معتز صلاح - نقدٌ أكاديميٌّ معمّقٌ لمسرحيّة "حكاية من الحكايات" للكاتبة رانيا المهدي : بين بهاء الجماليّات وثِقل التحدّيات

مقدّمة: عَتَبَةُ النصّ وعَتَبَةُ العالم

تقف مسرحيّة "حكاية من الحكايات" للكاتبة رانية المهدي على عتبة مزدوجة: عتبة النص التراثيّ السّرديّ (ألف ليلة وليلة)، وعتبة الواقع العربيّ الرّاهن. إنها مغامرة كتابيّة جريئة، تنسج خيوطاً من ذهب الحكاية القديمة، لتُطَرِّزَ منها بساطاً درامياً معاصراً، يحمل في ثناياه همّ السلطة والحرية، وصراع الذاكرة مع آلة النسيان، ومعركة الكلمة الصادقة في مواجهة سيف التزييف. إنّها ليست مسرحيةً فحسب، بل هي استعارة كبرى للحالة الإنسانية في صراعها الأزليّ بين قوّتَيْ: قوّة الحقيقة الخشنة، وقوّة السلطة المُزيَّفة الناعمة.

---

الفصل الأوّل: جماليّات النصّ.. حيث يتنزّل الفنّ كالوحي

أولاً: البناء الهندسيّ المُحْكَم

ينبني العمل على هيكل مركّب متداخل الحكايات، يشبه صندوقاً صينيّاً (Chinese boxes) أو مرايا متقابلة. فهناك الإطار الحكائيّ الأعلى (شهرزاد وشهريار)، ثم حكاية السلطنة والغلباوي، ثم حكايات داخل تلك الحكاية (ماضي السيدة، قصص السوق، حكايات الأطفال). هذا التداخل لا يشوّش، بل يخلق تكثيفاً درامياً وطبقات دلاليّة تسمح بقراءات متعدّدة: سياسيّة، اجتماعيّة، وجوديّة، وميتافيزيقيّة.

ثانياً: لغةٌ تتأرْجحُ بين صَخر الفصحى ورمال العامّيّة

تتخذ اللغة في المسرحية أسلوباً هجيناً مُتقَصَّداً:

· في مشاهد القصر والحوارات الفلسفية: تعلو اللغة إلى فصاحة بليغة، تكاد تكون شعريّة، كما في خطابات صاحب الكتاب والغلباوي: "الكلمات تحمل الحقيقة... لا بد أن نكمل الطريق ولا نترك تضحيته تذهب سدى".
· في مشاهد السوق والجماهير: تنزل إلى العاميّة المُصَفَّاة، لتصنع واقعية مؤثّرة وتُجسِّد صوت الشارع المقهور: "فساد البضاعة وندرتها مع المال القليل... مشوار السوق أصبح مشقّة علينا جميعاً".
· في حوارات السيدة والجواري: تمتزج اللهجة الحواريّة مع نبرة التسلّط والخشية، مما يعكس التشقّق النفسيّ للشخصيّة.

ثالثاً: الرمزيّة: نُسُجُ المعنى تحت جلد الكلمات

هنا تكمن قوّة النصّ وعمقه الفلسفيّ. فالشخصيات ليست أفراداً، بل أنساقٌ رمزية:

· الغلباوي: هو الذاكرة الحيّة، والضمير الناطق، والحكاية التي ترفض الموت. ليس بطلاً خارقاً، بل شبه شبحٍ يعيش في الفتحات والجدران، كالحقيقة التي تعود دائماً من بين الأنقاض. اسمه (من الغَلَب) يشي بمصيره ورسالته.
· صاحب الكتاب: هو التاريخانيّ الأمين، وشاهد الزمن، وكاهن الحقيقة. كتابه هو الوعاء الأبدي للذاكرة الإنسانية. ظهوره من خارج الزمان والمكان يجسّد فكرة أن الحقيقة مطلقة، تتجاوز حدود اللحظة.
· سيدة القصر (صاحبة الأنف): هي السلطة المستبدة المبنية على عقدة النقص. أنفها الضخم ليس عيباً جمالياً فحسب، بل رمزٌ للغرور، والهشاشة النفسية، والرغبة في سدّ ذلك الفراغ بالهيمنة والقسوة. هي التجسيد المُروِّع لـ "الإرادة للقوّة" النيتشويّة المريضة.
· الكتاب: هو الذاكرة، التاريخ، الحقيقة المتعالية، العهد مع الإنسانيّة. صراع السيطرة عليه هو صراع على رواية العالم وتشكيل الوعي.
· السوق: هو الجمهور، الشعب، المسرح الحقيقي للأحداث، وميدان الصراع بين القمع والحديث الخافت.

رابعاً: تقنيّات مسرحيّة ذكيّة

يُظهر النصّ وعياً مسرحيّاً رفيعاً:

· التوازي بين المشاهد: مشهد القصر الفاخر المُظلِم، يقابله مشهد السوق المُكتظّ بالحياة والبؤس.
· توظيف الإضاءة والصوت: افتتاحية موسيقى "ألف ليلة"، الإظلام المفاجئ، الهزّة الأرضية (كرمز للانقلاب والقلق)، كلها تُسهم في بناء الجوّ الدراميّ.
· الانزياح بين الواقعي والخيالي: دخول صاحب الكتاب من "مركبة عجيبة"، حديث الغلباوي مع الجمهور مباشرة (كسر الإيهام المسرحيّ)، يجعل النصّ ما بعد حداثيّاً في وعيه بذاته.

---

الفصل الثاني: إيجابيّات العمل.. حيث يلمع الذهب الخالص

أولاً: نقدٌ لاذعٌ يقطع كالموس

لا تكتفي المسرحية بنقد الاستبداد السياسيّ المباشر، بل تتعدّاه إلى نقد الاستبداد اللغويّ والتاريخيّ. تفضح آليات صناعة الخوف: نقل السوق، الإعدام العلني، قطع الألسنة، تزييف الرواية. إنها تشريحٌ دقيقٌ لآلة الطغيان وكيفية عملها على ترويض العقول قبل الأجساد.

ثانياً: حوارٌ خلّاقٌ بين الموروث والراهن

استدعاء شخصيّة شهرزاد ليس زخرفاً تراثيّاً، بل إعادة تفعيل لدور الحكاية كسلاح. فكما أن شهرزاد أنقذت نفسها والنساء بالحكاية، فإن الغلباوي يحاول إنقاذ ذاكرة شعبٍ بالحكاية. هذا الحوار يخلق استمرارية في الوعي المقاوم عبر العصور.

ثالثاً: تعقيد الشخصيّات ونُبل الرسالة

لا توجد شخصيات "بيضاء أو سوداء". حتى المساعد، الذي يبدو جباناً طماعاً، تُعرض دوافعه (العيال، الفقر، الطمع) بشكلٍ يُثير التعاطف أحياناً. والغلباوي نفسه ليس معصوماً؛ فيه شيء من التهوّر والعناد. هذه النسبيّة الأخلاقية تُضفي مصداقية على العمل. وفي النهاية، تظلّ الرسالة الإنسانية ساطعة: أن الكلمة الحقّ أبقى من كل سيف، وأن الخلود الحقيقي هو خلود الحقيقة في سفر الذاكرة.

---

الفصل الثالث: سلبيّات العمل.. حيث يعترض الطريق بعض الحجارة

أولاً: إطالةٌ تُثْقِلُ كاهل الإيقاع

بعض المشاهد، وخاصة الحوارات الفلسفية الطويلة بين صاحب الكتاب والسيّدة أو الغلباوي (كما في المشاهد من 100 إلى 115)، تُشبه مناظراتٍ خطابيّةً أكثر منها حواراتٍ دراميّة متحرّكة. هذا قد يُفْقِدُ المسرحيةَ حيويتها ويجعل وتيرتها متعثّرة، خاصة للجمهور غير المتخصّص.

ثانيّاً: تحدّياتٌ تنفيذيّةٌ هائلة

النصّ يطالب بإمكانيات إخراجية خارقة:

· كثرة المشاهد والتحوّلات المكانية (القصر، السوق، داخل الجدار، خارج السور).
· الشخصيات الخارقة (صاحب الكتاب ومركبته، الغلباوي الشبح).
· المشاهد الجماهيرية الكبيرة.
· المؤثرات البصرية والصوتية المعقّدة (الهزّة الأرضية، ظهور الشاشات، الحروف المتجسدة). دون إخراج متمكّن وميزانيّة مناسبة، قد ينهار البناء البصريّ للعرض.

ثالثاً: خطر الانزياح وضبابيّة الرمز

كثافة الرموز وتعدّد طبقات الحكاية قد تُربك المتلقّي العادي. السؤال: هل هذه حكاية عن سلطة، أم عن عقدة نفسية، أم عن فلسفة التاريخ؟ قد لا يجد الجمهور العادي خيطاً واضحاً يتبعه، فيفقد التواصل العاطفي مع العرض.

رابعاً: بنيّةٌ دراميّةٌ متكرّرةٌ أحياناً

يبدو الصراع المركزي (الكلمة ضد القمع) مُعاداً في أكثر من مشهد بنفس الآليّة تقريباً: حديث سري – تهديد – صمت – ثم تحدّث جديد. هذا التكرار، ورغم انه يعكس واقع القمع الدائري، قد يُضعف من حدّة المفاجأة الدرامية.
خاتمة وتقييم: نص ماسي يحتاج إلى إطارٍ من ذهب
مسرحيّة "حكاية من الحكايات" هي عمل أدبيّ وفكري فذ، يضع الكاتبة في مصاف كتّاب المسرح الجاد صاحب اهتمام واحد وهو الإنسان . هي صلاةٌ مسرحيّةٌ على مذبح الحريّة والذاكرة. نصّها كالماس: قاسٍ، متعدّد الأوجه، يصدر عن كل زاوية ضوءاً مختلفاً.
التقييم النهائي: ٨٫٥ من ١٠
· ٩٫٥ للنصّ الأدبي والفكري من حيث العمق والبناء واللغة.
· ٧٫٥ للجوانب التنفيذيّة والدراماتورجيّة التي تفرض تحديات كبيرة.
توصيات للانتقال من النصّ إلى الخشبة
1. الاختصار الذكي: يمكن اختصار بعض الحوارات الفلسفية الطويلة، أو تحويل أجزاء منها إلى مونولوجات داخلية مصحوبة بحركة أو إيماءات، بدلاً من الحوار الثابت.
2. التجريد البصري: بدلاً من الديكور الواقعي المُكلف، يمكن الاعتماد على ديكورٍ تجريديٍّ ورمزِيّ (سلالم، أقمشة، إطارات، إضاءة معبّرة) لتمثيل القصر والسوق والجدار، مما يخفّف الأعباء الماديّة ويُعمّق البعد الرمزي.
3. وسيط سرديّ: يمكن توظيف شخصية شهرزاد (أو راوٍ) كوسيط يشرح التحوّلات ويربط بين المشاهد، لتسهيل متابعة الجمهور للخيوط المتعدّدة.
4. تعزيز البعد الإنساني: التركيز أكثر على المشاهد الحميمية التي تظهر تأثير الأحداث على الشخصيات البسيطة (البائع، الجارية، الأطفال)، لشدّ المشاهد عاطفياً قبل أن يذهب معه فكرياً.
5. برنامج العرض: يجب أن يصاحب العرض برنامج ورقيّ أو مقدّمة مسموعة تشرح باختصار الإطار الرمزيّ للعمل، لتكون بمثابة مفتاح للمتلقّي لدخول عالم النصّ.
بهذه الروح، يمكن لـ "حكاية من الحكايات" أن تتحوّل من نصّ مكتوب مذهل إلى حدث مسرحيّ خالد، يليق بعمق رؤيته وجماليّات بنائه، ويترك صداه في عقل وقلب المشاهد، كصدى الحكاية التي لا تموت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى