تقديم
من الذي أقنعنا أن تحديث الشكل يكفي… ولو ضاع المعنى؟ من الذي قرر أن المنافسة تبدأ من تقليد الآخر… لا من فهم الذات؟ كيف صارت المسلسلات والسلسلات تُكتب لعينٍ خارجية… لا لوجدان هذا البلد؟ من الذي يوقّع قرارات تُبدّد المال العام على تجارب لا تشبهنا… ثم يطلب منا أن نُصفّق؟ ولماذا يُنظر إلى كل ما هو محلي وأصيل كأنه عبء يجب تجاوزه… لا قوة يجب البناء عليها؟ وأي معنى يبقى للإبداع إذا فقد لغته ونبرته وملامحه؟
أنا لا أرفض الانفتاح، لكنني أرفض أن يتحول إلى ذوبان. لا أرفض التعلم، لكنني أرفض أن يُقدَّم التقليد كابتكار. ما يحدث اليوم في التلفزيون والمسرح والسينما ليس مجرد اختيارات فنية عابرة، بل تعبير واضح عن أزمة رؤية. هناك من اختصر الطريق في النقل، وهناك من استسهل الاستيراد، وهناك من اعتقد أن الاقتراب من الآخر يمر عبر نسخه، لا عبر محاورته.
المشكل لا يبدأ من ضعف الإمكانيات… بل من طريقة التفكير التي تُديرها. هناك من اختصر “التطوير” في تحسين الصورة، فصار يطارد الكاميرا وينسى الفكرة، وهناك من اعتقد أن المنافسة تعني التشبه، فاستعار الإيقاع واللغة والشكل، ثم انتظر نتيجة مختلفة. تُصرف الأموال على قوالب جاهزة، تُستورد كما هي، وتُركّب فوق واقع لا يشبهها، فينتج عمل بلا روح، يُبهر لحظة ويُنسى سريعًا. في الظاهر نحن نُحدّث، وفي العمق نحن نُؤجّل السؤال الحقيقي: ماذا نريد أن نقول… ومن نكون؟ لأن الإبداع الذي لا ينطلق من بيئته يظل غريبًا، مهما كانت تقنياته متقدمة، ولأن الشكل حين يسبق المعنى يتحول إلى قناع، لا إلى رؤية.
في التلفزيون، تتكاثر المسلسلات والسلسلات التي تتحرك بإيقاع مستعار، شخصياتها لا تنتمي إلى بيئتها، لغتها مُعلّقة بين ترجمة باردة وكلام لا يُقال في الحياة، وحكاياتها تُبنى على قوالب جاهزة لا تلمس تفاصيل الناس ولا تقترب من وجعهم الحقيقي. المشاهد يُدعى إلى متابعة عمل لا يرى نفسه فيه، ثم يُلام لأنه غادر. الإيقاع سريع، الصورة لامعة، لكن المعنى غائب، والذاكرة لا تحتفظ بشيء.
في السلسلات، يتحول الاختصار إلى فخ، تتحول السرعة إلى ستار يخفي الفراغ، تُختزل الحكاية في لحظات متقطعة لا تترك أثرًا، وتُبنى النهايات كأنها واجب يجب إنهاؤه لا ذروة يجب بلوغها. كل شيء يُنجز بسرعة، إلا السؤال الأساسي: لماذا نحكي؟
في المسرح، تتكرر الأزمة بوجه آخر. تُرفع نصوص كأنها وثائق انتماء إلى مدارس بعيدة، تُستعاد تقنيات دون فهم سياقها، وتُقدَّم تجارب تظن أن الاقتراب من أسماء كبرى يكفي لصناعة عرض قوي. أنا لا أذهب إلى برلين لألعب بريشت، ولا إلى فرنسا لأؤدي موليير، ولا إلى إنجلترا لأُجسِّد شكسبير. هؤلاء ليسوا أقنعة نرتديها، بل عوالم وُلدت في شروطها. أتعلم منهم لأبني لغتي، لا لأفقدها. أقرأهم لأفهم، لا لأكرر. المسرح الذي لا ينطلق من أرضه… يظل معلقًا مهما بدا متقنًا.
في السينما، التقنية تتقدم بسرعة، لكن الفكرة تتراجع. كاميرات أفضل، إضاءة أدق، مونتاج أسرع، لكن السؤال يظل معلقًا: ماذا نقول؟ تُصنع أفلام تُبهر العين وتُربك الذاكرة، تُسافر إلى مهرجانات وتعود دون أثر، تُصفَّق لها لأنها حضرت، لا لأنها أثّرت. الصورة جميلة، لكن المعنى هش، والحكاية تُزيَّن بدل أن تُكتب بصدق.
المشكل ليس في الخارج، بل في الطريقة التي ننظر بها إليه. هناك من يراه أعلى فينحني، وهناك من يراه معيارًا فيقيس نفسه عليه، وهناك من يراه هدفًا فينسى طريقه. وهنا يظهر الدور الأخطر: مسؤولون فشلوا في الاختيار، فاختاروا الهروب. صرفوا أموال الشعب على تجارب غريبة عنا، موّلوا مشاريع بلا روح، وغطّوا ذلك بخطاب جاهز يتكرر: “تطوير الشكل… مواكبة التقنيات… الانفتاح على العالم”. كلمات كبيرة تخفي فراغًا أكبر، لأن أي تطوير لا يبدأ من الذات ينتهي إلى لا شيء.
أي تطوير هذا الذي يقصي ما نملك؟ وأي حداثة هذه التي تعتبر المحلي عبئًا؟ وأي انفتاح هذا الذي يمر فوقنا لا عبرنا؟ التامغربيت ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل مادة أولية للإبداع، لغة تتشكل في التفاصيل، إيقاع يُولد من اليومي، ذاكرة تحمل وجوهًا وأمكنة وحكايات لا يعرفها سوانا. حين تُقصى هذه المادة، يبقى القالب، مهما بدا حديثًا، فارغًا.
أنا لا أدعو إلى الانغلاق، ولا أحن إلى ماضٍ متجمد، بل أطالب بشيء واضح: أن نكون أنفسنا. أن نفهم أن العالمية لا تُستورد بل تُبنى، وأن الطريق إلى الخارج يمر عبر الداخل، وأن القوة ليست في أن نشبه الآخرين، بل في أن نجعلهم ينتبهون إلينا. الجمهور ليس ساذجًا، يعرف متى يُحكى له بصدق، ومتى يُستعرض عليه. يعرف الفرق بين عمل خرج من حياته، وآخر هبط عليه من شاشة بعيدة.
نحتاج إلى قرار يعيد الثقة لما هو محلي، لا أن يعامله كحل مؤقت. نحتاج إلى تلفزيون يسمع الناس قبل أن يتحدث باسمهم، إلى مسلسلات تستعيد حكايتها بدل أن تستعيرها، إلى سلاسل تُبطئ لتفهم بدل أن تُسرع لتُخفي، إلى مسرح يعود إلى نبضه، وإلى سينما تقول شيئًا قبل أن تُبهر. نحتاج إلى مسؤولين يملكون شجاعة الاعتراف قبل تكرار الخطأ، لأن المشكلة ليست في قلة الإمكانات، بل في طريقة استعمالها.
لسنا في حاجة إلى نسخةٍ أفضل من غيرنا، بل إلى أصلٍ يخصنا. لسنا في حاجة إلى مزيد من الصور اللامعة، بل إلى معنى يبقى. لسنا في حاجة إلى مزيد من الضجيج، بل إلى صوت يُشبهنا.
اللافتة:
من يشتري شكل الآخرين…
يبيع معناه دون أن ينتبه
من الذي أقنعنا أن تحديث الشكل يكفي… ولو ضاع المعنى؟ من الذي قرر أن المنافسة تبدأ من تقليد الآخر… لا من فهم الذات؟ كيف صارت المسلسلات والسلسلات تُكتب لعينٍ خارجية… لا لوجدان هذا البلد؟ من الذي يوقّع قرارات تُبدّد المال العام على تجارب لا تشبهنا… ثم يطلب منا أن نُصفّق؟ ولماذا يُنظر إلى كل ما هو محلي وأصيل كأنه عبء يجب تجاوزه… لا قوة يجب البناء عليها؟ وأي معنى يبقى للإبداع إذا فقد لغته ونبرته وملامحه؟
أنا لا أرفض الانفتاح، لكنني أرفض أن يتحول إلى ذوبان. لا أرفض التعلم، لكنني أرفض أن يُقدَّم التقليد كابتكار. ما يحدث اليوم في التلفزيون والمسرح والسينما ليس مجرد اختيارات فنية عابرة، بل تعبير واضح عن أزمة رؤية. هناك من اختصر الطريق في النقل، وهناك من استسهل الاستيراد، وهناك من اعتقد أن الاقتراب من الآخر يمر عبر نسخه، لا عبر محاورته.
المشكل لا يبدأ من ضعف الإمكانيات… بل من طريقة التفكير التي تُديرها. هناك من اختصر “التطوير” في تحسين الصورة، فصار يطارد الكاميرا وينسى الفكرة، وهناك من اعتقد أن المنافسة تعني التشبه، فاستعار الإيقاع واللغة والشكل، ثم انتظر نتيجة مختلفة. تُصرف الأموال على قوالب جاهزة، تُستورد كما هي، وتُركّب فوق واقع لا يشبهها، فينتج عمل بلا روح، يُبهر لحظة ويُنسى سريعًا. في الظاهر نحن نُحدّث، وفي العمق نحن نُؤجّل السؤال الحقيقي: ماذا نريد أن نقول… ومن نكون؟ لأن الإبداع الذي لا ينطلق من بيئته يظل غريبًا، مهما كانت تقنياته متقدمة، ولأن الشكل حين يسبق المعنى يتحول إلى قناع، لا إلى رؤية.
في التلفزيون، تتكاثر المسلسلات والسلسلات التي تتحرك بإيقاع مستعار، شخصياتها لا تنتمي إلى بيئتها، لغتها مُعلّقة بين ترجمة باردة وكلام لا يُقال في الحياة، وحكاياتها تُبنى على قوالب جاهزة لا تلمس تفاصيل الناس ولا تقترب من وجعهم الحقيقي. المشاهد يُدعى إلى متابعة عمل لا يرى نفسه فيه، ثم يُلام لأنه غادر. الإيقاع سريع، الصورة لامعة، لكن المعنى غائب، والذاكرة لا تحتفظ بشيء.
في السلسلات، يتحول الاختصار إلى فخ، تتحول السرعة إلى ستار يخفي الفراغ، تُختزل الحكاية في لحظات متقطعة لا تترك أثرًا، وتُبنى النهايات كأنها واجب يجب إنهاؤه لا ذروة يجب بلوغها. كل شيء يُنجز بسرعة، إلا السؤال الأساسي: لماذا نحكي؟
في المسرح، تتكرر الأزمة بوجه آخر. تُرفع نصوص كأنها وثائق انتماء إلى مدارس بعيدة، تُستعاد تقنيات دون فهم سياقها، وتُقدَّم تجارب تظن أن الاقتراب من أسماء كبرى يكفي لصناعة عرض قوي. أنا لا أذهب إلى برلين لألعب بريشت، ولا إلى فرنسا لأؤدي موليير، ولا إلى إنجلترا لأُجسِّد شكسبير. هؤلاء ليسوا أقنعة نرتديها، بل عوالم وُلدت في شروطها. أتعلم منهم لأبني لغتي، لا لأفقدها. أقرأهم لأفهم، لا لأكرر. المسرح الذي لا ينطلق من أرضه… يظل معلقًا مهما بدا متقنًا.
في السينما، التقنية تتقدم بسرعة، لكن الفكرة تتراجع. كاميرات أفضل، إضاءة أدق، مونتاج أسرع، لكن السؤال يظل معلقًا: ماذا نقول؟ تُصنع أفلام تُبهر العين وتُربك الذاكرة، تُسافر إلى مهرجانات وتعود دون أثر، تُصفَّق لها لأنها حضرت، لا لأنها أثّرت. الصورة جميلة، لكن المعنى هش، والحكاية تُزيَّن بدل أن تُكتب بصدق.
المشكل ليس في الخارج، بل في الطريقة التي ننظر بها إليه. هناك من يراه أعلى فينحني، وهناك من يراه معيارًا فيقيس نفسه عليه، وهناك من يراه هدفًا فينسى طريقه. وهنا يظهر الدور الأخطر: مسؤولون فشلوا في الاختيار، فاختاروا الهروب. صرفوا أموال الشعب على تجارب غريبة عنا، موّلوا مشاريع بلا روح، وغطّوا ذلك بخطاب جاهز يتكرر: “تطوير الشكل… مواكبة التقنيات… الانفتاح على العالم”. كلمات كبيرة تخفي فراغًا أكبر، لأن أي تطوير لا يبدأ من الذات ينتهي إلى لا شيء.
أي تطوير هذا الذي يقصي ما نملك؟ وأي حداثة هذه التي تعتبر المحلي عبئًا؟ وأي انفتاح هذا الذي يمر فوقنا لا عبرنا؟ التامغربيت ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل مادة أولية للإبداع، لغة تتشكل في التفاصيل، إيقاع يُولد من اليومي، ذاكرة تحمل وجوهًا وأمكنة وحكايات لا يعرفها سوانا. حين تُقصى هذه المادة، يبقى القالب، مهما بدا حديثًا، فارغًا.
أنا لا أدعو إلى الانغلاق، ولا أحن إلى ماضٍ متجمد، بل أطالب بشيء واضح: أن نكون أنفسنا. أن نفهم أن العالمية لا تُستورد بل تُبنى، وأن الطريق إلى الخارج يمر عبر الداخل، وأن القوة ليست في أن نشبه الآخرين، بل في أن نجعلهم ينتبهون إلينا. الجمهور ليس ساذجًا، يعرف متى يُحكى له بصدق، ومتى يُستعرض عليه. يعرف الفرق بين عمل خرج من حياته، وآخر هبط عليه من شاشة بعيدة.
نحتاج إلى قرار يعيد الثقة لما هو محلي، لا أن يعامله كحل مؤقت. نحتاج إلى تلفزيون يسمع الناس قبل أن يتحدث باسمهم، إلى مسلسلات تستعيد حكايتها بدل أن تستعيرها، إلى سلاسل تُبطئ لتفهم بدل أن تُسرع لتُخفي، إلى مسرح يعود إلى نبضه، وإلى سينما تقول شيئًا قبل أن تُبهر. نحتاج إلى مسؤولين يملكون شجاعة الاعتراف قبل تكرار الخطأ، لأن المشكلة ليست في قلة الإمكانات، بل في طريقة استعمالها.
لسنا في حاجة إلى نسخةٍ أفضل من غيرنا، بل إلى أصلٍ يخصنا. لسنا في حاجة إلى مزيد من الصور اللامعة، بل إلى معنى يبقى. لسنا في حاجة إلى مزيد من الضجيج، بل إلى صوت يُشبهنا.
اللافتة:
من يشتري شكل الآخرين…
يبيع معناه دون أن ينتبه