إبراهيم محمود - شجرة ما " مسرحية في فصل واحد "

1768821716094.png
من عمل الفنان فابريس هيبر


" شجرة ضخمة، عالية، وذات ثمار، في لوحة جدارية ذات مساحة لافتة، وبألوان، تبرزها لوحةً فنية أكثر من كونها طبيعية.ثمة أربعة أشخاص يحيطون بها، هم أنفسهم على الأرض ببيوتهم الأربعة والمتجاورة، والشجرة في وسطها: فلاح، وموظف صغير، وعاطل عن العمل غالباً، وكاتب، متوسطو الأعمار إجمالاً "

المشهد الأول
" عيونهم على الشجرة، وأحياناً إزاء بعضهم بعضاً، وتارة صوب الصالة "

الكاتب: إيه، لو تعرفون كم يبلغ عمر هذه الشجرة؟
الفلاح: ما يهمني هو أنها لا تزال تثمر، وهذا هو المفيد فيها.
الموظف: هي كذلك، ولكنها تضيق علينا الطريق.
العاطل عن العمل: وما يهمني أمرها، إذا كانت لا تمنحني خبزاً، ولا تمنع عني وعن أولادي غائلة الجوع؟
الكاتب:هذا مؤلم. لا يُنظَر إلى الشجرة هكذا. بالطريقة هذه، يجب القضاء على كم كبير من الأشجار، إنها أبعد من أن تكون لصيقة بالمعدة. إنما بجمالها وتأثيرها الكبير في الطبيعة، وفي منحنا شعوراً بالراحة وهي بيننا ، وتكبر فينا، كما نكبر بها ومعها.
العاطل عن العامل: هذه هي طريقتكم في تجميل الأمور.. تتحدث لترضي نفسك، ولتستطيع الكتابة من خلالها، وما نفع كل ذلك لمن ليس لديه عمل؟ لمن هم مثلي تماماً؟
الموظف: أوافق جاري هذا في نصف ما يقوله على الأقل، والنف الآخر أتحفظ عليه، إذ كيف لجائع ولا يجد عملاً أن يتلمس في نفسه قابلية التفكير حتى في شجرة كهذه؟
الفلاح: وأنا أرى من جهتي أنها ما دامت تثمر، فهي مفيدة، وهذه من تجربتي شخصية وهي تصلني بأجدادي، كما كانوا يتعاملون مع الآرض وما ينبت فيها، وكما كان أجدادي هؤلاء يقولون عن كل نبات وصنفه.
الكاتب: أوووه..كيف تنظرون إلى الشجرة بالطريقة؟ هل فكرتم فيها عمراً وجمالاً في عطائها ودورها الطبيعي وبالنسبة لنا ونحن حولها؟ أنتم تقومون بعمليات حسابية، والشجرة ليست كما ترون وتحسبون يا جماعة.
أنا لا ألزمكم في أن تفكروا مثلي، إنما حين ننظر إلى أمر ما، من زوايا مختلفة، نجد أن هناك ما نغفل عنه، وهو الذي يضمن لنا راحة ما.

المشهد الثاني
" الفلاح والموظف ينظران إلى الشجرة واقفين، ويتحدثان بشأنها"

الموظف: أأتتذكر ما قاله كاتبنا البارحة؟
الفلاح: وكيف لي أن أنسى؟ لم أستطع استيعابه، ربما كانت وجهة نظره صحيحة بنسبة ما، أما أنا فلقد علَّمتني حياتي ألا أؤمن إلا بما هو عملي.
الموظف: أما أنا فقد أستوعبت الكثير مما قاله في معناه. الكاتب، ومن خلال بعض ما قرأت وسمعت، يعيش عالم خيالاته. والشجرة موضوع يشغله، ويهمه أمرها، طالما أنها تضمن له استمرارية في الكتابة، وفي كل مرة، ينتقل من خيال إلى آخر، وقد يوهم نفسه، أنه يقول الحقيقة التي لا يفهمها الآخرون.
الفلاح:تفكيري محصور دائماً في أعلاها، في أغصانها وهي تخضر وتتدلى منها الثمار. هكذا يكون تعاملنا مع الأرض. أي أرض. إننا نحرثها وننظمها ونزرعها ونسقيها ونحرص على سلامتها، لا حباً بها أبداً، وإنما لكي تقدم لنا ما قدمنا لها.
الموظف: الكثير من الحقيقة موجود في كلامك. انظر. أنا موظف ، موظف صغير، أمضي إلى العمل صباحاً وأرجع مساء، والمحصلة مبلغ زهيد من المال، لا يكاد يكفيني لأيام معدودات. أي معنى في الكرسي الذي أجلس فيه، والغرفة التي تسجَّل باسمي، وابتسامة المراجع، لأنهي معاملته، وتفكيري ينصرف إلى البيت ؟
الفلاح: أنا واثق أن هناك من يسخر مما نقول، ليس لأننا نقول خطأ، وإنما لا يريدون اعترافاً بالحقيقة، وربما لأنهم عالقون في الوهم الذي يراهم سبب سعادتهم، وهو سبب شقائهم، ولعله الخوف من العواقب في الاعتراف.
الموظف:انظر إلى هؤلاء الذين ينظرون إلينا" مشيراً إلى الصالة " تُرى هل هم يسمعوننا وهم ينظرون إلينا، أشك في ذلك، ربما الكثير منهم هاربون من ضيق نفسي، من حالة مشابهة لحالتنا، ويريدون التخفيف منها، فيأتون إلى مكان كهذا، وأنا أكاد أجزم أنهم ما أن يخرجوا، وربما قبل خروجهم، يعلّقون في قرارة أنفسهم على كل كلمة نقولها، وخارجاً، أكثر إيلاماً، ليوحوا أنهم على صواب.. يا لها من مأساة.. وهذه هي التي نسمّيها بشجرتنا، وما يتردد حولها.. ماذا وفَّرته لنا، لننظر إليها، كما تفضل كاتبنا بحديثه ذاك" قالها وهو يظهِر ابتسامة سخرية "
الفلاح: لنمض.. لقد كفانا هذا الحديث الذي زاد في وجعنا!

المشهد الثالث

" وحيداً أما باب بيته المشقوق والمتعرى كثيراً من دهانه، وعيناه مثبتتان على الشجرة، يكلم نفسه بصوت يقارب الهمس":
ماالذي قاله الكاتب؟ أي معنى لشجرته أكثر من كونها شجرة عادية، تزعج أكثر مما تفرح، لأناس مثلي؟
" ينظر إليها عالياً"
لعله ذكرني ونبَّهني بما أهملته. وهو التركيز على ثمرها. لماذا لا أقطفها، ولو في بعض منها، أطعم بها أولادي، وأبيع الفائض؟ من الذي يمنعني من ذلك؟ في الليل سيكون الوقت مناسباً، وأنا أساعد ابني الكبير على تسلقها. إنه بهلون، خفيف ورشيق، فيملأ كيساً في لحظات.. والثمار كثيرة.
" ينظر يمنة ويسرة "
ألا ألفت الأنظار في الحالة هذه؟ وماذا سيحصل؟ أنني سرقت؟ ماذا سرقت؟ ما لي فيه حصة؟ وأنا في الحالة هذه. يوم عمل، وأسبوع دونه. من يلوم الجائع إذا مد يده إلى مال، أو طعام، بدافع الجوع هذه وهو مضطر؟
لو أنهم مثلي، ربما كانوا سيفكرون بالطريقة نفسها. شجرة وجِدت، وعليها أن تقدّم المطلوب، وإلا فلتزال!

المشهد الرابع

" الأربعة يلتقون ليلاً، مشكلين دائرة، والجو هادىء، وليس أمام أنظارهم سوى الشجرة، التي تهتز في أعلاها، وهم ينظرون إليها بين الحين والآخر"
الكاتب: لقد قرأت ما كتبه والدي عن والده، أي جدي، وعن بعض الأحداث التي وقعت في زمانه..
العاطل عن العمل: هل وجدوا كنوزاً في جذع شجرة؟
الموظف الصغير" مبتسماً ، وناظراً إلى الكاتب: نعم، أفدنا بالمنتظر، ماذا حدث وقتها!
الكاتب: أتستخفّون بما أقول أليس كذلك؟ لابأس، نحن جيران منذ عقود من السنين، وهذه الشجرة" مشيراً إليها" شاهدة على ذلك و..
الفلاح " باتسامة لا تخلو من سخرية": وكيف للشجرة أن تشهد؟
العاطل عن العامل والموظف، معاً": نعم، نعم، ماذا تريد أن تقول؟
الكاتب" مبتسماً هو الآخر، ناظراُ إلى الشجرة بداية، ثم موزع نظره عليهم ثلاثتهم":
نعم الشجرة تشهد، وفي قدرتها أن تشهد..عندما يبصر أولادكم النور، وتقع أبصارهم عليها، ويلعبون في ظلهم، ويتدربون على التسلق من خلالها، وتمنحهم حبوراً وهم يتنقلون بين أغصانهم، وحتى وهم يقطفون ثماراً منها.. هل يمكن الفصل بين عمرهم هذا والشجرة؟ الشجرة كل واحد.. حتى إذا نشرتها في جذعها، تبقى الجذور، والظاهر من الجذغ، ودلالة هذا التجذر، والدرس الكبير والمفيد لنا لحظة تأملها.
العاطل عن العمل: هناك بدائل كثيرة، وليست الشجرة هي الوحيدة ؟
الموظف: أصبت يا جاري فيما قلت..
الكاتب" سريعاً" اسمعوا ما لم أقله بعد.. فيضانات كثيرة وقعت في أيامهم.. لولا هذه الشجرة وقد صعدوا إليها، وحملت الجميع بثبات جذورها وكبرها، ربما ما كنتم الآن هنا، بأسمائكم ووجودكم.. أكثر من ذلك، هبت عواصف كثيرة، ولم تفلح في تحريكها، وقد احتموا فيها، لا بل شعروا أن معنوياتهم تزداد حباً في البقاء من خلالها، فكانوا يتمسكون بها..
الفلاح: ماذا تريد أن تقول؟
الكاتب: ما أقوله، هو أن هناك أشياء لا تقاس بميزان الربح والخسارة.. عملياً تخسر، ولكن الحقيقة هي أنك تربح. كما هذه الشجرة.. إنها لا ترتبط في التقدير بمجرد الثمار.. وإنما بدورها في الطبيعة، وأي شعور تمنحنا في الاستمرارية.. بجذورها وجذعها، وأغصانها وأوراقها، وظلالها.. ألستم هكذا معها، فلما تنكرون؟
الموظف: يمكن أن يكون فيما تقوله صواب، ولكنك تبالغ و..
الكاتب:هل شاهدتكم كثيرين كانوا يحاولون ليس تسلقها وقطف ثمارها خلسة، وإنما وهم يحالون العبث بها، وحتى نشرها واستئصالها من جذورها، وكنتم أول من تخرجون لمطاردهم؟
العاطل عن العامل : هذا شيء آخر..
الكاتب: لا شيء لآخر.,إنما لأنكم شعرتم حينها أنهم بذلك يقتصون منكم، أو يسيون إليكنم.. هل أدركتم ما تجاهلتموه ؟
الفلاح: والله يا جاري العزيز.. هناك ما نبَّهتني إليه..ويلزمني بعض الوقت أستوعبه جيداً..
الكاتب: لست محامياً عن الشجرة" يقولها باتسامة لها معنى انتبه إليها جلّاسه "، إنها تمتلك القدرة بذاتها على الدفاع عن نفسها كثيراً، بسلامة جذورها، وقوة جذعها.
" ثم ملتفتاً إليهم، وناظراً فيهم الواحد تلو الآخر، ولأكثر من مرة "
هل قدَّرتم عمرها، كما قلت ذات مرة، وأي ويلات عاشتها وبقيت كما هي..؟ هكذا تكون العلاقة معها. هل فكرتم كيف ستكون صورتنا هنا، نحن جملة بيوتنا إذا استئصلناها؟ كيف يُهتدى إلينا، ونحن نُعرَف بها منذ زمان طويل؟ كيف سنملأ الفراغ الذي لا يقدَّر، حين، لا قدَّر الله، تغيب الشجرة عن الأنظار...؟
الموظف" ناظراً إلى من حوله ": لكن ذلك لا ينبغي أن تتجاهل بؤسنا، وكأننا في حرصنا عليها سنضمن وجوداً فيه ما يريحنا ويقصي عنا شبح الفقر والبؤس والقلق كذلك؟
الكاتب: لا أهديكم إلى طريق الرشاد.. فلديكم عقل وسلامة أفكار.. إنما التفكير في المصير..وهو أن الحفاظ على شيء ما، أكبر مما هو ماثل للنظر، أي حسي..خصوصاً حين يكون جامعاً بيننا، ويشدنا إليه، كما هو حال هذه الشجرة؟ أنا واثق تماماً أنكم أنتم أنفسكم تحملون حباً للشجرة، وأنتم تتظللون بها، وتسهرون عائلياً أسفلها، وتنظرون إلى صغاركم وهم يحالون تسلقها، وملؤهم مرح وشعور..هل فكرتم في ذلك؟

المشهد الخامس
" ينادي الكاتب جيرانه الثلاثة، فيخرجون سريعاً"

العاطل عن العمل: ماذا جرى؟
الآخران تباعاً: ما المستجد؟
الكاتب: ألم تسمعوا بعد؟
الموظف: ماذا؟
الكاتب: سمعت من مصدر موثوق، أن عاصفة قوية تهب نحونا، وعلينا أن نكون في كامل يقظتنا" قالها وعيناه على الشجرة؟ وهذه الشجرة تكون محط اهتمام الجميع.
الفلاح: وماذا في مقدورنا العمل في مواجهة عاصفة هوجاء كما تقول؟
الكاتب: في حالة كهذه لا نستخدم عمليات حسابية، إنما نلجأ إلى واجبنا الأخلاقي والاجتماعي، وهو كاف لأن يشعرنا، ويعلِم من حولنا حتى إلى البعيدين عنا، أننا ملتحمون بكل ما يخصنا..
" يجري سماع صوت العاصفة، وهي تقترب، ويتأكد ذلك من تزايد اهتزاز الشجرة من أعلاها بداية ، لاشعوريا يندقع الأربعة نحوها، ويحيطونها بأذرعهم، كما لو أنهم جزء منها، حتى مضي العاصفة وعودة المكان إلى هدوئه، لينظروا إلى بعضهم بعضاً، وقد ملأ وجوههم الغبار، وأدركوا أنهم أمضوا وقتاً في الثبات، من خلال وجع قدروه في احاتهم ؟

المشهد السادس

" الأربعة وهم يجلسون محيطين بالشجرة ومستندين إليها، وفي سيمائهم هدوء وانفراج أسارير"

العاطل عن العمل: لقد عملنا حسناً.، كما أظن.
الموظف: وشعرنا أننا قمنا بما يجب القيام به.
الفلاح: لعلها الشجرة التي علّمتنا بما لم نعلم بعد.
الكاتب:الرائع، هو أننا في وضع كذا، يمكن لأي منا أن ينظر فقي الجهة التي ينظر إليها، ويخبر الآخرين بأي طارىء، وبالطريقة هذه، ستكون هذه الشجرة شجرتنا جميعاً، ولا بد أنها لن تبخل علينا بالعطاء النوعي "

"النهاية "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى