العيباري عبدالمجيد (شيخ الملحون) - أكاديمية المملكة: بين العرض الإعلامي والإخفاق التاريخي

في الصفحة 23 من مقدمة ديوان عبد القادر العلمي، يصرّح الدكتور عباس الجيراري بأن أكاديمية المملكة جمعت ما يقارب 6000 قصيدة لخمسمائة شاعر ضمن مشروعها لتوثيق شعر الملحون. تصريحٌ صيغَ آنذاك بوصفه إنجازًا وطنيًا كبيرًا، وأُعطي للرأي العام انطباعٌ بأن المغرب مقبل على حفظ كنز شعري نادر، وتقديم علمي متكامل يليق بقيمة هذا التراث.
غير أن الواقع جاء مغايرًا تمامًا، بل صادمًا. فبعد أكثر من عشر سنوات، لم يصدر عن الأكاديمية سوى أحد عشر ديوانًا لا تضم سوى 1092 قصيدة، أي أقل من ربع العدد المعلن رسميًا. أما ما يزيد عن أربعة آلاف قصيدة، فما يزال مصيرها مجهولًا، محتجزة في الأرشيف، بلا برنامج نشر، ولا تصور علمي، ولا التزام زمني.
الأدهى من ذلك أن ما نُشر لم يسلم من أخطاء جسيمة وتحريفات واضحة: نسب خاطئة، اضطراب في الترتيب، وغياب للصرامة المنهجية، ما جعل هذه الإصدارات أقرب إلى عمل شكلي ناقص، يفتقر إلى الدقة العلمية والشفافية الأكاديمية، ويضع الباحث والقارئ أمام مشروع مرتبك لا يرقى إلى حجم الادعاء.
أما المفارقة الأبرز، فتتمثل في أن الأكاديمية حققت هدفها الخارجي بسرعة لافتة: إدراج الملحون ضمن التراث الإنساني لليونسكو. هناك، عمليًا، أُسدل الستار. توقّف المشروع، وخفَتَ الاهتمام، وتحولت الدواوين المنشورة إلى مجرد واجهة رمزية، بينما ظلّ جوهر التراث—آلاف القصائد والنصوص—مهمَلًا، مركونًا في الظل.
وبناءً عليه، يمكن القول بوضوح لا لبس فيه: هذا المشروع لم يكن، في جوهره، مشروعَ توثيقٍ للتراث، بل عرضًا إعلاميًا موجّهًا للخارج، غايته تحقيق مكسب رمزي دولي، لا صيانة الذاكرة الشعرية الوطنية. استُخدم الملحون كوسيلة للإنجاز، لا كقيمة تستوجب الوفاء والاستمرار.
إن شعر الملحون، بوصفه إرثًا مغربيًا أصيلًا، يستحق أكثر من احتفاء عابر أو تصنيف شرفي. يستحق نشرًا كاملًا، وتحقيقًا علميًا صارمًا، ودراسة منهجية مسؤولة. أما استمرار الصمت، فلن يجعل مما صدر سوى قشرة واهية لمشروع مهمل، ودليلًا صارخًا على تقصير تاريخي لا يمكن تبريره.
لقد أنجزتُ بحثًا قائمًا على الإحصاء والمقارنة، وكشفتُ بالأرقام عدد القياسات في كل ديوان، غير أنني آثرتُ عدم إعلان النتائج في هذه المرحلة. وأترك السؤال مفتوحًا أمام من يقدّمون أنفسهم بوصفهم “أبناء الملحون الشرعيين”:
هل فيهم من يجرؤ على مواجهة الأرقام؟ أم أن الصمت، مرة أخرى، سيكون هو الجواب؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى