، أنظر إلى بداية الرواية :
( فاتنة، سعيدة، جذابة، أنيقة
هذه أنا ..
الدكتورة " سامية المهدي ) ص 11.
هنا قد تهيأ القارئ عقليا ونفسيا لمتابعة السيدة الفاتنة، والسعيدة، والجذابة، والأنيقة، الدكتورة سامبة المهدي، ولكن الكاتب سرعان ما يكسر ( افق التوقع ) للقارئ، فيعقب هذه البداية فقرة تقول فيها الراوية :
( ولكن للأمانة، هناك ملاحظة بسيطة، يجب أن تسبق كل كلمة من الصفات السابفة ب" كنت " )
هنا سيتحول القارئ عن افتراضاته بعد أن يضع أمام العبارات السابقة كلمة كنت.
= وجاءت لحظة النهاية لتترك الانطباع الأخير لدي القارئ، ولتبقى في ذاكرته، فالدكتور رجب عودة هو من سعى إلى وزير الصحة لتسافر الطفلة إلى الخارج للعلاج، في الوقت الذي كانت فيه سامية المهدي قد تواطأت فيه بإعلان غير معلن مع زوجها سعيد القاضي باتخاذ ملف علاج الطفلة وسيلة لغاية، تختلف غاية سامية المهدي عن غاية زوجها، فسامية المهدي تريد أن يكون حافزا لمديحة الوراق للمزيد من الانتاج الأدبي الذي تشتريه منها، لتنشره باسمها، والدكتور سعيد القاضي يريد الثمن، والثمن هو جسدها، فكل منهما يريد الثمن، مستغلين مرض الطفلة، وحاجة الأم إلى الأموال، وانظر إلى نظرة سعيد القاضي لوصيفة زوجته التي في عمر ابنته، وإلى نظرة رجب عودة إليها، فعودة ينظر إليها بعين الأب، أما القاضي فينظر إليها بعين الذئب الذي يريد افتراسها والتهامها.
فكان الدكتور رجب عودة قد أرسل لها مظروفا :
( قرأت ما كُتب عليه : تمنياتي لك بحياة سعيدة بعد تعافي " سامية الصغيرة "
الدكتور رجب عوده
اطلعت على الأوراق، جاء " عودة " بما أعاد لطفلتي الحياة، لم أصدق عيني، تحقق الحلم وانتصر الضعيف، أشرت لطفلتي بالظرف، خيل لي أنها تبتسم وكأنها تعلم ما بداخله، احتضنتها بحنان، قبلتها ورقصت معها باكية، قطع بكائي وفرحي وابتسامتها نبأ عاجل عبر شاشة التلفزيون :
مقتل أحد منفذي الهجوم والقبض على الإرهابي الثاني حيا بعد مطاردة من الشرطة والمواطنين، تم التعرف على هوية المهاجم ويدعى ( كريم محمد عبدالكريم " وشهرته " كريم البيضا " ) ص 187.
= وبالنظر إلى لوحة الغلاف، نجد الصورة الأبرز والأوضح هي القلم، وهو رمز العلم والنور، وهذا القلم يجاهد بنوره في إزاحة العتمة التي تخيم على المكان، ويأتي الإهداء إلى ( إلى كل روح غادرت عالمنا غيلة ) وما أكثر الأرواخ التي غادرت عالمنا بسبب الإرهاب الأسود الذي كاد أن يأتي على الأحضر واليابس في حقبة التسعينات من القرن الماضي.
........................................................
وبعد
أرجو أن أكون في هذه القراءة قد نثرت بعض قطرات الضوء حول هذه الرواية البديعة، وهذه الرواية إضافة حقيقية للمكتبة العربية، وكاتبها قادر على إثراء الفن الروائي، فله خالص شكري ومحبتي وتقديري.
...................................................................
ورقة نقدية لمناقشة الرواية بنادي أدب كفر صفر بمحافظة الشرقية يوم الجمعة المصادف 23 يناير 2026م في تمام الساعة الرابعة مساء
مجدي جعفر
العاشر من رمضان
مساء الخميس 22/ 1 م 2026م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى