العقيد بن دحو - مسرح أم متحف؟

* - " ان المتحف يجعل الصليب يغدو أن يكون نحثا "

العبارة أعلاه تعود للكاتب الأديب الفرتسي (اوندريه مالرو) Andrè Malraux.
تشير بكبفية أو بأخرى عندما تعمد الرجل غير المناسب في المكان المناسب ، عندما تضع الأشياء و القيم في غير موضعها الاخلاقي الفلسفي و التاريخي ، عندما تعمد الى (متحف) المسرح و احالة المسرح الى متحف. حينها - على الرغم المسرح لعبة انسانية عميقة الجذور - يمكن (اللعب) في كل شيء إلا بالمسرح لأسباب جيواستراتيجية... هكذا علمنا منطق الحياة في الماضي البعيد مما قبل التاريخ ، و هكذا يعلمنا في الحاضر ...و هكذا سيعلمنا في المستقبل ، و من لا يقبل غير ذلك فليعش كالديدان تنضح من رطوبة الأرص.
هكذا علمنا التاريخ ، عندما يعيد الدور الهرتزي التواتري الجيبي (Sunisuidale) مرتين : مرة في شكل مأساة و تارة أحرى في شكل مسخرة ؛ ساعتئذ الوقت قد فات عن اتخاذ أية تعذية راجعة.
كم تنطبق هذه الحكمة أعلاه على بعض العروض المسرحية ، بل (المعارض) التي تعرضها بعض المسارح على بعض الجمهور ، بل قل على بعض الأشخاص المعدودين على رؤوس أطراف الأصابع.
جاعلة من المسرح (متحفا) لعرض خيبات و انتكاسة و نكوص أملها في أن تجعل (المسرح) فنا رابعا ، أبا الفنون ، الى ركح مقدس بالمعنى الأرسطي لعرض المسرحيات.
أطراف تؤدي وظيفة فصل الاداب و الفنون عن المجتمع. تريد تمارس (أدب الهروب) و (فن الهروب) ، (تمثيل الهروب) ، و (اخراج الهروب) الى ( المعرض) ، كنوع من الهروب بعد أن فشلت في اعداد نص تمثيلي جيد كامل متكامل ، بعد ان فشلت في اعداد ممثل ، فشلت في اعداد مخرج و بعد ان فشلت في استقطاب جمهور واع وازن ، شريكا في العملية الإبداعية برمتها
، تؤدي نوعا من انواع (العبث) ، و ليته كان نوعا من أنواع العبث / Absurdisme للكاتب الأديب الفيلسوف الوجوودي (ألبير كامي) Albert Camus في روايته الشهيرة " أسطورة سيزبف" Le mythe de sisyphe أو يسمى بالإغريقية الفصحى كما قال افلاطون (سيزيفون) ، أسطورة التمسك بالحياة و لو كانت بالشكل الذي يمارسه سيزبف ، عوقب بأن يرفع حجرا الى قمة جبل ، كلما أوشك أن يوصل الحجر ، يعود صعدا نحو الأسفل.
سيزبف يتمسك "بالأبدية" حتى ان كانت بهذا الشكل من العذاب ، المستنزف للحسد للروح للنفس مجبرا لابطل ...لكنها حياة !
ليتها كانت هذه المعارض تعوبضا عن العرض المسرحي.
المسرح بالأول و الأخير هو عمل ابداعي ميداني يؤدى شكلا و مضمونا على خشبة المسرح ، على الركح ، على مقام تمثال (أبولو) إله الشعر و الفنون أو على مقام تمثال الإله (أودوسيوس).
ح
ذاك أن حتى القرن الخامس قبل الميلاد كانوا الممثلون و الجمهور و القضاة و الكورس يؤدي أدواره حفاة عمد الإغريق احتراما للمقام و قدسية المكان.
ليس السيف كالعصا ، و ليس المسرح كالمتحف ، و ليس الفارس كالكومبارس ، و ليس الأصيل كالدخيل ، لا مجال للمقارنة . المتحف سجن للأثار النفيسة ، يوفر الرفاه و المتعة و التسلية في أنفس الزوار ، دون أن تمكن (التحفة) من الزائر أن يتخذ موقفا معينا.
بينما المسرح مرآة عاكسة تمكن الجمهور من أن يتخذ موقفا معينا في مجرى الزمن. تمكن المشاهد المتفرج أن يتحذ موقفا من الحياة ، و من لعبة المحاكاة بإتجاه الحياة نفسها تكفيرا و تطهيرا من أدران انفعالات النفس La catharsis ، و كذا التفكير و التغيير ، جراء تلك الفكرة التي تغير وجه المحيط ، بل تغير وجه العالم.
أما أن تعرض بعض بقايا نفايات أنقاض أرشيف الديكور ، و ألبسة المجاميع المسرحية ، و بعض الصور ، فهذه لا تنطوي و لا تبعث عن أية حوار ، بغية أن يعلم أو يمتع أو يهز !
جمع بعض الأنقاض التاربخية المسرحية داخل مسمى (معرض) لا ينطوي عن أي حوار و لن يكون معبرا عنه.
أن أحسن عمل يمكن أن يشاهده الجمهور هو فوق الركح المسرحي ، نصا دراميا مكتوبا قد تُرجم حوارا و أداءا ز ديكورا ، مؤلفا ، مخرجا ، ممثلا ، جمهورا أيضا ضمن لعبة انسانية عميقة الجذور ، مخرجاتها اعادة التوازن بين الإنسان و المحيط.
المسرح هو المسرح عرضا مسرحيا أٌسّه و أساسه الحوار Dialogue أولا ، و ليس (معرضا) Une exposition عبثيا يحول المسرح و العمل المسرحي الى (متحف) كبير مفتوحا على شتى الإحتمالات !.
المسرخ مصلى فني و قربى ثقافية حصارية يصلي و يعتنر و بحج و يصوم المؤمنون اليه من جميع الديانات و القبلئل و الشعوب ، معبدا دينيا ولغويا سياسيا ثقافيا فنيا ؛ منذ عهد الإعريق تُقام به و تشيّد صلوات الحياة ، الصّلة بين الممثل و الجمهور ، الصلة بين المحاكاة و الحياة ، الصلة بين ما هو مرئي و اللامرئي ، و بين ما يمكن ادراكه و ما لا يمكن ادراكه.
و من وراء هذا العالم ، عالم رهيب لا يمكن التعبير عنه إلا وفق المعادلات المسرحية زمانا و مكانا و حدثا و عظمة شخصيات و عظمة لغة و جلالة فكر.
المتحف حتى لا ننسى ، بينما المسرح يعلم الإنسان كيف يمكنه اعادة اعداد وعيه اتجاه ذاكرة المستقبل.
صحيح اذا كان الصليب داخل معبد ديني يدل على معتقد مذهب ديني ، بينما اذا أدخل متحفا كفيل أن بجعله يغدو الصليب أن يكون نحثا لا ينطوي عن حدس ما فشتان بين المتحف و المعبد ، شتان بين الصليب و المنحوثة ، و شتان بين العرض المسرحي ، و بين الهروب الى المعرض لتضليل الزوار و المسؤولين على أن العمل المسرحي على قدم و ساق... !
المسرح كفكرة و كعلبة ايطالية ، زمكانيا ليس فضاءا لإسترجاع الحدث و الحدس من ذاكرة مضت اركائكية و انما من ذاكرة مستقبل ، استشراف ، تجاوب وجوّاب ، تصادي ، تداعي افكار و تراسل حواس (ايكولاليا) Echolallia و (سونستاسيا) Senstassia . مسرج متصالح مع قوالب عصره ، متخندقا متفهما مع متطلبات جمهوره، مع حدوده الجغرافيا و الأوتثؤبولوجيا و السوسيولوجيا و السيكولوجيا الأوندراغوجيا ، مسرحا شجاعا لا يملى عليه من لدن أولئك الطفيليين ، أشباه المثقفين ؟ أنصاف المتعلمين ، و أشباح المتوهمين.
المسرح حرية و مساواة و دعوة ز دعاء و رجاء أمل ، و ليس واجهة زجاجية كما يريدونه أنصار (المعرض) أين يروق لهم عرض غسيل ملاءات حماقاتهم و سذاجاتهم البدائية.
صعب أن تكذب بالمسرح ، المسرح ثقافة و حضارة ، فرس صعب الترويض ، أن لم تكن فارسا يعيدك حيثما كنت أول مرة كومبارس رصيف حياة ، تسترق السمع ، غوغائي ، جلف سرمدي بلا بداية و لا نهاية .
المسرح معبدا دينيا ينظف نفسه بنفسه من الداخل ، أما من الخارج فإن الزمن لإله رحيم كما قالت الإغربق القدامى
المسرح موطن الفرح و السرةر و البهجة و موطن الحب ، غير أن اولئك (الأشباه الأنصاف الأسباح) الذين أرادوه متحفا (...) ، أرشيفا قبل أوانه ، ليخلوا لهم وجه التسيب و الميوعة و الإفلاس المعنوي ، ليعم الحزن و الشقاء و التعاسة ، و بالتالي لا تطلب من شقاء سعادة.
لن يبتسم (ڤينوس) في منزل كله دموع كما هو القول المثل الافلاطوني.
يكفينا (متحف الإنسان)MUSèe de L'homme
أين تعرض جماجم اجدادنا الميامين ، شهداء الجزائريين بمتحف فرنسا.
المسرح دعوة للتحرير و ليس متحفا لعرض حماقات الكبار السذج ، المسرح ان لم يكن ثوريا يدعو مجددا الى الوطنية و القومية ووحدة الصف في هذا الزمن المجنون الذي صار يحكمه المجانين ، الى الإنتماء فهو حقا معرضا ميكيافليا للصعود نحو الأسفل.
من حسن الحظ المسرح كما
عهدناه منذ الحضارة الإغريقية الى يومنا هذا ، ليس (هؤلاء) و إلا نقرأ على كل فن راق و جميل ، و لكل فكر ثواق السلام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى